هذا الكتاب ثمرة صحبة طويلة لإمام الحرمين، أَرْبت هذه الصحبة على الأربعين عامًا، وهذه الصحبة لم تكن عن اختيار مني أو تدبير، بل العكس هو الصحيح، فقد كنت أُقدِّر لدراساتي وحياتي العلمية طريقًا غير هذا الطريق، ومَيْدانًا غيرَ هذا الميدان، وفعلًا قدرتُ ودبرتُ، واخترتُ موضوعَ رسالتي للماجستير.
وبينا أنا في منزل أستاذي الدكتور مصطفى زيد أعرض عليه خُطة الموضوع، وكان به مُرحِّبًا، إذ دق جرس الهاتف وأخذ أستاذي الدكتور مصطفى في محادثةٍ طويلة، عرفتُ منها أن الذي على الطرف الآخر هو أستاذُ أستاذي الشيخ محمد أبو زهرة، ولما طالت المحادثة، ووجد أستاذي أنه قد شُغل عن ضيفه كثيرًا، أراد أن يجاملني، فقال للشيخ أبو زهرة: عندي فلان، وهو يقرئك السلام، ثم أردف: هنِّئه، غدًا سنعرض موضوعَ رسالته على القِسْم، فسأل الشيخُ أبو زهرة عن الموضوع، وما إن أجابه الدكتور مصطفى حتى احتدَّ الشيخ أبو زهرة، وفهمت أنه يرفض الموضوع (١)، والدكتور مصطفى يدافع، ويقول: اطمئن يا أستاذنا، عبد العظيم من أولادنا، لا تخف، أنا أضمنه، إنه من المتحنثين [وكنت أسمع هذه الجملة أول مرة تجري في حديثٍ بين شخصين وعهدي بها أنها من ألفاظ الكتب والمعاجم].
ثم انتهت المكالمة. وراح الدكتور مصطفى في صمت، ولم يُقبل على ما كنا فيه من مراجعة خُطة الموضوع، ولما رأى في عيني التساؤلَ، قال: انتهى الأمر، نبحث عن موضوع آخر، وأُسقط في يدي، وظهر علي الضيق والألم، بل والغضب المتمرد، فقال الدكتور مصطفى مجيبًا عن كل التساؤلات التي تمور بداخلي: أنا لا أستطيع أن أخالف أمر الشيخ أبو زهرة. ثم أجاب عن عدة أسئلة لم أتفوَّه بها: هو
_________________
(١) كان الموضوع عن الربا وصوره في بعض المعاملات المعاصرة، وكان المدُّ الاشتراكي في عنفوانه، فخشي الشيخ أبو زهرة من الوقوع تحت ضغط الواقع وتبريره، وكان ذلك شائعًا، وكلٌّ يحاول إلباس التأميم والمصادرة عمامة الإسلام، فمن هنا جاء رفض الشيخ ﵀ وبرّد مضجعه.
[ ١٩ ]
¬رئيس قسم وأنا رئيس قسم صحيح لكنه أستاذي، هو في كلية وأنا في كلية أخرى، ولكنه أستاذي، هو لا يملك أن يمنعني من التصرف ولكنه أستاذي.
ثم قال مجاملًا: والله يا عبد العظيم أنا أكثر ألمًا منك، ثم تمتم: ليتني ما ذكرت له الموضوع، وفعلًا هزتني هذه الكلمات، وبدأ الغضب الثائر في داخلي ينزاح ويترك مكانه هدوءًا وبردًا وأمنًا.
وهنا التمع وجه الدكتور مصطفى قائلًا: اسمع يا عبد العظيم لعل الله أراد بهذا لك خيرًا. بل هو بالقطع كل الخير. لن نُضيّع وقتًا، سنتخذ طريقًا آخر، بعيدًا تمامًا عن هذا الطريق. تذكرُ كتابَ " البرهان في أصول الفقه ". تذْكرُه لا شك. أنت نسختَ لي منه صفحات منذ مدة بعيدة. ما رأيك أن تكون رسالتك تحقيق البرهان؟ وقبل أن أجيب أردف قائلًا: تَذْكُر المقابلات بين نُسخ المخطوطات التي قمتَ بها معاونةً لنا حينما كنّا نحقق كتاب " السِّير الكبير بشرح السرخسي " (١). سيكون العمل ممتعًا لك.
ستتعلم شيئًا جديدًا. ستدخل ميدانًا رحبًا فسيحًا. كل ذلك وأنا في صمتٍ متأمل.
فقال: لماذا لا تتكلم؟ ما رأيك؟ وقبل أن أجيب قال: اعتمد على الله. على بركة الله. الموضوع موضوعي. وعليّ إجازته من مجلس القسم، ابدأ اليوم، فكِّر في خُطة الموضوع والمقدمة والدراسة، اذهب إلى دار الكتب، وجدِّد صلتك (بالبرهان).
