يطلق لقب (الإمام) مطلقًا بدون تقييد في كتب الشافعية، ويراد به إمام الحرمين، وهذا الإطلاق مبكرٌ جدًا، فقد رأيناه عند البغوي المتوفى سنة ٥١٦ هـ، فهل لهذا الإطلاق علاقة بما قام به من تحرير المذهب في كتابه هذا (نهاية المطلب)؟؟
أكاد أجزم بهذا؛ فلم تكن هذه الألقاب تطلق هزلًا، وإذا كان لقب (الإمام) إذا
_________________
(١) أدب الفتوى: ٨٣.
(٢) مشكل الوسيط لابن الصلاح بهامش الوسيط: ١/ ٤٧١.
(٣) طبقات السبكي: ٧/ ١٤٤.
[ ٢٣٥ ]
¬أطلق عند رجال أي مذهب، فمعناه مؤسس المذهب، فلا شك أن إمام الحرمين ما صار (الإمام) بعد الإمام الشافعي إلا لأن كتابه صار معتمد المذهب ومرجوعه، فهذه (إمامته للمذهب).
وإطلاق هذا اللقب على إمام الحرمين من الشيوع بحيث لا يحتاج إلى إثبات وتدليل. وقد كان شيوع هذا اللقب مبكرًا جدًّا؛ فالبغوي المتوفى ٥١٦ هـ عن ثمانين عامًا -فقد ولد سنة ٤٣٦ هـ- ويكاد يكون معاصرًا لإمام الحرمين؛ فقد كانت سنُه فوق الأربعين يوم وفاته، وجدناه يقول في (شرح السنة) عند الكلام عن حديث: " مطل الغني ظلم ": " قال الإمام: فيه دليل على أنه يجوز لصاحب الحق التشديد على المديون المليء بالقول" (١).
وبلغ شيوع هذا اللقب حَدًّا صار به علمًا على إمام الحرمين، فبين يديّ كتاب أدب القضاء لابن أبي الدم المتوفى سنة ٦٤٢ هـ، وقد ورد فيه ذكر إمام الحرمين، والنقل عنه والاستشهاد بكلامه نحو مائتي مرة معظمها بلفظ الإمام، على سبيل المثال جاء في ص ٤٨٤: " قال الإمام: وهذا عندي خطأ " وفي ذات الصفحة يقول: "قال الإمام: والمسألة محتملة مع ما ذكرناه" وفي الصفحة التالية ٤٨٥ يقول: " قلت أنا: هذا الخلاف بين الإمام والصيدلاني " وفي ذات الصفحة يقول: " وظاهر فحوى كلام الإمام " فهذه أربع مرات متتالية في صفحتين متتاليتين مما يشهد بأن ذلك اللقب صار (علمًا) على إمام الحرمين.
ونجد ابن الصلاح المتوفى سنة ٦٤٣ هـ -مع تحامله على إمام الحرمين لما بين المحدّثين والمتكلمين- في كتابه (مشكل الوسيط) جعل هذا اللقب (الإمام) علمًا على إمام الحرمين، كرر ذلك في كتابه مرارًا، في ثنايا تعقبه لمؤلف (الوسيط) أبي حامد الغزالي، وشيخه إمام الحرمين.
وكذلك نجد العلائي، خليل بن كيْكلدي المتوفى سنة ٧٦١ هـ يحكي في كتابه (جامع التحصيل في أحكام المراسيل) كلام إمام الحرمين في تعريف الحديث
_________________
(١) شرح السنة: ٨/ ١٩٤ وهذا عين ما قاله الإمام في النهاية.
[ ٢٣٦ ]
¬المرسل، ثم يعقب على ذلك قائلًا: " هذا كلام الإمام في البرهان " (١).
