(من أوائل القرن الثاني الهجري إلى ما بعد منتصف القرن الثالث).
نستطيع أن نحدد أبرز ملامح المجتمع على النحو التالي (٢):
* هدأت الفتوحات، وبلغت الدولة أقصى اتساعها.
* بدأ الرخاء يلقي ظلاله الوارفة على أقطار الدولة الإسلامية.
* تم الامتزاج بين العرب والموالي، حيث تعرب هؤلاء، وشاركوا العرب في سياسة الدولة، وتبليغ الرسالة، بل فاقوهم في كثير (٣) من الأحيان.
* بدأ تَمَثُّل الحضارت القديمة التي حملها أبناؤها من الموالي، والتي تُرجمت علومها وفلسفتها إلى العربية؛ فحيث الهدوء والرخاء والفراغ من الفتح كان المجال مفتوحًا، والفرصة متاحة لتناول ثمار تلك الحضارات، وإعادة تشكيلها وهضمها.
* تطورت الحياة العقلية وارتقت وازدهرت، وانتشرت حلقات الدرس والبحث، وأقبلت الأكباد الظامئة على الارتواء من العلم.
* ما قلناه لا يتنافى مع ما حدث من انقلاب العباسيين على الأمويين في تلك
_________________
(١) تاريخ المذاهب الفقهية لأبي زهرة: ٣٥.
(٢) انظر تاريخ الإسلام السياسي لحسن إبراهيم، وظهر الإسلام لأحمد أمين.
(٣) يرى ابن خلدون في مقدمته أن أكثر حملة العلوم الإسلامية من الموالي: ٤/ ١٢٤٧.
[ ٨٥ ]
¬الفترة، وما كان من ثورات هنا أو هناك، فهذه الفترة تزيد على مائة وخمسين سنة، فلا ينقض ما قلناه حدوث قلاقل في شهور أو سنة أو سنتين، فى هذا الجانب من الدولة أو ذاك.
- كان من الطبيعي أن يواكب هذا الاستقرار والاتساع الحضاري، وهذا الرقي والنهوض الفكري والعقلي، كان من الطييعي أن يواكب ذلك ازدهارٌ في الفقه وعلوم الشريعة، وقد تمثل هذا الازدهار (١) في:
* ازدياد حفاظ القرآن، والعناية بأدائه ورواية قراءاته، فقد كان هذا العصر هو العصر الذي استقرت فيه القراءة عند القراء السبعة.
* تدوين السنة؛ فقد كان هذا عصرًا مجيدًا للسنة؛ حيث أخذ رواتها يتنبهون إلى وجوب تصنيفها بحسب الموضوع، وظهر من رجال السنة طبقة بعد طبقة، قامت الطبقة الأولى بتدوين السنة مختلطة بفتاوى الصحابة كالموطأ للإمام مالك، وقامت الطبقة الثانية بتدوين الحديث وحده، فألفوا ما عرف بالمسانيد، وأشهرها: مسند أحمد بن حنبل.
ثم جاءت الطبقة الثالثة فأتمت عمل الطبقتين السابقتين؛ إذ قامت بنقد ما وجدته أمامها من أحاديث، كما ينقد الصيرفي الدنانير؛ فكان من ذلك الكتب الصحاح، وأشهرها: البخاري (ت ٢٥٦ هـ)، ومسلم (ت ٢٦١ هـ). كما ظهر علمُ الرجال الذي يبحث في حال الرواة وجرحهم وتعديلهم.
* كما ظهر في هذا العصر تدوين علم أصول الفقه لأول مرة، وكان إمام الأصوليين وواضع أساس هذا العلم هو الإمام الشافعي.
* ظهور المصطلحات الفقهية، وكان ذلك نتيجة طبيعية لظهور النشاط الفقهي والخلاف بين الأئمة، وتدوين أصول الفقه.
* تفريع المسائل، فقد كان الفقه قبل هذا الدور يغلب عليه الاقتصار على إبداء
_________________
(١) انظر تاريخ التشريع للخضري: ١٧٧.
[ ٨٦ ]
¬الحكم فيما وقع فعلًا، أما في هذا الدور فقد توسع الفقهاء في تصور المسائل وفرضها ووضع الأحكام لها (١).
- وكنا قد أشرنا من قبل إلى ظهور مدرستين في الفقه: مدرسة الأثر بالمدينة، ومدرسة الرأي بالعراق، وفي هذا العصر ازداد التمايز بين المدرستين، واتضحت مناهجهما، حتى صار يطلق على العراقيين أهل الرأي.