وأخيرًا وجدت نفسي، فقلت مجيبًا أستاذي: على بركة الله. الحمد لله، قدّر الله وما شاء فعل، قلت ذلك باطمئنانٍ، ورضا، وثقة، مما جعل أستاذي يقبل عليّ معانقًا، قائلًا: مبروك.
_________________
(١) كانت جامعة القاهرة قد قررت نشر هذا الكتاب استجابة لطلب الجمعية الشيبانية الأوربية، التي كان من عملها نشر مؤلفات محمد بن الحسن الشيباني، وقد ألفت الجامعة لجنة لذلك العمل يتولى مدير الجامعة بنفسه إدارة العمل وتوفير احتياجاته، ويقوم أستاذنا الدكتور مصطفى زيد بتحقيق النص وإقامته، ويقوم العلامة أستاذ أستاذنا الشيخ أبو زهرة بالتقديم للكتاب، وكتابة ما يحتاج من شرح وتعليقات.
[ ٢٠ ]
¬هكذا كانت صلتي بإمام الحرمين بغير تقديرٍ أو تدبيرٍ منِّي، بل على عكس ما قدرتُ ودبرت، ولكن الله إذا أراد أمرًا قدّره، وهيأ له أسبابه، فمن ذا الذي أمسك ما سيّره، أو قدّم ما أخره، سبحانه سبحانه ما أعظم شأنه.
اندفعتُ في طريقي مع إمام الحرمين في صحبة طويلة، عشت معه في (نيسابور) حيث نشأ، ورأيت بيته حيث درج، وصَحِبْته إلى مجالس شيوخه، ومدارس أساتذته، ثم جلست إليه مع تلاميذه نسمع له، حيث أُجلس للتدريس وهو في نحو العشرين من عمره، وأَصَخْت إليه، وهو يخطب بالجامع المنيعي (أكبر جوامع نيسابور)، ورأيته والناس حوله يبكون ببكائه في مجالس وعظه وتذكيره.
ثم رأيته يصول ويجول في ميدان المناظرة يقمع دعاة الفتنة، ويرد شبهاتِ الزائغين، ويكشف زيفَ المبتدعين.
ثم رأيته يصطلي بنار المحنة ولهيبها، فيضطر للهجرة، ويصابر ويصبر، ويحتسب، من غير أن يتزعزع، أو يتلجلج.
ثم تتبّعتُ آثاره ومصنفاتِه، ورأيت كيف جال في أكثر من علم، وبرع في أكثر من فن، فخلف مصنفاتٍ تربو على الأربعين عدًّا، منها ما يصل إلى نحو عشرين مجلدًا، أسعفتنا الأقدار ببعض هذه المصنفات، فسلمت من المحن التي ابتلي بها تراث أمتنا، وبعضها سمعنا به ولمَّا نره بعد.
وأخذتُ مع هذا أعالج كتابه (البرهان) وأمازجُه، وأطيل الإصغاء؛ محاولًا أن أعي ما يريد الإمام أن يقوله في (لغز الأمة) (١)، وما زلت أسمع من الإمام وأُنصت إليه سنوات، حتى حسبتُ أنني فهمت عنه، وعرفت ماذا يريد أن يقول في كتابه.
كانت هذه هي المرحلة الأولى من تلك الصحبة المباركة مع شيخي وإمامي، إمام الحرمين، استمرت هذه المرحلة سبعَ سنواتٍ مباركات، وكان من ثمرتها:
_________________
(١) لغز الأمة هو اللقب أو الاسم الذي أطلقه السبكي على البرهان. (الطبقات: ٥/ ١٩٢).
[ ٢١ ]
¬١ - دراسة طبعت وحدها بعنوان (إمام الحرمين - حياته وعصره - آثاره وفكره).
٢ - تحقيق وتقديم كتاب (البرهان في أصول الفقه).
ثم استأنفتُ المسيرةَ مع إمام الحرمين، أستمع إليه وأنصت، وأطيل الاستماع والإنصات، وأُديم التأمل فيما أسمع من مؤلفاته كلها، وبخاصة كتابه الأكبر (نهاية المطلب) وأعرض ما أراه عنده، وما أسمع منه على ما سبقه من كتب المذهب، وأقارنه بما بعده من فقه الأئمة، محاولًا بذلك أن أصل -قدر الوُسع- إلى خصائص فقهه، ومنزلته في مجال الفقه، وكان من ثمرة هذه المرحلة البحثُ الذي قدمته للحصول على درجة الدكتوراة بعنوان: (فقه إمام الحرمين - خصائصه - أثره - منزلته).
وكان من الحقائق التي ظهرت لي، واستقرت عندي أن علم إمام الحرمين الأول هو علم الفقه، وأن الاشتغال بكتبه وآثاره في علم الكلام، واعتباره متكلمًا، قد شغل الناس -بغير حق- عن فقهه، ومنزلته، وجهوده، وأثره في إقامة المذهب الشافعي.