وفي أول كتاب العلم -باب فضل العلم- من فتح الباري يطالعنا قول ابن حجر: " وقد أنكر ابن العربي في شرح الترمذي على من تصدّى لتعريف العلم، وقال: هو أَبْين من أن يبيّن " قلت: وهذه طريقة الغزالي وشيخه الإمام أن العلم لا يحد لوضوحه أو لعسره (٢) "
وفي (المنثور) (٣) نجد قول الزركشي: "وقال الإمام في (الغياثي): أهم المطالب في الفقه التدزب في مآخذ الظنون في مجال الأحكام، وهو الذي يسمى فقه النفس" (٤).
وتجد الزركشي أيضًا في إعلام الساجد بأحكام المساجد يعرض لحكام الصلاة على سطح الكعبة والخلاف في ذلك، ويحكي رأي إمام الحرمين قائلًا: " وقال الإمام: لا شك أنه يجزئه في السطح (٥) " وجاء مثل ذلك في مواضع أخرى، على سبيل المثال: ص ٩٥، ٩٩ (٦) ونجده كذلك في (خبايا الزوايا) يذكره بالإمام مطلقًا في مواضع كثيرة: (انظر مثلًا: ص ٥٩، ٨٥، ٩٦، ١٥٩، ١٩٧ (٧».
_________________
(١) جامع التحصيل في أحكام المراسيل ت ٢٣.
(٢) فتح الباري: ١/ ١٤١.
(٣) المنثور: ١/ ٦٨.
(٤) الغياثي: فقرة: ٥٨٢.
(٥) إعلام الساجد: ٩٤.
(٦) ومما يذكر هنا أن المحقق الفاضل لم يعرف أن المقصود بالإمام هو إمام الحرمين، ولذا لم يذكر هذه الصفحات له في فهرس الأعلام.
(٧) وهم المحقق الفاضل أبو الفضل إبراهيم ﵀ في تحقيقه لكتاب (البرهان في علوم القرآن) للزركشي، حيث فهرس تحت لقب إمام الحرمين لفظ الإمام مطلقًا حيثما ورد في الكتاب، على ما جرت به العادة في كتب الشافعية، فقد جاء في كلام الزركشي (٢/ ٢٦٣) قوله: " واستشكله الإمام في تفسيره ". ففسر الإمام في الحاشية بأنه (إمام الحرمين)، مع أن المراد بلفظ الإمام هنا الإمام الفخر الرازي، فمن المعلوم أن لقب الإمام مطلقًا بغير قيد في كتب التفسير يراد به الإمام فخر الدين الرازي.
[ ٢٣٧ ]
¬أما شيخا المذهب الرافعي والنووي نجد هذا الإطلاق شائعًا في كتبهما، وبخاصة الشرح الكبير، والمجموع شرح المهذب، وروضة الطالبين، وبلغ شيوع هذا الإطلاق حدًّا لا يحتاج معه إلى إيراد نماذج، وذكر أمثلة، ومواضع وأرقام صفحات، فحيثما قلبت في هذه الكتب تجده أمامك.
وكذلك تجد هذا الإطلاق في مؤلفات السبكي التقيّ، والسبكي التاج.
كما تجد هذا أيضًا عند الخطيب الشربيني في الإقناع، وفي النهاية لولي الدين البصير، وتتابع على هذا أئمة الشافعية في كتبهم وشروحهم وحواشيهم.
وما ذكرناه مجرد أمثلة فقط. فحيثما وجدت لقب (الإمام) مطلقًا -في كتب مَنْ بعد إمام الحرمين- فاعلم أنه إمام الحرمين، وحذارِ أن تظن أنه الإمام الشافعي.
ومن أوهام الخواصّ في هذا الباب أن مصحح روضة الطالبين (١) -على فضله- قرأ قول النووي: ١/ ٢١٥: " قلت لم يجزم الإمام بأنه يكون على ذلك الخلاف، بل قال: في هذا تردد عندي "، فظن خطأً أن هذا الإطلاق يعني أن المقصود هو الإمام الشافعي، وواضح أن مثل هذا لا يكون من كلام الشافعي، فراجَعَ الشرحَ الكبير الذي هو أصل الروضة، وراجعَ المجموع، فوجد العبارة فيهما منسوبةً لإمام الحرمين، فغيّر عبارة النووي حتى صارت: " لم يجزم إمام الحرمين " وقال في الهامش: " في الأصل (الإمام) وقد صوّبتها من المجموع للنووي، والشرح الكبير للرافعي " ا. هـ.