- وأحب أن أؤكد هنا أن هذا الكلام على إطلاقه بعيدٌ عن الواقع، بل هو من الأحكام العامة التي شاعت، وفُهمت على غير حقيقتها، وأخذت أكبر من حجمها، ذلك أن العراق لم يكن به فقهُ الرأي فقط، بل كان فيه الرأي مع الحديث، وكان في المدينة أيضًا الرأي بجوار الحديث، ألم تَر أنه كان بين فقهاء المدينة والمفتين بها (ربيعة الرأي).
و"كان أهل الحديث يعيبون أهلَ الرأي بأنهم يتركون بعض الأحاديث لأقيستهم، وهذا من الخطأ عليهم، ولم نر فيهم من يقدم قياسًا على سنة ثبتت عنده، إلا أن منهم من لم يُرْوَ له الأثر في الحادثة، أو روي له، ولم يثق بسنده، فأفتى بالرأي، فربما كان ما أفتى به مخالفًا لسنة لم تكن بمعلومة له، أو عُلمت، ولكنه لم يثق بروايتها" (٢).
فالقول بأن هؤلاء أهل رأي وهؤلاء أهل أثر بهذا الإطلاق وهذا التعميم، يوحي بما ليس مقصودًا، ويفهم منه غيرُ ما وقع.
روى سفيان بن عيينة (٣) مناظرة بين أبي حنيفة إمامِ أهل الرأي (٤) والأوزاعي (٥) من أئمة الحديث، وكيف اختلفوا في القول برفع اليدين عند الركوع، وكل منهما في هذه
_________________
(١) نشأة الفقه الاجتهادي لأستاذنا الشيخ السايس: ٩١.
(٢) تاريخ التشريع للخضري: ١٤٦.
(٣) سفيان بن عيينة بن أبي عمران الهلالي أبو محمد الأعور الكوفي توفي سنة ١٩٨ هـ (خلاصة تذهيب الكمال).
(٤) أبو حنيفة النعمان بن ثابت توفي ١٥٠ هـ.
(٥) عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي أبو عمرو توفي ١٥٧ هـ (تهذيب التهذيب: ٦/ ٢٣٨).
[ ٨٧ ]
¬المناظرة يحاول أن يثبت رأيه بأن الحديث الذي يعتمده أثبتُ من حديث صاحبه وأوثق، وقد انتصر أبو حنيفة صاحبُ الرأي في إثبات أن معتمده من الحديث أقوى من معتمد الأوزاعي صاحبِ الحديث.
وقد أورد هذه المناظرةَ الشيخُ الخُضري وعلق عليها قائلًا:
" وهذه المحاورة بدون أن نناقش أقوالها تدل على ما كان لكل فريق عند الآخر، وتدل على أن الجميع واقفون عند حد السنة متى وثقوا بها من روايتها " (١).
فالفرق إذًا بين المدرستين فرقٌ في مقدار الأخذ بالرأي، حيث يكثر منه أهل العراق، ولا يكثر منه أهل المدينة، وفرق في نوع الرأي، حيث كان أهل العراق يسيرون في أكثر رأيهم على منهاج القياس، فتبع ذلك أن كثرت التفريعات الفقهية في العراق، والإفتاء فيما لم يقع لاختبار الأقيسة، وذلك ما يسمى بالفقة التقديري (٢).
ولم يوجد هذا النوع من الفقه في المدينة؛ لأن الأساس كان المصلحة، وهي لا تتحقق إلا في الوقائع؛ فلا يجيء فيها الفرض والتقدير.
هذا الكلام كتبناه وقررناه منذ نحو أربعين عامًا في مقدمات كتابنا (فقه إمام الحرمين).
وعندما جاءت المناسبة لإعادته هنا نظرنا فيه، وفيما كُتب في هذه المسألة، وجدنا أن ما قلناه قد ذكره بوضوح أتم شيخُنا العلامة الشيخ محمد أبو زهرة - ومن عجب أن ما قاله الشيخ لم يشع ولم نره في الأبحاث والدراسات، وظل كل من كتب في تاريخ الفقه ومقدماته يقررون أنه نشأ مدرستان: مدرسة الرأي ومدرسة الحديث، مع أن كتاب الشيخ الذي قال فيه ذلك شائع متداول، منذ سنة ١٩٤٨ م، وهو كتابه بعنوان (الإمام الشافعي) فقد جاء فيه ما نصه (٣):
"يجب أن نشير إلى أنه قال بعض كتاب الفقه في هذا المقام إنه ظهر مدرستان للفقه
_________________
(١) تاريخ التشريع للخضري: ١٤٧.
