لا بدّ من منهج جديد للحكم على المذاهب والرجال:
نقدم بين يدي هذا الفصل من مقدمات النهاية دعوةً إلى منهج جديد للحكم على المذاهب والرجال، والتأريخ للعلوم، والفنون، والمذاهب.
هذا المنهج يجب أن يقوم على قراءة النصوص وتحليلها، ودراستها وفهمها، ولا نكتفي بنقل ما يقوله السابقون بعضهم في بعض، فلم يعد مقبولًا أن نردّد ما يقوله الأشاعرة عن المعتزلة، والمعتزلة عن الأشاعرة، ولا ما يقوله الشافعية عن الأحناف، والأحناف عن الشافعية مثلًا؛ فمعظم هذه أحكام مطلقة يردّدها لاحق عن سابق، حتى تصبح من كثرة الترداد، والتناقل حقائق ثابتة، ومسلمات بدهية، ومقدمات ضرورية؛ على حين لو قمنا بدراسة النصوص الأصلية لكل جماعة أو مذهب، لوجدنا أن كثيرًا من هذه المسلّمات لا ثبات لها.
* على سبيل المثال وجدنا معظم الأصوليين -في مبحث الحكم- يقولون:
" لا حاكم إلا الله، خلافا للمعتزلة؛ فإنهم يحكمون العقل ".
وعندما قمنا بتتبع نصوص المعتزلة في كتبهم الأصيلة لم نجد هذا صحيحًا بهذا الإطلاق، وإنما هذا قول المعتزلة قبل ورود الشرع، أما بعد ورود الشرع، فلا حكم إلا لله، ولا يوجد مسلم يقول بغير هذا.
وعلى ذلك تخرج هذه المسألة من علم أصول الفقه إلى علم أصول: الدين (١).
_________________
(١) انظر بحثًا لنا بعنوان: (العقل عند الأصوليين).
[ ٢٤٧ ]
¬* وأحيانًا يُخدع الباحث والمؤرخ بكثرة الترداد في الكتب والمصادر، وتبدو له القضية مجمعًا عليها؛ فينقل ذلك مؤكدًا له، معتدًا به، ويرتب عليه من النتائج والآثار ما يرتب.
على حين لو عاد إلى أصول المسألة، وتتبع جذورها، لوجد هذه الكثرة الكاثرة -من القائلين بها، المردّدين لها- ترجع إلى راوٍ واحد، وعنه أخذ الآخذون، وأشاع المشيعون. ومثال ذلك: هذا الخبر المستبشع، الذي لا يصح في عقلٍ سليم، وأعني به ما قيل عن وقعة الحرة، وأن قائد يزيد بن معاوية أباح المدينة لجنوده ثلاثة أيام حتى ولدت خمسة آلاف عذراء بعد تسعة أشهر من ذلك اليوم المشؤوم.
هذا الخبر البالغ البشاعة ذاع وانتشر، وأصبح مسطورًا في معظم المصادر والمراجع، وربما كان هذا الشيوع بسبب غرابته وبشاعته؛ فللناس ولوع برواية الغرائب والعجائب، كما يقول ابن خلدون.
على حين عند الفحص والبحث، وتتبع جذور الخبر وأصوله، تجد أنه لا أصل له؛ فلم يروه إلا راوٍ واحدٌ تالفٌ كذاب، هو أبو مخنف، لوط بن يحيى، أخباري تالف، لا يوثق به، قال فيه ابن عدي: شيعي محترق، صاحب أخبارهم (١).
وإنا لنعجب من ترديد هذا الخبر قديمًا وحديثًا، مع أنه يحمل في ثناياه أدلة كذبه واختلاقه؛ فهذا الجيش الذي أُلصقت به هذه الفرية كان كله من الصحابة والتابعين؛ فكيف يقبل العقل أن يَفْجروا بعذارى مدينة رسول الله ﷺ، وهن أيضًا من بنات الصحابة والتابعين.
هذا كله على فرضٍ مستحيلٍ، وهو أن قائد الجيش: مسلم بن عقبة المرّي، وهو العربي القرشي الصحابي، الذي نيف على التسعين من عمره، قد صدر منه الإباحة لجنوده، وما كان هذا من شيم العرب في جاهليتهم وحروبهم القبلية، فكيف يكون منهم هذا بعد أن أنعم الله عليهم بالإسلام!! أليس العربي الجاهلي هو الذي كان يقول:
_________________
(١) ميزان الاعتدال للذهبي: ٣/ ٤٢٠.
