صرفتُ النظر عمدًا عن لفظ (النهضة) الذي يستخدمه الباحثون المعاصرون كافة في هذا المقام، حيث يقولون: (النهضة الفقهية المعاصرة)؛ وذلك أن هذا الوصف بـ (النهضة) يأتي معبرًا عن ثقافة فاسدة، ومفاهيم مغلوطة، تقوم على أن عالمنا العربي والإسلامي كان في تخلف وانحطاط (كذا، بهذا اللفظ يصفون عالمنا منذ القرن السابع الهجري)، ولم نستيقظ، ولم ننهض إلا بعد أن أخذ بيدنا الغرب.
فقد كانت كتب التعليم -وأظنها ما زالت- تضع عنوانًا رئيسًا يقول: (عصر الضعف والانحطاط) (١) ويدرّسون تحت هذا العنوان الفترة التي تبدأ من سقوط بغداد سنة ٦٥٦ هـ إلى غزو نابليون للشرق.
ثم تطالعنا هذه المناهج بعنوان آخر يقول: (عصر النهضة) (٢) وتبدأ هذه النهضة بغزو نابليون للشرق (٣)، فقد صوروا لنا هذا الغازي المبير الذي سفك دماء العباد، وخرب البلاد، واتخذ من الأزهر اصطبلًا لخيوله، صوروا لنا هذا الغازي، الصليبي الحاقد بأنه جاءنا بالحضارة والتنوير، وأخذ بيدنا نحو الرقي.
ليس هذا استطرادًا، ولا بعيدًا عن الفقه -الذي هو موضوعنا- ذلك أن هذه الثقافة قادتنا في طريق التبعية للغرب، فأصبحت حياتنا كلها صورة مشوهة منقولة عن حياة الغربيين: في طراز المسكن، والأثاث، والزي، وألوان الطعام، إلى نظم التعليم ومؤسسات الاقتصاد، ومؤسسة القضاء والقوانين إلخ فجدت حياةٌ جديدة، في كل مظاهرها، قُنِّن فيها تعاطي الربا، وصناعة الخمور، وصالات القمار، واللهو
_________________
(١) درست أجيالنا هذه الكتب بهذا (التحقيب) في مجال التاريخ السياسي والتاريخ الأدبي.
(٢) حتى الثمانينات من القرن الميلادي الماضي، كنت أقرأ في كتاب تاريخ الأدب بأيدي أولادي هذه العبارة بنصها " استيقظ الشرق على طلقات مدافع نابليون " يفتتح بها مؤلفو الكتابِ الحديثَ تحت عنوان (عصر النهضة).!!!.
(٣) في وثائق الحملة الفرنسية يسمونها (الحملة على الشرق) ولكن من التضليل المصطلحي سموها في مناهج تعليمنا (الحملة على مصر) حتى يحاصروا الشعور بالوحدة بيننا.
[ ١٥٩ ]
¬الفاضح، ولم يعد هناك ارتباط بين مواعيد العمل ومواقيت الصلاة
نشأت لهذا المجتمع مشكلات، وجدت له قضايا، وطُلب من الفقه الإسلامي أن يضع حلولًا لمشكلات لمجتمعٍ غير ملتزمٍ بالإسلام (١).
هذا هو المأزق الذي يعيشه فقهاء العصر، أعانهم الله، وأنا أتحدث عن صفوة كرام بلغوا من الفضل والفقه والورع درجة تؤهلهم للاجتهاد في نوازل هذا العصر، هؤلاء الصفوة وراء النجاحات التي تحققها المجامع الفقهية، ومراكز البحوث، والموسوعات الفقهية. في ضوء هذا المأزق الذي صورناه تُدرس هذه الجهود إنصافا لهؤلاء الأفاضل.
وهناك زعانف كُثر حملوا ألقابًا علميةً، وإن لم تَشَم أنوفُهم رائحة الفقه، راحوا يسخرون من تراثنا الفقهي، ويردّدون ترديد الببغاء: (إنه جهد بشري نشأ لعصرٍ غير عصرنا) ويدعون لاطّراحه وإلقائه وراءنا ظهريًا، والأَخدَ مباشرة من القرآن والسنة، ولو أردت واحدًا منهم على أن يقرأ صفحة واحدة من صحيح البخاري ما استطاع أن يقيم لسانه بها إعرابًا، ناهيك عن معرفة المعنى اللغوي للمفردات، ولا أقول معرفة العام من الخاص، والمطلق من المقيد، والناسخ من المنسوخ.
هؤلاء لا كلام لنا معهم، ولا شأن لنا بهم، ولكنْ للأسف لهم صوتٌ عالٍ، وكثيرًا ما يشغبون على الفقهاء الأصلاء المتبتَّلين للعلم والبحث.
وبعد
نعود فنقول: إننا لم ننس أننا في هذه المقدمات نتكلم عن تطوّر المذهب الشافعي وحاله في هذا العصر. وقد وضح الآن مما أشرنا إليه آنفًا أن الفقه المذهبي -مع أنه ما زال يدرس في كليات الشريعة- لم يعد له مكان في الفتوى، والتشريع، والبحوث، بل صارت كلها دراسات مقارنة، تنظر في كل الفقه الموروث بمذاهبه الأربعة، بل أحيانًا الثمانية، وتزن الأدلة وتقدّرها في قضية معينة، وتختار ما تراه
_________________
(١) التعبير الأوضح (لمجتمع غير إسلامي)، ولكني عدلتُ عنه لأنه قد يوحي بتكفير المجتمع، وحاشا لله أن نقول بهذا.
[ ١٦٠ ]
¬أرجح من بينها، مما يجعلنا نسمي هذا بالاجتهاد الجزئي، فمن أحاط ببابٍ من أبواب العلم، وعرف أدلته يمكن أن يجتهد فيه، ويكون مفتيًا في مسائله، قال النووي: "قطع بذلك الغزالي، وصاحبه ابن بَرهان، وغيرهما، ومنهم من منعه مطلقًا، وأجازه ابن الصباغ في الفرائض خاصة، والأصح جوازه مطلقًا" (١).
_________________
(١) ر. المجموع: ١/ ٤٣، وانظر تاريخ المذاهب الإسلامية للإمام أبي زهرة: ٣٤٠.
[ ١٦١ ]