وكان من آثار هذه المرحلة وثمراتها أيضًا أنني قرأتُ كتابه (الغياثي) كلمة كلمة، وهيأته للتحقيق، وقد سجلت ذلك في مقدمتي لرسالة الدكتوراة، حيث قلت: " وكان من خيرات هذا البحث تحقيقُ كتاب (الغياثي) الذي يكاد يكون منتهيًا، أما كتاب (نهاية المطلب في دراية المذهب) فسيكون تحقيقه ونشره هو الثمرة التالية إن شاء الله ".
ثم قلت: " إن هذا البحث -على تواضعه- قد أتاح لنا الاتصالَ بتلك الثروة الفقهية النادرة، والاطلاعَ على ذخائرها وكنوزها، واكد لي صدق ما كنتُ -وما زلت- أردده دائمًا: من أننا لم نعرف من تاريخنا إلا ما أريد لنا أن نعرف، ولم نر من تراثنا إلا ما أريد لنا أن نرى.
ويوم أن تتاح لنا الفرصة لمعرفة تاريخنا كاملًا، ودراسة تراثنا كاملًا، يومها سنرى
[ ٢٢ ]
¬أية أمة هذه!! التي قادت العالم أكثر من ألف عام، وأية شريعة هذه التي أضاءت الدنيا، وبددت دياجيرها.
ولْنقل للحيارى الباحثين عن النجاة، والضاربين في كل اتجاه؛ جريًا وراء السراب، لنقل لهم ما قيل لبحارة السفينة التي ضلَّت طريقَها، حتى نَفِد منها الماء العذب، فأخذت تستغيث، فجاءها الرد: ألقوا دَلْوكم حيث أنتم. وتكررت الاستغاثة، وتكرر الردّ: ألْقوا دَلْوكم حيث أنتم فعادت الدلاء بالماء عذبًا سائغًا، ذلك أنهم كانوا فوق مياه نهر (الأمازون) التي يدفعها النهر في المحيط، وهم لا يشعرون.
فيا أيها الحيارى الجارون وراء السراب: " ألقوا دلوكم حيث أنتم. لنُلْقِ الدلاء، فما أزخر الأعماق عندنا بالعذب الفرات " (١).
كان هذا ما قلته، وهو يعبر عن إعجاب وتقدير لما اطلعت عليه -على قلّته- من تراثنا الفقهي.
أثمرت هذه المرحلة إذًا هذا البحثَ (فقه إمام الحرمين: خصائصه - أثره - ومنزلته) ثم تحقيقَ كتاب (الغياثي).
ورحت أتطلع لما وعدتُ به من تحقيق (نهاية المطلب)، ووقفت أسائل نفسي: هل أستطيع أن أقوم بهذا العمل؟ هل أتمكن من جمع صورٍ لمخطوطاته المبعثرة في خزائن العالم؟ وهل ستكوّن هذه الأجزاء نسخة كاملة؟ وفي كم من الزمن أستطيع أن أصل إلى هذا؟ وهل أُطيق قراءةَ هذا النصِّ وأُقيم تصحيفَه، وأصوب تحريفَه؟ ثم هل بقي في العمر فسحة تسع هذا العمل؟
وضعت هذه الأسئلة أمام عيني، ورحت أقلب الأمر على وجوهه، ووقفت حائرًا
_________________
(١) من مقدمة فقه إمام الحرمين: ١٦.
[ ٢٣ ]
¬مترددًا: أقدم رجلًا وأؤخر أخرى، يدفعني حبي لإمامي، وعشقي لتراثه، فأتقدم، وتردُّني هذه الصعوبات فأتأخر.
وما هو إلا أن شرح الله صدري، وربط على قلبي، فحزمت أمري، وعقدتُّ عزمي، فنفضت يدي من كل عملٍ سوى هذا العمل، وأقبلت عليه إقبال عاشق ولهان، وقضيت هذه السنوات التي تربو على الخمس والعشرين، أسيرَ هوى إمام الحرمين وكتابه، أبذل في سبيل ذلك كل ما أُطيق، بل فوق ما أطيق، أرتحل وراء المخطوطات حيث يعزّ جلبُ صورها بالمراسلات، والرجاءات، والوساطات، وأتابع إعدادها للعمل: من نقلٍ من الميكروفيلم إلى الأوراق، ثم أعكف عليها مفهرسًا مرتبًا، وفي ذلك من العناء ما فيه، " لا يعرف الشوق إلا من يكابده ".
