اهتم إمام الحرمين في كتابه هذا بوضع القواعد والضوابط اهتمامًا بالغًا، وإذ نقول ذلك لا نقوله لما رأيناه من كثرة القواعد والضوابط التي رأيناها في كتابه، وإنما نقوله بلسانه، حيث أعلن مرارًا وتكرارًا: " أن من أجلّ مقاصده في هذا الكتاب هو التقعيد والتأصيل للأبواب والفصول، ووضع الضوابط التي تلم شعثها، وتجمع متفرقها " قال ذلك أوّلًا في خطبة الكتاب، حيث وصفه بأنه " يحوي تقرير القواعد، وتحرير الضوابط والمعاقد " ثم ردّده على طول الكتاب بأكثر من عبارة، ووضحه بأكثر من أسلوب، وهاك بعض نماذج وشواهد لما نقوله:
* من هذا الباب ما قاله في فصل شرط التيمم تقديم طلب الماء، حيث عقب على ذلك قائلًا: " ومما أحرص عليه جهدي أن أضبط مواضع الانتشار، وأوضح مقام الاستبهام، على مبلغ الإمكان، وقد يتأتى ذلك بأن نقدم المعلومات، حتى يرجع موضع الإشكال إلى ما يقرب النظر فيه ". اهـ
فهو يؤكد حرصه على ضبط مواضع الانتشار ثم هو يرى أن ذلك قد يكون بالتدريج، حيث يقدم المعلوم، لينطلق منه لتعليم المجهول.
وهذا ما استقر عليه علماء التربية المعاصرون، حيث يقررون أن الانتقال من المعلوم إلى المجهول هو الطريقة الصحيحة للتربية والتعليم.
* ولعل العبارة الآتية التي جاءت تعقيبًا على مسألة من مسائل كتاب القراض، تكون أكثر إيضاحًا لهذا المعنى الذي أشرنا إليه.
قال: " وقد بان الآن ومما أُجريه في هذا المجموع -ولا شك في تبرّم بني الزمان به- أني كثيرًا ما أجري المسائل على صيغة المباحثة، ثم هي تُفضي إلى مقر المذهب آخرًا، ويعلم المسترشد طريق الطلب، والنظر.
وهذا من أشرف مقاصد الكتاب، فلست أخل به لجهل من لا يدريه". اهـ
[ ٢٦٢ ]
¬فهو يؤكد أن هذا المنهج -المباحثة- يفضي إلى مقر المذهب، أي معاقده وضوابطه.
* ويؤكد أنه لا يحب أن تشغله التفاصيل والتقاسيم، بل يأتي منها بقدرٍ؛ توطئة لذكر المعاقد، أي القواعد والضوابط. وقد عبر عن ذلك بما قاله تعليقًا على تفريعه لبعض قضايا الإجارة، وما لو غصب غاصب الأرض المستأجرة؛ قال:
" وقد أكثر الأصحاب في التفاصيل والتقاسيم، وهذا فنٌّ لا أوثره في هذا المجموع، وقد تولّع المصنفون بتطويل الكلام بالإعادات، ونحن إذا كنا نضطر إلى مجاوزة الحد في كشف المشكلات، فينبغي أن نؤثر قبضَ الكلام في المعادات، ونقتصر على ذكر المعاقد والمرامز ".
* وفي كتاب الصلاة، بعدما أطال النَفَس في حكم قصر الصلاة عندما ينزل المسافر مقيما أثناء السفر، وسبب هذه الإقامة، وأنواع المسافرين بهذا السبب، قال: " وقد بقي وراء ذلك أهمُّ شيء بالاعتناء به، وهو نظام الفصل وترتيب القول فيه؛ فإنه كبر قدره، وانتشرت أطرافه ".
فهو يجعل الضابط الذي يلم شعث الفصل، ويجمع انتشاره أهم ما يعنيه، فهو أهم شيء في الفصل، ثم يأخذ في وضع الضابط، فيصوغه في دقةٍ وإحكام، ولا نرى داعيًا للإطالة بذكره هنا؛ فليس هذا موضوعَنا.
