٨٢٠٦ - هذا محرم عند الشافعي وأكثر العلماء، وحكي عن مالك إنه كان يبيح ذلك ثم رجع عنه، وقد راجعت في ذلك مشايخ من مذهب مالك يوثق بهم، فلم يرَوْا هذا مذهبًا لمالك، وقال صاحب التقريب: من الناس من يضيف إلى الشافعي قولًا في القديم إنه لم يقطع بتحريم إتيان النساء في أدبارهن وتوقف فيه، وقال: ليس عندي دلالة في تحريمه. وقال محمد بن عبد الحكم: قال الشافعي: في تحريم ذلك حديث غير صحيح، والقياس عندي أنه حلال، وحكَى ذلك [عن] (١) الربيع، فقال: كذب والله الذي لا إله إلا هو. ولقد نص على تحريمه في ستة مواضع من كتبه. وقد سئل ﷺ عن ذلك وأبهم السائل السؤال، فقال ﷺ: "في أي الخُرْبتين أو الخَصَفَتين أو الخُرزتين؟ أمن دبرها في قبلها فنعم، أمّا من دبرها في دبرها فلا. إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن" (٢). وقيل: سبب
_________________
(١) زيادة من المحقق لا يستقيم الكلام ولا يصح إلا بها. وقد أيدتنا عبارة العز بن عبد السلام في مختصره، حيث قال: "وحكى محمد بن عبد الحكم عن الشافعي أنه قال: في تحريمه حديث غير صحيح، والقياس عندي جوازه، فحكى ذلك عن الربيع فأكذبه" ا. هـ. بنصه (الغاية في اختصار النهاية: ٣/لوحة ٧٧ شمال).
(٢) حديث الإتيان في الدبر رواه الشافعي من حديث خزيمة بن ثابت على نحو سياقة إمام الحرمين له. قال في خلاصة البدر المنير: "رواه الشافعي، والبيهقي من رواية خزيمة بن ثابت بإسناد صحيح، وصححه الشافعي، ورواه بنحوه أحمد والنسائي وابن ماجه، وصححه ابن حبان" ا. هـ كلام ابن الملقن في الخلاصة. وقد صححه الألباني في الإرواء (ر. ترتيب مسند الشافعي: ٢/ ٢٩ ح ٩٠، والسنن الكبرى للبيهقي: ٧/ ١٩٦، وابن ماجه: النكاح، باب التستر عند الجماع، ح ١٩٢٤، وابن حبان ١٢٩٩، ١٣٠٠، والإرواء: ٧/ ٦٥ - ٦٨، وانظر تلخيص الحبير: ٣/ ٣٦٧ ح ١٦٦١). وقد أتبع الحافظ الحديث بتنبيه شرح فيه غريبَ الألفاظ، نأتي بخلاصته قال: =
[ ١٢ / ٣٩٢ ]
نزول قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُم﴾ [البقرة: ٢٢٣] أن اليهود كانت تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها خلق الولد أحول. فنزلت الآية ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُم﴾ والتلذذ بالدبر من غير إيلاج جائز؛ [فإن] (١) جملة أجزاء [جسد المرأة] (٢) محل استمتاع الرجل إلا ما حرم الله تعالى من الإيلاج.
٨٢٠٧ - ثم ذكر الأئمة ما يتعلق بالإيلاج في هذا المأتى من الأحكام، فقالوا: ما فيه تغليظ (٣)، فهو متعلق به (٤)، فيجب الحد إذا لم يصادف ملكًا أو شبهة، وسيأتي القول [فيه] (٥) في اللواط، إن شاء الله ﷿، ويتعلق به فساد العبادات، ووجوب الغسل، والكفارة. وإن جرى على وجه الشبهة، تعلق به المهر، وإذا أتى الزوج زوجته في هذا المأتى، تقرر المهر، هذا ما اتفق عليه المراوزة.
وقال العراقيون: يتعلق بإتيان المرأة في دبرها مهر المثل، إذا جرى على وجه الشبهة على ما ذكره المراوزة، وهل يتعلق به تقرر المسمى من المهر في النكاح، فعلى.
وجهين، وما ذكروه من الوجهين في التقرير حسن، ولكن ينقضه القطع بوجوب مهر المثل في النكاح الفاسد.
[وقد] (٦) اضطرب الأئمة في أنه هل يتعلق به ثبوت النسب إذا جرى من السيد في
_________________
(١) = الخربتين: تثنية خربة بضم المعجمة، وسكون الراء بعدها موحّدة. وكل ثقبةٍ مستديرة خُرْبة. والخرزتين: تثنية خرزة، بخاء معجمة مضمومة وسكون الراء وبعدها زاي مفتوحة، والخُرزة هي الثقب الذي يثقبه الخراز. والخصفتين: تثنية خَصَفَة بفتحات والخاء معجمة أيضًا، والصاد مهملة بعدها فاء. والخصفتين من قولك: خصفتُ الجلد على الجلد إذا خرزته مطابقًا. ا. هـ ملخصًا.
(٢) في الأصل: وإن.
(٣) زيادة من المحقق.
