- ولحق رسول الله ﷺ بالرفيق الأعلى -بنفسي هو وبأبي وأمي وبالناس أجمعين- وبدأ بانقطاع الوحي عصر جديد، حمل عبءَ الحياة فيه، وقيادةَ الدولة المسلمة الخلفاءُ الراشدون، وكبار الصحابة ﵃ أجمعين.
والحياة لا تقف، والوقائع تتجدد، والأحداث تفرض نفسها تتطلب الحكم والفتيا، وتلح في الجواب. وضاعف من ذلك أن عصر الخلفاء الراشدين كان عصرًا خصبًا مليئًا بالأحداث؛ كانت الدولة غضة في أول أمرها؛ حيث يكون النمو وثبًا وقفزًا، فمنذ بويع أبو بكر ﵁ ماجت البادية بالردة، وتحفزت فارس، وتأهبت الروم، فأخذ أبو بكر ﵁ في قمع الردة، وتأديب المترصدين المتحفزين، الذين أحاطوا بالدولة المسلمة يريدون أن يسدوا على الدعوة المنافذ، ويطفئوا نور الله، وتابع على ذلك عمر وعثمان ﵄. وفي عصر علي كرم الله وجهه كان ما كان!!
وفي مثل هذه الحياة النابضة تتوالى المسائل، وتتجدد الأحداث، فكيف كان موقف الصحابة ﵃؟؟
- وجد الصحابة بين أيديهم القرآن الكريم وعرفوا من بيانه وتفصيله ما رأَوْه وسمعوه من الرسول ﷺ، وكان عليهم أن يواجهوا ما يجدّ عليهم من مسائل.
وقد كان الموقف عصيبًا، فمن يقتعد مقعد النبوة، ويتصدى للفتيا؟؟، ولكن إرادة الحياة غلابة، والأمر لا يتصل بحياة فرد، وإنما بكينونة أمة، وحياة رسالة، واستمرار دينٍ، أراده الله خالدًا عامًا.
أقبل الصحابة على القرآن الكريم، وعلى ما بين أيديهم من سُنة الرسول ﷺ لعلمهم بمنزلتها من القرآن، وكما قلنا: كانت الأحداث تتجدد، والوقائع تتعدد، فما لم يجدوا في الكتاب والسنة، كان ملجؤها (الرأي) فقد رأَوْا آياتِ القرآن
[ ٧٥ ]
¬تدعو للتفكر والنظر (١) وسن لهم ذلك صلى الله عليه وصلم باجتهاده أمامهم، وبإقراره من اجتهد منهم على اجتهاده.
- لجأ الصحابة إذًا إلى الرأي فيما لم يجدوه منصوصًا في الكتاب، ولم تَجْرِ به سنة، ولكنهم -﵃- كانوا يستشعرون خطورةَ منصب الإفتاء، فيتحرجون، ويتدافعون " قال عبدُ الرحمن بنُ أبي ليلى: أدركت عشرين ومائةً من أصحاب رسول الله ﷺ، فما كان منهم محدِّث إلا وَدَّ أن أخاه كفاه الحديث، ولا مُفتٍ إلا ودَّ أن أخاه كفاه الفتيا " (٢)، فكانوا لذلك يتشاورون في أحكام الوقائع ورعًا من كل منهم أن ينفرد بالحكم، وكان لذلك أثرهُ في ناحيتين:
* ظهور الإجماع، كمصدر من مصادر الفقه، فهو في الواقع لون من الاجتهاد: الاجتهاد الجماعي (٣).
* عدم اتساع الخلاف بين الصحابة (٤).
- وكان الرأي عند الصحابة بمعناه الواسع، " فكانوا يطلقون كلمة الرأي عك ما يراه القلب بعد فكرٍ وتأمل، وطلبٍ لمعرفة وجه الصواب مما تتعارض فيه الأمارات " (٥) ولم يكونوا يعرفون الأسماء والألقاب التي وضعها الأصوليون فيما بعد، قال إمام الحرمين ﵁: " ولو عُرضت الكتب التي صنفها القياسون في الفقه مع ما فيها من المسائل والصور المفروضة، وبدائع الأجوبة والعبارات المخترعة كالجمع والفرق، والنقض والمنع؛ والقلب وفساد الوضع ونحوها، لتعب أصحاب رسول الله ﷺ في فهمها؛ إذ لم يكن لهم عهد بها، ومن فاجأه شيء لم يعهده، احتاج إلى رد الفكر إليه ليأنس به " (٦).
_________________
(١) العقاد: عباس محمود العقاد، ﵀ - التفكير فريضة إسلامية: من ص ٦ - ٢١.
(٢) انظر نشأة الفقه الاجتهادي (مرجع سابق): ٧٥.
(٣) الأستاذ الجليل الشيخ علي حسب الله - أصول التشريع الإسلامي. ط ٢: ٧٥.
(٤) تاريخ التشريع للخضري: ١٢٩.
(٥) نشأة الفقه الاجتهادي للسايس: ٣٧.
(٦) إمام الحرمين. الغياثي، فقرة: ٦٦٧.
[ ٧٦ ]
¬- وكان اجتهاد الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- واستعمالهم (الرأيَ) في المسائل التي لا نص فيها، أما ما كان من عمر ﵁ من رأيٍ في سهم المؤلفة قلوبهم وحد السرقة عام المجاعة (١)، فهو لَوْنٌ من توجيه النصوص وفهمها لا تعطيلها، أو الافتئات عليها. حاشا لله.
