أسلوب الإمام في مؤلفاته يضعه في الطبقة الأولى من البلغاء والأدباء، فهو واحد من فرسان البيان المعروفين، فمع أنه يكتب في فنون علمية دقيقة: علم الكلام وعلم الأصول، وعلم الفقه، إلا إنك تجد في أسلوبه طلاوة وعذوبة، مع جزالة وفخامة في الوقت نفسه، وإن وجدتَ غرابة في بعض الألفاظ، فلن تجدها حوشيَّة خشنة، وإنما تأتي الغرابة من بُعد ما بيننا وبين عصر الإمام، وطغيان العُجمة واللكنة على لغتنا نحن، عرف له ذلك معاصروه ومترجموه، فها هو عبد الغافر الفارسي يقول:
" أخذ من العربية وما يتعلق بها أوفرَ حظ ونصيب؛ فزاد فيها على كل أديب، ورُزق من التوسع في العبارة وعلوِّها ما لم يُعهد من غيره، حتى أنسى ذكرَ سحبان، وفاق فيها الأقران، وحمل القرآن، فأعجز الفصحاء اللُّد، وجاوز الوصف والحد (١) ".
وقال صاحب المسالك والممالك، ابنُ فضل الله العُمري: " أفصحُ الفقهاء لسانًا، وأوضح البلغاء إحسانًا، لعباراته في الفقه نزعاتٌ أدبية، ونزغات عربية، كأنما جاء بها من البادية، تلاعبها أعطاف ريحها، وتجاذبها أطراف البداوة إلى لِمم شيحها (٢) ".
لم يَغب عنا أن شرطنا في هذه الفصول أن نلتزم بما يستخرج ويستنبط من (نهاية المطلب) ولكنا لم نستطع أمام شهادة بهذا المستوى، وبهذا القدر إلا أن نتحفك بها.
ونعود إلى (نهاية المطلب)، فنجد الأسلوب الرشيق الأنيق، والألفاظ الدقيقة الواضحة، والكلام الجزل الفصيح، فهو بحق أسلوب علمي متأدب، فمع أن لغة
_________________
(١) طبقات السبكي: ٥/ ١٧٤.
(٢) مسالك الأبصار في ممالك الأمصار: ٦/ ٢٨٥.
[ ٢٨٠ ]
¬الفقه، ومصطلحاته تحتاج إلى الدقة والصرامة، ومع أن لغة العلم تتجرد من العاطفة والمجاز، مع كل هذا، والتزام الإمام به، إلا أنك تلمح سمات الجمال والطلاوة في أسلوبه، تقرأ كتابه فتجد ذلك واضحًا ملموسًا، لا يحتاج إلى استدلال، ولكنا نضع أمامك شيئًا مما رأيناه يستلفت النظر، وسنلتزم الإيجاز، فنقتصر على أقل ما يكفي للاستشهاد من الكلمات:
* فمن ذلك قوله: " ومن الأصول الخفية أن مَحَطَّ القياس قد يضيق، فيدق النظر، وهو يمشي مشي المقيد، ثم قد يقف، ويضطر الفقيه إلى حكمٍ، فيصرفه إلى أقرب الوجوه إليه ".
تأمل التعبير، وانظر إلى الصورة المتحركة " مَشْي المقيد ".
* وفي كتاب العتق - باب جناية المكاتب على سيده، وهو يتكلم عن إنشاء المريض الكتابةَ، ووصيته بها، يقول:
" وقد أتيت على هذه الأبواب فقهًا وحسابًا، في كتاب الوصايا، ولم أغادر فيها مزيدًا لمتنفس، ومهدت الأصول، ونظمت المسائل، وعند الصباح يَحْمَد القوم السُّرى ".
تأمل الصورة الأدبية: " ولم أغادر فيها مزيدًا لمتنفَّس "، وانظر الإيقاعَ في قوله: " ومهدت الأصول، ونظمت المسائل " مما يسميه علماء البلاغة: " الازدواج " أو حسن التقسيم.