(٢) تاريخ المذاهب الفقهية لأبي زهرة: ٣٦.
(٣) ر. الإمام الشافعي: حياته وعصره: ٤٢، ٤٣، ٤٤.
[ ٨٨ ]
¬استقامت كل واحدة على منهج واحد معين، وأن الفقهاء كانوا إلا قليلًا يسيرون على منهج إحدى المدرستين لا يخالفونه إلى نهج الأخرى، إحدى المدرستين مدرسة الحديث وكانت بالمدينة، والثانية مدرسة الرأي وكانت بالعراق.
وعندي أن المدارس لا تتميز بالرأي والحديث، بل تتميز بمنهاج من تلقوا عنهم وطريقة الرأي، وكثرة فتاوى الصحابة وقلتها، ومن المقرر أن الفقهاء السبعة الذين كانوا أساتذة الفقه الحجازي قد كان لهم رأي كثير". انتهى بنصه.
وهذا كلامٌ واضح مبين، ينطق بأن الشيخ لا يرى لهذه التسمية وجهًا، فليس هناك مدرسة حديث ومدرسة رأي، وإنما الخلاف بين مدرسة العراق ومدرسة المدينة هو في منهج الاستدلال وطريقة الرأي.
بل رفض شيخنا أبو زهرة مجردَ افتراض أن هناك من يقدم رأيه على الحديث الشريف، حيث قال:
" ولا يصح أن نفرض بأي صورة من صور الفروض أنهم يصدقون بنسبة الحديث، ويقدمون فهمهم في الإسلام على قول صحيح النسبة إلى النبي ﷺ؛ فإن ذلك كلامُ قوم بور، ظهروا في هذا الأيام، وظهر أمثالهم من قبل في أهل الأهواء والبدع والمنحرفين، ومحال أن يكون ذلك من أئمة الإسلام الأعلام الذين فتحوا عيون الفقه، وعبَّدوا مشاربه " (١). اهـ
وينبغي أن نشير هنا إلى تلك العبارة التي تتقاذفها الألسن، في مقام السخرية والاستهزاء، والاتهام بالتعصب الأعمى، تلك العبارة التي تُروَى عن أحد الأئمة متعصبًا لمذهبه، فيقول: " كل ما كان من آيةٍ أو حديث بخلاف ما عليه أصحابنا، فهو إما مؤول أو منسوخ ".
لقد سمعنا هذه العبارة ممن هم في مقعد الأساتذة يعلموننا إياها دليلًا على استمكان التعصب الذي يُعمي صاحبَه، فينصر رأي مذهبه على الآية والحديث، حيث يجعل (الرأي) أولًا، ويخضع الآية والحديث له ثانيًا.
_________________
(١) تاريخ المذاهب الإسلامية: ٢٨٩.
[ ٨٩ ]
¬هكذا، سمعنا هذه العبارة بهذا التفسير، ونحن نحبو في أول طريق الطلب، هكذا قرئت لنا، وظلت تقرأ حتى أيامنا هذه، يحملها (الأساتذة) جيلًا عن جيل، ويلقنونها لتلاميذهم، بهذا المعنى، ودليلًا على التعصب وإفساده للحياة الفقهية.
ولما قدر الله لنا صحبة أئمتنا والتلمذة لهم، والعيشَ في كنفهم، والاطلاعَ على شيء من أخبارهم، ومعرفة طرفٍ من أخلاقهم، بدأت أتململ حينما أسمع باحثًا مرموقًا يحكي هذه العبارة -بهذا الفهم- في قاعة المؤتمرات والندوات أمام عشرات العلماء، ومئات الطلاب، ورحتُ أقرأ هذه العبارة قراءة أخرى عكس ما تُقرأ وتتردد عليه، رحتُ أقرأ هذه العبارة في ضوء معرفتي المتواضعة بتاريخ أئمتنا، وأخلاقهم، وورعهم.
وأحببتُ قبل أن أصرح بهذه القراءة، وأُعلي بها صوتي، أن أعرف أولًا من صاحبها؛ لأرى مكانته ومنزلته فى الفقه، وقبل ذلك أعرف طرفًا من سيرته، فإذا بي أجد صاحب هذه العبارة هو:
الإمام الجليل، أبو الحسن الكرخي، شيخ الحتفية في عصره، وهو عبيد الله بن حسن بن دلال، توفي عن ثمانين سنة في شعبان سنة ٣٤٠.
