اختار إمام الحرمين في كتابه هذا أن يلتزم الجريان على ترتيب (مختصر المزني)، وأكد ذلك في خطبة كتابه قائلًا: " وسأجري على أبواب المختصر ومسائله جهدي "، هذا وعده في خطبة الكتاب، وقد وفى به فعلًا، فجاء كتابه على ترتيب أبواب المختصر ومسائله.
[ ٢٦٦ ]
¬وقد قلنا -من قبل- في كلامنا عن منزلة (النهاية): إنها شرحٌ (لمختصر المزني)، بمعنى أنه كان يأتي بالجملة من المختصر -الذي هو عبارة عن نصوص الشافعي- ويجعلها أصلًا للباب: يدور عليها التفريع، ومنها يكون الاستنباط، وعليها يقوم بناء القواعد والضوابط، مضى الإمام في كتابه على ترتيب أبواب المختصر ومسائله بهذا المعنى.
أثر هذا الالتزام في كتاب النهاية:
لقد أدى هذا الالتزام بترتيب المختصر الذي فرضه الإمام على نفسه إلى حرمانه من التبويب والتفصيل والتفريع بالأسلوب المنطقي الرائع الذي رأيناه في كتابه (البرهان) والذي بلغ القمّة، وأوفى على الغاية في كتابه (الغياثي)، حيث قسّم الكتاب إلى (أركان) وكل ركن إلى (أبواب)، وكل باب إلى (فصول)، وكان ينبه إلى وجه هذا التقسيم وسرّه في أوائل (الأركان) و(الأبواب) و(الفصول)، ويبين كيف يُبنى بعضها على بعض، ويتولّد بعضها من بعض، وكان الإمام على ذُكرٍ -دائمًا- لأثر هذا الترتيب، ينبهنا إليه، ويذكرنا به، فيقول مثلًا: " ونحن الآن نجدد العهد بترتيب يشتمل على ما مضى من الكتاب، وعلى ما سيأتي منه، حتى يتجدد عهد الناظر بترتيب أبواب الكتاب؛ فإن معرفة الترتيب من أظهر الأعوان على درك مضمون العلوم القطعية " (١).
كان المأمول والمعقول أن تكون (النهاية) -وهي من أواخر تآليف الإمام- أن تكون أكثر ضبطًا، وأبلغ إحكامًا في الترتيب والتبويب، وأن تُبرّ (٢) في ذلك على مؤلفاته كلها، ولكن الجريان على ترتيب (المختصر) حال دون ذلك.
حقًا، وجدنا الإمام -أحيانًا- عندما تطول الأبواب والفصول يضع لها ترتيبًا منطقيًا، واضح المعالم، بيّن القسمات، وينبهنا إلى هذا الترتيب، ويدلنا عليه.
_________________
(١) البرهان: ١/فقرة: ٤٨٦، وانظر مقدمتنا لكتاب (الغياثي) ص ٦٤ م.
(٢) أبرّ (بالراء المهملة) على أقرانه: زاد عليهم، وغلبهم (القاموس المحيط، والمعجم الوسيط).
[ ٢٦٧ ]
¬ولكن الذي لم يتحقق في (النهاية) هو البناء العضوي المتكامل، أو الوحدة العضوية، التي تجعل الكتاب خلْقا سويًا متناسق الأعضاء، كل باب منه، وكل فصل فيه، يُبنَى على ما قبله، ويلد ما بعده، على صورة منطقية، وهيئة عقلية.
لم يتحقق هذا في (النهاية).
تبرّم الإمام بهذا الترتيب:
ولم يكن الإمام راضيًا على هذا الترتيب الذي التزمه في كتابه (النهاية)، ولكنه اتبعه (تيمُّنًا) بترتيب المزني في (مختصره)، وقد صرح بذلك قائلًا: " ذكر المزني أحكام جناية المكاتَب، وأحكامَ الجناية عليه في أبواب، ولو نظم جميعها في تقسيمٍ، لكان أضبط، ولكننا تيمنَّا بالجريان على مراسمه ".
