أول ما نلاحظه أنه مع كثرة ترداد المصطلح في كتب الأئمة، فتراهم يقولون: في طريقة العراقيين كذا، وفي طريقة الخراسانيين كذا، مع كثرة هذا الترداد لم نجد عناية تذكر بهذه القضية ممن ألف في طبقات المذهب ومصطلحاته؛ فلم نجد كتابة شافيه، ولا كافية في هذا الشأن.
فكل ما وجدناه عن الطريقتين عند الإمام النووي في الفصل الذي عقده في مقدمة المجموع لبيان القولين والوجهين والطريقين، كل ما وجدناه هو قوله: " وأما الطرق، فهي اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب، فيقول بعضهم مثلًا: في المسألة قولان أو وجهان، ويقول الآخر: لا يجوز، قولًا واحدًا، أو وجهًا واحدًا أو يقول أحدهما: في المسألة تفصيل، ويقول الآخر: فيها خلاف مطلق. وقد يستعملون الوجهين، في موضع الطريقين وعكسه " (٢).
ومن بين مؤلفي كتب الطبقات وجدنا ابن الملقن وحده الذي يعقد فصلًا افتتحه بقوله: " وقد انقضى الكلام بحمد الله ومنِّه على الطبقة الأولى بأقسامها مستقصىً،
_________________
(١) ر. تهذيب الأسماء واللغات: ١/ ٤٨، ٤٩.
(٢) ر. مقدمة المجموع: ١/ ٦٦.
[ ١٣٩ ]
¬ونختم الكلام فيها بقاعدة مهمة، وهي بيان انقسام أصحابنا إلى عراقيين وخراسانيين" (١).
ولكنه تحت هذا العنوان لم يزد على بيان من هم العراقيون، ومن هم الخراسانيون، وشغل الفصل كلَّه ببيان مدن خراسان، ومن أَرَّخ لكل مدينةٍ منها، بعد أن قال في مفتتح الفصل: " فاعلم أن أصحابنا تفرّقوا، فالعراقيون أهل بغداد، وما والاها، وقد صنف الخطيب (تاريخ بغداد) وذيّل عليه ابنُ النجار، وابنُ السمعاني " (٢). ثم أكمل -كما أشرنا- بذكر مدن خراسان ومَنْ أرّخ لها.
ولم يُشر إلى معنى الطريقة، ولا متى نشأت، وكيف نميز بين رجال هذه وتلك، بل يُفهم من صنيعه أنه لا يقصد إلى شيء من ذلك، فإنه يدعونا إلى التعرف على الأصحاب العراقيين من خلال تاريخ بغداد وذيوله، والتعرف على الخراسانيين من تاريخ نيسابور للحاكم، وتاريخ أصبهان لأبي نُعيم، وتاريخ مرو لابن السمعاني إلخ.
ومعلوم أن كل كتاب من هذه الكتب يترجم لكل من دخل المدينة التي يؤرخها ممن لهم شأن: قادة كانوا، أو أمراء، أو شعراء، أو نحاة، أو لغويين، أو فقهاء، فلا علاقة لها بما نحن فيه من معنى الطريقة ورجالها.
وفيما عدا ذلك لم نجد إلا شذرات وإشارات تتكرر في كل كتب الطبقات تقريبًا، وربما بنفس الألفاظ.
فعند الترجمة للقفال المروزي المتوفى ٤١٧ هـ يقولون: رأس طريقة أصحابنا الخراسانيين.
وعند ترجمة الشيخ أبي حامد الإسفراييني المتوفى ٤٠٦ هـ يقولون: رأس طريقة العراقيين.
_________________
(١) ر. العِقد المُذْهَب في طبقات حملة المذهب: ٢١٥، ٢١٦.
(٢) السابق نفسه.
[ ١٤٠ ]
¬وعند ترجمة الشيخ أبي على السنجي المتوفى ٤٣٠ هـ يقولون: أول من جمع بين الطريقين.
وعند ترجمة الشيخ أبي إسحاق المروزي المتوفى ٣٤٠ هـ يقولون: وعنده تلتقي الطريقتان.
هذا كل ما وجدناه عن الطريقتين. أما معنى الطريقة ومفهومها، فلم نجد عندهم شيئا، وأما عوامل تباين الطريقتين وسبب نشأتهما، فلم نجد شيئًا، كما لم نجد شيئًا ذا بال عن الأصحاب في كل طريقة، وعما امتازت به كتب ومؤلفات كل طريقة.
هذا ما وجدناه عند المتقدمين وفي كتبهم.
أما المتأخرون، فقد وجدنا خاتمة المحققين منهم العلامة، أحمد بك الحسيني المتوفى ١٣٣٢ هـ-١٩١٤ م يقول في مقدمات كتابه (دفع الخيالات) -بعد أن لخص كلامَ النووي في معنى القولين والوجهين والطريقين- يقول: " وكل ذلك قد بسطته بسطًا وافيًا، وبينته بيانًا شافيًا في مقدمة كتابنا: شرح الأم المسمى (مرشد الأنام لِبّر أُم الإمام) يعز على أهل عصرنا، بل ومن قبلهم بمئين من السنين أن يقفوا عليه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " (١).
