من الطبيعي أن تتنوع المناهج بحسب موضوع كل مؤلف، ولكننا نستطيع أن نشير إلى سمات عامة نجدها في كل مؤلفاته، منها:
١ - الاقتصار على الجديد، وعدم الاكتفاء بحكاية كلام السابقين، وترداد مذاهبهم بدون إضافة أي جديد، أو استثمار ذلك في توليد معنى، أو ابتداع مبنى، فهو لا يدوّن في مصنفاته إلا الجديد الذي " لم يسبق إليه، ولم يزحم عليه " فإذا كان لا بد من حكاية أقوال السابقين، كان ذلك " في معرض التذرع إلى موضوعه، وفى إيجاز، وأحال كل شيء على محله وفنه ".
ويصرح بذلك قائلًا: " ولو ذهبت أذكر المقالات، وأستقصمها، وأنسبها إلى قائليها وأعزيها (١)، لخفت خصلتين:
إحداهما: خصلة أحاذرها في مصنفاتي وأتقيها، وتعافها نفسي الأبية وتحتويها، وهي سرد فصول من كلام المتقدمين مقول، وهذا عندي يتنزل منزلة الاختزال والانتحال، والتشبع بعلوم الأوائل، والإغارة على مصنفات الأفاضل" (الغياثي: فقرة ٢٤٢).
فانظر أيّ نفورٍ من هذا: اختزال -انتحال- إغارة.
ثم يرسم المنهج لمن يريد أن يؤلف، وهو يعني نفسَه، فيقول: " حق على كل من تتقاضاه قريحته تأليفًا، وجمعًا وترصيفًا، أن يجعل مضمون كتابه أمرًا لا يلفى في مجموع، وغرضًا لا يصادف في تصنيف ".
٢ - تحديد الغرض والغاية التي يتغياها من كل مؤلّف، وبعبارة أخرى تحرير
_________________
(١) هذا الفعل واوي ويائي: عزا يعزو، وعزا يعزي (كلاهما صواب).
[ ٢١٤ ]
¬المقصود وتخليصه مما يختلط به، جاء في مفتتح البرهان قوله: " حق على كل من يحاول الخوض في فن من فنون العلم أن يحيط، بالمقصود منه، وبالموادّ التي يستمد منها ذلك الفن، وبحقيقته وحدّه إن أمكنت عبارة سديدة على صناعة الحد، وإن عسر، فعليه أن يحاول الدرك بمسلك التقاسيم ".
وهذا مجرد لمعة مما في مؤلفاته.
٣ - تحديد معاني الألفاظ والمصطلحات التي تستخدم في مخاوضاته ومناقشاته، وعرضه لآرائه، يظهر هذا واضحًا في مقدمات كتبه: مثل الإرشاد، ولمع الأدلة، والبرهان، والكافية.
٤ - عرض آراء المخالفين وأدلتهم كاملة بكل أمانة ووضوح، ثم مناقشتها ودفعها، وقد رأينا أثر هذا في تلميذه حجة الإسلام الغزالي، الذي قيل: إنه عرض آراء المتفلسفة قبل أن يبين (تهافتها) بأحسن مما عرضها بها أصحابها.
٥ - التحرر من كل فكرة سابقة قبل البحث، وعدم التعصب لمذهبٍ بعينه، اسمعه يقول: " وأنا الآن أنخل للناظر جميع مصادر المذاهب ليحيط بها، ويقضي العجب منها، ويتنبه لسبب اختلاف الآراء فيها، وبجعل جزاءنا منه دعوة بخير " (١).
وأوضح من هذا قوله: " وحقنا أن نُحكِّم الأصول فيما نأتي ونذر، ولا نخرج بمسلك الحقائق ذبًا عن مذهب " (٢).