أما سيرته، فقد ذكر كل من ترجم له: " أنه كان قانعًا متعففًا، صبورًا على الفقر، عزوفًا عما بأيدي الناس، فقد كان من العلماء العباد الزهاد، كان صوّامًا قوامًا، ذا تهجدٍ وتألّه، وزهدٍ تام ".
ذكره بهذا أربعة ممن ترجموا له من مخالفيه في المذهب، وهم الخطيب البغدادي الشافعي الشديد على الأحناف، المتوفى سنة ٤٦٣ هـ، والإمام الذهبي السلفي المتشدد، المتوفى ٦٤٨ هـ، والإمام ابن كثير، السلفي الشافعي المتوفى سنة ٦٧٤ هـ، وابن العماد الحنبلي، المتوفى سنة ١٠٨٩ هـ (١).
_________________
(١) ر. تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي: ١٠/ ٣٥٣، سير أعلام النبلاء: ١٥/ ٤٢٦، البداية والنهاية: ١١/ ٢٢٥، وشذرات الذهب: ٢/ ٣٥٨.
[ ٩٠ ]
¬كما أيد الخطيب، والذهبي، وابن كثير، ورعه وزهده، وصدقه مع الله، وأنه مستجاب الدعاء، بقصة أوردها الثلاثة بألفاظٍ واحدة تقريبًا، وألفاظها عند الذهبي: قال: حدثني أبو القاسم الصيمري قال: حدثني أبو القاسم بنُ علانَ الواسطي، قال: لما أصابَ أبا الحسن الكرخي الفالجُ فى آخر عمره، حضرته، وحضر أصحابه: أبو بكر الدامغاني، وأبو علي الشاشي، وأبو عبد الله البصري، فقالوا: هذا مرض يحتاج إلى نفقة وعلاج، والشيخ مقل، ولا ينبغي أن نبذله للناس، فكتبوا إلى سيف الدولة بن حمدان، فأحس الشيخ بما هم فيه، فبكى، وقال: اللهم لا تجعل رزقي إلا من حيث عودتني، فمات قبل أن يحمل إليه شيء، ثم جاء من سيف الدولة عشرة آلاف درهم، فتُصدِّق بها عنه".
لما عرفتُ هذا. عرفت صاحب العبارة وسيرته، قلت: سبحان الله!! هذا العالم العابد الزاهد، مستجاب الدعاء، الذي لم يتعلق من دنيا الناس بشيء، كيف تُقرأ عبارته هذه القراءة؟؟
فتأكد لي صحة قراءتي لهذا القول، فقد صح عندي، ولا يصح في العقل غيره - أن الإمام أبا الحسن الكرخي يقول: ما كان لنا ولشيوخنا أن نخالف أمر الله، فنترك الآية أو الحديث إلى الرأي، فإذا وجدت شيئًا من هذا، فاعلم أنه ترجح عندنا صرفه عن ظاهره بدليلٍ، أو تأكد عندنا أنه منسوخ، أو أن الحديث لم يصح، ومعاذ الله أن نترك الآية والحديث لرأينا.
هكذا قرأنا هذه العبارة، ولا يصح غيرُ هذه القراءة في ضوء العصر الذي قيلت فيه، وفي ضوء المعرفة بصاحبها وسيرته.
أما أن تقرأ هذه العبارة تلك القراءة الشائنة، فذلك أثر من آثار ثقافة شوهاء نحو تاريخنا بشقيه السياسي والفكري.
وكم أتمنى أن يعثر باحث على أول من ردّد هذه العبارة، وقرأها هذه القراءة، فإني أشم فيها ذَفَر المستشرقين، وقمامة أفكارهم.
ويؤكد صحة قراءتي ما قاله شيخنا الإمام أبو زهرة حين قال: "ونحب أن نُقرر هنا
[ ٩١ ]
¬أنه في حال الأخذ بالرأي عند من يأخذون به في مقابل الحديث، لا يُعدّ الحديث صحيحَ النسبة إلى النبي ﷺ، بل إنهم ينكرون هذه النسبة، ويعتبرون الخبر المروي شاذًا في متنه، إذ أنه يخالف القواعد المقررة الثابتة المأخوذة من مقاصد الشريعة العامة، ونصوصها الخاصة" (١).