أما ختام العبارة بالمثل السائر: " عند الصباح يحمد القوم السُّرَى " فلا يحتاج إلى أن أنبه إليه.
* وفي موضع آخر، يقول:
وههنا وقفة طال فيها نظرنا، فليأخذ الناظرُ المقصودَ عفوًا صفوًا، " فرب ساعٍ لقاعد ".
ولست بحاجة إلى التنبيه إلى ما في العبارة، من طرافةٍ وطلاوة، وما تحمله من روع تكاد تقرب من الفكاهة.
* وربما تكون روح الفكاهة والدعابة أوضح في العبارة التي قالها عن القاضي حسين، فعندما ناقش مسألة من مسائل الجنايات، وهي إذا قتل أخوان أبويهما: أحدهما قتل
[ ٢٨١ ]
¬الأب، والآخر قتل الأم، وأيهما يقدم للقصاص؟ هل بالسبق أم بالقرعة؟ قال معقبًا على ذلك -بعد أن استوفى المسألة بحثًا وتمحيصًا-: " ولقد رأيت في مرامز كلام الأصحاب ما يدل على القرعة، والقاضي لم يذكرها، واقتصر على أن قال: لو ابتدر أحدهما، وقتل صاحبه، كان كذا وكذا. وهذا فرار من الزحف ".
انظر روعة تشبيه التمثيل لإغفال القاضي قولًا من الأقوال في المسألة.
* وفي كتاب الفرائض، عند الكلام عن كيفية توريث من يدلي من ذوي الأرحام بقرابتين، ذكر قولَ الأستاذ أبي منصور وما يراه في المسألة، ثم قال: " وقد أورد القاضي أبو محمد في كتابه: أن أبا يوسف لا يورث بقرابتين، ونحن نقول: الرجوع إلى ما نقله الاستاذ أبو منصور أولى؛ فإنه إمام الصناعة مطلقًا، " وكل الصيد في جوف الفَرَا " (١).
* وقال في (باب في أقسام الضرب) من كتاب الفرائض، وهو يصف طريقة تعلم الحساب، قال: " ولْيعلم الطالب أن الشرط الأول على من يبغي المهارة أن يحفظ الآحاد، بحيث لا يحتاج إلى التفكر فيها، وهي طريحة ساعده " (٢).
وقال في كتاب القَسْم والنشوز فيما لو أراد الزوج أن يزيد النوبة على الثلاث "ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه لا يجوز، إذ لا موقف بعد المجاوزة فربما نجعل النوبة ستة أو أكثر منها، وهذا يؤدي إلى مهاجرة في حق اللواتي تتأخر نوبُهن، ثم يترتب عليها انتساج وحشةٍ بين الزوج وبين المتخلفات، وإلى تأكد ألفةٍ تنتهي إلى المِقَة، فيحصل من السرف في الازدياد مقتتٌ ومِقَة" ولا يخفى على الفطن ما في الكلام من محسنات البديع.
* وتقرأ في الجزء ١٥ ص ٤٧١، ٤٧٢ قوله: " وهذا موقف لا يجوز للفقيه الاكتفاء فيه بالاتباع، ولا يسوغ أن يخطوَ الخطو الوِساع ".
والحق أن التمثيل والاستشهاد على أن " لعباراته في الفقه نزعاتٌ أدبية، ونزغات عربية " أمرٌ يحِّير من يحاوله: أيّ العبارات يأخذ وأيها يدع، فالكتاب بين يديك، لا تجد فقرة فيه، إلا وهي صالحة للتمثيل والاستشهاد.
فنكتفي بما حاولناه، ونأخذ في بابةٍ أخرى من أسلوب ولغة الإمام.
_________________
(١) انظر ج ٩/ ٢٤٩.
(٢) انظر ج ٩/ ٢٦٥.
[ ٢٨٢ ]