ومرة ثانية يعلن عدم رضاه عن هذا الترتيب، عندما قال: " ولو لم نلتزم الجريان على ترتيب (السواد) (١)، لأخرنا هذا الفصل إلى ذاك الباب، لانعطافه في جوانبه على مضمون ذلك الباب (٢)، ولكن نتبع الترتيب، ومسلك الشارحين ".
الخروج على ترتيب المختصر أحيانًا:
ومع إعلان التزامه بترتيب المختصر، وتيمنه باتباعه، كان ينبهنا إلى أنه يخرج -مضطرًا- على هذا الترتيب، معتذرًا بأنه خروج (محتمل)؛ حيث يكون في أضيق الحدود، مثال ذلك قوله - في كتاب البيوع: "ونحن قد التزمنا في هذا المجموع الجريان على ترتيب المختصر في الأبواب والمسائل، فإن اقتضى الحالُ في بعض
_________________
(١) السواد: أي مختصر المزني. ولفظ (السواد) يأتي بمعنى المتن والأصل، وهذا غير منصوص في المعاجم، ولكني أخذته عن شيخي شيخ العربية، الشيخ محمود محمد شاكر، برّد الله مضجعه.
(٢) الباب المشار إليه هو (باب مكاتبة بعض العبد) والفصل الذي كان يتمنى تأخيره هو الفصل الذي عقده لأحكام (المنازعة بين عبدٍ يدّعي الكتابة، وبين وارثين) وتمام عبارته: ( إذا كاتب الرجل عبدًا ومات، وخلفه مكاتبًا، وترك ابنين معترفين بالكتابة، فهذا يتعلق بأطراف الكلام في مكاتبة بعض العبد، وسيأتي فيها باب معقود، ولو لم نلتزم الجريان على ترتيب (السواد)، لأخرنا هذا الفصل إلى ذلك الباب.
[ ٢٦٨ ]
¬المواضع تقديمَ مؤخرٍ، وتأخير مقدمٍ؛ حتى يلقَى الناظرُ المقاصدَ مجموعة، سهُلَ احتمال هذا".
وفي كتاب البيوع أيضًا، يعلن مرة ثانية أنه سيخرج على ترتيب المختصر، فيقول عند الكلام عن العيوب في المبيع: " وقد رأينا أن نأتي في هذا الباب بفصول العيب متوالية، ولا نلتزم ترتيب (السواد) ".
ثم يشتد به الضيق، ويزداد التبرّم، فيعلن أن ترتيب المختصر لا يُقبل، وأنه لن يلتزمه، وذلك قوله في آخر باب صوم التمتع بالعمرة إلى الحج: " ثم ذكر المزني في آخر الباب طرفًا من الكلام في طواف الوداع، فلم أر ذكره؛ فإن ذكر طواف الوداع قبل بيان أركان الحج بعيدٌ عن الترتيب المطلوب " انتهى بنصه.
بل تندُّ منه لفظةٌ مُعْرِبةٌ عن بالغ نقده حينما يقول:
" لم يرعَ المزني ترتيب مسائل الحج كما ينبغي، بل أتى بها إتيانًا يُشعر بقصد التشويش، ولكنا التزمنا الجريان على ترتيب المختصر ". انظر " يُشعر بقصد التشويش "!
* وأحيانًا يعتذر عن التشويش وعدم الترتيب، والإتيان بالمسائل في غير موضعها، وكأنه يعلن أنه لم يفعل ذلك عن غفلة، ولكنه الالتزام بترتيب (المختصر)، ففي كتاب الغصب عند الكلام عن ضمان المغصوب، والقيمة المعتبرة في هذا الباب - قال بعد انتهاء الباب: " ثم ذكر الشافعي جملًا تتعلّق بقضايا الضمان في تصرفات صاحب اليد المضمنة (١)، وتلك الأحكام تأتي مفرّقة في محالّها، ولكنا نتبع ترتيب (المختصر)؛ فنذكر منها ما يليق بشرح السواد ".
