أكد إمام الحرمين -كما أشرنا من قبل- أنه وضع هذا الكتاب لبيان مذهب الشافعي وتحريره، وأنه ليس من غرضه ذكر المذاهب المخالفة؛ ومن أجل هذا رأيناه يعلل
[ ٢٧١ ]
¬لإيراده أحيانًا بعض مسائل الحنفية وغيرهم، ويبين أن ذلك أيضًا من أجل بيان وتوضيح مذهب الشافعي.
ولذلك رأيناه يقول: " ونحن نأتي بها (أي المسائل التي خالف فيها أبو حنيفة) ونخرجها على أصلنا، ونبين مذهب أبي حنيفة فيها، وننبه على مأخذه.
والغرض من ذكر مسائل الخلاف بيان الأصول التي بنيت عليها، والفرق بين الأصول ".
* ويؤكد هذا المعنى بصورة أكثر وضوحًا، عندما يعقب على مسألة من مسائل كتاب النكاح، وخلاف أبي حنيفة فيها، فيقول: " ونذكر أصول مذهب أبي حنيفة والغرض من ذكرها أن يكون تقييدًا لمذهبنا في الحفظ؛ فإن الشيء قد يحفظ بذكر ضده ".
سابعًا - إنصافٌ للمذاهب المخالفة:
مع تمذهب الإمام وشافعيته، لا يتردد في نصرة المذهب المخالف حين يرى أن الحق معه، ففي مسألة من مسائل كتاب الصداق، بعد أن يورد مذهب محمد بن الحسن، نجده يقول: " وهذا الذي ذكره غير بعيد عن مسلك الفقه " ثم يقول: " وكنا نود لو كان هذا مذهبًا لبعض الأصحاب ".
قال هذا تعقيبًا على قول محمد بن الحسن: " إن زاد المسمى على مهر المثل، وزادها بالشرط، لغا الشرط، وصحت التسمية، وإن نقص إلى آخر المسألة ".
* وبعد أن حكى قول أبي حنيفة: " إن على من ترك التكبيرات الزائدة في صلاة العيد السجودُ " قال: " وكنت أود أن يصير إلى ذلك صائر من أصحابنا؛ من جهة أن التكبيرات الزائدة في صلاة العيد قريبة الشبه بالقنوت ".
* بل لا يتردد في وصف مذهب أبي حنيفة في إحدى المسائل " بأنه منتظم "، وأن " الذي أطلقه أصحابنا فيه إشكال ".
وهذه هي مسألة المُحرز من قطار الإبل، وهذا نصُّ ما جاء فيها:
قال الأئمة: قطار الإبل محرز بالقائد.
[ ٢٧٢ ]
¬وقال أبو حنيفة: إن قادها، فالمحرز هو البعير الأول، وإن ساقها، فالجميع محرزٌ به، وإن ركب واحدًا، فمركوبه، وما أمامه، وواحد من ورائه، مُحرز به.
وهذا المذهب منتظم. والذي أطلق أصحابنا فيه إشكال". اهـ
ثم فسر كلام الأصحاب بما يوافق مذهب أبي حنيفة، وعقب قائلًا: " ولا يجوز أن يعتقد الأمر إلا كذلك ".
* وفي مسألة من مسائل الوديعة واختلاف المودِع والمودعَ وكان الإيداع من شخصين، وكيفية إجراء الخصومة معهما، يقول: " وذكر أئمتنا في طرقهم أن اليمين الواحدة تكفيه في حقهما، وقال أبو حنيفة:
لا بد أن يحلف لكل واحد منهما يمينًا، وهذا عندي محتملٌ في القياس؛ فإن خصومة كل واحد منهما منفصلة عن خصومة الثاني. وهذا احتمال، والمذهب ما نقلته ".
فها هو يرى أن القياس قول أبي حنيفة، ويعلل لهذا الرأي، ولكنه يميز بين ما يُبديه من رأي والمذهب، فيقول: " والمذهب ما نقلته ".
* وفي فصل زكاة الحلي بعد أن أفاض في بيان المذهب، وأن الزكاة لا تجب في الحلي عندنا، وذكر مذهب أبي حنيفة، وخلافه في ذلك عقب قائلًا:
" ولا يخفى على ناظرٍ في وجه الرأي أن الأصح في القياس إيجاب الزكاة في الحلي ".