ناهيك عما كان يحدث من مفاجآت حيث كنا نلهث وراء تصوير المخطوط، ونبذل ما نبذل، ثم نفاجأ بعد إظهار الفيلم أنه ليس من (نهاية المطلب) ولكنه من كتاب آخر، أخطأ مفهرسو الخزانة وسجّلوه باسم نهاية المطلب. ولكن المفاجأة الأبشع أن يشتبه رقم المخطوط ورمزه على المصوِّر فيترك (نهاية المطلب) وهو بين يديه ويصوّر لنا كتابًا آخر، ومن أعجب العجب أنّ ذلك تكرر معنا أربع مرات متتاليات، تأتينا مكررةً صورةُ كتابٍ آخرَ غيرِ الذي نريده، مع أننا كنا لا نألو جهدًا في توضيح المطلوب: حيث كنا نرسل صورةً لصفحة فهرس الخزانة، ونبين عليها الرقمَ المطلوب، ونذكُر بدءَ الجزء وخاتمته، ونؤكد أن هذا هو المطلوب!!! ومع ذلك كان ما كان. وأخيرًا قيض الله لنا من أهل العلم مَنْ أعاننا على الحصول على الصورة المطلوبة، فجزاه الله خير الجزاء.
والحديث عن المعاناة في هذا الجانب ووصف ما لقيناه وكابدناه، يضيق به المقام، وله مجالٌ غير هذا المجال.
وإنما ألمحت إلى طرفٍ من هذا العناء لأقول: لو أن هناك عملًا مؤسسيًّا يرعى تحقيق التراث ويعمل على حمايته ونشره، لو كانت هناك مؤسسات فاعلة جادة في هذا المجال، لتولّت عن المحققين هذه المرحلة المرهقة المتعبة من العمل، ولقامت هي بجمع صور المخطوطات جمعًا مستقصيًا بما يكون لديها من أجهزة
[ ٢٤ ]
¬متخصصة في هذا الشأن، ثم نقلتها من الميكروفيلم على الأرواق، وقدمتها جاهزة للمحققين، أتمنى أن يعود لأمتنا وعْيُها؛ فتعرف لهذا التراث حقَّه وقدره.!!
أما معاناة النص المخطوط، قراءةً وفهمًا وتقويمًا وتوضيحًا، وإضاءةً لِغَوامضه، وحلًاّ لمشكلاته، وجلاءً لمُعْوِصاته، فهذا هو عمل المحقق على الحقيقة، وهو لعمري عملٌ ممتع حقًا -على ما يأكل من الوقت والجهد- يعرف ذلك كلُّ من شرح الله صدره من أهل هذا الفن؛ من أجل هذا لم أكن أَضنّ على الكلمة أصوّب تصحيفها، أو الجملة أُقيم خَلَلَها، أو الفقرة أتبيّن مغزاها ومرماها، باليوم واليومين، بل بالأسبوع والأسبوعين، بل أحيانًا تظل الكلمة أو الجملة تراوحني وتغاديني إلى ما شاء الله، حتى يفتح الله لنافيها وجهًا.
وكم من ليالٍ قضيتها وصورة الكلمة تلازمني في فراشي، وتشاركني وسادي، وكم من مرَّة أهب من فراشي فرحًا مسرورًا، مكبرًا مهللًا، فقد انكشفت صورة الكلمة الصحيحة، أو استقام لي بناء الجملة، وأسجل ذلك حامدًا شاكرًا، عادًّا ذلك آية على رضا الله وقبوله وتوفيقه.
انقطعت لهذا الكتاب عن دنيا الناس، ووهبت له وقتي، وجهدي، وسرّي، وعلانيتي (١)، وبفضلٍ من الله وعونٍ انتصرت على نفسي، ورددتها عما كانت تجاذبني نحوه، وتدفعني إليه:
_________________
(١) ما انشغلت عن الإمام إلا به، فقد أخرجتُ في هذه الفترة القسم الأول من كتابه (الدرة المضية فيما وقع فيه الخلاف بين الشافعية والحنفية). ثم كان من فضل الله أن كلل مسعانا بالنجاح، فاحتفلت جامعة قطر بالذكرى الألفية لميلاد إمام الحرمين سنة ١٤١٩ هـ بإقامة ندوة عالمية قُدِّمتْ فيها أبحاث علمية رصينة شملت المجالات المتعددة لفكر الإمام ومنزلته وأثره، بلغت هذه الأبحاث نحو الثلاثين بحثًا، وكان لنا شرف الإعداد لهذه الندوة والإشراف عليها منذ قدمنا فكرتها إلى طباعة بحوثها.
[ ٢٥ ]
¬* من المشاركة في المؤتمرات والندوات، وفيها الذِّكْر والصِّيت، ولقاءُ الأعلام، ووراءها ما وراءها، وناهيك عن الأضواء والفلاشات.
* وكذلك المشاركة في التلفزة -بعد أن أخذتُ من ذلك بنصيب- وكنت مندفعًا في تياره، إلا أنني أمسكت وتماسكت سريعًا، ثم أحجمت وامتنعت امتناعًا جازمًا.
* أما الصحف والمجلات، فلم يكن لنا فيها إلا أنَّةُ المكلوم، ونَفْثةُ المصدور، نشارك بها أحيانًا: صرخة في وجه تزييف، أو كشفًا لتضليل، أو ردًّا لانحراف.
