أما مصنف الكتاب فهو إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني (ت ٤٧٨ هـ) أحد عمالقة الفكر الإسلامي، والعلم الإسلامي، الذي شرَّق صِيتُه وغرَّب. واعترف بفضله القاصي والداني، وأثنى عليه السابقون واللاحقون والمحْدَثون إلى يومنا هذا.
إمامٌ وابنُ إمام، وفقيه وابن فقيه، أخذ العلم كابرًا عن كابر.
قال معاصره الإمام أبو إسحاق الشيرازي: تمتعوا بهذا الإمام، فإنه نزهةُ هذا الزمان! وقال له مرة: يا مفيد أهل المشرق والمغرب، لقد استفاد من علمك الأولون والآخرون.
وقال الحافظ أبو محمد الجرجاني: هو إمام عصره، ونسيج وحده، ونادرة دهره.
وقال قاضي القضاة أبو سعيد الطبري، وقد قيل له: إنه لقّب إمام الحرمين: بل هو إمام خراسان والعراق، لفضله وتقدمه في أنواع العلوم.
وقال العلامة تاج الدين ابن السبكي في ترجمته في (طبقات الشافعية): هو الإمام
_________________
(١) انظر: ص ٢٧٦ من (كف الرعاع) المطبوع مع الزواجر، طبعة دار المعرفة - بيروت.
[ ٣٧ ]
¬شيخ الإسلام، البحر الحبر، المدقق المحقق، النظار الأصولي المتكلم، البليغ الفصيح الأديب، العَلَم الفرد، زينةُ المحققين، إمام الأئمة على الإطلاق.
ونقل ابن السبكي عن الحافظ عبد الغافر الفارسي قولَه فيه: فخر الإسلام، إمام الأئمة على الإطلاق، حبر الشريعة، المجمع على إمامته .. من لم تر العيون مثله قبله، ولا ترى بعده .. رباه حِجرُ الإمامة، .. وأرضعه ثدي العلم والورع، إلى أن ترعرع فيه ويفع (١). اهـ.
في فقه الشافعية: إذا قيل: قال الإمام، أو اختاره الإمام، أو نحو ذلك، فلا إمام غيره، ولا تقال بهذا الإطلاق على أحد سواه.
وقد وصفه بعضهم وقد كان لا يزال في شبابه، فأضفى عليه من الفضائل والمناقب: ما لا يجتمع في العادة مثلها لفرد، ولكن الله يختص بفضله من يشاء.
قال: فالفقه فقه الشافعي، والأدب أدبُ الأصمعي، وحسن بصره بالوعظ للحسن البصري .. وكيفما كان فهو إمام كلِّ إمام، والمستعلي بهمته على كل هُمام إذا تصدر للفقه فالمزني من مُزْنته قطرة، وإذا تكلم (من علم الكلام) فالأشعري من وَفْرته شعرة، وإذا خطب ألجم الفصحاء .. (٢)!
وقال ابن خلكان في ترجمته: أعلم المتأخرين من أصحاب الإمام الشافعي على الإطلاق، المجمع على إمامته، المتفق على غزارة مادته، وتفننه في العلوم، من الأصول والفروع والأدب، وغير ذلك. وتفقه في صباه على والده أبي محمد، وكان يُعجب بطبعه وتحصيله وجودة قريحته، وما يظهر عليه من مخايل الإقبال، فأتى على جميع مصنفات والده، وتصرف فيها، حتى زاد عليه في التحقيق والتدقيق (٣).
تكوّن إمام الحرمين تكوّنًا علميًا قويًا منذ صباه، وتفقه على والده الإمام أبي محمد الجويني وأخذ علوم عصره عن أفذاذ رجالها المعروفين في وقتهم: من العربية،
_________________
(١) انظر: الطبقات الكبرى للسبكي: ٥/ ١٦٥ - ١٧٤.
(٢) الطبقات الكبرى: ٥/ ١٧٨.
(٣) وفيات الأعيان لابن خلكان: ٣/ ١٦٧، ١٦٨ الترجمة رقم (٣٧٨).
[ ٣٨ ]
¬والقراءات والحديث، والتفسير، وأصول الدين، والفقه، وأصول الفقه.
وجمع الكثير من مصادر العلم في معارف عصره -بالإضافة إلى ما وجده عند والده- وأقبل على هذه المراجع ينهل منها ويعلّ، في لهفة وشوق، وفي دأب وصبر، مواصلًا الليل بالنهار، يقرأ ويحصل، ويفهم ويهضم.
يقول معاصره عبد الغافر الفارسي: سمعته في أثناء كلامٍ له يقول: "أنا لا أنام ولا آكل عادةً، وإنما أنام إذا غلبني النوم، ليلًا كان أو نهارًا، وآكل إذا اشتهيت الطعام في أي وقت كان! ".
وكان لذته ولهوه ونزهته في مذاكرة العلم، وطلب الفائدة من أي نوع كان.
قال عنه أحد شيوخه في النحو والأدب، وقد قرأ عليه بعض كتبه -وهو إمام الأئمة- مستزيدًا من العلم، وطالبًا له عند أهله، قال: ما رأيت عاشقًا للعلم -أيَّ نوع كان- مثلَ هذا الإمام؛ فإنه يطلب العلم للعلم (١)!
ونقل عنه السبكي قوله: ما تكلمت في علم الكلام كلمة، حتى حفظت من كلام القاضي أبي بكر (يعني الباقلاني) وحده: اثنى عشر ألف ورقة.
هذا من كلام شخص واحد في علم واحد! فكيف بكلام غيره، وبالعلوم الأخرى التي له فيها اليد الباسطة، والتصانيف المستكثرة: فقهًا وأصولًا وغيرها؟
ومراده بحفظ تلك الكتب: فهمها والقدرة على استحضارها عند الحاجة.
ويحكى أنه قال للغزالي يومًا: يا فقيه: فرأى في وجهه التغير، كأنه استقل هذه اللفظة على نفسه. فقال له: افتح هذا البيت، ففتح مكانًا وجده مملوءًا بالكتب، فقال له: ما قيل لي: يا فقيه (٢)، حتى أتيت على هذه الكتب كلها! (٣)
_________________
(١) الطبقات الكبرى: ٥/ ١٧٩، ١٨٠.
(٢) في نفسي شيء من هذه الحكاية، إذ لا معنى لتغير الغزالي من قوله له: يا فقيه! والسبكي قد ذكرها بصيغة التمريض (يحكى).
(٣) المصدر السابق ١٨٥.
