استقر الرأي عند علماء الشافعية أن تحرير المذهب بدأ بجهد الإمامين الرافعي والنووي، وذلك واضح من أعمالهما مطولة ومختصرة، ومن منهجهما الذي صرحا به أو رأيناه مطبقًا ملتزمًا في مصنفاتهما.
ولكن ألم يسبقهما أحدٌ من أئمة المذهب؟
أستطيع أن أقول: إن إمام الحرمين كان -فيما رأينا للآن- أولَ من عُني بتحرير المذهب، وذلك في كتابنا هذا (نهاية المطلب). صرح بذلك في مقدمته، والتزمه على طول كتابه؛ فقد كان يحكي الأوجهَ والأقوالَ كلها، ويميز ما هو من المذهب عما عداه.
بل عندما كان ينصر وجهًا أو يبدي احتمالًا على خلاف المذهب كان يبين ذلك بوضوح تام، ويقول: لكن المذهب كذا" أي غير ما يراه.
(وسنبين ذلك، ونؤيده بالأمثلة والشواهد في فصلٍ آتٍ بعنوان: منزلة نهاية المطلب وأثره، فلا نكرر ما سنقوله هناك).
_________________
(١) المذهب عند الشافعي: ٣٩ (بتصرف يسير) وهو عن الفوائد المدنية: ٢٠، ٢١ عن ابن حجر الهيتمي في الفتاوى: ٤/ ٣٢٤، ٣٢٥.
(٢) السابق نفسه.
[ ١٥٥ ]
¬استقرار المذهب:
ظلت آراء الشيخين ومؤلفاتهما المعين الوحيد الذي يستقي منه علماء المذهب وأئمتُه، لا يعرفون غير كتبهما، ولايقولون بغير آرائهما، وانشغلوا بمؤلفاتهما -وبخاصة النووي- اختصارًا، وشرحًا، ونظمًا، وتحشية، حتى يوفروا منها الزاد والري الذي يناسب مختلف الواردين: من الشُداة المبتدئين إلى الطامحين إلى الاجتهاد المنتهين.
وعلى طول القرون الثلاثة منذ وفاة الشيخين الرافعي والنووي في القرن السابع إلى القرن العاشر ظل الحال كما وصفنا؛ فقد كانت كتب الشيخين القطبَ الذي تدور حوله جميع التآليف، ومع ذلك لم يخل زمان من محقِّقٍ ينظر في كلام الشيخين، فيرجِّح بينهما إذا اختلفا، بل يخالفهما أحيانًا.
وحظي القرن العاشر بعددٍ من هؤلاء المحققين، جمعوا إلى تحقيقاتهم تحقيق من سبقوهم، من هؤلاء: شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، المتوفى سنة ٩٢٦ هـ
والخطيب الشربيني، محمد بن أحمد، شمس الدين، صاحب (مغني المحتاج) المتوفى سنة ٩٧٧ هـ.
والشهاب الرملي -نسبة إلى رملة المنوفية-، أحمد بن حمزة، صاحب (فتح الجواد)، المتوفى سنة ٩٥٧ هـ.
وابنه شمس الدين، محمد بن أحمد بن حمزة، كان يلقب بالشافعي الصغير، صاحب (نهاية المحتاج)، المتوفى ١٠٠٤ هـ.
وابن حجر، الهيتمي، أحمد بن محمد، والهيتمي نسبة إلى محلة أبي الهيتم، وتسمى الآن (الهياتم)، من قُرى دلتا النيل بمصر، صاحب (تحفة المحتاج) ت ٩٧٤ هـ.
هؤلاء المحققون وغيرهم كان لهم من الجهد ما يمكن أن نسميه التحرير الثاني للمذهب فقد أدى اجتهادهم إلى مخالفة الشيخين في شيءٍ من ترجيحاتهما؛ وانتهى الأمر إلى اعتماد (التحفة) لابن حجر، (والنهاية) للشمس الرملي، في حق من لم
[ ١٥٦ ]
¬يكن من أهل الترجيح، فمن كان من أهل الترجيح، والقدرة على النظر في الأدلة ووزنها وتقديرها، له أن ينظر في كلام الرافعي والنووي، فيرجح ويختار، كما اختار الرملي وابن حجر، ولا يجوز له أن يعدو الرافعي والنووي إلى من فوقهما؛ لما استقر عليه المحققون طوال القرون الثلاثة على أنه لا يجوز العدول عن قولهما.
