لما استوى علم الفقه على سوقه، واستقامت مناهج الأئمة، ودوّنت المذاهب المتبوعة، وصار لكل إمام تلاميذ ورواة يحملون علمه، ويروون نصوصه، انتشرت هذه النصوص، وصار الفقهاءُ أتباعُ كل إمام يلتزمون نصوصه، ويجعلونها أساس استنباطهم وبحثهم، وموضعَ تفصيلهم وتفريعهم.
وكان مختصر المزني الذي جمع نصوص الشافعي من أوفر الكتب حظًَّا وقبولًا لدى علماء الشافعية وأئمة المذهب، فقد شرحه منذ فجر التأليف في المذهب جمعٌ من الأئمة منهم:
ابن سريج المتوفى ٣٠٦ هـ
أبو إسحاق المروزي المتوفى ٣٤٠ هـ
أبو علي الطبري المتوفى ٣٥٠ هـ
القاضي أبو حامد المرورُّوذي المتوفى ٣٦٢ هـ
القاضي أبو الحسن الجوري المتوفى بعد ٣٠٠ هـ
الشيخ أبو علي السنجي المتوفى ٤٢٧ وقيل ٤٣٠ هـ
الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني المتوفى ٤١٨ هـ
القاضي أبو علي البندنيجي المتوفى ٤٢٥ هـ
القاضي أبو الطيب الطبري المتوفى ٤٥٠ هـ
[ ٢٢٣ ]
¬الشيخ أبو بكر الصيدلاني المتوفى ٣٢٧ هـ
قاضي القضاة أبو الحسن الماوردي المتوفى ٤٥٠ هـ
وفي هذا المضمار جرى إمام الحرمين أيضًا، فنسج على منوال هؤلاء الأئمة، وشرح مختصر المزني بكتابنا هذا.
(نهاية المطلب في دراية المذهب)
وننبه هنا أن المراد بالشرح ليس حل الألفاظ، وبيان غوامض التراكيب، وإنما الشرح الذي رأيناه -في الحاوي للماوردي، وفي النهاية لإمام الحرمين- هو جعل نصّ الشافعي أصلًا تُستنبط منه الأحكام، وحوله يدور التبويب والتفصيل، والمسائل والفروع.
ولذا وجدنا إمام الحرمين يقول في مقدمة (النهاية):
" وسأجري على أبواب (المختصر) ومسائلها جهدي، ولا أعتني بالكلام على ألفاظ (السواد) (١)، فقد تناهى في إيضاحها الأئمة الماضون، ولكني أنسب النصوص التي نقلها المزني إليه، وأتعرض لشرح مايتعلق بالفقه منها -إن شاء الله تعالى- وما اشتهر فيه خلاف الأصحاب ذكرته، وما ذكر فيه وجهٌ كريب منقاس، ذكرتُ ندوره وانقياسه ".
ولم يذع وينتشر من هذه الشروح -فيما نقدِّر- سوى اثنين: (الحاوي) للماوردي، و(نهاية المطلب) لإمام الحرمين، ولكن الذي كان له التأثير الأكبر، وصار عليه المعوّل، هو (نهاية المطلب)، فعنه ومنه وحده -تقريبًا- كان أَخْذُ الأئمة واستمدادهم، بل شاع بينهم القول: " منذ صنف الإمام كتابه (نهاية المطلب) لم يشتغل الناس إلا بكلام الإمام " (٢).
_________________
(١) السواد: المراد به (مختصر المزني).
(٢) انظر الشكل الخامس.
[ ٢٢٤ ]