[ ٣٩ ]
¬وقد قال عن نفسه: (قرأت خمسين ألفًا في خمسين ألفًا) (١) ٥٠٠٠٠، فهل يقصد الضرب؟! ٥٠٠٠٠ × ٥٠٠٠٠= ٢٥٠٠٠٠٠٠٠٠ هذا مستحيل، أو يقصد العطف؟ أي ٥٠٠٠٠ + ٥٠٠٠٠= ١٠٠٠٠٠ أظن هذا هو المقصود والمعقول، ولا أحسبه يقصد العدد حقيقة، إنما المقصود كثرة ما قرأ وحصّل من العلوم العقلية والنقلية.
عبقرية متميزة:
كان إمام الحرمين عبقريَّ زمانه -وما بعد زمانه- في العلوم التي تجمع بين العقل والنقل، وهي: علم الكلام، وأصول الفقه، والفقه، والخلاف.
وربما يظن كثير من الناس أن علم الفقه علم نقلي بحت، وهو كذلك عند الكثيرين، ولكنه -عند إمام الحرمين ومن جرى مجراه- له ارتباط وثيق بالعقل، في التأصيل والتدليل، والتقرير والتعليل، وربط المسائل بجذورها، ورد الفروع إلى أصولها، وقياس الأشباه بأشباهها، ومراعاة الجوامع والفوارق، ورعاية العلل والمقاصد.
الاستقلال في التفكير والاستقلال. في التعبير:
تميز إمام الحرمين بالاستقلال في التفكير، والاستقلال في التعبير.
فهو في أصول الدين أشعري، ولكنه قد يخالف الأشعريَّ، برغم تعظيمه لقدره، وتقديره لفضله.
وهو في فروع الفقه شافعي، ولكنه قد يستقل عن الشافعي بمسائلَ، وينفرد بنظراتٍ، وأفكار واجتهادات فقهية، لم يسبق بها أحد.
وهو واضع اللمسات الأولى في مقاصد الشريعة، حيث أشار إليها في (البرهان) وتحدث عن المصالح الضرورية والحاجية والتكميلية.
_________________
(١) أعلام النبلاء: ١٨/ ٤٧١. والطبقات الكبرى: ٥/ ١٨٥.
[ ٤٠ ]
¬ثم جاء تلميذه الغزالي وصاغها صياغة جديدة متكاملة، ووضع أسس البناء لهذه النظرية، التي توسع فيها الشاطبي فيما بعد.
وعبارات إمام الحرمين في أكثر من كتاب له، بل في كل ما عرف من كتبه: تدل على أنه شخصية مستقلة الفكر، وإن انتسب إلى الأشعري اعتقادًا، وإلى الشافعي فقهًا، بل مع تعصبه للشافعي إلى الحد الذي جار على بعض المذاهب الأخرى، وبعض الأئمة مثل أبي حنيفة، كما تجلى ذلك في كتابه (مغيث الخلق في اختيار الأحق)، وفي حديثه -في بعض الأحيان- عن الإمام مالك، واسترساله في المصلحة المرسلة.
استمع إليه، وهو يقول في (الغياثي): " ومعظم المتلقبين بالتصنيف في هذا الزمان السخيف، يكتفون بتبويب أبواب، وترتيب كتاب، متضمَّنه كلامُ من مضى، وعلوم من تصرَّم وانقضى " (١).
وفي موضع آخر يقول:
" ولو ذهبت أذكر المقالات وأستقصيها، وأنسبها إلى قائليها .. لخفت خصلتين: إحداهما: خصلة أحاذرها في مصنفاتي وأتقيها، وتعافها نفسي الأبية وتجتويها، وهي سرد فصل منقول، عن كلام للمتقدمين مقول. وهذا عندي بمنزلة الاختزال والانتحال، والتشبّع بعلوم الأوائل، والإغارة على مصنفات الأفاضل! " (٢).
فهو إذن يبحث عن الجديد، ويعاف تكرار القديم.
ثم يقول: " وحق على كل من تتقاضاه قريحته تأليفًا، وجمعًا وترصيفًا: أن يجعل مضمون كتابه: أمرًا لا يلفى في مجموع، وغرضًا لايصادَف في تصنيف " (٣).
وفي مكان آخر من الكتاب نفسه يقول:
" لست أحاذر إثبات حكم لم يدوِّنه الفقهاء، ولم يتعرض له العلماء؛ فإن معظم
_________________
(١) الغياثي بتحقيق د. الديب: فقرة (٤٥).
(٢) المصدر السابق: فقرة (٢٤٢).
(٣) الغياثي: نفس الفقرة.
[ ٤١ ]
¬مضمون هذا الكتاب لا يُلفى مُدوَّنًا في كتاب، ولا مُضمَّنًا لباب. ومتى انتهى مساق الكلام إلى أحكام نظمَها أقوامٌ، أحلْتها إلى أربابها، وعزَيْتها إلى كتابها. ولكني لا أبتدع، ولا أخترع شيئًا، بل ألاحظ وضع الشرع وينبوعَه، وأستثير معنى يناسب ما أراه وأتحراه. وهكذا سبيل التصرف في الوقائع المستجدَّة، التي لا توجد فيها أجوبة العلماء مُعدّة" (١).
وهذا شائع في كتبه كلها، وهو يعتد بذلك ويباهي به، إلى حدٍّ قد تصفه بالعُجب أو الغرور، ولكنها -كما قال أخي عبد العظيم- الثقة الكاملة بالنفس، يقول في (البرهان) معقبًا على ماعرض فيه لأنواع الجموع: (ونحن من هذا المنتهى نفرع ذِروةً في التحقيق لم يُبلغ حضيضُها، ونفترع معنى بكرًا، هو -على التحقيق- منشأ اختباط الناس في عماياتهم) (٢).
ولقد أقر الفقهاء، والأصوليون، والمتكلمون، من بعده، بأصالته وتقدمه، واستقلاله في العلم والفكر، فهو نسيج وحده فيما يصنف ويكتب، غير مقلد لأحد قبله.
يقول التاج السبكي في (طبقاته) عن كتابه (البرهان): " اعلم أن هذا الكتاب وضعه الإمام في أصول الفقه على أسلوب غريب، لم يقتد فيه بأحد، وأنا أسميه (لغز الأمة) لما فيه من مصاعب الأمور، وأنه لا يخلي مسالة عن إشكال، ولا يخرج إلا عن اختيار، يخترعه لنفسه، وتحقيقات يستبدّ بها، وهذا الكتاب من مفتخرات الشافعية " (٣).
فانظر إلى هذه العبارات " لم يقتد فيه بأحد " وقوله: " عن اختيار يخترعه لنفسه، وتحقيقات يستبد بها " مما يدل على أن الرجل من المبدعين، وأصحاب العقول المبتكِرة.