خصائص الفقه في عصر الخلفاء وكبار الصحابة
- ويمكن أن نوجز ملامح الحياة الفقهية في هذا العصر فيما يلي:
* أن الفقه ظل محصورًا في دائرة الوقائع التي تحدث فعلًا، فلم يكن هناك مجال لافتراض وقائعَ واستنباط أحكامٍ لها، وهم كانوا يتورعون عن الفتوى فيما وقع.
* أنهم كانوا يؤكدون أن ما رأَوْه من رأيٍ عرضةٌ للخطأ، ولذلك كان الرجل منهم يرفض أن يقال عن رأيه: هذا حكم الله (٢).
* ويتصل بذلك أن احترام الرأي الآخر كان سمة ظاهرة واضحة؛ لأن كل صاحب رأي كان يفرض الخطأ في رأي نفسه ورعًا وخشيةً.
* وقد كان الخلاف في الرأي ضيقًا محصورًا طوال هذا العصر.
* ظهر في هذا العصر (الإجماع) كمصدر من مصادر الأحكام.
* ظل الفقه بغير تدوين وكتابة، وإنما تصدر الفتوى أو الحكم، فيتناقله المسلمون شفاهًا، ويشيع بحسب الحاجة إليه.
* خلَّف هذا العصر مجموعة من الأحكام والفتاوى ظلت محل عناية الأئمة والفقهاء (٣)، وبخاصة تلك الأحكام التي غيرت بعضَ ما جرى عليه العمل في عهد رسول الله ﷺ، وكانت مثار بحث وخلاف بين الأئمة.
فمن هذه الفتاوى والاجتهادات، إمضاء عمر ﵁ الطلاق الثلاث بكلمة
_________________
(١) انظر نشأة الفقه الاجتهادي للسايس: ٦٥.
(٢) تاريخ التشريع الإسلامي للخضري: ١١٧.
(٣) نشأة الفقه الاجتهادي وتطوره: ٧٧.
[ ٧٧ ]
¬واحدة، وعدم تقسيم أرض سواد العراق، وضرب الخراج عليها، وكذا ما كان من عمرَ في سهم المؤلفة قلوبهم، وفي حد السرقة عام المجاعة، وما كان من عثمانَ ﵁ في ضوالِّ الإبل، حيث رأى التقاطها وتعريفها.
ومن المسائل الاجتهادية الأخرى التي جرت بين صحابة رسول الله ﷺ، واختلف فيها الرأي: ميراث الجد مع الإخوة الأشقاء أو لأب، وفي بعض صور ميراث الجدة، وكذلك المسألة المشركة (الحجرية)، والخلاف في (العَوْل)، وفي حجب الأم من الثلث إلى السدس باثنين من الإخوة، وفي تحريم المرأة تحريمًا مؤبدًا على من نكحها في العدة، وفي توريث الزوجة المطلقة فرارًا من الميراث، وكذلك الخلاف في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها، وكذلك الخلاف في نفقة المبتوتة وسكناها، وغير ذلك كثير.
وقد كانت هذه الفتاوى والاجتهادات -بحق- ثروة فقهية، نظر فيها الأئمة المجتهدون، وأخذوا بما قاله الصحابي، ولم يُخالَفْ فيه، أي بما أجمعوا عليه، أما قول الصحابي وراء ذلك فقد كان الأخذُ به موضع خلافٍ بين الأئمة.
فقد رأى بعضُهم أقوال الصحابة حجة واجبة الاتباع، ورأى عصرَهم عصر تفسير وتكميل على حين لم ينظر آخرون إليها تلك النظرة (١).
* كان من أسباب الخلاف بين الصحابة اختلافُ النظر والرأي وتقدير الأمور، وذلك أمر فطري، وكذلك بسبب اختلاف فهمهم للقرآن ومعرفتهم بالسنة.
* لم يكن الصحابة على درجة واحدة في استعمال الرأي، بل كان منهم من يتحرج ويهاب الفتيا، وأولئك في الواقع الذين لم تضطرهم الظروف إلى القطع والحسم بإبداء الرأي، ومنهم من برع في الرأي، وقدر عليه، وأشهرهم عمر ﵁، حيث كانت أعباء الحكم تدعوه لأن يبت في القضايا والأمور ولا يتحاماها.
ولقد عُرف بالفتوى من أصحاب رسول الله ﷺ مائة ونيف وثلاثون نفسًا ما بين رجل وامرأة، وكان منهم المكثرون والمتوسطون والمقلّون.
_________________
(١) الأستاذ الجليل الشيخ عبد الوهاب خلاف، ﵀ - تاريخ التشريع الإسلامي: ٢٨٠.
[ ٧٨ ]
¬المكثرون من الفتيا:
والمكثرون الذين حفظت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله ﷺ سبعة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر.
ويمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم سفر ضخم.
المتوسطون في الفتيا:
والمتوسطون منهم فيما روي عنهم من الفتيا: أبو بكر الصديق، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعثمان بن عفان، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وأبو موسى الأشعري، وسعد بن أبي وقاص، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، ومعاذ بن جبل.
فهؤلاء ثلاثة عشر يمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم جزء صغير جدًا.
ويضاف إليهم: طلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن الحصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية بن أبي سفيان.
المقلون من الفتيا:
وهم البقية الباقية من جملة المفتين، وهم أكثر من مائة نَفْسٍ، لا يُروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان (١).