أتقن الشافعي اللغة، وشغل بها، وبروايتها، وبرواية الأدب والأشعار، ولكن قيض الله له من يَلْفته إلى ميدان آخر: إلى الفقه والحديث؛ فقد لقيه مسلم بن خالد الزنجي شيخ الحرم ومفتي مكة وهو خارج يطلب النحو، فدار بينهما حوار حكاه الشافعي بقوله: " قال لي: يا فتى من أين أنت؟ قلتُ: من أهل مكة. قال: وأين منزلك بها؟ قلتُ: بِشعب الخَيْف.
قال: من أي قبيلة أنت؟ قلت: من ولد عبد مناف. قال: بخٍ بخٍ؛ لقد شرفك الله في الدنيا والآخرة؛ ألا جعلت فهمك هذا في الفقه، فكان أحسن بك " وُيروى أن الذي وجهه إلى الفقه آخرُ غيرُ مسلم بن خالد، ولا مانع أن يكون هذا قد تكرر من أكثر من شخص.
كان الشافعي قد حفظ القرآن الكريم قبل أن يخرج إلى البادية، فيضيف إليه الإحاطة بلغة العرب وآدابها وأشعارها؛ فيصبح بهذا محيطًا بكتاب الله لفظًا ومعنىً، ولذا ما إن استجاب لتوجيه من وجهه، وجلس في حلقات الفقه والحديث حتى ظهرت مواهبه، فلم يمض كثير وقت حتى استحق الإمامة في الدين، فقد أجازه شيخ الحرم، مسلمُ بنُ خالد بالإفتاء، وكانت سنه نحو الخامسة عشرة!!!
ولا عجب في هذا، فالفتى قد عرف كتاب الله نصًا حينما حفظه عن ظهر قلب، وقد أحاط به استنباطًا حين حفظ اللغة، ووعى أشعارها وآدابها، وعرف تصرُّفَ العرب في لغتها، وهذه كانت أدوات الصحابة رضوان الله عليهم في فتاواهم، وقد رأينا الشافعي الإمام، وهو يُنظِّر لأصول الفقه، ويضع ضوابط الاجتهاد وشروطه يكتفي بهذا؛ فيقول:
[ ٩٩ ]
¬" من عرف كتاب الله نصًا واستنباطًا، استحق الإمامةَ في الدين " (١)
وقد علق إمام الحرمين على عبارة الشافعي هذه، قائلًا: " جمع الإمامُ المطّلبي الشافعي ﵁ الصفات اللازمة في المجتهدين في هذه الكلمة الوجيزة وكل التفاصيل التي قدمناها مندرجة تحت هذه الكلم " (٢).
قد يفُهم من هذه الروايات التي نصح فيها الناصحون الشافعي بالاشتغال بالفقه بأن ذلك كان بعد السنوات العشر التي قضاها في البادية، ولكن هذا غير صحيح؛ فقد صحت روايات عن الشافعي أنه قال عن اشتغاله باللغة، وإقامته بالبادية: " ما أردتُ بهذا إلا الاستعانة على الفقه ".
والذي لا يصح في العقل غيره أن الشافعي ما كان منقطعًا في البادية هذه السنوات العشر انقطاعًا متصلًا، بل كان يرواح بين الإقامة في مكة والارتحال إلى البادية، بل إن الروايات التي رُويت عن نُصحه بالاشتغال بالفقه توحي بأن ذلك كان أثناء اشتغاله باللغة والتردّد على البادية.
فالمراحل متداخلة، وليست متتابعة، وعلى هذا يمكن أن تُفهم هذه الروايات، فهو قد خرج أولًا إلى البادية لطلب اللغة، ولما اشتغل بالفقه -استجابةً لنصح الناصحين- وجد أن اللغة أَلْزم للفقه، فزاد اشتغاله بها، والارتحال من أجلها، وصح ما روي من قوله: " إنه ما أراد باللغة والشعر إلا الاستعانة على الفقه ".
فتكون السنوات العشر، أو الإحدى عشرة، قبل رحيله إلى الإمام مالك بالمدينة قد كانت بين حلقات الفقه، والارتحال إلى البادية. (جاء إلى مكة وهو ابن عامين ورحل إلى مالك وهو ابن ثلاثة عشر عامًا).