_________________
(١) الغياثي: فقر ة (٣٧٨).
(٢) انظر: البرهان: فقرة (٢٣٤) ج ١/ ٣٢٨.
(٣) الطبقات الكبرى: ٥/ ١٩٢.
[ ٤٢ ]
¬وفي موضع آخر يعلق السبكي على ما وصفه بتحامل الإمام المازَري وغيرِه من علماء المالكية الذين شرحوا (البرهان) مبينًا سببَ هذا التحامل في رأيه، فقال: " إنهم يستصعبون مخالفةَ الإمام أبي الحسن الأشعري، ويرونها هُجنةً عظيمة، والإمام -إمام الحرمين- لا يتقيد لا بالأشعرىِ ولا بالشافعي، لا سيما في (البرهان)، وإنما يتكلم حسب تأدية نظره واجتهاده، وربما خالف الأشعريَّ، وأتى بعبارة عالية، على عادة فصاحته، فلا تتحمل المغاربة أن يقال مثلُها في حق الأشعري ".
قال السبكي: وقد حكينا كثيرًا من ذلك في شرحنا على (مختصر ابن الحاجب) (١).
وقد استدل الحافظ السيوطي (ت ٩١١ هـ) في رسالته (الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض) بعبارة السبكي هذه: أن إمام الحرمين لا يتقيد بالأشعري ولا بالشافعي، وإنما يتكلم حسب ما يؤديه إليه نظره واجتهادُه: أن هذا الإمام قد استقل بالاجتهاد، وتحرر من التقليد (٢).
ونقل عن ابن المنيّر أنه قال في حق إمام الحرمين: له علو همة إلى مساواة المجتهدين.
ووصفه الحافظ القزويني بأنه: المجتهد ابن المجتهد (٣).
ومما يؤكد ذلك: ما ذكره الدكتور الديب قي تحقيقه للبرهان من جملة فهارس لها دلالتها وأهميتها في آخر الكتاب، ومنها ثلاثة فهارس ننبه عليها هنا:
١ - فهرس المسائل التي خالف فيها إمامُ الحرمين الشافعيَّ، وقد أحصاها، فكانت أربعًا وعشرين مسألة.
٢ - فهرس المسائل التي خالف فيها إمام الحرمين الأشعري، وقد حصرها في ثلاث مسائل.
_________________
(١) الطبقات: ٥/ ١٩٢.
(٢) الرد على من أخلد إلى الأرض ص ١٩٤ تحقيق د. فؤاد عبد المنعم.
(٣) نفسه.
[ ٤٣ ]
¬٣ - فهرس المسائل التي خالف فيها إمام الحرمين القاضي أبا بكر الباقلاني، وهو الرجل الثاني بعد الأشعري، وقد أحصاها، فكانت إحدى وأربعين (٤١) مسألة (١).
وهو يتحدث عن الإمام الأشعري بكل احترام وتقدير، ولكن لا يمنعه هذا أن يقول في بعض المسائل: ورأي الأشعري مختبط في هذه المسائل! وكيف لا وقد علق على قولة لوالده، الإمام المعروف فقال: وهذه زلة من الشيخ ﵀! (٢).
وأما استقلاله في (التعبير) فهو ظاهرة ملحوظة في كل ما يكتب، فمعجمه اللغوي رحب، ومفرداته كثيرة، وهو ينتقي منها ويتأنق فيها، إلى حد الإغراب في بعض الأحيان، ولا يكاد يستخدم عبارات من قبله، وكثيرًا ما يلتزم السجع، كما هو نمط عصره، وأغلبه مستساغ، وقليل منه متكلف، وقد رأيناه يلتزم السجع في بعض كتبه مثل (غياث الأمم) فهو مسجوع من أوله إلى آخره، إلا ماندر. وأحيانًا أخرى يتحرر من السجع، ويمضي مسترسلًا، ككبار البلغاء. قال ابن خلكان: ورزق من التوسع في العبارة ما لم يُعهد من غيره (٣).
عقل كبير وقلب كبير:
وكما تميز الإمامُ الجويني بعقله الكبير، تميز بقلبه الكبير، فقد اتفق مؤرخوه أن الرجل كان من (أصحاب القلوب) الذين لهم مع الله تعالى حال ومقام، وكان إذا ذكّر الناس في مجلسه بكى وأبكى الحاضرين.
وهذا مع أن الذين يشتغلون بالقضايا العقلية، والمجادلات الكلامية، يصابون بجفاف الروح، وقسوة القلوب، إلا من رحم ربك، من القلائل الذين احتفظوا بقلوبهم حية لم تمت، سليمة لم تسقم، صافية لم تشب، ومنهم إمام الحرمين. وقد قال هو ﵀ بحق: " من ضرِي بالكلام صَدِي جنانه! "
قال مؤرخه عبد الغافر الفارسي: " كان من رقة القلب بحيث يبكي إذا سمع بيتًا،
_________________
(١) انظر: هذه الفهارس في أواخر الجزء الثاني من (البرهان) ص ١٤٤٣ - ١٤٤٩.
(٢) انظر: شذرات الذهب لابن العماد: ٣/ ٣٦٠.
(٣) وفيات الأعيان: ٣/ ١٦٨.
[ ٤٤ ]
¬أو تفكَّر في نفسه ساعة، وإذا شرع في حكاية الأحوال، وخاض في علوم الصوفية في فصول مجالسه بالغدوات: أبكى الحاضرين ببكائه، وقطّر الدماء من الجفون بزعقاته ونعراته وإشاراته، لاحتراقه في نفسه، وتحققه بما يجري من دقائق الأسرار " (١). اهـ.
وقد تجلّى ذلك في خلقه وسلوكه مع من حوله، ومن ذلك خلق التواضع، فقد ذكروا: " أنه كان من التواضع لكل أحد بمحلٍّ يتخيل منه الاستهزاء، لمبالغته فيه.
ومن حميد سيرته: أنه ما كان يستصغر أحدًا حتى يسمع كلامه، شاديًا كان أو متناهيًا .. صغيرًا كان أو كبيرًا، ولا يستنكف أن يَعزي الفائدة المستفادة إلى قائلها، ويقول: إن هذه الفائدة مما استفدته من فلان، وإن كان من تلاميذه ".
" وإذا لم يرض كلام أحد زيّفه، ولو كان أباه أو أحد الأئمة المشهورين " (٢).
فهذا كله ينطق بأن هذا الإمام قد رُزق من نقاء القلب ما رُزق من ذكاء العقل، والله يختص بفضله من يشاء.