[ ٢٤٨ ]
¬وأغض طرفي إن بدت ليَ جارتي حتى يواريَ جارتي مثواها
* ومن هذا الباب أيضًا نسبة كتاب (تهذيب الأصول) لمؤلفه الإمام أبي حامد الغزالي، فقد شكك في هذه النسبة المستشرق موريس بويج (١) -وهو يكاد يكون متخصصًا في دراسة الغزالي- فمع أنه قرأ عبارة الغزالي في مقدمة المستصفى التي يقول فيها: " إنه يريد أن يكتب كتابًا أقل تفصيلًا من كتاب (تهذيب الأصول) " (٢) وعلى الرغم أن بعض من ترجموا له نسبوه إليه، مثل صاحب (الطبقات العلية في مناقب الشافعية) للفقيه محمد بن الحسن بن عبد الله الحسيني الواسطي المتوفى ٧٧٦ هـ.
وقد عقب الدكتور عبد الرحمن بدوي على ذلك قائلًا: " وكلام بويج هذا يدعو إلى العجب! فكيف يقرر الغزالي نفسُه صراحة: " أنه يريد أن يصنف كتابًا يقع في الحجم دون كتاب (تهذيب الأصول) لميله إلى الاستقصاء والاستكثار " ومعنى هذا أنه يصرّح بأن له كتابًا بهذا الاسم، وإلا لذكر اسمَ مؤلف الكتاب إن كان لمؤلف آخر؛ لأنه لا يتحدث في هذا الموضع إلا عن كتبه هو. كيف يقرر الغزالي هذا كله بصراحة ووضوح، ثم يأتي (بويج) فيقول: " إنه لا يجرؤ أن ينسب إلى الغزالي كتابًا بهذا العنوان " (٣).
وإذا كان المستشرق بويج قد فهم أن الغزالي يقصد بكتاب (تهذيب الأصول) كتابًا لمؤلف آخر، وإذا كان الدكتور عبد الرحمن بدوي قد عجب من هذا الفهم، الذي لا تساعد عليه المناسبة والمقام، بل تؤكد عكسه؛ فإن الذي يفصل في القضية، ويقطع كل تردّد هو ما قاله الغزالي في (المستصفى) في موضع آخر (٤) حيث قال: " وقد أطنبنا في كتاب (تهذيب الأصول) في توجيه الأسئلة على الآية ودفعها " اهـ يقصد قوله تعالى: ﴿وَمَن يشَاقِقِ اَلرسُولَ مِن بَعدِ مَا تبَين لَهُ اَلْهُدَى وَيَتَبِع
_________________
(١) مؤلفات الغزالي عبد الرحمن بدوي: ٢١٠.
(٢) المستصفى: ١/ ٤
(٣) ر. مؤلفات الغزالي: ٢١٠، ٢١١، ٤٧١.
(٤) جـ ١: ١٧٥.
[ ٢٤٩ ]
¬غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥]؛ فهذا تصريحٌ واضح تمام الوضوح بأن كتاب (تهذيب الأصول) من تأليفه.
فلو كان (بويج) قد قرأ أعمال الغزالي، ما تشكك في نسبة كتاب (تهذيب الأصول) إليه، ولو كان عبد الرحمن بدوي قد قرأ أعمال الغزالي، لوقع على هذه العبارة، ولجاء ردّه على (بويج) قاطعًا نضًا، لا استنتاجًا، ولكان شافيًا مقنعًا لـ (بويج) ولكل المتشككين، ولحسمت القضية، ولم تبق معلقة بين باحِثَين مثبتٍ ونافٍ.
فهذا دليل آخر يؤيد دعوتنا إلى ضرورة بناء دراسات الفكر الإسلامي والحكم عليه على تحليل المؤلفات ذاتها، والرجوع إلى مادة المصادر عينها، وهذا يتطلب منا بذل جهودٍ صادقة (لتكشيف) كتب التراث، وفهرستها فهرسة علمية دقيقة.
وأعتقد أن ذلك عندما يتم، وتراجع الأحكام والدراسات على ضوء النصوص التراثية، وتحليلها، وفهمها، أعتقد أن كثيرًا من الأحكام الموروثة الشائعة بيننا الآن ستتغير، ومميكلون تغيير كثير منها إلى العكس تمامًا.
بعد هذا التمهيد نأخذ في بيان بعض ملامح منهج إمام الحرمين على ضوء ما ندعو إليه، أي نستخرجها من نصوص كتابه هذا (نهاية المطلب).