حينما ينقل الإمام الوجوه والأقوال عن الأصحاب الأعلام الذين يؤخذ عنهم المذهب لا يستسلم لكل ما يُرْوى ويُنقل، بل حينما يلوح الخلل فيما ينقل يأخذ في نقده بما يمكن أن نسميه النقد الداخلي والنقد الخارجي، أو بما يمكن أن نسميه نقد السند والمتن.
فمن ذلك حينما نقل الناقلون عن القفال القول بانقطاع النكاح إذا أسلم الزوج المشرك، وعندما أسلم أَحْرم، ثم أسلمت زوجته وهو محرم، وكذا إذا نكح في الشرك، ثم إن المرأة وطئت بشبهة بعد جريان النكاح، وجرت في العدة، فلحق الإسلام النكاح والمرأة في عدة الشبهة، فينقطع النكاح عند القفال في هذه الصورة أيضًا، كذا نقل النقلة.
تتبع الإمام هذا القول، وعرف مصدره، ثم قال: " هذا مما حكاه أصحاب القاضي عن القفال على هذا النسق، وأورده بعض المصنفين عنه على هذا الوجه ".
[ ٢٥٨ ]
¬إذًا فمصدر هذا الكلام القفال المتوفى سنة ٤١٧ هـ نقله عنه أصحاب القاضي المتوفى سنة ٤٦٢ هـ ولما لم يطئمن الإمام إلى نسبة هذا إلى القفال، بحث عنه عند من اختص بنقل نصوص القفال، وهو الصيدلاني المتوفى سنة ٤٢٧ هـ، فلم يجده؛ بل وجد الصيدلاني نقل عكسه، ونص عبارته: " ولم يورد الصيدلاني هذا في طريقه (أي مؤلَّفه) المقصور على مذهب القفال ومسلكه، بل أورد عنه ضد ما أوردناه ". اهـ
فهو يردّ حكاية أصحاب القاضي عن القفال، ويقبل حكاية الصيدلاني عنه، فهو
أولى وأحرى بالقبول، أولًا - لأنه ينقل عن شيخه مباشرة، وثانيًا - لأن مؤلفه خاص بنقل نصوص القفال.
ثم لا ينسى أن يشير إلى (بعض المصنفين) فيمن يضعف نقلهم، ولا يصحح روايتهم، ويعني -دائمًا- ببعض المصنفين أبا القاسم الفوراني، وهو كثير الحط عليه وتضعيفه من جهة النقل، على حد تعبير السبكي.
* ومن هذا الباب أيضًا ما جاء في مسألة وطء الأب جارية الابن، وثبوت الاستيلاد بهذا الوطء، وهل هناك فرق بين الموسر والمعسر؟ فنجد الإمام يقول: " فأما الفصل بين الموسر والمعسر في ثبوت الاستيلاد عند وطء الأب جارية الابن، فلم أره لصاحب التقريب، مع اعتنائي بالبحث عن كتابه، ولم ينقل أصحابنا هذا القول إلا عنه ".
فها أنت تراه يبحث عن المصدر الذي استقى منه الأصحاب هذا " الفصل بين الموسر والمعسر "، فلا يجد لهم سندًا إلا كلام صاحب التقريب.
فيبحث في كتابه (التقريب) بعناية، ولا يجد هذا بين دفتيه، فيعجب أشد العجب، ويسجل عجبه، وأنه لا يجد سندًا لهذا الوجه.
ومما لا حظناه أن الرافعي حكى هذا عن (التقريب) أيضًا، وحكى قول الإمام في المسألة، ولكنه لم يشر إلى تشككه في نسبة هذا القول المحكي عن صاحب التقريب" (١).
_________________
(١) ر. الشرح الكبير: ٨/ ١٨٣.
[ ٢٥٩ ]
¬* وفي مسألة من مسائل القراض -لا نُطيل بذكرها- يقول: " وحكى القاضي عن العراقيين طريقة أخرى، لم أطلع عليها من مسالكهم، على طول بحثي عنها ".
فالمنهج -كما ترى- نسبة الطريقة إلى أصحابها، ومعرفة الناقل، ثم عندما وجد المنقول غير صحيح ولا مقبول رجّح الخطأ في النقل، ولذا " أطال البحث عن مسالك العراقيين ".
ثم عقب قائلًا: " ولا شك أن ما حكاه غلط " أي فقهًا.
ولذا يتردّد في نسبة هذا الغلط إلى العراقيين (أي أئمة العراق من أصحابنا) فيقول: " ولكن أخشى أن يكون الناقل غالطًا " ثم يؤكد هذه الخشية، ويجعلها استبعادًا عقليًا، فيقول: " فلا يستجيز المصير إلى ما حكاه عن العراقيين من أحاط بأطراف الكلام في أحكام هذه المعاملة ". اهـ
وكأنه بهذا يقطع بخطأ النقل، فلا يجوز عقلًا أن يقع في هذا الخطأ من عنده إحاطة بأطراف المسألة.