الإخلاص والشجاعة:
ومن الفضائل التي تميز بها إمام الحرمين، وتبدو واضحة لكل من درس حياته وتراثه بلا تعصب له ولا عليه: الإخلاص في طلب الحقيقة، عن طريق العقل الناقد، والشرع الضابط، فإذا كَشفت له الحقيقة قناعَها، ومدت له شعاعَها، بادر إلى الإيمان بها واعتناقِها، والإعلانِ عنها، بشجاعة لا نظير لها، وإن كانت مخالفة لما عليه الجمهور، أو ما عليه المذهب، وما مضى عليه دهرًا من حياته، وقضى سنين عددًا وهو يدرسه ويصنّف فيه، ويذود عنه، ويحث على اتباعه.
وهذا واضح في مذهبه (العقدي) أكثر منه في مذهبه الفقهي. فمن المعروف والمشهور: أن إمام الحرمين كان من كبار متكلمي الأشاعرة، المؤوِّلين لآيات الصفات وأحاديثها، المدافعين عن التأويل. وقد برز في (علم الكلام) واشتهر به، وصنف فيه التصانيف التي سارت بذكرها الركبان، مثل (الشامل) و(الإرشاد)
_________________
(١) الطبقات الكبرى: ٥/ ١٨٠.
(٢) المرجع السابق، وانظر: شذرات الذهب: ٣/ ٣٦٠.
[ ٤٥ ]
¬و(اللمع) و(النظامية) وغيرها، وأخذ عنه هذا العلم كثيرون من تلاميذه النوابغ، وكان يتكلف في تأويله والدفاع عن مذهبه الأشعري إلى حد الاعتساف أحيانًا، الذي لايرضاه المنصفون. وهذا شأن البشر.
وقد ذكر مؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي في (سير الأعلام) ما جرى بينه وبين أبي القاسم بن بَرهان من مناظرة في (أفعال العباد). ومن المعروف لدى المتمرسين بمسائل الكلام: أن مذهب الأشعري في أفعال العباد من أضعف المذاهب، حتى ضرب به المثل في الخفاء، فقيل: أخفى من كسب الأشعري. ومع هذا كان الجويني في أول أمره يجادل عنه ويرد على خصومه، ويتأول صريح القرآن، وهو ما نقله الذهبي عن العلامة الحنبلي ابن عقيل في (فنونه) قال: قال عميد المُلك: قدم أبو المعالي، فكلم أبا القاسم بن بَرهان في العباد: هل لهم أفعال؟ فقال أبو المعالي: إن وجدت آية تقتضي ذا، فالحجة لك. فتلا:
(وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ) [المؤمنون: ٦٣] ومد بها صوته، وكرر: (هم لها عاملون) [المؤمنون: ٦٣] وقوله تعالى: (لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) [التوبة: ٤٢] أي كانوا مستطيعين. فأخذ أبو المعالي يستروح إلى التأويل. فقال (أي ابن بَرهان): " والله إنك بارد. تتأول صريحَ كلام الله، لتصحح بتأويلك كلامَ الأشعري!! وأكَلَه ابن برهان (أي أعياه) بالحجة، فبهت " (١).
هكذا كان أبو المعالي إمام الحرمين، دهرًا من حياته، ولا غرو أن اعتبره بعض الباحثين المؤسس الثاني للمذهب الأشعري، وكتب أستاذنا الشيخ علي جبر في كلية أصول الدين رسالة الأستاذية له عن (إمام الحرمين باني الأشعرية الحديثة) وإن لم نرها مطبوعة. ولكن الله شرح صدره للحق، فوجدناه في أواخر حياته قد غير نهجه، ورجع عن طريق التأويل -طريق الخلف- إلى طريق السلف في ترك الخوض، والانكفاف عن التأويل، كما أثبت أن للإنسان قدرة مؤثرة في أفعاله بإقدار الله تعالى وتمكينه، وليست مستقلة عن القدرة الإلهية. ولم يستنكف عن إعلان ذلك بكل
_________________
(١) سير أعلام النبلاء جـ ١٨/ ٤٦٩.
[ ٤٦ ]
¬صراحة وجلاء. وهو ما ذكره في (الرسالة النظامية في الأركان الإسلامية) (١).
قال إمام الحرمين:
" اختلفت مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنة، وامتنع على أهل الحق فحواها وإجراؤها على موجب ما يبرزه أفهام أرباب اللسان فيها.
فرأى بعضهم تأويلَها، والتزامَ ذلك في القرآنِ وما يصح من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراءِ الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب تعالى.
والذي نرتضيه رأيًا، وندين الله به عقدًا: اتباعُ سلف الأمة، فالأولى الاتباع، وتركُ الابتداع. والدليل السمعي القاطع في ذلك: أن إجماع الأمة حجةٌ متبعة، وهو مستند معظم الشريعة، وقد درج صحب الرسول ﷺ على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها، وهم صفوةُ الإسلام المستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يألون جهدًا في ضبط قواعد الملة، والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغًا أو محتومًا؛ لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة.
فإذا تصرَّم عصرهم وعصرُ التابعين على الإِضراب عن التأويل؛ كان ذلك قاطعًا بأنه الوجه المتبع، فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحْدَثين، ولا يخوضَ في تأويل المشكلات، ويكلَ معناها إلى الرب. وعند إمام القراء وسيدهم الوقف على قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) [آل عمران: ٧]، من العزائم، ثم الابتداء بقوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) [آل عمران: ٧]، ومما استحسن من إمام دار الهجرة مالك بن أنس أنه سئل عن قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥]، فقال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والسؤال عنه بدعة.
_________________
(١) طبعت في القاهرة بتحقيق المحدث الفقيه الحنفي المعروف الشيخ محمد زاهد الكوثري. وقد طبعت تحت عنوان (العقيدة النظامية) ويبدو أن الذي طبع منها فقط هو جانب العقيدة، وهو ما وجد منها، إذ لم يعثر على باقيها إلى الآن.
[ ٤٧ ]
¬فلتُجْرِ آيةَ الاستواء والمجيء (١) وقوله: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) [ص: ٧٥]. وَيَبْقَى (وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن: ٢٧]. و(تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) [القمر: ١٤]. وما صح من أخبار الرسول كخبر النزول وغيره على ما ذكرناه، فهذا بيان ما يجب لله" (٢).
ونقل الحافظ الذهبي عن الفقيه غانم الموشيلي قال: " سمعت الإمام أبا المعالي يقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما اشتغلت بالكلام " (٣).
وقال الذهبي: " قال الحافظ محمد بنُ طاهر: سمعت أبا الحسن القيرواني الأديب -وكان يختلف إلى درس الأستاذ أبي المعالي في الكلام- فقال: سمعت أبا المعالي اليوم يقول: يا أصحابنا: لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به " (٤).