* ولكني مع ذلك -بحكم النشأة في العمل الإسلامي- لم أغب عن هموم أمتي ومتابعة ما يجري من حولي؛ فكم من مرة كنت أتناول بطاقة لأسطر عليها صرختي وآهتي، وأبثها مواجعي وآلامي، ثم أضعها جانبًا، ولا أهيئها للنشر؛ لابدّ للمكروب أن يتأوّه.
* بل شغلت بهذا الكتاب عن قضية من أخطر قضايانا الفكرية، وأعني بها هذا الخلل العتيد في فهم تاريخ أمتنا؛ فعندي أنه ما لم يصحح الدعاة وقادة العمل الإسلامي، وعلماء الأمة، أقول: العلماء والدعاة وقادة العمل الإسلامي، ما لم يصحح هؤلاء فهمهم لتاريخ الإسلام والمسلمين، فلن تستقيم الأمة على طريق.
وليس في هذا الكلام أدنى مبالغة، فالذي يحرِّك الأمة ويقودها، ويضيء لها الطريق هو ثقافتها، ولا ثقافة بغير تاريخ.
وعندي في هذا الموضوع الكثير الكثير مما يصحح أخطاء وأكاذيب تعلمناها وصارت عندنا بدهيات ومسلمات، وما زال الدعاة والعلماء يرددونها، ويتخذونها مرتكزًا لأفكارهم، ومنطلقًا لآرائهم، ومستندًا لأحكامهم.
بل الأدهى من ذلك أن هذه الأكاذيب والأغاليط التاريخية شكّلت وِجدانَ هؤلاء العلماء، وصاغت عواطفَهم، لم يَنْجُ من هذا أحد "إلا من رحم ربَّك وقليلٌ ما هم". وويلٌ للعقل من العاطفة، "حبك الشيء يُعمي ويُصم" رواه أبو داود وسكت عنه.
[ ٢٦ ]
¬نعم، هذا ما نراه من الواقع الثقافي لعلماء الأمة -مع اعترافنا بعلمهم وفضلهم- وما نراه من الدعاة وقادة العمل الإسلامي - مع تقديرنا لجهادهم وتضحياتهم، إن هؤلاء وهؤلاء يسلّمون بتلك المقولة التي صارت إحدى دعائم ثقافتنا، وأعني بها: " القول بأن الإسلام لم يُطَبَّق إلا في عصر الراشدين، بل إن الانحراف بدأ منذ عصر الخليفة الثالث " هذه المقولة تجدها صريحةً حينًا، وبين السطور حينًا، حتى إنك لتجد العلمانيين والملاحدة الذين يناوئون الدعوة إلى الإسلام يَجْبَهون الدعاة والعلماء بما في كتبهم، وما سطروه بأيديهم: قائلين لهم: أيَّ إسلام تريدون؟ إسلام عثمان بن عفان!! الذي رتع في مال الأمة وأباحه لبني أمية، ونفى أبا ذرٍّ ﵁، وأَرْكبَ قبيلته بني أمية رقابَ العباد، فجعلهم الولاة، والقادة، وخَزَنَة بيت المال.
أم تريدون إسلام معاوية وعمرو بن العاص الذي خدع أبا موسى الأشعري يوم التحكيم، أم تريدون إسلام يزيد الذي أباح المدينة لجنوده، وضرب الكعبة وهدمها بالمنجنيق، وقتل الحسين؟؟
أم تريدون إسلام أبي العباس السفاح؟ أم إسلام هارون الرشيد وليالي ألف ليلة وليلة؟ إلخ.
ولا يجد الإسلاميون جوابًا!! كيف!! وهذه المعاني مبثوثة في كتبهم، ودائرة على ألسنتهم!!
وعندما يُفحمون ويسقط في أيديهم يلجؤون إلى جوابٍ يظنون أنه ينفعهم ويخرجهم من ورطتهم؟ فيقولون: " إن الإسلام يحكم على البشر، والبشر لا يحكمون على الإسلام، فنحن لا ندعو إلى إسلام الأمويين، ولا إلى إسلام العباسيين، وإنما ندعو إلى الإسلام الصحيح الثابت في القرآن والسنة ".
ولكن هذا يرتد إلى نحورهم بداهةً، فيقال لهم: ما أشد غروركم، إذا كان الصحابة، والجيل الأول خير القرون قد عجزوا عن تطبيق الإسلام، فكيف تستطيعون أنتم تطبيقه؟؟ نريد مناهج قابلة للتطبيق؟ شيوعية، اشتراكية، ليبرالية، رأسمالية.
هكذا يتكلم العلمانيون وأعداء الحل الإسلامي. والإسلاميون -علماؤهم ودعاتهم - ينقطعون، ولا يُحيرون جوابًا.
[ ٢٧ ]
¬أرأيت إلى خطورة هذه القضية، قضية التاريخ) (١)!!
لقد سادت حضارتنا أكثر من ألف عام، وارتادت أمتنا للبشرية طريق الأخوة والأمن والأمان والحق والعدل، وحملت لواء العلم والفكر، والأدب والفن، في أطهر خُلق وأسمى سلوك.