* نعود إلى ملامح العصر فنقول: كان طبيعيًا أن يصطبغ الفقه في كل إقليم بصبغة تختلف عن غيره من الأقاليم نتيجة لاختلاف الأعراف والتقاليد والظروف، ولذلك كثرت رحلات الفقهاء من إقليم إلى آخر للتعرف على ما عند الفقهاء الآخرين والاستفادة بفقههم.
- ونحب أن نؤكد هنا أن تسمية هذا العصر بعصر الأئمة المجتهدين، فيها شيء كثير من التجوّز، وذلك من ناحيتين:
أ- أن كل ما كان من فتاوى الصحابة والتابعين في القرن السابق، إنما هو اجتهاد لا شك في ذلك، فكل المفتين الذين ذكرنا أسماءهم آنفًا -وغيرهم- كانوا أئمة مجتهدين.
ب- أن الاجتهاد لم ينقطع -على الأصح- طوال هذه القرون، بل هو فرضٌ واجب في كل عصر، على حدّ تعبير السيوطي في عنوان رسالته:
(الرد على من أخلد إلى الأرض، وجهل أن الاجتهاد في كل عصرٍ فرض)
وإنما سوغ هذا الإطلاق، وتسميةَ هذا العصر بعصر الأئمة المجتهدين عدةُ أمور:
أ- أن هذا العصر هو الذي وُضعت فيه مناهج الاجتهاد، وضوابطه، وصار لها ألقابٌ، وأسماء، ومصطلحات، كما تمايزت فيه مناهج الأئمة بعضها عن بعض.
ب- أنه العصر الذي دوّن فيه الفقه بصفته فنًا مبوّبًا مفصلًا، مستقلًا عن غيره من الفنون.
_________________
(١) تاريخ المذاهب الإسلامية: ٢٨٩.
[ ٩٢ ]
¬ج- أنه العصر الذي أنجب الأئمة أصحاب المذاهب المتبوعة التي استمرت دون غيرها من مذاهب الأئمة الذين لم تدوّن مذاهبهم -وما أكثرهم- أو التي دوّنت، ولم يقم بها أتباعها؛ فنسيت.
- لقد حفظ لنا تاريخُ الفقه أسماء لثلاثة عشر إمامًا مجتهدًا دوّنت مذاهبهم، وعُمل بها، بقي منها المذاهب الأربعة المعروفة، ونُسي باقيها، بمعنى أنه لم يتيسر لهم من الأتباع من ينشر علمهم، وبقي حبيسًا في بطون الكتب، من أشهر هؤلاء:
الإمام الأَوْزاعي، أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، ولد سنة ٨٨ هـ وتوفي سنة ١٥٧ هـ.
والإمام الليث بن سعد، الذي قال فيه الشافعي: كان الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به ت ١٧٥ هـ.
والإمام داود الظاهري، داود بن علي بن خلف الأصبهاني، المعروف بالظاهري، كان تلميذًا للشافعي (١)، ومن أشد المدافعين عن مذهبه، والداعين إليه، ثم استقل بمنهجه وأصوله ومذهبه، وألف كثيرًا من الكتب، في الفقه، وفي الأصول، وقد استمر مذهبه شائعًا متبعًا، ثم اضمحل في منتصف القرن الخامس، ولد داود بالكوفة سنة ٢٠٢ هـ، وتوفي سنة ٢٧٠ هـ.
والإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، كان شافعيًا في أول أمره، ثم استقل بمذهبه، وقد ترك لنا ثروة علمية هائلة، في الفقه، والأصول والخلاف، والتفسير، والحديث، والتاريخ، ولد سنة ٢٢٤ هـ، وتوفي سنة ٣١٠ هـ.
وعدوا من هؤلاء أيضًا: الحسن البصري ت ١١٠هـ، وسفيان الثوري ت ١٦١ هـ، وسفيان بن عيينة. ت ١٩٨ هـ، وإسحاق بن راهويه ت ٢٣٨ هـ، وأبو ثور. ت ٢٤٠ هـ.
_________________
(١) لعل في العبارة تجوزًا؛ إذ كيف يكون تلميذًا للشافعي مع أنه ولد سنة (٢٠٢)، فالمقصود بالتلمذة هنا اتباعه، والعمل بأصوله ومناهجه.
[ ٩٣ ]
¬- وقد خلف لنا هذا الدور ثروة فقهية طائلة، حيث ضبطت الأصول، وتمهدت الفروع، وأصبح الإلمام بجزئيات الفقه وكلياته لا يحتاج إلى كبير عناء. وكانت الكتب التي خلفوها -وما زالت- زاد الفقهاء وإمامَهم.
***
[ ٩٤ ]