وكان الأمر الثالث الذي ساعد على بلوغ الإمام هذه المكانة، وجعله يتبوأ هذه المنزلة هو ما يعبر عنه في أيامنا هذه بالاستعداد الفطري، والموهبة، فقد حباه الله سبحانه بصفات نادرة منها:
* أنه كان يتمتع بذاكرة نادرة، وحافظة لاقطة، روَوْا عنه أنه " كان يذكر دروسًا يقع كل واحد منها في عدة أوراق، ولا يتلعثم في كلمة منها، ولا يحتاج إلى إبدال كلمة منها مكان غيرها، بل يمر فيها مرًا كالبرق الخاطف، بصوت مطابقٍ كالرعد القاصف " (١).
* كما وهبه الله ذكاء نادرًا، فقد ظهرت عليه مخايل النجابة والنبوغ من صغره، حتى " كان أبوه يُزهَى بطبعه وتحصيله، وجودة قريحته، وكياسة غريزته، لما يرى فيه من المخايل " (٢).
وقد هيأ له ذلك الذكاء، وهذا النبوغ، تلك المنزلة التي جعلت الأئمة يُقعدونه للتدريس مكان أبيه، وهو دون العشرين سنة (٣)، على حين كانت نيسابور تموج بالأئمة الأعلام.
* كما تميز بصبر ودأب نادرين في طلب العلم والبحث، فمع أنه أقعد للتدريس مكان أبيه مبكرًا، إلا أن ذلك لم يشغله عن البحث والدرس، " فكان يقيم الرسمَ في درسه ويخرج منه إلى مدرسة البيهقي يتتلمذ على أبي القاسم الإسكافي " (٤).
" وكان يبكر قبل الاشتغال بدرس نفسه إلى مسجد الأستاذ أبي عبد الله الخبازي يقرأ عليه القراءات ويقتبس من كل نوع من العلوم " (٥).
_________________
(١) وفيات الأعيان ٢/ ٣٤١.
(٢) تبيين كذب المفتري ٢/ورقة ٧٤.
(٣) المنتظم ٧ ورقة ١.
(٤) تبيين كذب المفتري: ٢/ورقة ٧٥.
(٥) السابق نفسه.
[ ١٩١ ]
¬روى ابن عساكر بسنده أن إمام الحرمين كان يقول: "أنا لا أنام، ولا آكل عادة، وإنما أنام إذا غلبني النوم ليلًا كان أو نهارًا، وآكل إذا اشتهيت الطعام، أيَّ وقت كان" (١).
* كان يؤمن أن العلم لا نهاية له، ولا حدود، وما كان يترك فرصة يستزيد فيها علمًا، إلا واغتنمها، وسعى إليها: في سنة ٤٦٩ هـ، وهو في ذلك الحين إمام الأئمة، فخر الإسلام، وكان قد جاوز الخمسين من عمره، في ذلك الحين قدم إلى نيسابور الشيخ أبو الحسن علي بن فَضَّال بن علي المجاشعي، النحوي، الأديب، فقابله إمام الحرمين بالإكرام، وأخذ في قراءة النحو عليه والتلمذة له، وكان يحمله كل يوم إلى داره، ويقرأ عليه كتاب (إكسير الذهب في صناعة الأدب) وكان المجاشعي يقول: " ما رأيت عاشقًا للعلم -أي نوعِ كان- مثل هذا الإمام " (٢).
* التواضع " فما كان يستصغر شأن أحد أيًا كان، حتى يسمع كلامه، شاديًا كان أو متناهيًا، فإن أصاب كياسةً في طبع، أو جريًا على منهاج الحقيقة، استفاد منه صغيرًا أو كبيرًا، ولا يستنكف أن يعزو الفائدة المستفادة إلى قائلها، ويقول: هذه الفائدة مما استفدته من فلان " (٣).
ولعل أوضح ما يوضح ذلك -مما لا نعرف له مثيلًا- أنه كان لا يستنكف أن يتعلم من تلاميذه بعض الفنون التي نبغوا فيها، ولا يجد في ذلك حرجًا، ولا غضاضة، جاء في ترجمة الإمام عبد الرحيم بن الإمام عبد الكريم أبي القاسم القشيري: " تخرج على إمام الحرمين، وواظب على درسه، وصحبه ليلًا ونهارًا، وكان الإمام يعتد به، ويستفرغ أكثر أيامه معه، مستفيدًا منه بعض مسائل الحساب في الفرائض، والدَّوْر، والوصية " (٤).
وليس هذا فقط، بل كان ينقل عنه ما يتعلّمه منه، ويدوّنه في كتبه، قال
_________________
(١) التبيين: نفسه.
(٢) طبقات السبكي: ٥/ ١٨٠.
(٣) التبين: ٢/ورقة ٧٩.
(٤) طبقات السبكي ٧/ ١٦٥.
[ ١٩٢ ]
¬السبكي: " وأعظم ما عظم به الإمام عبد الرحيم أن إمام الحرمين نقل عنه في كتاب الوصية (١)، وهذه مرتبةٌ رفيعة " (٢) رضي الله عن إمام الحرمين، ورضي الله عن إمامنا الشافعي، الذي كان يقول لتلميذه أحمد بن حنبل: " يا أحمد إذا صح عندك الحديث، فأعلمني به ".
* ومع هذا التواضع، كان حرّ الرأي والضمير، لا يقلد أحدًا، ولا يلتزم إلا بالدليل، ولا يخضع إلا للبرهان، " فمنذ شبابه رفض أن يقلد والده وأصحابه، وأخذ في التحقيق " (٣) وفي هذا المجال " لم يكن يحابي أحدًا، ولو كان أباه، أو أحد الأئمة المشهورين، قال في اعتراض على والده: هذه زلة من الشيخ ﵀ " (٤).
* كان من الكرم والسخاء مضرب الأمثال، ولم يشتغل بمالٍ يثمره، أو يدّخره، بل " كان ينفق من ميراثه، ومن معلوم له على المتفقهة " (٥).
* كذلك رزقه الله رقة القلب والخشوع، حتى إنه " كان يبكي إذا سمع بيتًا، أو تفكر في نفسه ساعة، وإذا وعظ ألبس الأنفس من الخشية ثوبًا جديدًا، ونادته القلوب: إننا بشر فأسجح، فلسنا بالجبال ولا الحديدا " (٦).
في هذه البيئة العلمية درج، وفي هذا البيت الطاهر نما، وبهذه المواهب الربانية سما ونبغ.