فكان هذا القول، بهذا الأسلوب، وبهذه المباهاة دافعًا للبحث عن مقدمته تلك، فهي ما زالت مخطوطة، فوجدنا فيها ما نصه:
"تتميم في بيان المراد من قولهم: (طريقة العراقيين وطريقة الخراسانيين)
اعلم أن مدار كتب أصحابنا العراقيين أو جماهيرهم مع جماعة من الخراسانيين على تعليق الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وهو في نحو خمسين مجلدًا، جمع فيه من النفائس ما لم يشاركه في مجموعه غيره، من كثرة المسائل والفروع وذكر مسائل العلماء وبسط أدلتها والجواب عنها وعنه انتشر فقه أصحابنا العراقيين، وهو شيخ طريقة العراق. وممن تفقه عليه من أئمة الأصحاب أبو الحسن الماوردي، صاحب الحاوي الكبير، والقاضي أبو الطيب الطبري، صاحب التعليقة المشهورة، وسُليم
_________________
(١) دفع الخيالات عن القول الوضاح: ٨.
[ ١٤١ ]
¬الرازي، صاحب المجرد، وأبو الحسن المحاملي، صاحب المجموع، وأبو علي البندنيجي صاحب الذخيرة، وغير هؤلاء ممن لا يُحصى كثرة.
فإذا أطلقوا في الكتب لفظ قال أصحابنا العراقيون كذا، وطريقة أصحابنا العراقيين كذا، فمرادهم الشيخ أبو حامد الإسفراييني وأتباعه هؤلاء المذكورن.
كما أنهم إذا أطلقوا لفظ قال أصحابنا الخراسانيون كذا وطريقة أصحابنا الخراسانيين كذا فمرادهم القفال المروزي، شيخ طريقة خراسان وأتباعه، وهم أبو بكر الصيدلاني، وأبو القاسم الفوراني، والقاضي حسين المرورّوزي، والشيخ أبو محمد الجويني، وأبو علي السنجي، قيل والمسعودي، فتارة يقولون: قال الخراسانيون، وتارة يقولون: قال المراوزة، وهما عبارتان عن معبَّر واحد.
فالخراسانيون، وإن كانوا أعم من المراوزة؛ لأن مدن خراسان العظيمة أربعة: مرو، ونيسابور، وبلخ، وهراة، لكنهم يعبرون تارة عن طريقة الخراسانيين بقولهم: قال المراوزة، لأن شيخ طريقة الخراسانيين ومعظم أتباعه مراوزة، فالقفال المروزي أخذ عن أبي زيد المروزي، عن أبي إسحاق المروزي، والشيخ أبو حامد الإسفراييني أخذ عن أبي القاسم الداركي، عن أبي إسحاق المروزي، فأبو إسحاق المروزي إليه منتهى الطريقين.
وأما إذا قالوا: في كتب الخراسانيين كذا، فإن هذا الإطلاق يشمل كتب أصحاب الطريقة المذكورين وسائر كتب أئمة خراسان، كما أنهم إذا قالوا: في كتب العراقيين كذا، فإنه يشمل كتب أصحاب الطريقة المذكورين وسائر كتب أئمة العراقيين، فمن كتب الخراسانيين: النهاية لإمام الحرمين، والوسيط للغزالي، وتعليق القاضي حسين، والإبانة للفوراني، والتتمة للمتولي، والتهذيب للبغوي، والعدة لأبي المكارم الروياني، وبحر المذهب لأبي المحاسن الروياني وغيرها.
ومن كتب العراقيين: المجموع واللباب والمقنع للمحاملي، والذخيرة لأبي علي البندنيجي، والمجرد لسُليم، وتعليق القاضي أبي الطيب الطبري، والحاوي الكبير للماوردي، والمعتمد لأبي نصر البندنيجي، والمهذب والتنبيه للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، والشامل لابن الصباغ، والتهذيب لنصر المقدسي، والحلية لفخر الإسلام
[ ١٤٢ ]
¬الشاشي، والعدة للحسين بن علي الطبري، والذخائر لمجلي، وغيرها.
وأما إذا أطلقوا في الكتب لفظ الأصحاب فهذا الإطلاق يعم أصحاب الطريقين ومن عاصرهم ومن كان قبلهم من الأئمة العظام ومن كان بعدهم.
ثم بعد أصحاب الطريقين جماعة من الأصحاب ينقلون الطريقين كأبي عبد الله الحَليمي، والروياني صاحب البحر، ومجلي صاحب الذخائر، وإمام الحرمين، والمتولي صاحب التتمة، والغزالي، وغيرهم.