وقد علق السبكي على هذا القول فقال: يشبه أن تكون هذه الحكاية مكذوبة على إمام الحرمين، وابن طاهر عنده تحامل على إمام الحرمين، والقيرواني المشار إليه: رجل مجهول.
ولكن يعكر على هذا ما نقله الموشيلي عنه، ولم يتعقبه السبكي، ثم الأقوال الأخرى لإمام الحرمين في رجوعه إلى طريق السلف تؤكد صحةَ هذه الرواية. كما أن روايات الحفاظ لا تسقط بمثل التهم التي ذكرها السبكي، وأي تحامل على إمام
الحرمين في هذه الرواية؟ بل فيها ما يرفع من قدره.
وحكى الفقيه أبو عبد الله الحسن بن العباس الرستمي قال: "حكى لنا أبو الفتح الطبري الفقيه قال: دخلت على أبي المعالي في مرضه، فقال: اشهدوا علي أني قد رجعت عن كل مقالة تخالف السنة، وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور" (٥).
_________________
(١) آية المجيء قوله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) [الفجر: ٢٢].
(٢) العقيدة النظامية: ص ٢٣، ٢٤. وقد نقل هذا النص الذهبي في (الأعلام) ج ١٨/ ٤٧٣، ٤٧٤.
(٣) سير أعلام النبلاء: ١٨/ ٤٧٣.
(٤) المنتظم: ٩/ ١٩، وطبقات السبكي: ٥/ ١٨٦.
(٥) طبقات السبكي: ٥/ ١٩١.
[ ٤٨ ]
¬وهذه الرواية قد أقرها السبكي، ولم يعترض عليها.
قال الذهبي:
"وقرأت بخط أبي جعفر (محمد بن أبي علي): سمعت أبا المعالي يقول: قرأت خمسين ألفًا في خمسين ألفًا، ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الظاهرة، وركبت البحر الخضم، وغصت في الذي نهي أهل الإسلام عنه، كل ذلك في طلب الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن فقد رجعت إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يُدركني الحق بلُطف بره، فأموتَ على دين العجائز، ويختم عاقبة أمري عند الرحيل على كلمة الإخلاص: لا إله إلا الله، فالويل لابن الجويني (١)! يعني: نفسه.
يقصد بالذي نُهي عنه أهل الإسلام: علم الكلام، فقد نهى عنه إمامه الشافعي، ونهى عنه مالك وأحمد، وغيرهما من الأئمة".
ويبدو أنه تأول نَهْي أهل الإسلام أنهم نهوا من يخاف عليه السباحة في هذا البحر الخضم، ويخشى عليه من الغرق، وهو يرى نفسه أقوى من ذلك.
كما قصد بتخلية أهل الإسلام وعلومهم الظاهرة: أنه دخل في العلوم العقلية والفلسفية وتغلغل فيها، ولم يشتغل بالعلوم النقلية من الحديث والآثار ونحوها، كما اشتغل بها غيره.
وهذا القول من هذا الإمام الكبير الذي أنفق عمره في هذا اللون من الثقافة العقلية التي امتزجت بفلسفة اليونان وجدلياتهم، التي لا تنفع غليلًا، ولا تهدي سبيلًا .. هذا القول يؤكد أن لا طريق أهدى ولا أجدى من طريقة القرآن في تأسيس العقيدة، وهي الأقرب إلى الفطرة، والألصق بالعقل والوجدان، وهو ما كان عليه الصحابة وتابعوهم بإحسان.
وإنما يستفاد من (علم الكلام) في الدفاع عن العقيدة في مواجهة المخالفين من أصحاب الأديان والفلسفات الأخرى، والفرق المبتدعة.
_________________
(١) الخبر في (المنتظم) لابن الجوزي: ٩/ ١٩، وأعلام النبلاء: ١٨/ ٤٧١، و(طبقات الشافعية) للسبكي: ٥/ ٥٨٥.
[ ٤٩ ]
¬وهو ما وضحه من بعد، تلميذه حجة الإسلام الغزالي، حين بين أن علم الكلام: علم مُحْدَث أريد به حراسة عقائد العوام من تشويش المبتدعة.
وقال في (الإحياء): (اعلم أن حاصل ما يشتمل عليه علم الكلام من الأدلة التي ينتفع بها، فالقرآن والأخبار (أي الأحاديث) مشتملة عليه. وما خرج عنهما، فهو إما مجادلة مذمومة، وهي من البدع وإما مشاغبة بالتعلق بمناقضات الفِرق لها، وتطويلٌ بنقل المقالات التي أكثرها ترهات وهذيانات، تزدريها الطباع، وتمجها الأسماع، وبعضها خوض فيما لايتعلق بالدين، ولم يكن شيء منه مألوفًا في العصر الأول، وكان الخوض فيه بالكلية من البدع، ولكن تغير الآن حكمُه، إذ حدثت البدعة الصارفة عن مقتضى القرآن والسنة، ونبتت جماعة لفقوا لها شُبَهًا، ورتبوا فيها كلامًا مؤلفًا، فصار ذلك المحذور بحكم الضرورة مأذونًا فيه، بل صار من فروض الكفايات. وهو القدر الذي يقابل به المبتدع، إذا قصد الدعوة إلى البدعة، وذلك إلى حد محدود) (١).
فلا غرو أن يروى عن إمام الحرمين ما رُوي من البراءة من (علم الكلام) والعودة إلى طريقة القرآن (٢).
وقد اجتهد العلامة تاج الدين السبكي في طبقاته الكبرى: أن ينحو بهذا الكلام الجلي الواضح من إمام الحرمين، منحى آخر غيرَ ما يتبادر منه، دفاعًا منه عن (علم الكلام) الموروث، ووجه كلمات هذا الإمام العظيم الشجاع المخلص، إلى معانٍ متكلفة لا ينشرح لها الصدر.
وتحامل السبكي على شيخه الإمام الذهبي، تحاملًا لا يقبل من مثله في مثله؛ فالواقع أني ما رأيت مؤرخًا منصفًا مثلَ الذهبي، حتى مع أعلام المعتزلة وأمثالهم.
على أن إمام الحرمين ليس هو وحده الذي انتهى إلى رفض التأويل، وترجيح مذهب السلف، وتفويض حقائق هذه الألفاظ ومعانيها إلى الله تعالى.
_________________
(١) إحياء علوم الدين ج ١/ ٢٢، ٢٣ طبعة دار المعرفة - بيروت.