هذه حقائق ومسلّمات يعترف بها العدوّ قبل الصديق، وسَجَّلها شُرّاح الحضارات، وفلاسفة التاريخ، ولكن عَجَزْنا حتى الآن أن نستخرج منها نموذجًا لصورة الإسلام مطبقًا نباهي بها الدنيا، وندعوها إليه، وبقي علماؤنا ودعاتنا يردّدون أكاذيب عن عثمان ﵁، ونفيه أبا ذرّ، وعن يزيد بن معاوية وإباحته المدينة، وهدمه الكعبة، وعبثه برأس الحسين، وكل ذلك باطل لا أصل له.!!!
ليس هذا استطرادًا ولا خروجًا عما نحن فيه، وإنما أردت بهذا أمرين:
الأول - أن أقول: إنني سعدتُ بكل ما فاتني بسبب إمام الحرمين وكتابه إلا هذه القضية، فكم كنت أتمنى أن أعطيها جهدًا أكبر، ووقتًا أكثر، ولكن ضعفت المُنّة، وضاق الوقت حتى عن إتمام بعض ما بدأت (٢).
_________________
(١) هذا استطرادٌ في غير محله، ومعالجةُ موضوع تاريخي طويل الذيول في مقدمة كتاب فقهي غيرُ مستحسن، والناس على تفاوت نزعاتهم تتحفظ على هذه الجزئية من المقدمة، ولذا فدار المنهاج تعتبر ذلك رأيًا خاصًا للمحقق، فلزم التنويه والتنبيه. (الناشر).
(٢) كان من عملنا في هذا المجال: ذ * بحث بعنوان (المنهج في كتابات الغربيين عن التاريخ الإسلامي) نشر في سلسلة كتاب الأمة رقم ٢٧. * ومجموعة بحوث جمعت في كتاب بعنوان (نحو رؤية جديدة للتاريخ الإسلامي) - دار الوفاء بمصر. * بحث بعنوان (الزبير بن العوام - الثروة والثورة) نشر بحولية كلية الشريعة - جامعة قطر. العدد (٣) وما زال في حاجة إلى مزيد بسط. * بحث بعنوان (من أخبار يزيد بن معاوية تحقيق وتمحيص) نشر بحولية مركز بحوث السيرة والسنة - جامعة قطر، العدد (٩). * وبحث لم ينشر يؤكد أن أبا ذر لم يخرج إلى الربذة منفيًا. =
[ ٢٨ ]
¬الثاني - والسبب الثاني في بسط هذه القضية هنا هو إظهار خطورتها، والتنبيه لآثارها؟ إبراء للذمة، وإعذارًا إلى الله تعالى، آملًا أن يَنْهَدَ لهذا الأمر من شباب العلماء والباحثين من يحقق الأمل، ويكمل العمل.
نعم، انقطعتُ لإمام الحرمين وكتابه عن كل هذه المجالات، أو بالأحرى صرفني الله عنها، فقد كانت متاحة ميسورة، مدَّ اليد، فتركناها -بعد أن ذقنا حلاوتها- عن قُدرةٍ عليها، ورغبة فيها، وذلك لا يكون إلا بفضلٍ من الله وعونه؟ فله سبحانه
الفضل والمنة.
كنت أقول لمن يدعوني للمشاركة في هذا العمل أو ذاك: إن إمام الحرمين يجالسني، ويراوحني ويغاديني، وهو أمامي على المكتب يأخذ على يدي إن هي امتدت لغير كتابه، كنت أستشعر هذا المعنى حقيقةً، فما كنت أغادر مكتبي إلا مضطرًا لأداء واجب عزاءٍ أو نحوه، وكنت أعود مسرعًا، وكأني أقدّم للإمام عذري.
ومضت السنون وتطاولت الأعوام، وطال العمل واستطال، وأنا صابرٌ جَلْد، غيرُ ضجرٍ ولا ملول، بل مستمتع مسرور، ومَنْ حولي يعجبون، وعن الكتاب يتساءلون: كل هاتيك الأعوام في كتاب واحد؟؟ ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٢] "لا يعرف الشوق إلا من يكابده".
تجاوزت الأعوام الخمسَ والعشرين عدًّا وأنا في صحبة إمام الحرمين، أعطيه ويعطيني: أعطيه وقتي وجهدي، وصبري واتئادي، وتأملي وأناتي، وحبي وعشقي، وشغفي وهيامي.
ويعطيني كل يومٍ جديدًا، يمنحني فرائد من الفقه، ودقائق من الأصول، وأوابد من النحو، ونوادر من اللغة، وشوارد من الحديث؛ ويطوف بي مرابع، ومجالس ومدارسَ، أسمع فيها من أعلام أمتي وأئمتها.
