بقليل من التأمل والتنبه يدرك من يطالع كتابنا هذا اتباع الإمام لأسلوب التشبيه والتمثيل، لبيان المعنى الذي يقصد إليه، فمن ذلك:
* عندما تحدث عن الجبر والمقابلة، والاعتماد عليه في استخراج الوصية بالنسبة إلى ما تبقى من الأنصباء، وضرورة الجبر والمقابلة للوصول إلى سرّ النسبة، قال:
" وأصل الجبر أسرار النسبة. ولو اطلع مطلع على سرّ النسبة، لم يحتج إلى شيء من مراسم الحُساب، ولكن الوصول إلى حقائق النسب ليس بالهين
وأشبه شيء بالنسب والطرق الموضوعة في الحساب - الذوقُ في الشعر مع العروض؛ فمن استدّ ذوقه، قال الشعرَ، ومن لا يترقى ذوقه، نَظَم، وقام له العروض مقام الذوق إذا أحكم مراسمها.
كذلك طرق الحُسّاب إذا تمرن المرء عليها، أهدته إلى إخراج المجاهيل، وقد تطول دُربته فيها، فيتطلع إلى إدراك النسب ".
ولسنا بحاجة إلى أن نلفت نظرك إلى ما في هذا التشبيه من دقة، وطرافة، وذوق، ومهارة، ودلالة على سعة المعارف، وخصوبة الذاكرة.
فهو يشبِّه المهارة في إدراك النسبة بين الأعداد وعلاقتها بعلم الجبر الذي يؤدي في حقيقته إلى الوصول إلى النسبة ومعرفتها. يشبِّه ذلك بالذوق الشعري وعلاقته بعلم العروض، فكما أن صاحب الذوق الشعري يقول الشعر طبيعةً من غير معاناة تعلم، فيقع موزونًا مقفىً، فلا يحتاج إلى علم العروض.
فكذلك من مهر في إدراك النسبة بين الأعداد، وصار ذلك سليقةً وطبعًا له، لا يحتاج إلى علم الجبر ليكشف له هذه النسبة.
* ومن ذلك تشبيهه وتصويره لتطهير البئر إذا تنجست، وقد تبدو هذه المسألة هينة لمن ينظر إلى حالنا اليوم ووفرة الماء في البيوت، وجريه في أنابيب محكمة نظيفة، ويصب علينا من صنابير (حنفيات) ذات أشكال وألوان من التجمل والتفنن.
[ ٢٧٧ ]
¬ولكن لو تصورت جماعة في بادية أو قرية ليس عندهم مصدر للماء إلا بئر، منه يستقون ويتطهرون، فإذا وقعت فيه فَأْرةٌ وماتت فيه، وتحللت، فأية كارثة تحل بهم -وما أكثر ما كان يحدث هذا- فكيف يطهرون هذه البئر؟ وكم دلوًا ينزحون؟ ومتى يصلون إلى يقين الطهارة؟ والماء يتجدد ويختلط طاهره الذي يَنْبع بالمتنجس والنجاسة تفتتت وتهرّأت في الماء.
كارثة تتكرر في هذه البيئات، وكان بعض الأئمة يُفتي بطَمّ البئر، وحفر غيرها!! وإلى أن يتم حفر غيرها ماذا يفعل الناس؟
ولكن إمام الحرمين يرى "أن يُنزح مثلُ ماء البئر مرارًا، فيصير النزح المتدارِك مع حركة الماء ودفعه أجزاء النجاسة كالماء الجاري، فالعيون تفور بمياه جديدة، فتدفع النجاسات، وهي تنزح، فتطهر".
ثم قرّب هذه الصورة بتمثيل عملي عجيب، حيث قال: " وإن أراد الإنسان أن يقف على حقيقة هذا اتخذ طاسًا مثقوبًا، وسدّ ثُقبته، وصب فيه مقدارًا من الماء، ووضعه على ماء في مِركن، وفتت فيه شيئًا، وفتح الثقبة، وهي مثال العين الفوارة، ثم يتخذ آلةً في نزح الماء عن الطاس على مثال الدَّلو، بالإضافة إلى ماء البئر، فلا يزال ينزح، والماء يفور، وهو يقدّر ما يخرجه، وقد تقدّر عنده ماء الطاس أولًا، فهو دائب كذلك، حتى لا يبقى مما فتته شيء، وقد صفا الماء، فليتخذ ذلك دستوره في ماء البئر، ويقيس فورانَ العيون وجمةَ البئر، وما ينزحه، بما ضربته مثلًا ".
تأمل كيف صوّر نزحَ البئر، وتطهيرَ مائه من هذه النجاسة التي تفتتت وانتشرت، صوّر ذلك بهذا الجهاز البديع الذي اخترعه؛ حتى يؤكد إمكان تحقيق التطهير بهذه الطريقة.
* والأمثلة على هذه البراعة كثيرة بين يديك، وفيما ذكرناه الكفاية لإيضاح المعنى الذي نريده.
* ومما يستحق أن نسجله هنا أننا كنا نعجب من براعة الإمام الغزالي في هذا الباب، وبخاصة في كتابه (المنقذ من الضلال) و(تهافت الفلاسفة)، حتى بلغ بي
[ ٢٧٨ ]
¬الإعجاب أن اقترحت على أحد الباحثين أن يجعل أطروحته بعنوان (البراعة والتفنن في ضرب المثل عند أبي حامد الغزالي) والآن عرفت أن هذه البذرة كانت عند إمام الحرمين، فنمت وترعرعت، واهتزت وربت عند تلميذه الإمام الغزالي.