* وفي باب (الاستطابة) عندما يتكلم عن ضرورة رعاية العدد في أحجار الاستجمار، يعتذر عن الإطالة في الحديث عن ذلك قائلًا: " وإن أطلت الكلام في هذا، فليحتمل " معلّلًا هذه الإطالة بأنها كانت من أجل استخلاص الضابط الذي انتهى إليه، مؤكدًا أن ذلك هو غرضُه الأهم، من وراء هذا العمل، أي من وراء هذا الكتاب، فيقول: " فإن غرضي الأظهر في وضع هذا الكتاب التنبيه على قواعد الأحكام ومثاراتها؛ فإن صور الأحكام والمسائل فيها غير معدومة في المصنفات، فهذا أصل الباب، ومنه تتشعب المسائل ".
" بل يعلن تبرّمه وشكواه -مرارًا- من أن الأصحاب انصرفوا عن هذا الجانب أعني
[ ٢٦٣ ]
¬التقعيد، ووضع الضوابط - ولم يعتنوا به العناية اللائقة، فيقول:
" هذا ما أطلقه الأصحاب، وما ذكروه كلام مرسل، ومقصودنا ضبطه، ولم يهتم به أئمة المذهب، ولم يعملوا فيه وفي أمثاله القرائح الذكية، واكتفى الناقلون عنهم بظواهر الأمور، وانضم إليه قلة البحث، فصار أمثال ذلك عماية عمياء، والموفق من يهتدي إلى المأخذ الأعلى؛ فإن مذهب إمامنا الشافعي تَدْواره على الأصول، ومآخذ الشريعة " ثم استمرّ، فوضع ضابطًا شاملًا جامعًا (١).
* وحينما ينتشر الفصل، ويتشعب بصورة لا يمكن وضع ضابط يلم شعثه، ويجمع متفرقه، لا يتردد أن يعلن ضيقه وتبرّمه وأن ذلك شديد على نفسه، مثال ذلك: ما جاء في باب صلاة المسافر واشتراط مفارقة المنازل؛ حتى يسمى مسافرًا خائضًا في السفر، يفصل بين الخارج من بلدة والخارج من قرية، ثم من كان من أهل الخيام، ويحكي ما قاله الأصحاب في ذلك، وينتشر الكلام فيما يعدّ من البلدة وما لا يعدّ، وما يعدّ من القرية وما لا يعدّ، ويطول الكلام ويتشعب، ولا يمكن وضع ضابط له، فيعلن أن ذلك شديد على نفسه، فيختم الكلام قائلًا:
" فهذا منتهى التفصيل في المواضع التي يعتبر مجاوزتها، وما فصّلته غاية الإمكان فيه، وأشد ما أعانيه في هذا المجموع أمثال هذه الفصول؛ فإنها في الكتب منتشرة لا ضبط لها، ولست أرى فيها اعتناء من الأولين لمحاولة الضبط، والله ولي الإعانة والتوفيق، بمنّه ولطفه " فهذه العبارات تنطق بشدة تشوفه إلى وضع الضوابط والمعاقد، وتعبر عن ضيقه وتبرّمه لقلة عناية الأولين بهذا الجانب.
* وحينما تنتشر أطراف بعض الفصول، وتشتبك بفصولٍ وأبواب أخرى ينبه إلى أنه سيذكر الضابط في أخص الفصول به، وأولاها بذكره، ففي فصل النهي عن الاحتكار من كتاب البيوع، أخذ يفرق بين المحتكر الذي يلحقه اللعن والوعيد، ومن يدخر في وقت الرخاء، أو من يدّخر لأهله في وقت المخمصة واستحلال الميتة، وماذا يدّخر،
_________________
(١) لا نريد أن نطيل بذكر هذا الضابط وأمثاله؛ فليس هذا مكانه، ولو ذكرنا هذه الأمثلة والنماذج التي نومىء إليها، لخرجت هذه المقدمات عن وضعها، حيث يصير حجمها أضعافًا.