(٢) اقرأ تفسيرًا مخالفًا ينكر هذا الرجوع فيما يأتي ص ٢٠٦ تحت عنوان (موقف إمام الحرمين من علم الكلام). عبد العظيم.
[ ٥٠ ]
¬فقد رجع من قبله شيخه أبو الحسن الأشعري في كتابه (الإبانة) وفي (رسالة إلى أهل الثغر) وغيرهما. ورجع من بعده تلميذه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي، وذلك في كتابه: (إلجام العوام عن علم الكلام).
ولكن موقف شيخه إمام الحرمين كان أصرح وأوضح، فإن الغزالي اعتبر علم الكلام شأنَ الخواص، وجمهرةُ العلماء من الفقهاء والمفسرين والمحدثين والمتكلمين، وغيرهم يعتبرون من العوام في هذا الأمر عند الغزالي.
أما الخواص، فقد يوجد في كل عصر منهم واحد، أو اثنان.
ورجع بعد ذلك: الفخر الرازي (ت ٦٠٦ هـ) الذي كان من أكبر المحامين المدافعين عن التأويل، وصنف فيه أكثر من كتاب، مثل (تأسيس التقديس) وغيره.
ثم قال في الطور الأخير من حياته العلمية:
" لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن: أقرأ في الإثبات: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥]، (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) [فاطر: ١٠] وأقرأ في النفي: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى: ١١]، ومن جرب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي "! (١)
وجاء في (طبقات الشافعية) لابن قاضي شهبة: ٢/ ٨٢ ما نصه: قال ابن الصلاح: أخبرني القطب الطوغاني مرتين: أنه سمع فخر الدين الرازي يقول: ياليتني لم أشتغل بعلم الكلام! وبكى (٢).
قال الإمام الشوكاني في (إرشاد الفحول):
" وهؤلاء الثلاثة، أعني: الجويني والغزالي والرازي، هم الذين وسعوا دائرة التأويل، وطولوا ذيوله، وقد رجعوا آخرًا إلى مذهب السلف، كما عرفت، فلله الحمد، كما هو أهله " (٣).
_________________
(١) سير النبلاء: ٢١/ ٥٠٠.
(٢) ذكر ذلك الشيخ شعيب الأرناؤوط في مقدمته لكتاب (أقاويل الثقات) للشيخ مرعي الحنبلي ص ٢٢ نشر مؤسسة الرسالة، بيروت.
(٣) إرشاد الفحول ٢/ ٤٩ بتحقيق د. شعبان محمد إسماعيل.
[ ٥١ ]
¬على أن إمام الحرمين لم يكتف بالرجوع إلى مذهب السلف نظريًا، بل حث الأئمة والمسؤولين عن قيادة الأمة -والمحافظة على الدين أول واجباتهم- أن يجعلوا مذهب السلف ونهجهم في تعلم التوحيد هو ما ينبغي أن يعلم للكافة.
أكد في (الغياثي): " أن الذي يحرص الإمام عليه: جمعُ عامة الخلق على مذهب السلف السابقين، قبل أن نبغت الأهواء، وزاغت الآراء: وكانوا ﵃ ينهَوْن عن التعرض للغوامض، والتعمق في المشكلات، والإمعان في ملابسة المعضلات، والاعتناء بجمع الشبهات، وتكلف الأجوبة عما لم يقع من السؤالات، ويرَوْن صرفَ العناية إلى الاستحثاث على البر والتقوى، وكف الأذى، والقيام بالطاعة حسب الاستطاعة، وما كانوا ينكّفون -﵃- عما تعرض له المتأخرون عن عيّ وحَصَر، وتبلُّدٍ في القرائح. هيهات!
فقد كانوا أذكى الخلائق أذهانًا، وأرجحهم بيانًا، ولكنهم استيقنوا أن اقتحام الشبهات، داعية الغوايات، وسبب الضلالات، فكانوا يحاذرون في حق عامة المسلمين ما هم الآن به مبتلوْن، وإليه مدفوعون، فإن أمكن حملُ العوام على ذلك، فهو الأسلم " (١).
ونعم ما أوصى به هذا الإمام.
فكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف
إمام الحرمين وعلم الحديث:
عُرف إمام الحرمين بالتقدم والإمامة في عدد من العلوم الإسلامية: مثل أصول الدين، وأصول الفقه، والفقه، والخلاف، ولكن لم يكن له قدم راسخة في الحديث وعلومه. وسبحان من وزع المواهب.
وقد عبر عن هذا الجانب مؤرخو الإمام والمعقبون عليه، بعبارات مختلفة، مغزاها كلها: أنه لم يكن من أهل هذا الشأن.
_________________
(١) انظر: الغياثي: فقرة (٢٨٠) بتحقيق د. عبد العظيم الديب.
[ ٥٢ ]
¬قال ذلك السمعاني في (أنسابه): " كان قليل الرواية للحديث معرضًا عنه " (١).
وقال ياقوت في (معجم البلدان) نفس ما قاله السمعاني (٢).
وقال الحافظ ابن حجر في (التلخيص) في تعليقه على ما قاله إمام الحرمين حول ثبوت الطمأنينة في الاعتدال: وهو من المواضع العجيبة التي تقضي على هذا الإمام بأنه كان قليل المراجعة لكتب الحديث المشهورة، فضلًا عن غيرها، فإن ذكر الطمأنينة في الجلوس ثابت في الصحيحين (٣).
وقال نحوه من قبله ابن الصلاح في (الفتاوى الحديثية) وهو -كابن حجر- من الشافعية المرموقين.
ولعل أشد العبارات في ذلك هي عبارة الإمام الذهبي في (أعلام النبلاء)، حيث قال: " كان هذا الإمام، مع فرط ذكائه، وإمامته في الفروع وأصول المذهب، وقوة مناظرته: لا يدري الحديث، كما يليق به، لا متنًا ولا إسنادًا. ذكر في كتاب (البرهان) حديث معاذ في القياس، فقال: هو مدون في الصحاح، متفق على صحته. قلت -والقائل الذهبي-: بل مداره على الحارث بن عمرو، وفيه جهالة، عن رجال من أهل حمص عن معاذ، فإسناده صالح (٤). ا. هـ.
وقد أغضبت هذه العبارة أخانا الدكتور عبد العظيم الديب، محقق كتب الإمام، كما أغضبت من قبله العلامة تاج الدين السبكي في طبقاته الكبرى.
والعبارة فيها شدة ولا ريب، ولكن لا إلى الحد الذي أغضب الشيخ السبكي والدكتور الديب، فقد قيد الذهبي قوله بأنه " لا يدري الحديث كما يليق به " سواء كان هذا الضمير للحديث أم للإمام نفسه، أي لا يدريه على الوجه اللائق بهذا العلم أو بهذا الإمام (٥). وهذا حق لا أحسب أن إمام الحرمين نفسَه ينكره. وقوله عن حديث
_________________
(١) الأنساب: ٣/ ٣٨٦.
