إن المتتبع لآراء أئمة علم الكلام، كالأشعري، والجويني، والغزالي، والفخر الرازي وغيرهم، يجد أنه مع انشغالهم بعلم الكلام، وركوبهم سفائنه، وجدّهم واجتهادهم فيه، وتشقيقهم وتفصيلهم لقضاياه ومسائله، وتركهم المؤلفات المتعددة، التي تقرأ وتدرس للآن، يجدهم مع ذلك ينهَوْن عن علم الكلام، ويعلنون كراهيتهم للاشتغال به، ويدعون إلى منهج السلف في العقيدة يدعون إلى ذلك صراحة، لا رمزًا.
عرف هذا عن هؤلاء الأعلام، وكان التفسير الذي شاع لدى الدارسين والباحثين أن هذا تطورٌ في الرأي والفكر، فهم قد عادوا عن علم الكلام، ورجعوا عن منهجه، ونهَوْا عن التعلق به، وأكثروا الزراية عليه. وكان هذا آخرَ ما استقر عليه رأيهم، هذا هو التفسير السائد المعروف لدى الباحثين والدارسين والعلماء المعاصرين.
ولكن يلوح لي أن المسألة ليست قضية تطور أو رجوع، وإنما دخل هؤلاء الأئمة ميدان علم الكلام، وهم على كره لذلك الأمر، فكانوا يخوضون فيه مضطرين، من أجل المنافحة عن دين الله ضد هؤلاء الذين لا يعرفون إلا هذه المناهج، وهذه القضايا التي أخذوها عن اليونان، فرأى هؤلاء الأئمة أن يُحسنوا هذه الطرائق،
_________________
(١) الطبقات: ٥/ ١٩٣.
[ ٢٠٨ ]
¬ويتعلموا هذه الأساليب، ليعرفوا كيف ينقضونها على رؤوس أصحابها، وليدفعوهم بنفس أسلحتهم، ويهدموا بناءهم بنفس طرائقهم.
فالأئمة -أو على الأقل إمام الحرمين فيما أقدِّر- كانوا دائمًا على ذكر ووعي بأساليب القرآن، يدعون إليها ويرغبون فيها، ولكنهم في الوقت نفسه درسوا أساليب اليونان (علم الكلام) وتمرسوا بها، ليدفعوا بها شبه المبطلين.
والدليل على ذلك أن إمام الحرمين مبكرًا في صدر حياته، نجد له لمعًا وإشارات، تسخر من علم الكلام والمتكلمين، في الوقت الذي كان مشتغلًا به أشد الاشتغال.
وقد أشرت من قبل إلى سخريته من المتكلمين وكراهيته لعلم الكلام في خطبة كتابه (الغياثي) وفي كتابه (البرهان).
والعقيدة النظامية التي قيل إنه رجع فيها إلى مذهب السلف متقدمة قطعًا عن الغياثي، وعن البرهان، فقد ذكر (النظامي) في خطبة الغياثي مصرحًا أن الغياثي جاء وفاءً بوعدٍ قطعه في (النظامي)، ثم هو ذكر الغياثي في البرهان.
فإذا كان النظامي -ومنه أخذت العقيدة النظامية- قد أهدي إلى نظام الملك، ذلك الوزير العالم ناصر السنة، الذي تولى الوزارة سنة ٤٥٥ هـ، فمعنى ذلك أن إمام الحرمين قال ما قاله في العقيدة النظامية من دعوة صريحة إلى مذهب السلف قبل نحو ٤٦٠ هـ أي قبل وفاة إمام الحرمين بنحو ثمانية عشر عامًا.
فإذا عرفنا أنه توفي ﵁ عن تسع وخمسين سنة، وأنه لم يعرف له مؤلف قبل وفاة والده سنة ٤٣٨ هـ، حين أُقعد للتدريس مكانه، وعُد ذلك من نوادر النبوغ المبكر، إذًا تقع العقيدة النظامية في منتصف عمره العلمي - إن صح هذا التعبير، وليس في أواخر أيامه.
وقد يفصل في هذه القضية ويقطع كل شغب ما جاء في كتابنا هذا وهو من أواخر تآليفه حيث يوضح بما لا يدع مجالًا للتأويل نظرته إلى علم الكلام وأنه علم ضروري لقمع المبتدعة، ولو عاد الناس لصفو العقيدة ما كان لنا به حاجة، وهذا نصّ عبارته:
[ ٢٠٩ ]
¬" ولو قيل: العلم المترجم بالكلام هل يُستلحق بفرائض الكفايات؟ قلنا: لو بقي الناس على ما كانوا عليه في صفوة الإسلام، لكنا نقول: لا يجب التشاغل بالكلام، وقد كنا ننتهي إلى النهي عن الاشتغال به، والآن قد ثارت الآراء، واضطربت الأهواء، ولا سبيل إلى ترك البدع، فلا ينتظم الإعراض عن الناس يتهالكون على الردى، فحق على طلبة العلم أن يُعِدّوا عتاد الدعوة إلى المسلك الحق والذريعة التامة إلى حل الشُّبه، ولما مسّت الحاجة إلى إثبات الحشر والنشر على المنكرين، وإلى الرد على عبدة الأصنام، [صار من فروض الكفايات الاحتواء] على صيغ الحجاج، وإبداء منهاجه.