فهو -كما ترى- ينصف المذهب المخالف، وكأنه يرى رأيه، ولكنه دائمًا يؤكد " أن المذهب نقلٌ ".
* وفي مسألة من مسائل طلاق المريض، والتفريع على القديم والقول بالفرار من الميراث، يذكر مذهب أبي حنيفة في المسألة، ثم يقول: " وكنت أودّ لو كان ذاك مذهبًا لأصحابنا ".
* وفي التيمم يكاد ينصر مذهب مالك في الاكتفاء على الكفين، مستدلًا بما رواه عن عمار بن ياسر: " التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة للكفين " فيقول إمام
[ ٢٧٣ ]
¬الحرمين: " وهذا الخبر بعيدٌ عن قبول التأويل ".
* بل لا يتردد في إنصاف أبي القاسم الفوراني الذي لم يذكره باسمه مرةً واحدة على طول الكتاب، فيقول عنه دائمًا: " بعض المصنفين " وهو كثير الحط عليه، ومع ذلك لا يتردد في إنصافه عندما يرى الحق في جانبه.
ترى ذلك في أكثر من موضع، ولا داعي للإطالة بذكر المسائل والأمثلة، ونكتفي بالرمز إلى ذلك.
ثامنًا - معرفة الواقع والإحاطة به:
إن من يقرأ كتابنا هذا يجد الإمام -عندما يتكلم في قضية من القضايا- عارفًا بواقع الحياة من حوله، محيطًا بدقائق المسألة التي يتكلم فيها بصورة تلفت النظر، ولنضرب لذلك أمثلة:
* فالذي يقرأ كلامه عن بيع النخيل المؤبر، ولمن تكون الثمرة، ويرى وصفه للطلع، وحديثه عن ذكوره وإناثه، وشرحه لكيفية التأبير، وتشقيق الطلع أو تشققه، وعادة الذين يعملون بالتأبير وأنهم يؤبرون بعضًا، ويتركون بعضًا، وأن الريح تنقل طلع الذكور، فتقوم بالتأبير.
وأن الطلع لا يخرج كله في وقت واحد، بل يخرج متداركًا بعضه وراء بعض إذا كان نوع النخيل واحدًا.
أما إذا كان النخيل مختلف الأنواع، فلا يتدارك الطلع، بل يتقدم بعضه، ويتأخر بعضه إلى آخر ما قال.
إن من نشأ في القرى، وعاش بين من يقومون على بساتين النخيل، لو قيل له: صف هذا الذي يعملون، ما استطاع أن يأتي بمثل هذا الوصف، وهذا التدقيق.
وقس على ذلك كلامه في قضايا الصناعات: من قِصارة، وصباغة، وخياطة، ونحوها.
وهذا يؤكد أن أئمتنا وفقهاءنا -وإمام الحرمين نموذج منهم- لم يكونوا منفصلين عن مجتمعهم وواقعهم كما يزعم الزاعمون.
[ ٢٧٤ ]
¬* ومثال آخر عند حديثه عن استئجار الأرض للزراعة، واشتراط إمكان حصول الماء لها، ثم كلامه عن نهر النيل بمصر -وهذا عجيب جدًا- والزراعة (البَعْلية) (١) على شاطئيه، وطريقة الري بالحياض، التي تعلمناها في المدارس في كتب الجغرافيا بالخرائط والصور، والشرح والتمثيل. إن من يقرأ كلام الإمام يعجب أشد العجب، كيف أحاط بهذه الأمور بهذه الدقيقة، وهو لم يرحل إلى مصر، وبالقطع لم يقع في يده كتاب من كتب الجغرافيا؛ فإن ذلك شيء لم يكن موجودًا من قبل!!!
وأنا -لمعرفتي بدّقة هذا الكلام- أجزم أن إمام الحرمين استوصف واستفصل من أحد الفقهاء -أو غير الفقهاء- الذين عاشوا في مصر، وعاينوا هذه الأمور.