(٢) معجم البلدان: ٢/ ١٩٣.
(٣) تلخيص الحبير ١/ ٢٥٦، ٢٥٧ بتعليق عبد الله هاشم اليماني.
(٤) أعلام النبلاء: ١٨/ ٤٧١، ٤٧٢.
(٥) اقرأ الفصل السادس من هذه المقدمات. (عبد العظيم).
[ ٥٣ ]
¬معاذ ما قال لا يتفق مع ما قرره أهل الحديث إلا بتاويل وتكلف. وقد رأيناه في كثير من الأحيان يستدل بأحاديث ضعيفة، بل شديدة الضعف، حتى في الأصول (١)، وأحاديث لا يعرفها المحدثون أنفسهم، وقد يعزو الحديث إلى غير من أخرجه، أو إلى غير صحابيه إلى آخره.
وفي رأي: أن الرجل غني عن هذا كله، فهو -بلا نزاع- ليس من المدرسة الحديثية النقلية، بل هو من المدرسة التي تجمع بين العقل والنقل، وكلامه نفسه ﵁ يدل على هذا بوضوح وصراحة. وقد رد هو والباقلاني من قبله والغزالي من بعده: حديث " لأزيدن على السبعين " في الاستغفار لابن أُبيّ، وهو متفق عليه، لاعتقادهم أنه ينافي الفهم الصحيح لآية (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) [التوبة: ٨٠].
لنقرأ له هذه العبارة في (البرهان) يقول:
وهو يناقش تحمل الرواية وجهة تلقيها: " ولو عُرض ما ذكرناه على جملة المحدثين لأَبَوْه وهم عصبة لا مبالاة بهم في حقائق الأصول، وإذا نظر الناظر في تفاصيل هذه المسائل صادفها خارجة في الرد والقبول على ظهور الثقة وانخرامها، وهذا هو المعتمد الأصولي، قإذا صادفناه لزمناه، وتركنا وراءه المحدثين يتقطعون في وضع ألقاب، وترتيب أبواب " (٢).
فهذه نظرته إلى (المحدثين) عصبة لا مبالاة بهم في حقائق الأصول، وهو لا يعبأ أن يتركهم وراءه يتقطعون قي وضع ألقاب، وترتيب أبواب!
على أن هذا -عدم دراية الحديث كما يليق به- ليس خاصًا بإمام الحرمين، بل هو عام في فحول المدرسة الأشعرية كلها.
_________________
(١) كاستدلاله بحديث (أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم) البرهان: فقرة (١٥٤٨) وقد ضعفه ابن حزم وابن عبد البر وغيرهما، وقال الألباني في سلسلة (الضعيفة) رقم (٥٨): موضوع. واستدلاله بحديث "اختلاف أمتي رحمة" الغياثي (٢٧٧) والحديث لم يعرف له سند. وقد افترض إمام الحرمين في (الغياثي) اندراس الشريعة، وانقراض حملتها تمامًا وبنى على ذلك أحكامًا، وهو مخالف لأحاديث (بقاء الطائفة المنصورة) التي صحت واشتهرت واستفاضت عن عدد من الصحابة، وربما تواترت.
(٢) البرهان: ج ١ فقرة (٥٩٢) وفقرة (٥٩٣).
[ ٥٤ ]
¬فهكذا كان الأشعري والباقلاني من قبل، وكذلك كان الغزالي والرازي والآمدي وغيرهم من بعد.
وربما أغناه عن العناية بالحديث رجال نذروا أنفسهم لخدمته، وهيأهم الله لذلك، وخصوصًا من الشافعية، وكل ميسر لما خلق له.
وقد كان في عصر إمام الحرمين من هؤلاء أمثال الحافظ المتقن الكبير، أبي بكر البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) صاحب (السنن الكبرى) و(معرفهّ السنن والآثار) و(جامع شعب الإيمان) وغيرها من الموسوعات، والذي قال فيه إمام الحرمين نفسه: "ما من شافعي إلا وللشافعي في عنقه منة، إلا البيهقي؛ فإنه له على الشافعي منة، لتصانيفه في نصرته لمذهبه وأقاويله" (١).
إمام الحرمين ومعاصروه:
عاصر إمام الحرمين علماء كبار كثيرون من مختلف المذاهب، فقد كان القرن الخامس الهجري، حافلًا بالنوابغ في مختلف أنواع العلوم والدراسات الإسلامية، في المشرق والمغرب (الأندلس).
ففي المغرب كان ابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ) وابن عبد البر المالكي (٤٦٣ هـ) وفي المشرق ظهر القاضي أبو الطيب الطبري في الفقه (٤٤٨ هـ) وكما ظهر البيهقي في الحديث (٤٥٨ هـ) والخطيب البغدادي (٤٦٣ هـ) وكلهم شافعية.
ونبغ في الفقه والنظر: أبو إسحاق الشيرازي (٤٥٦ هـ).
وأبرز من يقارن بإمام الحرمين في الفقه هو: أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي (ت ٤٥٠ هـ) وهو شافعي كإمام الحرمين، وكلاهما له كتاب كبير في الفقه: ألف
_________________
(١) الطبقات الكبرى للسبكي: ٤/ ١٠ في ترجمة البيهقي. وقد وقع للبيهقي مع والد إمام الحرمين الشيخ أبي محمد حادثة معروفة، حين شرع فىِ تاليف كتاب المحيط) الذي عزم فيه ألا يتقيد بالمذهب، وإنما يعتمد على الأحاديث. وأصدر منه ثلاثة أجزاء اطلع عليها البيهقي. وكتب له رسالة يبين له فيها أوهامه وأغلاطه فيما استند إليه من حديث، فشكر له الشيخ وأعرض عن تكميل الكتاب وقد ذكر ذلك الأستاذ السيد أحمد صقر في مقدمته لكتاب البيهقي في (مناقب الشافعي). وكذلك د. أحمد بن عطيه الغامدي في مقدمته لكتاب (البيهقي وموقفه من الإلهيات).
[ ٥٥ ]
¬الماوردي كتاب (الحاوي) في فقه الشافعية، كما ألف إمام الحرمين (النهاية)، وكلاهما له كتاب في السياسة الشرعية: الماوردي له كتاب (الأحكام السلطانية) الشهير، وإمام الحرمين له كتاب (غياث الأمم) أو الغياثي.