ولا شك أن هذه الآراء الفاسدة لو بُلي الناس بها، لأقام الشرع حجاج الحق من منابعها.
فإذًا علم التوحيد من أهم ما يطلب في زماننا هذا، وإن استمكن الإنسان من ردّ الخلق إلى ما كانوا عليه أولًا، فهو المطلوب وهيهات، فهو أبعد من رجوع اللبن إلى الضرع في مستقر العادة " (نهاية المطلب: ١٧/ ٤١٧).
وأتمنى أن يَنْهد أحد الباحثين لهذه المهمة، فيقرأ مؤلفات الإمام كلها قراءة متأنية ويحصي كل إشاراته إلى علم الكلام ونظرته إليه، كما يحصي كل إشاراته إلى منهج السلف ودعوته إليه، وأكاد أجزم بصحة قولي هذا: " لم يكن هناك ندم ولا رجوع، وإنما كان علم الكلام هو الأسنة التي لم يكن للمضطر حيلة إلا ركوبها ". والله أعلم
٦ - علم الحديث.
٧ - علم اللغة والنحو.
٨ - علوم الأدب والبلاغة.
٩ - علم الحساب والجبر والمقابلة.
هذه من العلوم التي ضرب فيها إمام الحرمين بحظ وافر، عرفنا ذلك من ترجمته والفنون التي حذقها، وشيوخه في كلٍّ منها، كما رأينا أثرها في مصنفاته ومؤلفاته.
[ ٢١٠ ]
¬وإنما لم نفرد كلًا منها بحديثٍ لأمرين:
أ- أنه لم يصنف فيها مؤلفات وكتبًا.
ب- إيثارًا للإيجاز والاختصار.
ولكن الذي نريد أن نعود إليه ونبسط القول فيه هو علمه بالحديث، فقد ظُلم في هذا الجانب ظلمًا بينًا (١)، وقيل عنه: " إنه لا يُعتمد عليه في هذا الشأن " (٢) وقيل عنه: " إنه كان لا يدري الحديث لا متنًا ولا إسنادًا كما يليق به " (٣) وقيل عنه: " كان قليل المعرفة بالآثار النبوية، ولعله لم يطالع الموطأ بحال، حتى يعلم ما فيه، فإنه لم يكن له علم بالصحيحين: البخاري، ومسلم، ولا سنن أبي داود، والنسائي، والترمذي، لم يكن له بهذه السنن علمٌ أصلًا، فكيف بالموطأ ونحوه وإنما كان عمدته سنن أبي الحسن الدارقطني " (٤) ، وقيل عنه: " إنه عديم المراجعة لكتب الحديث المشهورة، فضلًا عن غيرها " (٥). هذا فيض من غيض قيل في هذا الصدد.
ولقد تتبعت كثيرًا، من هذه العبارات، وعايشت المؤلفات التي وردت فيها طويلًا، حتى أحسست روحَها، وشممت أنفاسَها، وسمعت حسّها وجرسَها، مثلما وزنتُ هذه الأقوال وراجعت دليلها وحجتها، فتأكد لي أن مصدر هذا أمران:
أحدهما: أن بعض القائلين ينقل عن بعض، حتى يفشو الكلام، ويصبح بالتكرار والاستفاضة من المسلمات والبديهيات التي لا تحتاج إلى دليل.
الثاني: أن بعضًا آخر من أصحاب هذه الأقوال عنده نوع تحامل على إمام الحرمين، يبعث على ذلك التحامل اختلافٌ في المذهب، والمنهج، وبخاصة في المذهب الكلامي.
_________________
(١) انظر الفصل السادس من هذه المقدمات.
(٢) مشكل الوسيط لابن الصلاح بهامش الوسيط: ٦/ ٥٢٩.
(٣) سير أعلام النبلاء: ١٨/ ٤٧٠.
(٤) فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية: ٥/ ٢٩٩ طبعة دار المعرفة.
(٥) تلخيص الحبير: ٢/ ٥٠ حديث ٥، ٦.
[ ٢١١ ]
¬وقد تجمع لي قدرٌ صالح من الأدلة القاطعة التي تنفي هذا الكلام، وترد هذا الاتهام، وتثبت علم الإمام بالحديث رواية ودراية، وإن كنا لا نطمع أن نثبت أنه من الحفاظ المحدّثين، ولا هو ادعى لنفسه ذلك، ﵁.
وحين يتم هذا البحث -إن شاء الله- بالمنهج العلمي السليم والأدلة الموثقة، سنرى أن هذه المسلمة -عدم علم إمام الحرمين بالحديث- مثل كثير من المسلمات في حياتنا الفكرية والثقافية في حاجة إلى مراجعة علمية، تقوم على دراسة نصوص أئمتنا وقراءتها، واستخراج الأحكام عليهم من واقع أعمالهم، لا من قول بعضهم في بعض. ونسأل الله أن يعيننا على إخراج هذا البحث قريبًا.