* وهذا المنهج -حملُ الخطأ على النقل- عليه شواهد وأمثلة كثيرة: منها ما جاء في النفقة على اللقيط المنبوذ من ماله، فقد قال: " وذكر العراقيون وجهًا بعيدًا: أن القاضي لا يأذن له (أي ملتقط المنبوذ) في صَرْف مال الطفل إلى نفقته، وهذا بعيد، لا أعرف له وجهًا، ولا آمن أن يكون غلطةً من ناسخ " فعندما وجد الخطأ واضحًا غير محتمل على أي وجه، لم يحمل القائل على الجهل، وعدم الفقه، ولكن ردّ القول برفق، وجعل له احتمالًا آخر، وهو أن يكون غلطة من ناسخ.
* ومن هذا أيضًا ما ذكره في كتاب الحج عن الكلام عند فوات الحج والصد عن البيت وأن من فاته الحج وصُدّ عن البيت يلزمه دمان: دم الفوات ودم الحصر، قال وهو يحكي أقوال أئمة المذهب: " وذكر صاحب التقريب خبطًا في كتابه مشعرًا بأنه لم يقف على كلام ابن سريج، فلا معنى لذكره، وقد يحمل ما في الكلام من الخبط على خلل النسخة ".
فهو يدقق فيما يُنْسب إلى الأئمة، وحينما يرى في كتبهم ما لا يليق بهم، يبحث،
[ ٢٦٠ ]
¬ويتقصى، ويراجع أكثر من نسخة، وأكثر من مصدر، ويجعل لاحتمال خلل النسخة مجالًا.
* وإذا كنا قد سجلنا هذا منهجًا لإمام الحرمين، وأقمنا الدليل عليه من نصوص عباراته في كتابنا هذا، فقد سبقنا إلى ذلك إمامٌ جليل من أئمة المذهب، وهو شهاب الدين أبو إسحاق، إبراهيم بن عبد الله، المعروف بابن أبي الدم المتوفى سنة ٦٤٢ هـ، فقد وصف الإمامَ بأنه " معروف بشدة تتبعه كلامَ من تقدمه بالبحث والتحقيق "، وذلك عندما نقل في كتابه (أدب القضاء) ما حكاه إمام الحرمين عن أبي حنيفة في تعريف المدعي والمدعى عليه، وهاك عبارته بنصها، قال: " وقال الإمام: المدعي عند أبي حنيفة من يثبت الشيء لنفسه، والمدعى عليه من يثبت عن غيره، وفي نسخة أخرى (أي من النهاية): " من ينفيه عن غيره ". هذا نقل الإمام عن ذلك الحبر الإمام، ولم يزد عليه شيئًا، مع شدة لتبعه كلامَ من تقدّمه بالبحث والتحقيق ".
فابن أبي الدم يعجب من نقل الإمام عن أبي حنيفة هذا الحدَّ للمدعي والمدعى عليه، بدون أن يبين خلل هذا الكلام، أو يبحث عن زلله، " ولم يزد عليه شيئًا " وهذا غير معهود من إمام الحرمين. وواضح أن ابن أبي الدم راجع نقل الإمام في نسخةٍ أخرى من النهاية، ولم يرتض هذا ولا ذلك.
وبعد أن بين بطلان حد المدعي من جهة المعنى، بأن يكون المدعي وكيلًا، أو وصيًّا، أو ناظر وقف، فهو لا يُثبت لنفسه، بعد هذا قال: إن بطلان حد المدعى عليه واضح لا يحتاج إلى كلام؛ فهو كلام غير مستقيم -على النسختين- " وإنما صوابه: ينفيه عن نفسه " (١) ثم قال: " وعندي أن هذا زلل من النساخ؛ فإن منصب هذا الإمام (يعني أبا حنيفة) أجلّ من قول مثل هذا " (٢).
_________________
(١) هذا الذي قدره ابن أبي الدم هو الذي تجده في مصادر الأحناف، انظر على سبيل المثال: الاختيار: ٢/ ١٠٩، وتحفة الفقهاء: ٣/ ١٨١، وبدائع الصنائع: ٦/ ٢٢٤، وروضة القضاة: ١/ ١٦٥، ١٦٦.
(٢) ر. أدب القضاء، لابن أبي الدم، بتحقيق محمد الزحيلي: ١٨٥.
[ ٢٦١ ]
¬ويعنينا من عرض هذه المسألة إثبات ما نحاوله " من أن شدة تتبع كلام المتقدمين بالبحث والتحقيق " كان صفة لازمة لإمام الحرمين، عرف بها، وشاعت عنه.