والواقع أنه خطّأ الصواب، وأتى مكانه بمرادافٍ؛ فالإمام هو إمام الحرمين بعينه.
وهذا الوهم إلى هنا أمره محتمل غير خطير، ولكن تُرى ماذا فعل المحقق الكريم بما رآه من عشرات المرات للفظ الإمام، ولم يجد تصريحًا في مصدرٍ آخر بأن
_________________
(١) = ومما يسجل هنا أن الزركشي كان دقيقًا في استعمال هذا اللقب، فقد رأيناه في كتبه الفقهية يطلق على إمام الحرمين لقب (الإمام) مطلقًا، وأما في البرهان في علوم القرآن فاحتاط للأمر فذكر إمام الحرمين في كل موضع ورد فيه بهذا الاسم (إمام الحرمين) أو يقول: الجويني.
(٢) طبعة المكتب الإسلامي، فقد طبعت بعدها طبعة لا خير فيها، ولا ثقة بها.
[ ٢٣٨ ]
¬المقصود إمام الحرمين؟!! هل فسرها بأنها الإمام الشافعي؟ أم بأي إمام؟ إن هذا الوهم وأمثاله لو لم يتدارك، لقلب الموازين، وغيّر وبدّل، وسمى الأشياء بغير أسمائها، وذلك لعمري خلل عظيم.
عُدنا للحديث عن منزلة الإمام.
ولعل من أعظم الأدلة على شيوع وذيوع هذا اللقب (الإمام) وإطلاقه على إمامنا أنه انتقل إلى لسان أئمة المذاهب المخالفة، وتردد في كتبهم، فقد وجدنا صاحب مسلّم الثبوت (ابن عبد الشكور) المتوفى ١١١٩هـ -عند الحديث عن تعبد النبي ﷺ قبل البعثة، وهل كان متعبدًا بشرعٍ، أو بغير شرع- يقول: " ونفاه المالكية، وجمهور المتكلمين: فالمعتزلة قالوا: التعبد بشرعٍ مستحيل، وأهل الحق: غير واقع، وعليه القاضي، وتوقف الإمام (١) والغزالي " (٢).
وعند الحديث عن تعدد العلة وتعليل الحكم بأكثر من علة، يقول: " والإمام قال: يجوز التعدد عقلًا ويمتنع شرعًا " (٣).
والأبلغ من ذلك دلالة أن يذيع تلقيب الإمام بهذا حتى ينتقل إلى لسان أئمة فنون أخرى غير الفقه والأصول، والعلوم الشرعية كلها، فنجده عند أئمة اللغة، وفي كتبهم، فها هو ابن هشام في كتابه الفذ (مغني اللبيب) عند الحديث عن (الواو) ومعانيها يقول: " ونقل (الإمام) في (البرهان) عن بعض الحنفية أن الواو للجمع " (٤).
_________________
(١) ر. البرهان في أصول الفقه: ١/فقرة رقم: ٤٢٣، حيث يقول الإمام بالتوقف في هذه المسألة.
(٢) ر. شرح مسلم الثبوت: ٢/ ١٨٣.
(٣) السابق نفسه: ٢/ ٢٨٢، وانظر البرهان: ٢/فقرة رقم: ٧٩١، حيث يقول الإمام: " تعليل الحكم الواحد بعلتين ليس ممتنعًا عقلًا وتسويغًا، ونظرًا إلى المصالح الكلية، ولكنه ممتنع شرعًا " ا. هـ بنصه.
(٤) مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: ٤٦٤.
