ولعلنا لا نجاوز الحقيقة إذا قلنا: (إن نهاية المطلب) كانت الخطوة الأولى المبكرة في تحرير المذهب، قبل الرافعي والنووي، يشهد لذلك ما يأتي:
قولُ الإمام في خطبته: " وأبتهل إليه سبحانه في تيسير ما هممت بافتتاحه من تهذيب مذهب الإمام المطَّلبي الشافعي ﵁، يحوي تقريرَ القواعد وتحريرَ الضوابط، والمعاقد في تعليل الأصول، وتبيين مآخذ الفروع، وترتيب المفصّل منها والمجموع" فهو يؤكد أن عمله هذا تهذيبٌ لمذهب الإمام، وتقرير للقواعد.
ثم زاد هذا الأمر إيضاحًا، فقال: "وما اشتهر فيه خلاف الأصحاب ذكرته، وما ذكر فيه وجه غريب منقاس ذكرتُ ندورَه وانقياسه، وإن انضمَّ إلى ندوره ضعف القياس، نبهت عليه بأن أذكر الصواب قائلًا: "المذهب كذا" فهو يذكر خلاف الأصحاب، والوجوه المعتمدة في المذهب، منبهًا إلى ما يخرج بندوره وضعف قياسه عن المذهب.
_________________
(١) ر. المذهب عند الشافعية، بحث منشور بمجلة جامعة الملك عبد العزيز -العدد الثاني- جمادى الآخرة ١٣٩٨ = مايو ١٩٧٨ ص ٤٧ (بشيء من التصرف).
(٢) انظر مثلا: الفوائد المكية للسيد علوي بن أحمد السقاف: ٣٦.
[ ٢٢٨ ]
¬ثم تابع التأكيد لهذا المنهج قائلًا: " وإن جرت مسألة لم يبلغني فيها مذهب الأئمة، خرّجتها على القواعد، وذكرت مسالك الاحتمال فيها على مبلغ علمي وفهمي ".
فهو يؤكد أن المسائل التي لا يجد فيها حكمًا لأئمة المذهب سيخرّجها على (القواعد) أي قواعد المذهب.
ويشهد لما نحاوله -من إثبات أن هذا الكتاب كان أسبقَ في تحرير المذهب- الاسمُ الذي اختاره له الإمام (نهاية المطلب في دراية المذهب)، فهو اسم معمودٌ مقصودٌ لأداء معنىً وتحقيق غاية، صرح بذلك الإمام قائلًا: " وقد استقرّ رأي على تلقيبه بما يشعر بمضمونه، فليشتهر بـ (نهاية المطلب في دراية المذهب) فمضمونه: (علم المذهب درايةً).
ثم من يطالع (النهاية) يجد الإمامَ التزمَ بما وعد به من (تهذيب مذهب الإمام المطلبي) فحينما ينقل وجوه الأصحاب، ويكون فيها ما لا يمكن تخريجه على أصول الشافعي ينبه على ذلك، ويميز ما ليس من المذهب عما هو منه، بل قد ينقدح عنده هو وجهٌ يخالف المذهب، فيعرضه، ويقرره، ولكنه يقول معقبًا: " والمذهب كذا ".
وهاك بعض نماذج وأمثلة مما جاء في (النهاية):
* قال في كتاب الزكاة عند الحديث عن زكاة الحلي: " وهذا الذي ذكرته إشكال ابتديته، وليس قاعدةً للمذهب، فحقٌ على من يعتني بجمع المذهب أن يعتمد ما يصح نقله، ويستعمل فكره في تعليله جهده، حتى يكون نظره تبعًا لمنقوله، فأما أن يستتبع المذهَب، فهذا قصد لوضع مذهب " ا. هـ بنصه.
فهو يضع الضابط لتحرير المذهب، وهذا الضابط يقوم أولًا على التأكد من صحة النص المنقول عن الإمام الشافعي، وثانيًا أن يكون الجهد في التخريج والتعليل والاستنباط (تبعًا لمنقوله) أي ملتزمًا به، أما أن يجعل المذهب تابعًا لاجتهاده، وتعليله، " فهذا قصدٌ لوضع مذهب " أي ابتداع مذهب غير المذهب الشافعي، هذا منهجه في نهاية المطلب.
