تتفق الروايات على أن الشافعي حمل إلى بغداد في سنة ١٨٤ هـ، ولكنها تختلف في أنه حمل من اليمن أم من مكة، ويمكن الجمع بينها بأنه اتهم باليمن، ثم حمل من مكة أثناء تردّده عليها لزيارة أهله.
حُمل الشافعي متهمًا إلى بغداد هو ومَنْ معه من (المتآمرين) التسعة، وتصف الروايات المصير الذي كان ينتظره، حيث أدخلوا على الرشيد وبين يديه النِّطْع والسيف، وتستطيع أن ترى معي الآن الشافعيَّ الأبي الحسيب النسيب وهو يدخل على الرشيد عالي الهامة، مرفوع القامة، مُدِلًاّ بعلمه، واثقًا بذكائه، شامخًا بمواهبه،
[ ١٠٤ ]
¬مطمئنًا لبراءته، فيروع الرشيدَ مرآه، ويعجب بمخايله، فيفسح له ليلقي بحجته، فيؤخذ ببلاغته وبراعته، ويدرك أنه من أهل العلم - فقد كان الخلفاء حتى ذلك العصر ممن يشتغلون بالعلم، ويدارسون أهله، ويحضرون مناظراتهم، ويحكمون بينهم.
ترك الرشيد القضيةَ، وخاض مع (المتهم) في ضروب من العلم، فوقع في قلبه، وكان محمد بن الحسن حاضرًا، فقال لمحمد بن الحسن: خذه إليك حتى أنظر في أمره، ووصله بخمسين ألفًا، فرقها الشافعي على مَنْ بباب الخليفة، قبل أن يبرح.
ويلوح لي أن (قرار الاتهام) كان أحدَ الأسباب التي لفتت نظر الرشيد إلى الشافعي، وجعلت اللقاء يجري على هذه الصورة، فقد روَوْا أن مَنْ رفع أَمْر الشافعي إلى الرشيد قال في (عريضة الاتهام): " إن فيهم رجلًا من ولد شافع المطلبي يعمل بلسانه ما لا يقدر عليه المقاتل بسيفه ".
المهم أن الشافعي نجا من القتل الذي سيق له!! والأهم أنه وجد نفسه في نفس اللحظة في معية محمد بن الحسن، ينزل عليه، ضيفًا في بيته!!
سبحان من له الأمر والتدبير!!
ماذا لو لم يذهب الشافعي إلى اليمن؟
وماذا لو ذهب إلى اليمن ولم يُقَيَّض له الحاسد الواشي ليتهمه؟
من كان سينقل الشافعي من اليمن إلى العراق؟ ومن كان سيصرف الشافعي عن العمل بالولايات والإدارات؟
إنها الأقدار. هيأت للشافعي أن ينتقل إلى العراق، وأن يلقى محمدَ بنَ الحسن، وأن يكون ذلك في سن النضج واستحصاد الخبرة.
أقبل الشافعي على حلقة محمد بن الحسن، يأخذ، ويدوّن، ويدارس، ويناقش، ويناظر.
لم يناظر محمد بن الحسن في أول الأمر، وإنما كان يناقش تلاميذه بعد أن ينصرف عن الحلقة، ولما علم بذلك محمد بن الحسن دعاه لمناظرته، فتردّد الشافعي حياءً وتقديرًا لمنزلة محمد وسنّه، ولكن محمد بن الحسن أصرّ؛ فكانت بينهما
[ ١٠٥ ]
¬مناظرات، ملأت أخبارها بغداد، وشهد هارون الرشيد بعضَها، وأُعجب بالشافعي.
ظل الشافعي بالعراق، يدرس، ويسمع، ويناظر حتى أتقن طريقة العراقيين، وجمع علمهم إلى ما جمعه من علم مالك ومدرسة المدينة، وإلى ما حصله قبلًا من مدرسة مكة، وإلى ما تلقاه من علماء اليمن.
وكانت إقامته في العراق في هذا القَدْمة نحو عامين، حمل فيهما من علم محمد بن الحسن وحده وِقْر بعير، ليس فيها شيء إلا وقد سمعه عليه.
وقيل: إن إقامته ببغداد كانت خمس سنوات، وأنه لم يغادرها إلا بعد وفاة محمد بن الحسن في عام ١٨٩ هـ.