وبعد هذا البحث والتنقير ومحاولة الاستقصاء لم نجد جديدًا نزيده على ما نقلناه لك حول مصطلح (الطريقتين).
ولكن ذلك لم يخل من ثمار تستحق أن نسجلها فيما يأتي:
١ - تصحيحُ وهم وقع من شيخنا الإمام محمد أبو زهرة، حين ظن أن (الأستاذ أبا إسحاق) الذي نقل عنه النووي قوله: " إن أصحاب مالك، وأحمد، وأبو داود، وأكثر الحنفية صاروا إلى مذهب أئمتهم ﵏ تقليدًا لهم، ثم قال:
والصحيح الذي ذهب إليه المحققون ما ذهب إليه أصحابنا، وهو أنهم صاروا إلى مذهب الشافعي، لا تقليدًا له، بل إنهم لما وجدوا طرقه في الاجتهاد والقياس أسدَّ الطرق، ولم يكن لهم يد من الاجتهاد، سلكوا طريقه، فطلبوا معرفة الأحكام بطريق الشافعي".
سبق إلى ظنه أن الأستاذ أبا إسحاق هو الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، فترجم له في حاشية كتابه (١)، بناء على هذا الظن.
ولكن صاحب هذا القول هو الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران المتوفى ٤١٨ هـ.
والذي جعلنا نتوقف في صنيع شيخنا هو أننا لم نجد أحدًا ممن ترجم للشيخ أبي إسحاق الشيرازي لقبه (بالأستاذ)، فدائمًا يلقبونه (بالشيخ)، على حين أن أبا إسحاق الإسفراييني لا يذكر إلا بهذا اللقب (الأستاذ)، والذي يتأمل هذه الكتب، كتب التراجم والطبقات، يجد أن هذه الألقاب لم تكن تلقى جزافًا، بل يجد أنها تُلتزم دائمًا حتى تصير أعلامًا أو كالأعلام على أصحابها.
_________________
(١) الشافعي - حياته وعصره: ٣٨٦.
[ ١٤٥ ]
¬ولكن هذا لم يكن كافيًا بالجزم بأن المقصود أبو إسحاق الإسفراييني، فأعدنا قراءة كلام النووي في مصدره الذي أخذ منه شيخنا، وهو (مقدمة المجموع)، فوجدناه ينقل هذا الكلام عن (أبي عمرو) أي (ابن الصلاح) ولما كان الكلام في الفتوى وطبقات المفتين، رجعنا لكتاب (أدب الفتوى) لابن الصلاح، فوجدناه يصرح بالاسم كاملًا، فيقول: " وقد بلغنا عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني إلخ (١) " فانكشف الأمر، واستيقن الظن، وأغنانا عن البحث في مظان أخرى.
وهذا مجرد نموذج لمعاناة المحقق وواجبه.
٢ - كما ننبه أيضًا لعبارة موهمة وردت في البحث الأصيل لأخينا النبيل الشيخ محمد إبراهيم علي (المذهب عند الشافعية)، فقد جاء عند الحديث عن الطريقتين قوله: " وبقيت طريقة العراقيين وحيدة في الميدان الفقهي الشافعي، فقولها هو المعتمد، حتى نبغ القفال الصغير المروزي، واشتهر بالتدوين في الفقه، وتبعه جماعة لا يُحْصَون عددًا ".
فهذه العبارة توحي، بل تُصّرح أن طريقة العراقيين تقدّمت في النشأة عن طريقة الخراسانيين وظلت زمانًا لا يعرف الفقهُ الشافعي غيرَها، حتى ظهرت طريقة الخراسانيين متأخرة عنها بزمانٍ طويل. هذا ما تقول به العبارة.
والواقع أن تمايز الطريقتين في رواية المذهب نشأ في وقتٍ واحد، وما قبلهما لم يكن يوصف بأنه عراقي ولا خراساني.
والذي يشهد بأنه نشوء الطريقتين كان متزامنًا وفي وقت واحد، بصورة لا تقبل الشك هو النظر إلى ترجمة شَيْخي الطريقتين، الشيخ أبي حامد الإسفراييني، والقفال المروزي، فهما من طبقة زمنية واحدة، بل إن ميلاد القفال شيخ طريقة المراوزة قبل ميلاد أبي حامد شيخ طريقة العراقيين، فقد ولد القفال سنة ٣٢٧ هـ على حين ولد أبو حامد سنة ٣٤٤ هـ، وإذا قيل لنا: إن القفال تأخر اشتغاله بالفقه إلى سن الثلاثين، فالجواب أننا لو قدرنا تأخر ميلاده سبعة عشر سنة مثلًا (وهي فترة الطفولة والصبا)
_________________
(١) أدب الفتوى، بتحقيق الدكتور رفعت فوزي: ٤٠.