_________________
(١) = * وتحت الأعداد بحث عن عثمان ومال الأمة، وآخر عن قواد عثمان وعماله، وآخر مطول عن يزيد بن معاوية.
[ ٢٩ ]
¬وقد كان في هذا الانقطاع مكافأة أخرى؛ إذ كان مُغتربًا لي وملجأ ألوذ به من واقع فاسد مفسد، واقع بئيس، ابتلينا به وقُدِّر علينا أن نعيشه مقهورين، قدّر علينا أن نعيش هذا الزمان الذي نرى أمتنا تتحرك على المحندر بعد أن تمزقت دولًا متناحرة، ووصل الأمر أن حاضر الأمة -بعد أن ضل عن معرفة أعدائها- راح يشتبك مع ماضيها بحثًا عن ذرائع تبرر ما نحن فيه من هوان، فصرنا نستدعي رموزَ أمتنا وعظماءَ تاريخنا لنحاسبهم، فنجلدهم، ونركلهم، ونصفعهم، ثم نقتلهم سحلًا، واستشرى هذا الداء حتى عمّ وطمّ، فوجدنا من يلمز أول الخلفاء الراشدين واصفًا إياه بالديكتاتورية.!! واغوثاه!! ثم واغوثاه!!
ومما يجب أن أذكره أن كثيرًا من أبنائي وتلاميذي -وقد أحسنوا الظن بي- كانوا يغْشَون مجلسنا راغبين في تلقي العلم على طريقة الأسلاف. ولكن هموم العيش، وواجبات الوقت، ووعورة الطريق، وبُعد الشقة، أعجزهم عن الاستمرار -ولا ألومهم- فانصرفوا إلى الدراسة الرسمية، ومنهم من حصل فعلًا على الدكتوراة، وبعضهم في الطريق.
ولكن واحدًا منهم استطاع أن يقهر كلّ الشواغل، ويدفع كل الصوارف، فشرح الله صدره، وأنار قلبه، فدامت صحبتُه لنا سنوات مباركات تزيد على العشر، وفي كل يوم يزداد حبًا للعلم، وعشقًا للدرس، حتى صار الدأب في البحث طبعَه، والرغبة في استقصاء المسائل عادتَه.
ولما رأيته قد استوى عوده، واستقام أُملُوده، جعلت أقول له: يا بني يكفيك هذا معي، ابحث عن دراسة رسمية تنال بها (شهادة)، فالعصر عصر الشهادات، فكان لا يزيد عن أن يقول -في تواضع- " أريد أن أتعلم، أين أنا من العلم!! ".
ذلكم هو ابني الحبيب وتلميذي النجيب:
الأستاذ علي حسن الحمادي
ومن عجب أن دراسته في أصلها (البكالوريوس) ليست في العلم الشرعي،
[ ٣٠ ]
¬ولكنه -بفضل الله- طوّف بالمكتبة الإسلامية والعربية تطواف محب عاشق، لا متعجّل أو مُكرَه، فعرف أمهات المصادر والمراجع في كل الفنون تقريبًا، وبالصبر والمصابرة سَلِسَ له قيادها، ولان له عصيّها، وانفتحت له مغاليقها، وانكشفت له مُعْوِصاتها، فصار يحسن التلقِّي منها، ويجيد الأداء عنها، فاستكمل بذلك عُدة الباحث، وملكة المحقق.
وإني أضرع إلى الله سبحانه أن يديم عليه نعمة خب العلم، وعشق البحث، وأن يوفقه لخدمة تراث أمتنا العظيم، الذي صار من أكثر الناس له عشقًا.
كما أسأله سبحانه أن يجزيه خير الجزاء على ما قدّم لنا من عون في إخراج هذا الكتاب؛ فقد وفر لنا أوقاتًا ثمينة، وساعات غالية بتنقيره وتنقيبه عن مسائل الخلاف في كتب المذاهب الأخرى، وعن متون الحديث، حينما يعزّ الوصول إليها في المراجع القريبة والمواضع المعهودة.
كما أسأله سبحانه أن يوفقه لإخراج ما بين يديه من كنوز مذهب إمامنا الشافعي والله خير معين وناصر.
ثم بعد،،،
أستعير من إمام الحرمين قوله في خطبة هذا الكتاب، فأقول: "إن هذا العمل هو على التحقيق نتيجة عمري، وثمرة فكري في دهري".
كما أستعير منه ما قاله حين عجب من نقد (الصيدلاني) لشيخه (القفال) فيما لا يستحق النقد، فتضرع إلى الله قائلًا: " نسأل الله تعالى حسن الإعانة، وتقييض منصفين ينظرون في مجموعنا هذا، وهو ولي التوفيق ".
ومن كل من ينظر في عملنا هذا نرجو دعوةً لنا بظهر الغيب، وأن يهدي إلينا عيوبنا، وأن يلحق بالكتاب ما يتاكد لديه من تصويبات.