[ ٢٦٤ ]
¬رأى أن استيفاء الكلام ليس في هذا الموضع، فعقب قائلًا:
" فالقول في هذا وفي كل ما يدّخره كل إنسان لنفسه ولعياله ليس بالهين " ثم بين الموضع المناسب له، فقال: " وسأذكر فيه في باب المضطر أصلًا يرقى عن مجال الفقهاء، وننبه على قاعدة عظيمة إن شاء الله ﷿ ". اهـ
* وفي فصل ضرب الجزية وأنها على الرجال دون النساء ومن في حكمهم بعد تقرير هذا كخلاصةٍ للباب، قال: " ثم استيفاء مقصود الفصل يستدعي تقديم قاعدة بدّدها الأصحاب فلفَّقناها من كتبٍ، ولا بد من ضبطها، والإحاطة بها، ثم بعدها نخوض في المقاصد ".
هكذا يقدّم القاعدة وضبطها، ثم إذا تمت الإحاطة بها، يمكن الخوض في الفصل، أي في تفاصيل المسائل والصور معتمدًا على القاعدة مرجعًا.
ثم هو كما ترى يجدد الشكوى من قلة العناية من الأصحاب بقضية الضوابط والقواعد.
* وفي هذا المجال يزاوج بين منهجين، فحينًا يذكر المسائل، والصور، حتى إذا فرغ من تفصيلها وبيانها، استنبط منها الضابط الذي يجمع متفرقها، ويلم شعثها، كما مثلنا آنفا، وآنًا يقدم الأصول والضوابط قبل الخوض في المسائل والتفاصيل، فمن ذلك: " فصل نكاح المشركين على غير شرط الشرع إذا أسلما معًا أو متعاقبين " قال:
" هذا الفصل يستدعي تقديم أصول لا يستقلّ مقصود الفصل دونها، وهي أركان الباب، فالوجه أن نذكرها على نهاية البيان ثم نعود إلى الفصل، ونُتْبعه بعد نجازه مسائلَ الباب ".
* وشبيه بهذا ما قاله في مفتتح أحد فصول الخلع، حيث بدأ بوصف منهجه في مطلع الفصل، وأخذ بيدنا، ووضعها على تفاصيله، وطريقة تدريجه، وهذا نص كلامه: "والقول في ذلك (أي موضوع الفصل) مضطرب، ونحن نرى أن نجمع العِوض في نوعين، ونأتي في واحدٍ بالمسائل اللائقة مرسلة، ونذكر في كل مسألة ما بلغنا من قول الأئمة، حتى إذا استوعبنا مضمون كل نوعٍ بالمسائل، انعطفنا على
[ ٢٦٥ ]
¬ذكر جامعٍ ضابط إن شاء الله ﷿، ثم نحتم الفصل بعثرات وقعت، لا نعدها من المذهب، ولا نرى ترك نقلها". اهـ
فها هو وضع خطوات المنهج مقدِّمًا بها للكلام في الفصل، وهي كما ترى:
١ - عرض الموضوع في صورة مسائل تستوعب مضمونه.
٢ - حكاية أقوال الأئمة في كل صورة ومسألة.
٣ - وضع ضابط جامع، أخذًا من هذه المسائل والصور.
٤ - ذكر العثرات التي لا تعد من المذهب (مقتصرًا على من يستحق أن تحكى أقواله).
* ومن هذا ما جاء في باب الأذان عند حديثه عن أن الغرض من الأذان الإبلاغ، والإسماع حيث قال: " وإذا سبق الفقيه إلى اعتقاد ذلك، ورام الجريان على مراسم هذا المذهب في محاولة هذا الضبط في مكان الانتشار، فسيطرأ عليه التشوف إلى ضبطِ أقل ما يراعى في إجزاء الأذان مما يتعلق برفع الصوت، وهذا يستدعي تقديم أصل مقصودٍ في نفسه، وبذكره ينتظم ما نريد ". اهـ
وفي موضع آخر من باب الأذان يقول: " وهذه مسائل أرسلناها، وحكينا ما قيل فيها، ونحن الآن نبغي فيها ضابطًا، ونؤثر تخريج محل الوفاق والخلاف عليه إن شاء الله تعالى ".
هكذا (يقدم أصلًا أو يبغي ضابطًا)، فهو متشوف أبدًا إلى التأصيل والتقعيد، ووضع الضوابط.