٨٢٠٤ - مضمون هذا الباب قد سبق مستقصىً في كتاب الحيض، ولكنا نعيد ما يليق بهذا الباب إقامةً لرسم الترتيب، فالحائض يحرم وقاعها، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
ثم الاستمتاعات على ثلاثة أقسام: أحدها - الاستمتاع بالفرج، وهو الوطء، فهو حرام بنص التنزيل والسنة وإجماع الأمة، ومن أقدم على وقاع حائض؛ فالمنصوص عليه في الجديد: أنه لا يغرَم شيئًا، ويبوء بالمأثم إن تعمد، ونص في القديم على أنه يغرَم شيئًا، ثم فيما يغرمه تردُّد للعلماء وأئمة الدين: فروي عن عمر أنه كان يأمر بإعتاق رقبة، وفي بعض الأحاديث: إن كان الدم عبيطًا، تصدق بدينار، وإن كان في أواخر الدم تصدق بنصف دينار، والحديث مروي عن ابن عباس (١). وقد ذهب بعض أصحابنا إلى إجراء مذهب عمر وابن عباس وجهين مفرعين على القول القديم، فهذا هو الاستمتاع بالفرج.
وعن الأستاذ أبي إسحاق أنه حمل الدينار على مواقعتها في زمان الدم، وحمل نصف الدينار على مواقعتها بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال. وهذا رديء لا تعويل عليه.
والنوع الثاني من الاستمتاع - التمتع بما فوق الإزار من جهة السرة وتحته من جهة الركبة وهو مسوغ.
والثالث - الاستمتاع بما تحت السرة وفوق الركبة مع [تجنب] (٢) الوقاع، وفيه قولان أو وجهان، سبق ذكرهما في كتاب الحيض.
_________________
(١) سبق تخريج هذا الحديث في كتاب الحيض. وانظر أيضًا مصنف عبد الرزاق: ١/ ٣٢٨ باب إصابة الحائض.
(٢) في الأصل: توقّع. وما أثبتناه عبارة الإمام في كتاب الحيض. وهي المناسبة للسياق.
[ ١٢ / ٣٩٠ ]
ومما يجب التفطن له أنه لا يسوغ للفقيه أن [يجبن] (١) عن إطلاق تحريم وطء الحائض؛ مصيرًا إلى أنَّ المحرم ملابسة أذاها؛ فإن التضمخ بذلك الأذى بعد الانفصال غير محرم، ويحرم وقاع الحائض وإن طهرت عن الأذى وغسلت المنفذ، فدل أن وطأها محرم.
فصل
قال: "وإن كان له إماء، فلا بأس أن يأتيهن معًا إلى آخره" (٢).
٨٢٠٥ - إذا كان تحت الرجل حرائر، فلا يتأتى منه الجمع بينهن في الوطء إلا أن يرضين، فإن حق القَسْم يوجب عليه ألا يطأ واحدة في نوبة الأخرى، ثم لو وطئهن، فلا ينبغي أن نقضي بتحريم الوطء، ولكنه من جهة الانتساب إلى [الانقضاض] (٣) على حق الغير يعصي. وسيأتي (٤) تحقيق القول فيه في كتاب القَسْم، إن شاء الله تعالى، فلو رضين، فلا بأس أن يدور عليهن بغسل واحد، ولكن الأولى أن يخلل بين الوطء والوطء غُسلًا، فإن لم يفعل، فوضوء، فإن لم يفعل، فيغسل فرجه، ولعل المرعي فيه ألا تتصوّن (٥) المأتيّة الثانية عيافة وتقذّرًا، ومن ذكر الوضوء، فهو مع غسل الفرج، ولولا ورود أثر في الوضوء، وإلا فلا معنى له مع قيام الجنابة وحصول تنظيف الفرج بالغَسل.
_________________
(١) في الأصل: يحس.
(٢) ر. المختصر: ٣/ ٢٩٣.
(٣) في الأصل: الانقراض.
(٤) ما قاله الإمام في كتاب القَسْم هو: "اللائق بالتحقيق النظر إلى الحل والمحل، والقطع بالإباحة وصرف التحريم إلى ما وقعت المغايظةُ به".
(٥) تتصوّن: يقال: تصوّن: تكلّف صيانة نفسه ووقاها (المعجم). هذا: وقد كانت الجملة: "ألا تتصوّن المأتية الثانية" كانت هذه الجملة غير مقروءة في الأصل، وبفتحٍ من الله قرأناها هكذا، بعد عناء أجهدنا، وتأملِ طال بنا أسابيع. والله وحده المستعان.
[ ١٢ / ٣٩١ ]