* ومن هذا الباب ما جاء في كلامه عن أحكام العبد المأذون له في التجارة، فقد قال: " وفي المأذون وتصرفاته، وتصرفات المولى فيما في يده أحكام سيأتي ذكرها في كتاب النكاح -إن شاء الله تعالى- ولو جمعنا أحكام المأذون، لطال الباب، ولسنا نلتزم مثل هذا؛ فإنه يُحْوِج إلى الخروج عن التزام ترتيب (السواد) ". اهـ
_________________
(١) أي ذكرها في المختصر.
[ ٢٦٩ ]
¬فها هو ينبه إلى أن بعض أحكام المأذون ستأتي في كتاب النكاح، وأن حقها أن تكون هنا، وأن يجمع كل أحكام المأذن في نسق واحد، ولكنه لا يفعل؛ لأن هذا سيُحْوِجه إلى الخروج عن ترتيب (السواد)، وقد ألزم نفسه به.
هذه نماذج من عبارات الإمام تكفي لبيان أثر التزامه ترتيب المختصر، وأن تيمُّنه بهذا الترتيب هو الذي حال بينه وبين ما عهدناه في كتبه الأخرى من إحكامٍ وضبطٍ في الترتيب والتبويب والتفصيل، وأنه كان أمام ترتيب المختصر، بين مخالفة يسيرة محتملة، وبين اتباعٍ والتزام على غير رضًا، ينبه على سببه، ويبين ما كان ينبغي أن يكون، والمواضع التي عبر فيها الإمام عن ذلك لا تقع تحت خصر، وما ذكرناه مجرد أمثلة ونماذج.
الترتيب بين النهاية والبسيط:
كتاب (البسيط) للإمام الغزالي حجة الإسلام، مبنيٌّ على كتاب شيخه (النهاية) ولكن الغزالي استطاع أن يأتي بترتيب بديع، بلغ الغاية في الضبط والإحكام؛ حيث أخذ فقه إمام الحرمين، ولكنه لم يلتزم ترتيبه، بل اتبع ترتيبًا عجيبًا لم يسبق إليه، يقوم على منطق واضح القسمات، بيِّن الملامح، فهو -فيما نعلم- أول من قسم الفقه إلى أرباع، ونص على ذلك صراحة: ربع العبادات، وربع المعاملات، وربع المناكحات، وربع الجراح.
ثم يبدأ كلّ كتابٍ بتمهيد، ثم يبين في سطورٍ معدودات، أقسام الكتاب، وأبوابه، وموضوع كل منها، ولنعرض ما جاء في أول كتاب الحج نموذجًا لهذا الترتيب:
افتتح كتاب الحج بذكر أدلة الحج، ثم قال: " هذا تمهيد الباب، ومقاصده يحصرها ثلاثة أقسام:
الأول - في المقدمات والسوابق، وهي شرائط صحة الحج ووجوبه، ومواقيت الحج.
الثاني - في المقاصد، وهي ما يجب فعله وتركه في الحج، وكيفية وجوه أدائه.
[ ٢٧٠ ]
¬الثالث - في التوابع واللواحق، وهي فوات الحج والدماء الواجبة فيه، وأبدالها ". اهـ.
ثم إذا جاء إلى كل واحد من الأقسام الثلاثة، قسمها إلى أبواب، والباب إلى فصول، والفصل إلى مسائل أو مباحث، فإذا شذّ عن ذلك شيء أتى بها آخرًا تحت عنوان (فرع) أو (فروع).
وقد كان الغزالي متفطنًا لقيمة عمله، مباهيًا به، وذلك قولُه في خطبة الكتاب:
" وقد أتيتُ فيه بترتيبٍ، خف -مع كبر حجم الكتاب- محمله، وسهل مع غموض معانيه تناوله؛ ترغيبًا لأولي المآرب، وتسهيلًا على الراغب الطالب ". اهـ