بعد وفاة الإمام مالك، واستقرار الشافعي بمكة، وكان قد حاز فقه مدرسة المدينة، وأحاط بمنهجها، وضم ذلك إلى ما تلقاه عن شيوخ مكة ومدرستها، وصار من أعلام
[ ١٠٣ ]
¬الفقهاء، بعد ذلك آن له أن يدخل ميدانًا آخر، فتطلعت نفسه إلى عمل يسدّ به خَلَّتَه، ويدفع حاجته، وفي زيارةٍ لوالي اليمن إلى مكة كلّمه بعض القرشيين في شأن الشافعي؛ فصحبه معه، وهناك ولاه على نجران، وفي هذا العمل ظهرت مواهب الشافعي، وذكاؤه وخبرته بالناس، ونبله وشرف نسبه، إلى علمه وفقهه، فذاع في الناس ذكره، وشاع عدله، ثم إنه في نجران رأى تطبيقًا عمليًا لأحكام الجزية وقضايا نصارى نجران.
ومضى الحال على ذلك نحو خمس سنوات، والأمور توحي بالاستقرار والاستمرار، ولكن فوجىء الشافعي بتهمة غليظة!! اتهم بمناهضة الدولة، والانضمام إلى العلويين الذين يدبرون للانقلاب على أبناء عمهم العباسيين، وتلك تهمة عقوبتها حزُّ الرؤوس.
أما لماذا اتهم؟ فتفصل الروايات أسباب ذلك الاتهام، وخلاصته ترجع إلى الاستقامة الكاملة، والحرص على العدل الكامل، ففي كل زمانٍ ومكان يحاول المحاولون أن يأكلوا بالولاة، يميلونهم حيث يشاؤون، فمن استعصى عليهم، فله الوشاية، والسعاية.
أما لماذا كانت هذه التهمة بالذات، فالشافعي مأثور عنه، وثابت في شعره وأقواله حبُّ آل البيت، يصرح بذلك ويتمدّح به، فوجد الساعون الوشاة في هذا ما يرشحه لهذه التهمة، وأنها أليق شيء به.