فإذا لم يكن من أهل الترجيح، فكما قلنا: يلزمه اعتماد (تحفة المحتاج) لابن حجر، (ونهاية المحتاج) للشمس الرملي، لا يعدوهما، فإن اتفقا، فلا كلام، وإن اختلفا يختار أيَّهما، على خلافٍ فيمن هو أولى بالتقديم منهما بين علماء الشام وحضرموت، والأكراد، وداغستان (١)، وأكثر اليمن والحجاز الذين يقدمون ما في تحفة ابن حجر، وعلماء مصر الذين يقدمون ما في (النهاية) للرملي (٢).
على هذا استقر المذهب في مطلع القرن الحادي عشر واستمر الحال على هذا نحو ثلاثة قرون أو تزيد، أي إلى أوائل القرن الرابع عشر، في هذه القرون كان عمل علماء المذهب -بالدرجة الأولى- هو التحشية على كتب المحققين من علماء الطور السابق، وعُرف من هؤلاء:
* الشيخ عطية الأجهوري صاحب حاشية على شرح التحرير، وحاشية على شرح المنهج، وثالثة على شرح ابن قاسم. توفي ١١٩٠ هـ.
* والشيخ محمد الكردي المدني، صاحب حاشية كبرى على شرح الحضرمية لابن حجر الهيتمي، وأخرى صغرى وحاشية ثالثة على شرح الغاية للخطيب، وهو صاحب الفوائد المدنية فيمن يُفتى بقوله من أئمة الشافعية، وله فتاوى جمعت في مجلدين.
توفي سنة ١١٩٤ هـ.
* والشيخ البجيرمي، العلامة، الفاضل، المحدث أحمد بن أحمد بن جمعة البجيرمي، توفي سنة ١١٩٧ هـ.
_________________
(١) تأمل!! (علماء داغستان)، واسأل، لتعرف أن داغستان (الآن) ضمن الاتحاد الروسي، وانظر كيف كنا، وكيف أصبحنا.
(٢) الفوائد المكية: ٣٧، واقرأ (المذهب عند الشافعية)؛ ففيه تفصيل وبيان مفيد.
[ ١٥٧ ]
¬* والشيخ سليمان الجمل، سليمان بن عمر بن منصور، العجيلي نسبة إلى منية عجيل إحدى قرى الغربية بمصر، المعروف بالجمل، صاحب الحاشية المشهورة على تفسير الحلالين، وله حاشية على شرح المنهج. توفي ١٢٠٤ هـ.
* والشيخ عبد الحميد الشرواني " الداغستاني "، نزيل مكة، صاحب الحاشية المشهورة على تحفة ابن حجر، فرغ من تأليفها ١٢٨٩ هـ.
* الباجوري، العلامة الشيخ إبراهيم الباجوري، (نسبة إلى بلدة الباجور منوفية مصر)، له الحاشية المشهورة على شرح ابن قاسم الغزي.
* الشبراملسي (نسبة إلى شبراملس) قرية قريبة من قريتنا، فهو بلدُّينا من الغربية بمصر، وهو أبو الضياء، علي بن علي، صاحب حاشية على شرح ابن قاسم للورقات في أصول الفقه لإمام الحرمين، وحاشية مشهورة على نهاية المحتاج للشمس الرملي، توفي سنة ١٠٨٧ هـ.
* القليوبي، شهاب الدين، أبو العباس، أحمد بن أحمد بن سلامة القليوبي (نسبة إلى قليوب) شمال القاهرة، صاحب الحاشية المشهورة على شرح الجلال المحلي للمنهاج، طُبعت مع حاشية أخرى، واشتهرت: بقليوبي وعميرة، و(عميرة) هو شهاب الدين البرلسي المتوفى سنة ٩٥٧ هـ، أما قليوبي، فقد توفي سنة ١٠٦٩ هـ.
* ونختم بالعلامة خاتمة المحققين -بحق- أحمد بك الحسيني، شهاب الدين، أحمد بن أحمد بن يوسف، الحسيني المصري، صاحب كثير من المصنفات التي تشهد له بالمنزلة والمكانة في علمي الأصول والفقه، مع الإحاطة بفقه الواقع، ونور البصر والبصيرة، فمن ذلك:
إعلام الباحث بقُبح أم الخبائث (الخمر)، ودليل المسافر في مسائل قصر الصلاة والمسافات، وأحكام النية، وتحفة الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد، وغيرها من الكتب والرسائل، ولكن عمدة مؤلفاته هو (مرشد الأنام لبر أم الإمام) الذي وقع ربع العبادات منه في أربعة وعشرين مجلدًا، وقدم له في مجلدين كبيرين، توفي ﵀ سنة ١٣٣٢ هـ.
[ ١٥٨ ]