* وقريب من هذا حديثه في كتاب الزكاة عن بساتين النخيل التي تُطلع مرتين في العام، وعن البساتين التي تحوي أكثر من نوع من النخيل يختلف أوان جدادها، وعمن يملك أكثر من بستان في تهامة ونجد غيرها، وتختلف أوقات الجداد، وكيف تحسب الزكوات في كل حالة، إن من يقرأ كلامه في هذا الموضع يخيل إليه أنه عايش أصحاب هذه البساتين، وعرف أحوالها.
وليس من المعقول أن نقول: إن هذه المعرفة بهذا التفصيل وقعت له عرضًا في السنوات الأربع التي جاور فيها الحرمين الشريفين؛ فإن هذه المعرفة -بهذه الدقة- لا بد أن تكون مقصودة، وتحصيلها والإحاطة بها عن قصدٍ وتتبع.
* ومن هذا أيضًا معرفتُه بمصطلحات التجار، وألفاظ المتعاملين في السوق، واعتمادها في الأحكام، ففي باب بيع المرابحة والحطيطة يذكر المصطلح الدائر على الألسنة باللغة الفارسية، كأن يبيعه بربح (ده يازدة) أو (دو بازدة)، ويعرض لهذه المسألة في الجزء الذي أفرده للجبر والحساب، وألحقه بالوصايا.
_________________
(١) الزراعة البعلية في مصر، وهي التي يسمونها أيضًا (ريَّ الحياض): هي التي تعتمد على مياه الفيضان، بمعنى أن يبذر الفلاح البذور في الأرض التي غمرها الفيضان لمدة نحو شهرين - بعد انحسار الماء عنها، ولا تروى بعد ذلك، وأغلب ما يزرع بهذه الطريقة العدس، والفول، ويكون أجود ما يكون عندما يزرع بهذه الطريقة.
[ ٢٧٥ ]
¬فهناك يعرض للخلاف بين الفقهاء والحُسّاب في طريقة حساب الخسائر، فيقول: " وإن باعه بخسران (ده يازده)، فالذي ذهب إليه جمهور الفقهاء أن العشرة تجري أحد عشر، ونحط منها جزءًا.
والذي رآه الحُسّاب أن لفظ خسران (ده يازده) معناه نقصان عُشرٍ تام، وهو نقيصة درهم من عشرة.
والذي ذكره جماهير الفقهاء متَّجهٌ في اللفظ، ولا وقع لهذا في الباب الذي نحن فيه؛ فإن هذا الباب ليس مُدارًا على الألفاظ ومعانيها، وإنما هو مدار على ما يقع ".
تأمل قوله: " مدار على ما يقع "، فهو يرعى اصطلاح الناس، وواقعهم، والمعنى الذي يفهمونه من ألفاظهم ومصطلحاتهم، وإن خالف مدلول الألفاظ ومعانيها.
ثم هو يجري في بابٍ على ما يليق به، ففي باب الطلاق والخلع يدير الباب على معاني الألفاظ ومدلولاتها، حيث لا يوجد ما يخرجها عن ذلك.
* وربما كان من ذلك تنبيهه إلى رعاية العرف وتحكيمه، من مثل قوله: " ومن لم يمزج العرف في المعاملات بفقهها، لم يكن على حظٍّ كاملٍ فيها " وقوله: " والتعويل في التفاصيل على العرف، وأعرف الناس به أعرفهم بفقه المعاملات ".
* ويعد من هذا الباب -البصر بالواقع- أيضًا ما قاله عند الحديث عن الكفاءة في النكاح، وقد جعل منها الانتساب إلى شجرة الرسول ﷺ، وإلى العلماء وإلى الصالحين، ثم استثنى الانتساب إلى عظماء الدنيا، فقال:
" فأما الانتساب إلى عظماء الدنيا -وجماهيرهم ظلمة، استولَوْا على الرقاب، فهم يُعظَّمون رغبة ورهبة، والشرع بائح بحط مراتبهم في الدين- فلا تعويل على أنسابهم، وإن كانوا قد يتفاخرون بها ".
فهذا يوحي، بل يشهد وينطق بأنه يعيش واقعه، وأنه غير راضٍ عن واقع الحال الذي استولى فيه الظلمة على الرقاب.
[ ٢٧٦ ]