يزداد كلامنا عن تحرير المذهب وضوحًا إذا تذكرنا ما قلناه من قبل عن أصحاب الوجوه، وعن المجتهدين من داخل المذهب، وعن رواة المذهب، إذا تذكرنا كل ذلك، عرفنا أن حملة فقه الشافعي من تلاميذه، والأَمَنة على نصوصه ومناهجه، لم يكونوا مجرد نقلة، بل كان فيهم مجتهدون مستقلون وإن انتسبوا إلى الشافعي كالمحمَّدِين الأربعة: محمد بن جرير الطبري، ومحمد بن نصر المروزي، وابن خزيمة محمد بن إسحاق، وابن المنذر محمد بن إبراهيم، وغيرهم.
ومنهم من استقل فعلًا بمذهبٍ وعرف به، كأحمد بن حنبل، وداود الظاهري.
ومنهم من كان يُخرِّج على أصول الشافعي ونصوصه حينًا، وينفرد برأيه ومذهبه حينًا آخر كالمزني، قال إمام الحرمين في (نهاية المطلب): "إن كان لتخريج مخرّج التحاقٌ بالمذهب، فأَوْلاها تخريج المزني؛ لعلو منصبه في الفقه، وتلقِّيه أصول الشافعي من فَلْق فيه، وإذا تفرد برأي، فهو صاحب مذهب".
ومنهم من التزم التخريج على نصوصه وأصوله لم يَخْرج عنها، وهؤلاء هم أصحاب الوجوه الذين ذكرنا طائفة من أشهرهم فيما سلف، وأشرنا إلى "أن الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني ادعى لهم الاجتهاد المستقل، وأنهم صاروا إلى مذهب الشافعي لا تقليدًا له، بل لما وجدوا طرقَه في الاجتهاد والقياس أسدَّ الطرق، ولم يكن لهم بدٌّ من الاجتهاد، سلكوا طريقَه، فطلبوا معرفة الأحكام بطريق الشافعي".
وقد ذكر الشيخ أبو علي السِّنجي نحو هذا، فقال: اتبعنا الشافعي دون غيره؛ لأنا وجدنا قوله أرجح الأقوال وأعدلها، لا أنا قلدناه" (١).
_________________
(١) المجموع للنووي: ١/ ٤٣.
[ ١٥١ ]
¬حكى النووي هذا، وعقب قائلًا: " قلت: هذا الذي ذكراه موافق لما أمرهم به الشافعي، ثم المزني في أول مختصره " يعني نَهْيَ الشافعي أصحابه عن تقليده، وأَمْرهم أن يجتهدوا كما اجتهد هو.
استبحر الفقه الشافعي وملأ المكان والزمان، فكان له أنصاره وأتباعه في العراق، وفي بلاد الحجاز، واليمن وفارس، وخراسان، وما وراء النهر، وعاصر دولًا وأحداثًا، ونَصَره نظامُ الملك، ومكن له في دولة السلاجقة على اتساعها، وبنى لعلمائه وشيوخه المدارسَ النظامية، ببغداد، ونيسابور، وسائر مدن الدولة.
حمل ذلك التيارُ الهادرُ -مع تباعد الأقاليم وامتداد الزمان- تخريجاتٍ وآراءً، تتأثر -لا شك- بالبيئة هنا وهناك، وبالمشارب والمنازع، وأُودع كل ذلك مصنفات المذهب ومدوّناته، وكان فيها -بداهة- ما لا يتفق مع المذهب بصورةٍ أو بأخرى، من البعد والقرب.
يقول شيخنا الإمام أبو زهرة: " ولو أننا درسنا آراء فقهاء خراسان ونيسابور، وآراء فقهاء العراق، وحللَّناها، لوجدنا أثر البيئة واختلافَ النزعات يلوح وراءها، ولعل اجتهاد العراقيين، كان أقرب إلى المنقول عن الشافعي من اجتهاد الخراسانيين، والنيسابوريين (١) ".
وإلى شيء من هذا الفرق بين المدرستين قال النووي: " اعلم أن نقل أصحابنا العراقيين لنصوص الشافعي وقواعد مذهبه، ووجوه متقدمي أصحابنا أتقنُ وأثبتُ من نقل الخراسانيين غالبًا، والخراسانيون أحسنُ تصرّفًا وبحثًا وتخريجًا وترتيبًا غالبًا " (٢).
_________________
(١) ر. الشافعي - حياته وعصره: ٣٨٥. ويلاحظ أن شيخنا يعطف (النيسابوريين) على (الخراسانيين) من باب عطف الخاص على العام، وليس المغايرة.
(٢) السابق نفسه، عن المجموع: ١/ ٦٩.
[ ١٥٢ ]