[ ٢٢٩ ]
¬ولكنه مع هذا لا يمنع من إبداء وجوه الاحتمال والإشكال، فيصرح بذلك قائلًا بعد هذا مباشرة: " نعم بعد النقل يحسن إبداء الإشكال، وذكر وجوه الاحتمال في الرأي، لا ليُعتقد مذهبًا، ولكن لينتفع الناظر فيها بالتدرب في مسالك الفقه " ا. هـ بنصه.
فهو إن عرض في كتابه لوجوهٍ من الاحتمال والإشكال، فذلك للتدرّب في مسالك الفقه، لا أن تُعتقد مذهبًا.
* وعندما تعرض لعلة الربا في الأصناف الستة وأشار إلى طرفٍ من الخلاف، تجده يكف نفسه عن الاسترسال في ذلك قائلًا: " ولا يليق التعرّض للاختلاف بهذا الكتاب المقصور على بيان مذهب الشافعي وأصحابه، فالوجه الاقتصار على هذا المذهب " ا. هـ
* وفي كتاب الغصب في مسألة إيجاب المثل مع اختلاف الأمكنة وأثره في ذلك، كمن غصب ماءً من مسافرٍ في صحراء، تجده يقول: " وحكينا عن شيخنا إيجاب المثل مع اختلاف الأمكنة من غير تفصيل. وهذا منقاس، لكني لست أثق به؛ فإني لم أره في شيء من الطرق، وسبيلي فيما أنفرد بنقله إذا لم أجده في عين طريقة أن أتوقف، ولا أخلي الكتاب عن ذكره " ا. هـ.
فهو أولًا يردّ قولَ والده، ثم يعلق أنه لا يثق بنقله، مع أنه يعترف بأنه منقاس، وذلك تطبيق للضابط الذي ذكرناه سابقًا، فهو لا يلتزم إلا باعتماد ما رآه في عين طريقة، أي من طرق نقل المذهب، فلا ينسب إلى المذهب إلا ما يتحقق نقله، (فالمذهب نقلٌ)، أما ما لم يتحقق نقله، فهو لا يخلي الكتاب عن ذكره، ولكنه لا يعدّه من المذهب.
* وإذا كان المنقول ظاهر الشذوذ والبعد عن المذهب، لا يتردد في دفعه، ولو كان عن والده، ويحمل ذلك على خطأ الناقل أو المستمع، جاء في كتاب الزكاة عند الكلام عن أخذ المعيبة في الزكاة قوله: " وما حكيته عن شيخي من التسوية بين الضحايا والزكاة في هذه العيوب غير معدود من المذهب، وإنما هفوة من الناقل، أو المستمع " ا. هـ.
[ ٢٣٠ ]
¬* وفي كتاب الصلاة عند الكلام عن اشتراط الطهارة في البدن يعرض لمسألة وصل العظم المنكسر بعظم نجس، فيقول:
" ولولا أن المذهب نقلٌ، وإلا لكان القياس، بل القواعد الكلية تقتضي أن أقول: لا يُنزع [أي العظم النجس] عند الخوف، وجهًا واحدًا، ولا عند الاكتساء بالجلد، وحصول الستر والبطون، وكان لا يبقى احتمال إلا في صورةٍ، ألا وهي إذا أمكن الوصل بعظم طاهر، واعتمد الوصل بالنجس واعتدى، فهل ينزع والحالة هذه؟ الظاهر أنه لا ينزع مع الخوف، وفيه احتمال بسبب تفريطه، وتسببه إلى هذا " ا. هـ.
وهذا كلام مبين غاية البيَان، بالغٌ النهاية في إثبات ما نحاوله.
* وفي كتاب الحجر قال عند الكلام على نفقة المحجور عليه بالإفلاس وزوجه وأقاربه الذين تلزم المفلس نفقتهم، قال: " وفي القلب من نفقة الأقارب مخالجة ظاهرة، ولكن المذهب نقلٌ، ونحن لا نذكر وجهًا إلا عن نقل صريح، أو أخْذٍ من رمز وفحوى في كلام الأصحاب، ولم أر فيما حكيته شيئًا ".