أما الذي يسرف على نفسه وعلينا بالعيب والطعن، وتتبع المعايب والمثالب،
[ ٣١ ]
¬فنقول له: حنانيك!! لو رأيت (النهاية) وهي أجزاء مفرقة، وأشلاء مبعثرة، وحاولت قراءتها في هاتيك الأوراق، وعانيت مطالعتها في تلك الصفحات، لأقصرت وأقلَلْت.!!
" والذي لا يردّه ذو مُسكة، ولا يرى خلافه ذو حُنكة، أن المتعنت تعبانُ متعب، والمنصف مستريحٌ مريح.
ومن ذا الذي أُعطي العصمة، وأحاط علمًا بكل كلمة؟ ومن طلب عيبًا وجده، فإنني أهل لأن أزلّ، وعن درك الصواب -بعد الاجتهاد- أضلّ!! فمن أراد منا العصمة، فليطلبها لنفسه أولًا، فإن أخطأته، فَقَدَ عذره وخاب، وإن زعم أنه أدركها، فليس من أهل الخطاب " (١).
كما أستعير من ياقوت الحموي أيضًا ماختم به خطبة كتابه، فما أشبه حاله بحالي، حتى كأنه ينطق بلساني فأقول بقوله: " ولما تطاولت في جمع هذا الكتاب الأعوام، وترادفت في تحصيل فوائده الشهور والأيام، ولم أنته منه إلى غاية أرضاها، وأقف على غَلوة (٢) -مع تواتر الرشق- فأقول: هي إياها، ورأيت تعثر قمر ليل الشباب بأذيال كسوف شمس المشيب وانهزامه، وولوجَ ربيع العمر على قيظ انقضائه بأمارات الهرم وانهدامه، وقفتُ هاهنا راجيًا فيه نيل الأمنيّة، بإهداء عروسه إلى الخطاب قبل المنية، وخشيتُ بغتة الموت، فبادرت بإبرازه الفَوْتَ.
على أنني من اقتحام ليل المنية عليّ قبل تبلّج فجره على الآفاق، لجدّ حذر وسألت الله ﷿ ألا يحرمنا ثواب التعب فيه، وألا يكلنا إلى أنفسنا فيما نحاوله وننويه، وجائزتي على ما أوضعت إليه ركاب خاطري، وأسهرت في تحصيله بدني وناظري، دعاءُ المستفيدين الناظرين، وذكر زكيٌّ من المؤمنين بأن أحشر في زمرة الصالحين ".
_________________
(١) من كلام ياقوت الحموي في مقدمة كتابه (معجم البلدان).
(٢) الغَلوة: مقدار رمية سهم، وتقدر بثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة.
[ ٣٢ ]
¬وأسأله سبحانه أن يهب لي خاتمة الخير، ويقيني مصارع السوء، ويتجاوز عن سيئاتي، ولا يفضحني بها يوم العرض، وأن يحلّني دار المقامة من فضله، بواسع عطائه وبالغ نواله، إنه الجواد الكريم، الغفور الرحيم، وإليه ضراعتي أن يغفر لوالدي، وأن يرحمهما كما ربياني صغيرًا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم (١).
الدوحة فجر يوم الإثنين الثالث والعشرين من ذي الحجة ١٤٢٣ هـ
الموافق الرابع والعشرين من فبراير ٢٠٠٣ م
_________________
(١) لقارئ هذه الخطبة أقول: قد لا يكون الكلام قد أخذ حقه من الاتساق، والأسلوبُ قد أخذ حظه من الانتظام، فإن رأيت شيئًا من هذا، فلا تعجل باللوم، ومهّد لي عذري، فقد كتبت هذه المقدمة، وأنا على حال من البأس مضاعفة: بأس في الجسد، تمثل في آلام في القلب، حذر معها الأطباء من القيام بأي مجهود، والاستعداد لعمل جراحة ليست بالهينة، مع تقدم السن وضعف الجسم، مما جعل الفكر مشتتًا، والذهن موزعًا. وبأس آخر جاء ضِعفًا على الأول، فها هي طبول الحرب الإنجلوأمريكية تدق منذرة بحرب ماحقة تهدّد باجتياح دار السلام: بغداد، مدينة المنصور، حاضرة الرشيد، والمأمون، والمعتصم، مقرّ دار الحكمة، ومقام أبي حنيفة النعمان، وأحمد بن حنبل، بغداد التي ظلت حاضرة الإسلام، بل حاضرة الدنيا قرونًا، سيطبق عليها تتار العصر غدًا أو بعد غد، وحكام المسلمين اليوم مثل أسلافهم سنة ٦٥٦ هـ عندما اجتاح هولاكو بغداد، وإذا كانت المقادير في الجولة الأولى أسعفتنا بعد عامين فقط ٦٥٨ هـ بسيف الدين قطز (وعين جالوت) التي ثأرت لبغداد وردت التتار القدامى على أعقابهم، فهل نأمل في سيف الدين قطز بعد عامين؟ قولوا: اللهم آمين.
[ ٣٣ ]