القولان للإمام الشافعي صاحب المذهب، والوجهان للأصحاب الذين عرفوا بأنهم من أصحاب الوجوه.
القولان:
"قد يكون القولان قديمين، وقد يكونان قديمًا وجديدًا، وقد يكونان جديدين، وقد يقولهما في وقتٍ، وقد يقولهما في وقتين، وقد يرجح أحدهما، وقد لا يرجح" (١).
فهذه عدة صور، فما حكم كل صورة.
* إن كان القولان (قديمين) بمعنى أنه قالهما قبل الدخول إلى مصر، فإما أن يقول قولًا مخالفًا لهما في الجديد أو لا.
فإن قال قولًا يخالفهما في الجديد، فالعمل بالجديد.
وإن لم يقل بخلافهما في الجديد، يرجح بينهما بطرق الترجيح التي سنشير إليها، ويعمل بالراجح منهما.
وهذا معنى كلام النووي ﵀، إذ قال: " واعلم أن قولهم: القديم ليس مذهبًا للشافعي، أو مرجوعًا عنه، أو لا فتوى عليه، المراد به قديم نصَّ في الجديد على خلافه.
أما قديم لم يخالفه في الجديد، أو لم يتعرض لتلك المسألة في الجديد، فهو مذهب الشافعي واعتقادُه، ويعمل به، ويفتى عليه؛ فإنه قاله ولم يرجع عنه، وهذا النوع وقع منه مسائل كثيرة " (٢).
فإن كانا قديمًا وجديدًا، فالعمل بالجديد، والقديم مرجوع عنه، وكما قال إمام الحرمين في كتابنا هذا: " المرجوع عنه ليس مذهبًا للراجع ".
_________________
(١) ر. مقدمة المجموع: ١/ ٦٦.
(٢) السابق: ٦٨.
[ ١٦٤ ]
¬" واستثنى الأصحاب نحو عشرين مسألة أو أكثر، وقالوا يفتى فيها بالقديم، وقد يختلفون في كثير منها " (١).
هذا نص كلام النووي، وقد عدّد نحو عشرين مسألة، مع الخلاف في بعضها، فطالعها إن شئت، ولا داعي للإطالة بذكرها.
ولكن هل تعدّ هذه المسائل من مذهب الشافعي، أم يقال: إن أصحاب الشافعي خالفوه في هذه المسائل، وعملوا فيها بخلاف مذهبه؟
الصواب الذي قاله المحققون، وجزم به المتقنون من الأصحاب: أن العمل في هذه المسائل والفتوى بالقديم فيها ليس من مذهب الشافعي (٢).
وخالف آخرون حكى النووي قولهم بقوله: " وقال بعض الأصحاب: إذا نص المجتهد على خلاف قوله، لا يكون رجوعًا عن الأول، بل يكون له قولان " وعقب قائلًا:
" قال الجمهور: هذا غلط؛ لأنهما كنصين للشارع تعارضا، وتعذر الجمع بينهما، يعمل بالثاني، ويترك الأول، فإذا علمت حال القديم، ووجدنا أصحابنا أفتوا بهذه المسائل على القديم، حملنا ذلك على أنه أداهم اجتهادهم إلى القديم لظهور دليله، وهم مجتهدون، فأفتَوْا به، ولا يلزم من ذلك نسبته إلى الشافعي، ولم يقل أحد من المتقدمين في هذه المسائل: إنها مذهب الشافعي، قال ابن الصلاح: فيكون اختيار أحدهم للقديم فيها من قبيل اختيار مذهب غير الشافعي إذا أداه اجتهاده إليه؛ فإنه إذا كان ذا اجتهادٍ، اتبع اجتهاده " (٣).
وكل هذا إذا لم يعضد القديمَ حديثٌ صحيح، لا معارض له، فإنه حينئذٍ يكون مذهبًا للشافعي؛ عملًا بقوله: " إذا صح الحديث، فهو مذهبي ".
_________________
(١) المجموع للنووي: ١/ ٦٦.
(٢) معنى كلام النووي في السابق نفسه.
(٣) مقدمة المجموع: ١/ ٦٧ (بتصرف).
[ ١٦٥ ]
¬بل قد رأينا بعض المتأخرين لا يسلم بأن هذه من القديم، ويقول: إنه تتبعها، فوجد أن المذهب فيها موافق للجديد (١).
* فإن كان القولان جديدين، وقد قالهما في وقتين مختلفين، فالعمل بالمتأخر منهما إن علمه.
* فإن كان القولان جديدين، وقد رجح أحدهما، فالعمل بما رجحه.
* فإن كانا جديدين، ولم يعلم السابق منهما، ولم يرجح أحدهما، وجب البحث عن أرجحهما، فيعمل به، فإن كان أهلًا للتخريج أو الترجيح، استقل به متعرفًا ذلك من نصوص الشافعي، ومأخذه وقواعده.
فإن لم يكن أهلًا، فلينقله عن أصحابنا الموصوفين بهذه الصفة، فإن كتبهم موضحة لذلك، فإن لم يحصل له ترجيح بطريقٍ، توقف حتى يحصل (٢).
* فإن كان القولان جديدين، وقالهما في وقتٍ واحد، ولم يرجح أحدهما، فهو ترديد قولٍ، وتوقفٌ عن الفتوى والحكم، وحصرٌ له في هذين القولين.
وحكم العمل في هذه الحالة حكم الحالة السابقة تمامًا، من وجوب البحث والترجيح ممن هو أهله
ويقول النووي وأئمة المذهب: إن ذلك لم يوجد إلا في ست عشرة أو سبع عشرة مسألة.