وكان قد ذكر قبل ذلك بسطورٍ ما نصه:
" الحاكم قبل تفرقة مال المفلس ينفق عليه، وعلى من تلزمه نفقته من زوجاته وأقاربه الذين يستحقون إنفاقه عليهم " ثم قال: "وكان لا يمتنع أن يُلحَقَ في حقوقهم بالفقير الذي لا مال له، ولكن أجمع الأصحاب على ما ذكرناه، فليثق الطالب بما نقلناه" ا. هـ
فهو نقل إجماع الأصحاب على النفقة على الأقارب، ولكنه في صدره منه شيء، فلم ير نقلًا صريحًا، ولا مرامز إلى شيء من هذا.
* ويعرض صورًا لما يقطع القدوة في صلاة الجماعة وما لا يقطعها، وفي إحداها يميل إلى ما يخالف المذهب، أو بالتحديد يرى احتمالًا آخرًا مقابلًا للمذهب، فيعبر عن ذلك قائلًا: "فلو قيل: ينقطع حكم القدوة، لم يكن بعيدًا عن القياس، ولكن لم يصر إلى هذا أحد من الأصحاب، والمذهب نقلٌ، وأنا لا أعتمد قط احتمالًا إلا إذا
[ ٢٣١ ]
¬وجدت رمزًا وتشبيبًا لبعض النقلة، فإذا وضح ذلك، عدنا إلى البناء على ما هو المذهب" ا. هـ
* ثم نراه في هذا الكتاب لا يُعنى بذكر الخلاف المذهبي، وحيثما تطرّق الكلام إلى مسألة خلافية أحال على (مجموعاته-أي كتبه-في الخلاف)، وإذا ذكر المذهبَ المخالف في مسألة -وما أكثر ما فعل- فهو لا يذكر الخلاف لذاته، فليس هذا معمودَه ولا مقصوده، وإنما الكتاب موضوع لبيان مذهبنا وحفظه وتأصيله، نبه على ذلك مرارًا بأجلى بيان، من مثل قوله في باب نكاح المشركات تعقيبًا على إحدى المسائل: " ونذكر أصول مذهب أبي حنيفة، والغرض من ذكرها أن يكون تقييدًا لمذهبنا في الحفظ؛ فإن الشيء قد يحفظ بذكر ضده " ا. هـ
* ومن عنايته بتحرير المذهب أنه يكرر الضابط الذي وضعه لتحرير المذهب، وأشرنا إليه قبلًا، بنفس الألفاظ تقريبًا، فيقول:
" وحق من يريد الاعتناء بالمذهب أن يفهم ما قيل، ويتثبت في النقل، ثم يحيط بالمشكلات، ويستمسك بها في نصرة قولٍ على قول " ا. هـ (قال هذا في كتاب النكاح في مسألة ما إذا أصدق نسوة في عقد واحد صداقًا واحدًا).
هكذا: الفهم لما قيل.
التثبت في النقل
الإحاطة بالمشكلات في التفريع.
الاستمساك بها في نصرة قولٍ على قولٍ.
فملاك الأمر -كما ترى- قولُ إمام المذهب، ونصوصُه، والتثبتُ من صحة النقل وحسنُ الفهم لها، والتفريعُ عليها، وقد تؤدي المشكلات التي تظهر في التفريع إلى نصرة قولٍ على قول، وترجح صحة نقله.
* ولأنه التزم بيان المذهب وتحريره، فهو يورد الوجوه كلها، قويها وضعيفها، ويبذل أقصى الإمكان في توجيهها، عبّر عن ذلك مرارًا، من مثل قوله في كتاب
[ ٢٣٢ ]
¬الطهارة: " ومما يجب الاعتناء به أن الوجه البالغ في الضعف -إذا كان مشهورًا- فيتعين ذكر متعلّق له على حسب الإمكان ".
وقوله في كتاب الصلاة: " وإذا عسر عليّ في فصلٍ تخريج المذهب المنقول على قياسٍ أو ربطه بخبر، فأقصى ما أقدر عليه استيعاب وجه الإشكال، وإيضاح أقصى الإمكان في الجواب عن توجيه الاعتراضات " (١).
