- وبعد عهد الصحابة الخلفاء استمرت الحياة في توثبها، والأحداث في تجددها، بل جدت على الحياة الإسلامية عناصرُ جديدة كان لها أبلغ الأثر في التشريع والفقه.
من ذلك:
* تمكن الإسلامُ من قلوب الشعوب غير العربية، وتطلَّعَ أبناؤها إلى المشاركة في
_________________
(١) ر. إعلام الموقعين لابن القيم: ١/ ١٢. بتصرفٍ يسير.
[ ٧٩ ]
¬الحياة الإسلامية، وكان لهؤلاء أعراف وعادات، وحضارات وعقائد وفلسفات، أثرت في تفكيرهم وتوجيههم.
* بدأت الفرق السياسية: من خوارج وغيرها تظهر، ويناصر كلَّ فرقة جماعةٌ يتعصبون لآرائها.
* انتشر الصحابة في الأمصار الإسلامية، فأصبح الإجماع عسرًا.
* شاعت رواية الحديث، حيث اشتدت حاجة المسلمين إليها طلبًا لأحكام الحوادث المتجددة، وحيث السنة أوسع مصادر الفقه لتعرضه للتفصيل (١).
وفي غمرة الفرق وحاجة الناس للحديث اندس الوضاعون للحديث ينصرون فرقَهم بما يكذبون لها، ويحطمون أعداءهم بما يكذبون عليهم، أو يدسون للإسلام والمسلمين جملةً انتقامًا لدولهم الذاهبة ومللهم الغاربة.
- في هذا الموج الصاخب كان المعتصَمُ كتابَ الله، وما صح من سنة نبيه ﷺ وكان علم ذلك إلى نفر بقي من صحابة رسول الله ﷺ، وإلى جماعة من كبار التابعين كانوا تلاميذَ لأئمة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، تجرد هؤلاء للعلم، وجعلوه غايتهم، فاعتزلوا الفتن وأهلَها (٢)، فكانوا النجومَ التي يُهتدى بها في الظلمات، وقد توزعوا أو توزعتهم الأقدار على الأمصار الإسلامية.
فكان في المدينة: زيد بن ثابت ت ٤٥ هـ، وعائشة أم المؤمنين ت ٥٨ هـ، وجابر بن عبد الله ت ٥٨ هـ، وأبو هريرة ت ٥٩ هـ، وعبد الله بن عمر ت ٧٣ هـ، ﵃ جميعًا، وعبد الملك بن مروان، أمير المؤمنين ت ٨٦ هـ، وسعيد بن المسيب بن حَزْن المخزومي رأس علماء التابعين ت ٩٣ هـ، وعروة بن الزبير بن العوام. ت ٩٤ هـ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي. ت ٩٤ هـ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود. ت ٩٨ أو ٩٩ هـ، وسليمان بن
_________________
(١) انظر نشأة الفقه الاجتهادي للسايس: ٧٨، ٨٨، وتاريخ التشريع الإسلامي للخضري: ١٣٣.
(٢) تاريخ المذاهب الفقهية لأبي زهرة: ٣١.
[ ٨٠ ]
¬يسار، مولى ميمونة أم المؤمنين. ت ١٠٠ هـ وقيل: ١٠٧ هـ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق. ت ١٠٦ هـ، وخارجة بن زيد بن ثابت. ت ١٠٠ هـ، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁. ت ١٠٦ هـ، وأبان بن عثمان بن عفان ﵁. ت ١٠٥ هـ، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، المعروف بزين العابدين. ت ٩٤ هـ، ونافع مولى عبد الله بن عمر. ت ١١٧ هـ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. ت ٩٤ هـ وقيل: ١٠٤ هـ، ومحمد بن مسلم المعروف بابن شهاب الزهري. ت ١٢٤ هـ، وأبو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين المعروف بالباقر. ت ١١٤ هـ، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان فقيه المدينة. ت ١٣١ هـ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، فروخ، التيمي، مولاهم، أبو عثمان المدني (ربيعة الرأي) ت ١٣٦ هـ وقيل: ١٣٣، وقيل: ١٤٢.
وفي مكة: عبد الله بن عباس ﵁ ت ٦٨ هـ، وعَبيدة بن عمرو السلماني المرادي ت ٧٢ هـ، ومجاهد بن جبير، مولى بني مخزوم ت ١٠٣ هـ، وعكرمة مولى ابن عباس ت ١٠٥ هـ، وعطاء بن أبي رباح مولى قريش ت ١١٤ هـ، وعبد الله بن أبي مُلَيْكَة ت ١١٧ هـ، وأبو الزبير محمد بن مسلم، مولى حكيم بن حزام ت ١٢٧ هـ، وعمرو بن دينار أبو محمد الأثرم الجمحي، مولاهم ت ١٢٦ هـ.