[ ٢٣٩ ]
¬ولم يكن لقب (الإمام) وإطلاقه عليه بغير تقييد هو وحده الذي عظّم به الشافعية إمام الحرمين، فأنت واجدٌ في كتبهم تعظيم الإمام شائعًا بأكثر من لقب، سواء وافقوه أو خالفوه، ويكفي أن نشير إلى نموذج يسير من ذلك، فها هو النووي يحكي كلامه في مسألة من مسائل المياه، فيقول: "قال إمام الحرمين، وهو عمدة المذهب " (١).
وعندما يردّ قوله ويخالفه يقول: "ومن أظرف العجائب قول إمام الحرمين هذا مع علو مرتبته، ونفوذه في العلوم مطلقًا (٢) ".
فمع هذا الرّدّ لقول الإمام إلا أنه لم يسعه إلا الإقرار بعلوّ مرتبته، ونفوذه في العلوم مطلقًا.
أما السبكي، فيسميه: "لسان المذهب ولسان الشريعة"، ونص عبارته:
" مسألة: اشتهر عن الشافعي ﵁ أن تَرْك الاستفصال في حكاية الأحوال، مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، وهذا وإن لم أجده مسطورًا في نصوصه، فقد نقله عنه لسان مذهبه، بل لسان الشريعة على الحقيقة أبو المعالي ﵁ (٣) ".
ولم يكن هذا -أيضًا- عند علماء الشافعية وأئمتهم، بل رأيناه عند المخالفين، بل أشدهم خلافًا، فقد وجدنا ملا علي القاري، وهو أحد أقطاب الحنفية، وأحد مجددي القرن الحادي عشر، شيخ الإسلام ببلد الله الحرام، وجدناه وقد ألف رسالة في الرد على إمام الحرمين في كتابه (مغيث الخلق (٤)، قال في مقدّمة هذه الرسالة (٥) عن إمام الحرمين: " لا شك أن مدار أصول الشافعية، وفروعهم عليه " فمع أن المقام مقام
_________________
(١) المجموع: ١/ ٥٤.
(٢) المجموع: ٦/ ٥٢٥.
(٣) ر. الأشباه والنظائر: ٢/ ١٣٧.
(٤) هذا الكتاب مزيف مدَّعَّى على إمام الحرمين، وقد صار عندنا من الشواهد والأدلة ما يقطع بذلك، فعسى الله أن ينسأ في الأجل، ويعيننا على إتمام هذا البحث، وإخراجه، فقد ظلم إمام الحرمين بسبب هذا الكتاب ظلمًا بينا من بعض المتعصبة.
(٥) مخطوطة بمكتبة الحرم المكي، عندي صورة لها، هدية من الأخ العلامة الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان عضو هيئة كبار العلماء في السعودية.
[ ٢٤٠ ]
¬تعصب مذهبي، وردٌ ومحاجة وخصومة، إلا أن منزلة إمام الحرمين لم تغب عن بال صاحب الرسالة، ﵁ وعن إمامنا، وكل الأئمة الأبرار.
ومن أئمة المذهب المالكي نجد الإمام ابن العربي يسمي إمام الحرمين (رأس التحقيق)، ومن عجب أنه يقول هذا في ثنايا ردّه على الإمام واختلافه معه. (انظر المسألة كاملة في أحكام القرآن: ١/ ٣٧٤).
ثم نذكِّر بأن حديثنا هذا هو حديث عن (النهاية) ومنزلتها، فالإمام إنما بلغ هذه المنزلة، واستحق هذه المكانة، وتحلّى بهذه الألقاب لكونه صاحب (النهاية)، ونقرّب ذلك بقولنا: إذا كانوا يقولون: إن الأسلوب هو الرجل، فلم لا نقول نحن هنا: " إن الكتاب هو الرجل ".
ومن جانب آخر حفظت لنا (النهاية) نصوصًا أصيلة لأئمة كبار، لم تصل إلينا مؤلفاتهم للآن، وتعتبر في عداد المفقود الذي ضاع من تراث أمتتا، مثل مؤلفات ابن سُريج، وابن الحداد، وأبي علي السنجي، والقفال، وصاحب التقريب وغيرهم، احتفظت لنا (النهاية) بكثير من هذه النصوص، بل أهمها، أعني ما هو موضع المناقشة والاستشهاد، أو المخالفة والردّ من أقوال الأئمة الأعلام.