* ويصرح بأنه ملتزم بذكر المذهب والإحاطة به، فيعتذر عن ذكر الجليات التي قد يقول قائل: لا مجال لمثلها في مثل هذا الكتاب، فيقول: " ولكني أضطر إلى ذكر الجليات؛ إذ التزمت نظم مذهب جامع ".
* ومن هذا الباب أيضًا -أعني تأصيل المذهب وتحريره- فحصُه تخريجات المزني وقوله عنها:
" والذي أراه أن يُلحق مذهب المزني في جميع المسائل بالمذهب؛ فإنه ما انحاز عن الشافعي في أصلٍ يتعلق الكلام فيه بقاطع، وإذا لم يفارق الشافعيَّ في أصوله، فتخريجاته خارجة على قاعدة إمامه، فإن كان لتخريج مُخرِّج التحاقٌ بالمذهب، فأَوْلاها تخريج المزني لعلو منصبه في الفقه، وتلقّيه أصول الشافعي من فَلْق فيه، وإنما لم يُلحق الأصحابُ مذهبَه في هذه المسألة (٢) بالمذهب، لأن من صيغة تخريجه أن يقول: قياس مذهب الشافعي كذا وكذا.
وإذا انفرد بمذهب، استعمل لفظة تشعر بانحيازه، وقد قال في هذه المسألة -لما حكى جواب الشافعي-: " ليس هذا عندي بشيء " واندفع في توجيه ما رآه " ا. هـ بنصه
فهو يعرف للمزني حقه، ويقر بعلوّ منصبه، ويفضل تخريجاته التي التزم فيها أصول الشافعي على تخريجات غيره، ويجعلها الأَوْلى بالالتحاق بالمذهب، أما التي
_________________
(١) قال هذا تعقيبًا على خلاف الأصحاب في وجوب نزع العظم النجس إذا تداوى بوصله بعظمه أحد، وقد أشرنا إلى المسألة آنفًا.
(٢) واحدة من مسائل كتاب الخلع، لا نطيل بذكرها، فقد تُسوّد عدة صفحات.
[ ٢٣٣ ]
¬لا يلتزم فيه أصول الشافعي، فهي ليست من المذهب، مع علوّ منصب صاحبها.
والذي نلفت النظر إليه تنبّه إمام الحرمين، وتنبيهه لصيغة المزني وعباراته، ومتى تدل على التزامٍ بأصول المذهب، ومتى تدل على الخروج عليها.
* وقد نرى للإمام في كتابه هذا اجتهادًا يخالف فيه المذهب، أو يزيده وجهًا، ولكنه يحرص دائمًا على أن يميزه عن المذهب بتعبيرٍ واضح، لا احتمال فيه، من مثل قوله: " كنت أودّ لو قال قائل من أئمة المذهب بكذا ".
* بل قد يختار مذهبًا مخالفًا، ويعلل لاختياره، ويستدلّ له، ولكنه دائمًا يميز اختياره عن المذهب، مثال ذلك: حينما يعرض لرأي الشافعي في الزكاة، وأنه لا يجوز إخراج البدل، وأن الزكاة تخرج من المال الذي تجب فيه الزكاة، فمن كان ماله ذهبًا لا يخرج عنه فضة، وهكذا، نجده يشير إلى رأي مالك وقوله: بأن الوَرِق يجزىء عن الذهب، والذهب يجزىء عن الوَرِق، فنراه يعلن ميله لرأي مالك صراحة، فيقول: " وهذا فيه قرب ". ثم يعلل لرأي مالك ويوجهه، فيقول: " إن الماشية إن قدّرت نامية، واعتُقد فيها اختصاص، فلا اختصاص لأحد النقدين عن الثاني بشيء ".
ومع هذا فالحرص واضح على عدم عدّ ذلك من المذهب.
ونكتفي بهذه النماذج -وما أكثرها في تضاعيف الكتاب- فهي كافية بالغة الدلالة، ونخوض في وجهٍ آخر يبين منزلة كتابنا هذا في بناء المذهب.