ويقول شيخنا الإمام أبو زهرة: (إن الشافعية يحاولون تقليل عدد هذه المسائل تعصبًا للشافعي، ظنًا منهم أن ذلك يغض من قدره، ويوحي بقصور اجتهاده، على حين العكس هو الصحيح، قال شيخنا: وإنك لترى الرازي كغيره من متعصبي الشافعية يظنون أن كثرة الآراء للشافعي لا تليق به، فيدفعونها عنه، ويقللون عدد المسائل التي
_________________
(١) المذهب عند الشافعية، أَخْذًا من نهاية المحتاج: (١/ ٥٠) والفوائد المدنية: ٢٤٢ - ٢٤٨، والشرواني على التحفة: ١/ ٥٤.
(٢) ر. المجموع: ١/ ٦٨.
[ ١٦٦ ]
¬قال فيها أكثرَ من رأي، وترى بجوارهم المتعصبين على الشافعي يرون كثرة الآراء منقصة فيه، ودليلًا على عدم الوصول إلى الحق.
وذلك نقص في العلم، وقد رددنا زعمهم، وبينا أن العلم يوجب التردد في كثير من الأحيان، وأن التردد عن بينةٍ علمٌ، واليقين عن غير بينة جهل.
والحق أن الشافعي كان مخلصًا في طلب ما يعتقد أنه الحق في هذه الشريعة الغراء، والمخلص لا تستحوذ عليه فكرة، ولا يسترقُّه رأي يجمد عليه؛ فإن له مقصدًا معينًا، وهو طلب العلم لله. وذلك يجعله يفحص آراءه بميزانٍ ناقدٍ كاشف، ونظرٍ مستبين فاحص، وفوق ذلك كان الشافعي ذا فكرٍ حي متحرك يسير في طلب الغايات العلمية صعدًا، لا يسكن إلى غاية حتى يطلب ما وراءها.
ومن كانت هذه حاله لا يجمد على آرائه، بل يسبرها دائمًا بالميزان الذي يصل إليه في طوره العلمي الأخير" (١).
وقد ذكر الشيخ أبو زهرة ثماني مسائل من فقه الشافعي له فيها أكثر من قول (٢)، وكأنه يريد بهذا أن يردّ القول بأن هذه المسائل محصورة في ست عشرة مسألة، ولذا عقب عليها قائلًا: " هذه أمثلة مما عثرنا عليه عند قراءتنا للمجموعة الفقهية المنسوبة للشافعي وتلاميذه، وهي كاشفة عما وراءها ومبينة، وإن لم تكن هي كل ما وجدناه من أقوال الشافعي ﵁ " (٣).
ويبدو أن اعتبار ترديد الأقوال منقصة وقصورًا في فقه الشافعي أمر قديم، فقد وجدنا إمام الحرمين يقول في البرهان: "استبعد مستبعدون من الذين قصرت هممهم عن درك الحقائق ترديدَ الشافعي أقوالَه في المسائل؛ وتخيلوا أن ذلك حكم منه بحكمين متناقضين، وجمعٌ بين تحليل وتحريم في قضية واحدة.
وهذا جهلٌ من الظان، وعماية، وقلة دراية؛ فإن التردد الذي ذكره الشافعي نَفْيُ
_________________
(١) الشافعي - حياته وعصره: ١٨١، ١٨٢.
(٢) اقرأ هذه المسائل. السابق: ١٧٩ - ١٧٩.
(٣) السابق نفسه: ١٧٩.
[ ١٦٧ ]
¬المذهب، واعتراف بالاعتراض والإشكال، وتصريح منه أنه لا مذهب لي في الواقعة بعدُ.
والشافعي بعدما ردد الأقوال، استقر رأيه على قولٍ واحد في جلة المسائل، ولم يبق على التردد إلا في ثماني عشرة صورة، فهو ليس كثير التردد" (١).
ولم يكن إمام الحرمين وحده الذي عُني بهذه القضية، بل وجدنا ذلك أيضًا عند الإمام أبي إسحاق الشيرازي (٢).
وفي كتابنا هذا (١٢/ ٢٢٩) قال إمام الحرمين أيضًا: " وقول عثمان هذا يدل على أن ترديد القول في الشرع ليس بدعًا، وفي مساق قول عمر ما يدل على مثله.
وبالجملة لا ينكر تردد المجتهد في المظنونات إلا أخرق، لا يعرف مسالك الاجتهاد ".
قال ذلك تعقيبًا على قول عثمان ﵁ في حكم الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين، إذ قال ﵁: " أحلتهما آية، وحرمتهما آية " أي ردّد رأيه، ولم يقطع، وهو يشير إلى آية: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المعارج: ٣٠]، فعموم الآية يقتضي الإباحة، وأراد بالآية الأخرى قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣].
وأما قول عمر الذي يُفهم منه التردد أيضًا، فهو قوله حينما سئل عن ذلك: " أما أنا، فلا أحب أن أفعل ذلك " فكرهه في خاصة نفسه، ولم يقطع بتحريمه.
ووضع شمس الدين محمد السلمي الشافعي الشهير بالمناوي رسالة في هذه المسألة وحدها بعنوان: (فرائد الفوائد في اختلاف القولين لمجتهدٍ واحد).
وعنوانها يكفي للدلالة على مضمونها، وهي رسالة كافية شافية، تحقق غرض الشافعية في الدفع عن إمامهم بأسلوب بعيد عن التعصب والإساءة.
وإن كانت القضية أصلًا لا تحتاج إلى اتهام ودفاع، كما قال شيخنا أبو زهرة.
_________________
(١) البرهان في أصول الفقه: ج ٢ فقرة: ١٥٥٣.
(٢) شرح اللمع: ٢/ ١٠٧٥ فقرة: ١٢١٩، والتبصرة في أصول الفقه: ٥١١.
[ ١٦٨ ]