٦ - الدقة في الترتيب والتقسيم والتبويب، حتى تجد المسائل يأخذ بعضها بحُجز بعض، ويترتبه بعضها على بعض في تسلسل منطقي بديع، يعمد إلى ذلك عمدًا، وينبه إليه في ثنايا كتابه من آن لآخر، مثل قوله: " ونحن الآن نجدد العهد بترتيب يشمل على ما مضى من الكتاب، وعلى ما سيأتي منه، حتى يتجدد عهد الناظر بترتيب أبواب الكتاب، فإن معرفة الترتيب من أظهر الأعوان على درك مضمون العلوم القطعية " (٣)
_________________
(١) البرهان فقرة: ٥٠٦.
(٢) البرهان فقرة: ٥٣٢.
(٣) البرهان فقرة: ٤٨٦.
[ ٢١٥ ]
¬هكذا. يجدد العهد بالترتيب، لأنه من أظهر الأعوان على درك مضمون الكتاب.
وهذا الاهتمام بالترتيب والتبويب رأيناه أيضًا عند تلميذه حجة الإسلام الغزالي غايةً في الوضوح، والدقة، حتى تفوق فيه على شيخه.
٧ - التمييز بين المظنون والمقطوع، وبين ما يكفي فيه غلبة الظن، وما لا بد فيه من القطع، ويعلن أن منشأ الاختلاف في الرأي، وأن الزلل والخطأ في الفكر هو الخلط بين المقطوع والمظنون، ولذا نراه يقدم بين يدي كل قضية يعرضها، التمييزَ بين القطعيات والظنيات، فيقول عن " الخبط والتخليط والإفراط والتفريط " في قضايا الإمامة:
" والسبب الظاهر في ذلك، أن معظم الخائضين في هذا الفن يبغون مسلك القطع في مجال الظن، ويمزجون عَقْدهم باتباع الهوى، ويمرحون في تعاليل النفوس والمنى ".
ثم يقول: " ونحن بتوفيق الله نذكر معتبرًا يتميز به موضع القطع من محل الظن " (١).
ولا يفوته ﵁ أن يؤكد قيمة هذا الأساس من أسس المنهج؛ فيقول: " ومن وفقه الله تعالى للوقوف على هذه الأسطر، واتخذها في المعْوِصات مآبه ومثابه، لم يعتَصْ عليه مُعضل، ولم يخْف عليه مشكل، وسرد المقصود على موجب الصواب بأجمعه، ووضع كل معلوم ومظنون في موضعه وموقعه " (٢).
ويقول في ختام أحد الفصول مؤكدًا التزامه بهذا المنهج: " فقد نجز الفصل، مختومًا على التقدير بالمقطوع به في مقصوده، مثنى مما هو من فن المجتهدات، وقبيل المظنونات " (٣).
ولا يملّ من تأكيد هذا المعنى، والالتزام بهذا المنهج، فيقول في مفتتح الفصل الذى ختمه بالعبارة السابقة: " فنجري على الترتيب المقدّم والملتزم، ونبدأ بالمقطوع به " (٤).
_________________
(١) الغياثي الفقرات: ٦٩ - ٧٢.
(٢) الغياثي فقرة: ٧٢.
(٣) السابق: ٨١.
(٤) السابق: ٨٤.
[ ٢١٦ ]
¬ولو ذهبنا نتتبع الإشارات والتأكيدات لضرورة الالتزام بهذا المنهج، لأعيانا الحصر والعد، وضاقت الأوراق، وكلّت الأقلام.
٨ - الإيجاز والميل إلى الاقتصاد في غير مقصود الكتاب:
هذه السمة من سمات المنهج كالتي قبلها، لم نصل إليها بالملاحظة والاستقراء لمؤلفاته وآثاره فحسب، ولكنه يعلن عنها صراحة، ويؤكد التزامه بها بوضوح فيقول:
" على أني آتي فيها بالعجائب والآيات، وأشير بالمرامز إلى منتهى الغايات، وأوثر الأيجاز والتقليل، مع تحصيل شفاء الغليل، واختيار الإيجاز على التطويل، بعد وضوح ما عليه التعويل " (١).