وفي الكوفة: عبد الله بن مسعود ت ٣٢ هـ، وأبو موسى الأشعري ت ٤٤ هـ ﵄، وعلقمة بن قيس النخعي ت ٦٢ هـ، ومسروق بن الأجدع الهمداني ت ٦٣ هـ، وشريح بن الحارث الكندي القاضي ت ٧٨ هـ، وإبراهيم بن يزيد النَّخعي ت ٩٥ هـ، والأسود بن يزيد النَّخَعي ت ٩٥ هـ، وسعيد بن جبير، مولى والبة ت ٩٥ هـ، وقيس بن أبي حازم، الأحْمَسي الكوفي ت ٩٨ هـ، وشقيق بن سلمة أبو وائل الأسدي، الكوفي ت نحو ١٠٠ هـ، وأبو بردة عامر بن أبي موسى الأشعري، الفقيه، التابعي الشهير، قاضي الكوفة بعد شريح ت ١٠٣ هـ، وعامر بن شراحيل الشعبي، علامة التابعين ت ١٠٤ هـ، وأبو عبد الله، الحكم بن عُتَيْبة، الكِندي، مولاهم، الكوفي ت ١١٥ هـ، ومحارب بن دثار، السدوسي، أبو مطرّف، الكوفي، مولاهم ت ١١٦هـ، وحماد بن سليمان ت ١٢٠ هـ.
[ ٨١ ]
¬وفي البصرة: أبو العالية، رُفَيعْ بن مهران الرّياحي، مولى امرأة من رِياح، بطن من تميم، ت ٩٠ هـ، وأبو العالية، البرَّاء -مشدَّدًا- زياد بن فيروز البصري ت ٩٠ هـ، أنس بن مالك الأنصاري، خادم رسول الله ﷺ ت ٩٣ هـ، وأبو الشَّعثاء جابر بن زيد صاحب ابن عباس ت ٩٣ هـ، ومطرِّف بن عبد الله الشِّخِّير، العامري، البصري ت ٩٥ هـ، وزُرَارة بن أوفى الحَرَشي، البصري، قاضيها. ت ٩٥ هـ، وأبو قِلابة عبد الله بن زيد، الجِرمي، إمام البصرة في الفقه ت ١٠٤ هـ، والحسن البصري، الحسن بن يسار، أبو سعيد، التابعي، أحد أئمة الفقه ت ١١٠ هـ، ومحمد بن سيرين مولى أنس بن مالك. ت ١١٠ هـ، وقتادة بن دعامة السدوسي. ت ١١٨ هـ.
وفي الشام: عبد الرحمن بن غانم الأشعري. ت ٧٨ هـ، وأبو إدريس الخَوْلاني ت ٨٠ هـ، وقَبيصة بن ذؤيب ت ٨٦ هـ، وأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بن مروان ت ١٠١ هـ، ورجاء بن حَيْوة الكندي شيخ أهل الشام ت ١١٢ هـ، ومكحول بن أبي مسلم مولى امرأة من هذيل ت ١١٣ هـ، وسلمان بن موسى الأموي، الدمشقي، الفقيه ت ١١٩ هـ، وعبد الله بن أبي زكريا الخُزاعي، أبو يحى، الشامي، الفقيه ت ١١٧ هـ.
وفي الفسطاط: عبد الله بن عمرو بن العاص ت ٦٥ هـ، وأبو الخير مرثد بن عبد الله اليَزني، مفتي أهل مصر ت ٩٠ هـ، ويزيد بن حبيب، مولى الأزد ت ١٢٨ هـ.
وفي اليمن: طاوس بن كَيْسان، الجَنَدي، اليماني، توفي بمكة في موسم الحج سنة ١٠٦ هـ، ووهب بن منبه الصنعاني، عالم أهل اليمن ت ١١٤ هـ، ويحيى بن أبي كثير، مولى طيّء ت ١٢٩ هـ (١).
_________________
(١) راجع (تاريخ التشريع الإسلامي) للخضري: ١٢٤ - ١٣٨، (والفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي): ٢٩١ - ٣٠٦، وراجع تهذيب التهذيب لابن حجر، وخلاصة الخزرجي، لترى ترجمة وافية لهؤلاء الأعلام.
[ ٨٢ ]
¬هؤلاء الأعلام الذين ذكرناهم ليسوا كلَّ الفقهاء والمفتين في هذا الدور، بل هم رؤوس الفقه والفتوى في هذه الأمصار، والأقاليم، ولم يكونوا وحدهم، بل كان هناك فقهاء ومفتون في مختلف الأمصار الإسلامية، في الشمال الإفريقي، وفي أقاليم فارس، وغيرها.