وأما أصحاب الوجوه، فهم أخص من لفظ الأصحاب لأن كل من كان من أصحاب الوجوه يدخل تحت لفظ الأصحاب ولا عكس، وأصحاب الوجوه معروفون ويدخل فيهم أصحاب الطريقين" ا. هـ (١)
هذا ما كتبه الشيخ في المقدمة عن الطريقتين، فإن أراد بقوله: " بسطته، وبينته بسطًا يعز على أهل عصرنا، ومن قبلهم بمئين السنين أن يقفوا عليه " أنه جمع مفرّقه، ولمّ شعثه، ورتب مشوشه، فقد فعل، وجزاه الله خيرًا، وهذا أحد الأغراض السبعة التي يصح فيها التأليف.
وأما إذا أراد أنه زاد القضيةَ إيضاحًا أو تفسيرًا، أو تعليلًا، أو استنبط مما قاله السابقون شيئًا، فلم يكن شيء من ذلك، وما أظنه يقصده.
وقد عاصر الشيخَ اثنان من علماء المذهب الذين عُنوا بالكتابة عن تطوره ومصطلحاته، وهما السيد علوي بن أحمد السقاف، المتوفى ١٣٣٥ هـ-١٩١٦ م، وابنُ سُميط العلوي، أحمد بن أبي بكر، المتوفى ١٣٤٣ هـ-١٩٢٤ م.
الأول له كتاب: (الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية من المسائل والضوابط والقواعد الكلية)
وكما هو واضح من عنوانه فإنه يتناول فيما يتناول المصطلحات التي تدور ويتداولها طلاب المذهب الشافعي، وقد أفاد فعلًا في ذكر قواعد وضوابط، ومقدمات ومبادىء لا يستغني عنها طالب العلم، وعقد فصلًا خاصًا بمصطلحات الشافعية أجاد فيه وأفاد
_________________
(١) مقدمة مرشد الأنام: ٢/ ٦٧٨ وما بعدها.
[ ١٤٣ ]
¬إلا أنه مرّ مرور الكرام على مصطلح الطريقتين، فلم يتكلم فيه بِجملةٍ واحدة.
وأما ابن سُمَيْط، فله رسالة لطيفة بعنوان: (الابتهاج في بيان اصطلاحات المنهاج) تحدث في هذه الرسالة عن نشاة المذهب وتطوره، وأهم أعلامه، والمؤلفات المشهورة والمعتمدة حتى عصره، كل ذلك في إيجاني بليغ، لم يزد عن بضع ورقات.
ومع ذلك عرض لمصطلح الطريقتين والجمع بينهما كحلقة من حلقات تطوّر المذهب، فتكلم عن نشأتهما، وشيخيهما، ورجالهما، وكتبهما بنحو ما تكلم به الشيخ أحمد بك الحسيني، وربما بالألفاظ نفسها تقريبًا، فكلاهما نقل كلام النووي في (تهذيب الأسماء واللغات)، وما جاء في كتب الطبقات.
أما البحوث المعاصرة بما فيها الأطروحات الجامعية (١)، فلم نجد فيها من التفت إلى هذه المسألة إلا ذلك البحث الرائد (٢) للعلامة الشيخ محمد إبراهيم أحمد علي من علماء أم القرى، زادها الله تعظيمًا وتشريفًا، وقد عزا ما قاله إلى الشيخ أحمد بك الحسيني في مقدمة دفع الخيالات ص ٥؛ ولذا جاء كلامه موجزًا عما نقلناه لك آنفًا من مقدمة (مرشد الأنام).
وأما شيخنا وشيخُ شيخنا الإمام محمد أبو زهرة، فقد عقد فصلًا، في كتابه الذي كتبه (الإمام الشافعي) (٣)، بعنوان (المجتهدون في المذهب الشافعي) تحدث فيه عن طبقات المجتهدين في المذهب وأصحاب الوجوه، ولكنه لم يلتفت إلى مصطلح
_________________
(١) رأينا عملين جدين الأول: الإمام الشافعي في مذهبيه القديم والجديد للدكتور نحراوي عبد السلام رسالة دكتوراة من كلية الشريعة بالأزهر بالقاهرة، مكتبة الشباب، ١٤٠٨ هـ-١٩٨٨ م. والثاني بعنوان (المدخل إلى مذهب الإمام الشافعي) رسالة دكتوراة من كلية الشريعة بالجامعة الأردنية من الدكتور أكرم يوسف عمر القواسمي، عمان دار النفائس، ١٤٢٣ هـ-٢٠٠٣ م.
(٢) هذا البحث بعنوان: (المذهب عند الشافعية، منشور بمجلّة جامعة الملك عبد العزيز (أم القرى فيما بعد)، العدد الثاني، جمادى الآخرة ١٣٩٨ هـ- مايو ١٩٧٨ م الصفحات من ٢٥ إلى ٤٨.
(٣) الإمام الشافعي -حياته وعصره- أراؤه وفقهه: ٣٨٤.
[ ١٤٤ ]
¬الطريقتين، مع أنه اعتمد فيما قاله على ما ذكره النووي في مقدمة المجموع، وفيه تعريف وبيان لمعنى الطريقة، ولكن شيخنا صرف النظر عن المسألة بالكلية، وسنحاول تفسير ذلك فيما يأتي.