(٤) ما فيه تغليظ: أي ما فيه تغليظ من الأحكام، أي ما يترتب على الوطء من عقوبات وتحريم وإيجاب.
(٥) متعلق به: أي بالإيلاج.
(٦) زيادة من المحقق. وفيه: أي في الحد.
(٧) في الأصل: وإذا.
[ ١٢ / ٣٩٣ ]
أمته؟ فإن الوطء إنما يعتبر في ملك اليمين، ونفس إمكان الوطء في فراش النكاح يثبت النسب، فمنهم من قال: يتعلق به ثبوت النسب، فقد يسبق الماء منه إلى الرحم، ومنهم من قال: لا يتعلق به ثبوت النسب، أورده بعض المصنفين، وهو غير بعيد؛ فإن من أئمتنا من قال: إذا وطىء وعزل، لم يثبت النسب في ملك اليمين، والإتيان في هذا المأتى أبعد عن إمكان العلوق عن الوطء مع العزل؛ إذ [قد] (١) يسبق بادرة من الماء لا يشعر العازل بها، والمأتى المحرم لا يفضي إلى الرحم.
وقال الأصحاب: يتعلق بالإتيان في هذا المأتى وجوب العدة والمصاهرة (٢).
فهذا يندرج تحت ما يقتضي التغليظ.
ولا يتعلق به التحليل للزوج الأول، ولا الإحصان، وقطع أئمة المذهب بأنه لا يثبت للمأتية حكم الثيب مع بقاء العُذْرة، وأبعد بعض الأصحاب.
فزعم أنه يتعلق به حكم الثيابة، وهذا كان يحكيه شيخي، فلم أحكه -لبعده- في موضعه، ثم وجدته لطائفة من الأصحاب.
فهذا بيان ما يتعلق بذلك، وما لا يتعلق به.
٨٢٠٧/م- ووراء ما نقلناه نظر على المتأمل في بعض الأحكام: كنت أود لو لم يتعلق تقرير المهر بما ذكرناه، حتى نقرر أن هذا النوع ليس مما [يُستحل] (٣)، وحتى يلتحق إتيان النساء في هذا المأتى بإتيان الرجال، ولكن الأصحاب اتفقوا على ما ذكرته من إيجاب المهر وتقريره، ولعل السبب فيه أنه على الجملة وطء في محل الاستمتاع، ولذلك لا يجوز أن يتعلق به الحد (٤)، ومن يأتي غلامه المملوك أُلزم الحد بإتيانه، وكأنّ إتيان المرأة في غير المأتى يشابه إتيانها في المأتي إذا كانت حائضًا، ولهذا قال الشافعي: إذا كان يحرم إتيان الحائض لما بها من الأذى، فيجب أن يحرم الإتيان في غير المأتى، لأن الأذى دائم، وما قال الشافعي هذا قياسًا، وإنما قاله تلقيًا من قوله
_________________
(١) زيادة اقتضاها السياق.
(٢) والمصاهرة: أي ما يتعلق بها من تحريم المحرمات.
(٣) في الأصل: يستحيل.
(٤) أي في الزوجة وملك اليمين.
[ ١٢ / ٣٩٤ ]
﷾: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] ففهم منه الشافعي التعرض لما ذكرناه، فجرى كلامه استنباطًا من القرآن لا قياسًا.
٨٢٠٨ - فإن قيل: إذا جريتم على القول القديم في إيجاب الحد على من يطأ مملوكته المحرمة عليه بالرضاع، فهل يتجه إجراء هذا القول في إيجاب الحد على الذي يأتي زوجته في غير المأتى؟ قلنا: لم يشر إلى هذا أحد من الأصحاب، لا تعريضًا ولا تصريحًا، بل صرحوا بنفي الحد، ولمَّا فرعوا على القول القديم، قطعوا بأن وطء الزوجة في حالة الحيض لا يوجب الحد، والإتيان في غير المأتى بين وطء الحائض وبين وطء المملوكة المزوجة، وتشبيهه بوطء الحائض أقرب، والعلم عند الله تعالى.
وهذا التردد في الاحتمال من طريق المعنى، والذي نقلناه قطعًا من قول الأصحاب نفيُ الحد، وإيجاب المهر.
ولم يختلف علماؤنا في أنه تتعلق به العدة؛ فإنَّا نعلق وجوب [العدة] (١) بالتغييب من غير إنزال، وبإتيان الصبية التي لا تحبل.
ومما يدور في الخلد قَطْع الأصحاب بأنه لا يتعلق به التحليل (٢) والإحصان.
وسيأتي قول غريب -إن شاء الله تعالى- في أن التحليل يتعلق بالوطء في النكاح الفاسد، وكان لا يبعد أن يلحق الإتيان في هذا المأتى في النكاح الصحيح بالإتيان في المأتى المستقيم في النكاح الفاسد، ومن عادة الأئمة ترك التفريع - على الأقوال البعيدة في غير محالها.
وقد انتجز المراد من مضمون الباب.
_________________
(١) في الأصل: "الحد"، ولعل ما أثبثناه هو الصواب.
(٢) التحليل: أي لزوجها الأول إذا بانت منه عن ثلاث تطليقات.
[ ١٢ / ٣٩٥ ]