بقي أن نعرض لقضية اتصال كتب الغزالي (بنهاية المطلب) وابتناؤها عليها، ومع أن ذلك معروف يتردد بوضوح في كتب المذهب الشافعي، ولا يحتاج منا إلى إثبات، ولكن الذي يدعونا إلى ذلك، أن علمًا من أعلام الفقه في عصرنا، وهو من الأثبات الذين يعتد برأيهم، ويستمع لقولهم، ناقش في ذلك ذات يوم قائلًا: " إنه رجع إلى (وسيط الغزالي)، فلم يشعر بأن الغزالي يعتمد على إمام الحرمين، أو ينقل عنه ".
ومن أجل ذلك نقول: إن مما يؤكد ذلك، ويشهد به أدلةٌ وشواهد، لا تقع تحت حصر وعدٍّ منها:
* إن ذلك شاع وذاع عن الغزالي حتى أُوخذ به، وعيب عليه، كما نقله طاش
[ ٢٤١ ]
¬كبري زاده، بعد أن ترجم له وعدّد مناقبه ومؤلفاته (١) - قال:
" ومع هذا الفضل الغزير لم يسلم من قيل وقال، حتى خوطب بأنك ما عملت شيئًا: أخذت الفقه من كلام شيخك، يعني إمام الحرمين في (نهاية المطلب) والتسمية لكتبك من الواحدي (٢) " ا. هـ وبلغ من ذيوع ذلك القول أن الزركلي جزم به في الأعلام، فقال في ترجمة الواحدي، بعد أن عدد أسماء كتبه: " أخذ الغزالي هذه الأسماء وسمى بها تصانيفه ".
وقد ذكر هذه العبارة الصفدي في الوافي، وزاد عليها: " ويقال: إن (نهاية المطلب) لإمام الحرمين، كانت زُبر حديد، فجعلها الغزالي زُبر خشب " (٣).
* إن النووي في المجموع أكثر نقلًا عن (النهاية) وإمام الحرمين، وإذا ذكر الغزالي، أو كتابه البسيط، يذكره تبعًا لإمام الحرمين، ونهاية المطلب، وعباراته عن ذلك غالبًا -بل دائمًا- " اختاره الإمام، والغزالي في البسيط ".
* إن ابن الصلاح والنووي في تعقباتهما للغزالي -في مشكل الوسيط والتنقيح- يقولان -غالبًا- وهذا أخذه عن شيخه في (النهاية) وكأنهما يورّكان بالخطأ على إمام الحرمين، ويحمّلانه خطأ الغزالي فيما تعقباه فيه.
* ومما يشهد، بل يؤكد اختصار (البسيط) (للنهاية) ما قاله النووي في المجموع: ١/ ١٤٦، وسلك إمام الحرمين طريقًا جامعًا مبسوطًا في هذه المسألة، ثم " اختصره الغزالي في البسيط "، فقال:
وذكر عبارة الغزالي، وعند مقارنتها بعبارة النهاية وجدنا الاختصار واضحًا جليًا.
* وأكثر دلالة، وأوضح عبارة قول ابن الصلاح، وهو يتعقب الغزالي في واحدة
_________________
(١) مفتاح السعادة ومصباح السيادة: ٢/ ٢٠٢ طبعة حيدر آباد، عن عبد الرحمن بدوي - مؤلفات الغزالي: ٤٧٩.
(٢) الواحدي، علي بن أحمد بن محمد بن علي، أبو الحسن الواحدي: مفسر، عالم بالأدب، مولده ووفاته بنيسابور، له البسيط والوسيط والوجيز كلها في التفسير توفي ٤٦٨ هـ (الأعلام للزركلي، وانظر النجوم الزاهرة: ٥/ ١٠٤ وطبقات السبكي: ٥/ ٢٤٠).
(٣) الوافي بالوفيات للصفدي: ١/ ٢٧٤.