ويقول عندما يقتضيه الموضوع البسطَ والإطالة: " وعلى المنتهي إلى هذا الموضع أن يقبل في هذه الإطالة عذري، ويحسِّن أمري " هكذا يعتذر إلى قارئه حينما شعر أنه خالف منهجه في التزام الإيجاز، فيمهد عذره قائلًا: " فقد انجرّ الكلام إلى غائلة، ومعاصة هائلة، لا يدركها أولو الآراء الفائلة، والوجه عندي قبض الكلام فيما لا يتعلق بالمقصود والمرام، وبسطه على أبلغ وجه في التمام فيما يتعلق بأحكام الإمام، وفيها الاتساق والانتظام " (٢).
ويكرر هذا المعنى نفسَه قائلًا: " فالوجه البسط في مقصود الكتاب، وإيثار القبض فيما ليس من موضوعه، وإحالة الاستقصاء في كل شيء على محله وفنِّه " (٣).
هكذا حينما تُعوص المشكلة، وتغمض المسألة، لا يتردّد في البسط والتفصيل، أما عندما يتضح المقصود والمعمود، فيجب قبض الكلام وإيثار الإيجاز.
٩ - تأصيل المسائل والقضايا:
يعمل دائمًا على تقديم أصل للمسألة ووضع ضابط لها، ثم يبدأ في مناقشات
_________________
(١) الغياثي فقرة: ٩.
(٢) السابق: ١٥٢.
(٣) السابق: ٢٧٣.
[ ٢١٧ ]
¬الجزئيات والفرعيات في ضوء الأصل الذي أَصَّله.
فمن ذلك قوله عند افتتاح الفصل الخاص بالتعديل والجرح: " ونقدم على غرضنا أصلًا هو مرجوع الكتاب وأصل الباب " (١) وقوله في موضع سابق: " وفي كل أصل من الأصول قاعدة كلية معتبرة، قكل تفصيل رجع إلى الأصل، فهو جارٍ على السييل المطلوب، وكل ما لم نجد مستندًا فيه، ومتعلقه تخييل ظن، فهو مُطرح " (٢).
١٠ - التحري والتدقيق في النقل عن الأئمة السابقين:
هذا مما يتبجح به بعض المعاصرين، ويسميه (التوثيق)، ويظنه من بدْع هذا العصر، ولكنه موجود أصيل في تراث أمتنا، وله مكانه ومكانته، وإمام الحرمين يضرب المثل في ذلك. ويعلِّمنا إياه، فيقول: " وحكى القاضي عن العراقيين طريقة أخرى، لم أطلع عليها مع بحثي عنها ".
فهو ينسب الطريقة (الرأي) إلى صاحبه، ثم يبين مصدره، وعمن أخذه، ثم يبحث عن صواب النقل حينما يتشكك في صدور هذا الرأي عن المنقول عنه، ويعلن أنه لم يطلع على هذا الرأي للعراقيين (المنقول عنهم) مع طول بحثه.
ثم يؤكد خطأ هذا الرأي عنده، فيقول: " ولا شك أن ما حكاه غلط " وهنا غاية الدقة في العبارة: " إن ما حكاه غلط " ولم يقل: أخطأ العراقيون؛ لأنه غير واثق من صحة النقل، فيقول بعد العبارة السابقة مباشرة: " لكني أخشى أن يكون الناقل غالطًا " وتشككه هذا ليس شيئًا بالهوى والتشهي إنما هو مبني على معرفته بالمنقول عنه، وبحدود المسألة، وقيمة الرأي المنقول، ولذلك يقول: " فلا يستجيز المصير إلى ما حكاه عن العراقيين من أحاط بأطراف الكلام في أحكام هذه المعاملة " أي أن من عرف أطراف الكلام، أي الشادي المبتدىء لا يمكن عقلًا أن يصير إلى هذا الرأي ويقول به.
جاء هذا في (نهاية المطلب) عند الكلام عن إحدى مسائل القراض.
_________________
(١) البرهان فقرة: ٥٥٩.
(٢) السابق: ٥٥٧.
[ ٢١٨ ]
¬هذه أهم سمات وملامح منهج إمام الحرمين في مصنفاته بصفةٍ عامة وسنفرد فصلًا لملامح شخصيته وسمات منهجه في كتابه هذا بخاصة.