[ ١٤٦ ]
¬لوقع ميلاده في السنة نفسها التي ولد فيها شيخ طريقة العراق وهي سنة ٣٤٤ هـ، أو نقول: إن القفال اشتغل بالفقه سنة ٣٥٧ هـ بعد ما بلغ سنّ الثلاثين، وأفتى بعد نحو عشر سنوات من اشتغاله بالفقه أي في سنة ٣٦٧ هـ، وقد ذكروا أن الشيخ أبا حامد كان مبكر النبوغ، فأفتى وهو ابن سبع عشرة سنة، أي في سنة ٣٦١ هـ.
فهذا التدقيق في تواريخ الميلاد والاشتغال بالفقه يضع أمامك الدليل القاطع بأنهما متعاصران تمامًا، وإن تفاوتا بعض التفاوت ميلادًا ووفاةً (القفال ٣٢٧ - ٤١٧ هـ) و(الشيخ أبو حامد ٣٤٤ - ٤٠٦ هـ).
وواضح أن هذا الوهم بسَبْق طريقة العراقيين مبنيٌّ على ما هو أكبر منه، وهو أن العراقيين كانوا يروون المذهب القديم فقط، والخراسانيون كانوا يروون المذهب الجديد فقط، حتى مطلع القرن الخامس، حين جمع بينهما الشيخُ أبو علي السنجي المتوفى نحو سنة ٤٣٠ هـ، وهذا هو نص كلامه الذي أَفْهمَ ذلك: " وبظهور هؤلاء العلماء الذين جمعوا بين الطريقتين، بدأ الرافدان الأساسيان الناقلان لفقه الشافعي: قديمه وجديده يلتقيان في قولٍ موحَّد يمثل مذهبَ الشافعي والراجحَ من قوله (١) ".
وهذا لا قائل به، ولا هو بمعقول، فمنذ قرر الشافعي مذهبه الجديد، ودُوّنت كتبه الجديدة، وهي تُروى في العراق كما كانت تُروى في خراسان.
وهذا الوهم جاء الباحثَ من عبارة الشيخ أحمد بك الحسيني -التي هي مصدره-، حيث قال بعد أن ذكر طريقة العراقيين: "وحتى جاء القفال الصغير، وتبعه جماعة " (٢) فأوهم تعبيرُه بـ (حتى) وجودَ (غاية) زمنية، ومدّةٍ بين ظهور الطريقتين.
والواقع أن (حتى) في عبارة الحسيني معطوفة على مثلها بالنسبة لطريقة العراقيين، ونص كلامه وهو يتكلم عن تطور المذهب: " ثم جاء بعدهم بقية أصحاب الوجوه طبقة بعد طبقة، حتى جاء الشيخ أبو حامد الإسفراييني، وتبعه جماعة وحتى جاء القفال المروزي وتبعه جماعة " فعند التنبه لهذا (العطف) لا توحي العبارة بوجود سبق زمني بين الطريقتين.
_________________
(١) المذهب عند الشافعية: ٣٤.
(٢) من مقدمة كتاب (دفع الخيالات). ص ٥.
[ ١٤٧ ]
¬وخلاصة ما نحاول إثباته هو أن الطريقتين نشأتا معًا بدون فارق زمني، ولم تختص طريقة العراقيين بالمذهب القديم وحده، بل كل واحدة منهما كانت تنقل القديم والجديد معًا.
٣ - وأمرٌ ثالث ننبه إليه، وهو أن العلامة أحمد بك الحسيني شبه الطريقتين في المذهب بالمدرستين البصرية والكوفية في علم العربية، وذلك في قوله: " وانتهى فقه الشافعيه إلى الطريقتين، ، ولم يوجد بعدهما إلا من هو تابع طريقتيهما، فإما عراقي، وإما خراساني، وكان مثلهما في فقه الشافعي مثل الكوفيين والبصريين في علم العربية " (١).
وهذا لا يسلّم له، وأقل ما يقال فيه: إنه توسع في العبارة؛ فالذي يتضح من كلام النووي، وهو الأَقْمن بالتعبير عن المذهب: " أن الطرق هي اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب " أي أنه خلاف في الرواية، فما يروي فيه المراوزة قولًا قد يروي فيه العراقيون قولين.
أما الخلاف بين مدرسة البصرة والكوفة في اللغة، فهو أبعد من الحكاية والرواية عمن تؤخذ منه اللغة، فتراه في التعليل، والتقعيد والتخريج، والله أعلم.