[ ٢٤٢ ]
¬من مسائل الوسيط: " وهذا مشكل غير مذكور في (البسيط) وأصله وهو (النهاية (١» ".
وقوله في موضع آخر: " كذا وقع في (الوسيط) و(البسيط) وفي أصلهما (نهاية المطلب (٢» " فهذا نصٌّ في القضية.
* وتستطيع أن ترى هذا بعينك إذا وضعت (النهاية) و(البسيط) بين يديك، ونظرت المسألة الواحدة فيهما، فعلى سبيل المثال لو عرضنا مسألة من مسائل النذر، وهي قوله: " لله علي أن أصوم يوم يقدم فلان ".
لو عرضنا هذه المسألة بحروفها في نهاية المطلب، وكذلك بحروفها في (البسيط)، لوجدنا التأثر واضحًا تمامًا، لا يحتاج إلى تعليق، فما قدم به الإمام للمسألة من تأصيل قدم به الغزالي بنفس الألفاظ تقريبًا، ثم في عرض صور المسألة وتفريعاتها تجد الترتيب هو هو (٣).
* وبعد أن كتبنا هذا، ورتبناه، حصلنا على صورة غير مبتورة للجزء الأول من مخطوط (البسيط)، فوجدنا الغزالي يقول في خطبة الكتاب: " وجعلته حاويًا لجميع الطرق، ومذاهب الفرق القديمة والجديدة، والأوجه القريبة والبعيدة، ومشتملًا على جميع ما اشتمل عليه مجموع إمامي إمام الحرمين أبي المعالي قدس الله روحه " وبهذا "قطعت جهيزة قول كل خطيب".
* ومع كل ذلك نقول: إننا لا نريد أن نثبت أن الغزالي مجرد ناقلٍ لفقه إمام الحرمين -حاشاه-، فلم يأخذ النهاية عفوًا صفوًا، وكيف يصح هذا في عقل عاقل، والغزالي هو من هو، إن عمل الغزالي في إعادة صياغة (النهاية)، وترتيبه المسائل والفصول ترتيبًا منطقيًا، وبناء بعضها على بعض، ليس عملًا هينًا، بل يحتاج إلى عقلٍ
_________________
(١) ر. مشكل الوسيط، مطبوع بهامش الوسيط: ١/ ٣٢٢ - ٣٢٣.
(٢) السابق نفسه: ١/ ٤٨٣ - ٤٨٤.
(٣) هممت أن أعرض النصين، فوجدت ذلك يستغرق نحو عشر صفحات، فلم أشأ التطويل والإثقال، فراجع ذلك إن شئت.
[ ٢٤٣ ]
¬واعٍ وفكر ثاقب، وذهن متوقد، وقدرة على الإحاطة الشاملة الكاملة بالأبواب والفصول، وإدراك ضوابطها، ومعاقدها، ومفاصلها.
ثم إن الغزالي له مع ذلك زياداته، واختياراته.
فالقول بأنه اختصر (النهاية) في (البسيط) لا يقدح في منزلته، ولا ينال من علو منصبه، وارتفاع مرتبته.
ونوجز ما قلناه عن منزلة النهاية ومكانتها فيما يأتي:
- إن الإمام حدد الغاية التي يتغياها من تأليفها بقوله: إنه أرادها تهذيبًا للمذهب، وسماها اسمًا يشعر بمضمونها.
- ثم التزم ذلك منهجا له على طول الكتاب، يذكِّر به، ويجدد العهد بالتزامه من حين لآخر.
- وقد عرف رجال المذهب ذلك، فسمَّوْها (المذهب الكبير).
- وبها عرفوا قدر مؤلفها، فسمَّوْه (الإمام) مطلقًا.
- ثم قد حفظت لنا نصوصًا لأئمة كبار لم نعرف عنها شيئًا للآن.
- وعليها بنيت كتب المذهب، حتى استفاض بين أئمته القول: " منذ ألف الإمام كتابه (نهاية المطلب) لم يشتغل الناس بغير كلامه ".
***
[ ٢٤٤ ]