وإنما عُنينا بهذه الأقاليم؛ لأمرين:
الأول:
أن هذه المنطقة: الجزيرة العربية، بحجازها ويمنها، وعراقها، وشامها، كانت هي مركز الدولة الإسلامية، التي كان فيها عُظْم الصحابة رضوان الله عليهم، ومن تبعهم بإحسان، وحمل فقههم وعلمهم من التابعين.
الثاني:
أن الدولة الإسلامية ظلت حتى أوائل القرن الثاني الهجري، أو قرب منتصفه دولة مركزية تحت إدارة واحدة، وقيادة واحدة تخضع للحكم المباشر، الذي كانت هذه المنطقة مقرًّا له، ومن هنا كان التأثير العلمي والفكري لها وحدها إلى أن نمت وترعرعت مراكز علمية أخرى فيما استُقبل من الزمان.
خصائص الفقه في هذا الدور
- نتيجة لما تقدم من تغير في تكوين المجتمع وتوزع أهل الفتيا على الأمصار، وما جدَّ من عوامل أخرى، تميز هذا الدورُ من التشريع بمميزات أهمها:
* كانت مصادر الفقه كما هي في الدور السابق: الكتاب، ثم السنة، ثم الإجماع، ثم الرأي، وكانوا يأخذون بإجماع الصحابة إن وجد، فإن اختلف الصحابة، اختاروا من أقوالهم، وغالبًا يأخذ كلُّ تابعي رأيَ شيخه من الصحابة (١).
_________________
(١) نشأة الفقه الاجتهادي وتطوره لأستاذنا فضيلة الشيخ السايس: ٧٨.
[ ٨٣ ]
¬* عُني رجال هذا الدور من الصحابة والتابعين بجمع السنة التي رويت عن كبار الصحابة.
* وكذلك عُنوا بجمع تلك الثروة الهائلة من فتاوى صحابة رسول الله ﷺ وكان قول الصحابة عندهم حجة، كما أشرنا آنفًا.
* كان لهم ولا شك دور هام في الاجتهاد فيما يجد من شؤون هذا المجتمع المتوثب من حولهم، مما لم يرد فيه نص أو فتوى من الصحابة (١).
- وكنا قد أشرنا إلى أن من أصحاب رسول الله ﷺ من كان يتحرج، ولا يُقدم على الفتوى كعبد الله بن عمر، ومنهم من كان يفتي برأيه ويتوسع في ذلك كعمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود. وكان ذلك نواة لاختلاف الاتجاه بين التابعين، " فقد اتضح الفرق بين المنهاجين، واتسعت الفرجة بينهما: فمنهم من كان يُفتي برأيه غيرَ متوقف إذا لم يجد نصًا، ولا فتوى صحابي، ومنهم من لا ينطلق في الاجتهاد إن لم يجد ما يعتمد عليه من السنة أو القرآن الكريم " (٢).
وكان اتساع الهوة بين المنهاجين نتيجة ظروف المجتمع التي أشرنا إليها، فقد رأى أهل الرأي أن أمر الحديث قد اتسع، ودخل مجاله من لا يخشى في الله إلًاّ ولا ذمة، فبعد أن كان الرجل تعروه رِعدة وهو يقول: قال رسول الله ﷺ (٣)، أصبح الوضع والكذب وسيلة للدفاع عن الفِرق والأهواء (٤). رأى أهلُ الرأي ذلك، فخافوا من أن يُزيَّف عليهم حديث، فكان اعتمادهم على الرأي أكثرَ من بحثهم عن الحديث.
_________________
(١) تاريخ المذاهب الفقهية لأبي زهرة: ٣١.
(٢) المصدر السابق نفسه: ٣٣.
(٣) انظر: ابن سعد، محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري، الطبقات الكبرى: ٣/ ١١٠ وهو يروي هذا عن ابن مسعود ﵁.
(٤) انظر بحثًا قيمًا عن الوضع في الحديث في كتاب (السنة قبل التدوين) لمحمد عجاج الخطيب: ١٨٦ وانظر أيضًا السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي للدكتور مصطفى السباعي ﵀: ٨٩.
[ ٨٤ ]
¬ورأى أصحاب الحديث الفتنَ والأهواء، فخافوا، وتورعوا عن أن يقولوا برأيهم حتى لا تؤوَّل هذه الآراء، أو يُقتدى بهم؛ فجعلوا كلَّ همهم البحثَ عن الحديث، والاعتصامَ به في مُدْلَهَمِّ الفتن.
ومن هنا ظهر أخص ما يميز هذا الدور وأعني به وجودَ نوعين من الفقه: فقه الرأي، وكان بالعراق، وفقه الأثر، وكان بالحجاز (١).
- وقد كان هذا العصر الأساسَ للازدهار الفقهي في العصر التالي، حيث بدأ تدوين السنة وتدوين الفقه، كما تحددت مناهج الفقه وطرقه.