ولكن لكل من الرجلين شخصيته المتميزة فيما يكتب ويصنف، فإمام الحرمين أبعد وأعمق، والماوردي أقرب وأسهل. إمام الحرمين يُعمل العقلَ أكثر من النقل، والماوردي يعمل النقل أكثر من العقل، وقد يعبر عن هذا فيقال: الأول عقله أكبر من علمه، والثاني علمه أكبر من عقله. وكأن إمام الحرمين يصنف للمنتهين، والماوردي يصنف للمبتدئين والمتوسطين، الأول مولع بالأصيل والجديد، والثاني مهتم بتقرير التليد. الأول همه ماذا يقول؟ والثاني همه -مع هذا- ماذا قال السابقون؟ الأول محسوب على أهل الإبداع، والثاني محسوب على أهل الاتباع. ولكل منهما فضله وأثره، وسوقه، ومحبوه، وأجره إن شاء الله، وإن جار الإمام الجويني على عصريِّه الماوردي، وأساء إليه، كما سنرى، غفر الله له.
كلمة عتاب لإمام الحرمين (١):
هذا هو إمام الحرمين: إمام علا القمة بجدارة، وأوفى على الغاية في فكره وفقهه، وفي إنتاجه وعطائه، وفي مكارمه وفضله، وفي غيرته على دينه ودفاعه عنه، ومع هذا، فالكمال لله تعالى وحده، والعصمة لرسوله ﷺ.
وكم كنت أتمنى لهذا الإمام الكبير ألا يبالغ في مدح نظام الملك، كما هو ظاهر في أكثر من موضع في كتابه (الغياثي) وفي مقدمته خاصة، حين قال في قصيدة له يمدحه بها:
وما أنا إلا دوحة قد غرستها وأَسْقَيتها، حتى تمادى بها المدى
فلما اقشَعَر العودُ منها وصَوَّحت أتتك بأغصان لها تطلبُ الندى
وقد قال التاج السبكي: " إنه وجد بخطه ﵁ في خطبته للغياثي -وهو عنده بخطه- أنه قد ضرب على البيتين الأخيرين، قال السبكي: وسررت بذلك، فإني سمعت شيخ الإسلام -يعني والده التقي السبكي﵀ يحكي عن شيخنا
_________________
(١) هذا تعبير فضيلة الدكتور القرضاوي ورأيه، ونحن مأمورون بذكر محاسن موتانا؛ كما في الحديث الصحيح. اهـ (الناشر).
[ ٥٦ ]
¬أبي حيان: أنه كان يتعاظمهما، ويقول: كيف يرضى الإمام أن يخاطب (النظام) بهذا الخطاب؟! ثم يذم الدنيا التي تُحْوج مثل الإمام إلى مثل ذلك! " (١).
وما يدرينا لعل نيته في ذلك خير ينشده للدين أو للمسلمين، وإنما لكل امرىء ما نوى (٢)، أو لعلها لحظة ضعف مما يعتري البشر، استدركها الإمام على نفسه، وإنما استعظمت منه لأنه عظيم حقًا.
كما كنت أود ألا يغلو في نقده للمذهب الحنفي، إلى حد العنف الجارح، الذي لا يليق من أهل العلم بعضهم لبعض، كما بدا ذلك في كتابه (مغيث الخلق في اختيار الأحق). وقد أنكر بعضهم نسبة الكتاب إليه، ولعل أخي عبد العظيم منهم، وكم أتمنى أن يصح ذلك. ولكن وجدت في أواخر (البرهان) (٣) ما يؤيد بعض ما في الكتاب. كما أن المؤرخين من بعده نسبوا الكتاب إليه.
وقد وعد الدكتور الديب أن ينشر بحثًا موثقًا بالقرائن والأدلة: أن هذا الكتاب -أو بعضه على الأقل- مدسوس على إمام الحرمين. وإني لأرجو مخلصًا أن يوفق إلى ذلك.
وكذلك لم أكن أحب له أن يشتد في نقد إمام دار الهجرة مالك بن أنس، لأمور لم تثبت عنه، كالقول بقتل الثلث لإبقاء الثلثين، ونحو ذلك - وإن كان في بعض الأحيان قيدها بقوله: إذا صح ذلك عنه، وهذا هو الواجب، واللائق بمثله.
وأيضًا لم أكن أود من رجل كبير مثله أن يتحدث عن معاصره قاضي القضاة أبي الحسن الماوردي (ت ٤٥٠) بمثل تلك اللهجة الساخرة المهينة (٤)، التي قرأناها
_________________
(١) الطبقات: ٥/ ٢٠٩.
(٢) حقا لم يكن نظام الملك مجرد صاحب سلطان وصولجان، ولكنه كان من أهل الفقه والحديث، وهو الذي قضى على التمزق والطائفية، وأحيا السنة، وأنشا المدارس النظامية، وهو صانع النصر التاريخي في معركة (ملاذ كرد) التي أسر فيها امبراطور الروم. وقد بلغ من مكانته ومنزلته أنهم قالوا: "يوم مات نظام الملك رئي مكتوبًا في السماء: اليوم رفع العدل من الأرض". وكم أتمنى أن يتحقق أملي في أن أكتب ترجمة وافية لنظام الملك. (عبد العظيم).
(٣) البرهان: فقرة (١٥٥٣) ص ١٣٦٤، ١٣٦٥ من الجزء الثاني.
(٤) انظر ما قاله عنه في (الغياثي) فقرات: (٢٠٩، ٢٣٢، ٢٣٣).
[ ٥٧ ]
¬في أكثر من موقع، ولا سيما في كتابه (الغياثي)، واستقبلناها بالغرابة والإنكار، وهو ما جعل سلفنا -﵃- يحذرون من أخذ أقوال المتعاصرين بعضهم في بعض!
ويبدو أن هذا الإمام الفذ -مع عقله الكبير- كان حار العاطفة، حاد المزاج، فلا يبعد أن تغلبه -مثل كثير من العظماء- حدة الطبع، فتدفعه إلى المبالغة في المدح إذا مدح، وإلى الإسراف في النقد إذا نقد، وهذا يؤكد أن الإنسان هو الإنسان، وإن بلغ في العلم والفضل ما بلغ، وقد قال الشاعر قديمًا:
من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط؟!
ومهما يكن الأمر، فحسنات الرجل أكثر، وفضائله أغزر، ومكارمه أكبر، والله أعلم بالسرائر، وفي الحديث الذي استدل به الشافعية: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" (١) وفي رواية: "لم ينجسه شيء" (٢) فكيف إذا كان بحرًا زاخرًا؟ غفر الله لإمام الحرمين وجزاه خيرًا عما قدم لدينه وأمته.