٧٧١١ - أراد الشافعي ﵁ بالأنفال الغنائم، وهي ما أصبناه بالقتال، وقاعدة الباب أن أربعة أخماسها للغانمين.
ثم صدّر الشافعيُّ الباب بأسلاب [القتلى] (١)، فمذهب الشافعي أن المسلم إذا قتل كافرًا في القتال، مقبلًا غيرَ مدبر؛ فإنه يستحق سلبَه، والأصل في ذلك الأخبار الصحيحة (٢)، والنصوص الصريحة، كما ذكرناها في مسائل الخلاف. ثم الكلام يقع في هذا الفصل على وجوهٍ:
منها - القول في السبب الذي يستحق به السلب، فنقول: سببُ استحقاق السلب قتلُ كافر مقبل على القتال إلى أن قُتل غيرَ منهزم ولا مدبر، فلو [ولى] (٣) الكفارُ وركب المسلمون أقفيتهم، فمن قتَل منهم منهزمًا، لم يستحق سلبه، ولو ناوش مسلمٌ قِرنًا من الكفار، وطفقا يقتتلان، ثم ولى الكافر بسبب بأس المسلم وبطشه، فاتّبعه وقتله، فظاهر المذهب أن ذلك [سببٌ] (٤) لاستحقاق السلب. هكذا ذكره الشيخ أبو علي.
وإنما المنهزم الذي لا يستحق قاتلُه سلبَه هو الذي لم يخض في القتال [وولّى] (٥)، فأما
_________________
(١) في الأصل: القتيل.
(٢) الأخبار الواردة في السلب متعددة، وفيها أكثر من حديث متفق عليه، فمنها: "من قتل قتيلًا، فله سلبه". وهو متفق عليه من حديث أبي قتادة. أخرجه البخاري: كتاب فرض الخمس، ح ٣١٤٢، ومسلم: كتاب الجهاد، باب استحقاق القاتل سلب القتيل، ح١٧٥١، (وانظر تلخيص الحبير: ٣/ ٢٢٣، ٢٢٤، ٢٢٥، الأحاديث من رقم ١٤٧٥ - ١٤٧٩).
(٣) في الأصل: ركب.
(٤) في الأصل: بسبب.
(٥) في الأصل: ووفى.
[ ١١ / ٤٥٠ ]
الخائض في القتال إذا كانت [هزيمته] (١) بسبب تحامل قِرنه عليه فالذي هزمه إذا قتله استحق سلبَه.
وفي هذا تفصيل لا بد منه، وهو أنه إن ولّى من قِرنه، فاتّبعه رجل غيرُ من كان يبارزه وقتله، فالظاهر أن هذا القاتل لا يستحق سلبه، وكذلك من هزمه لا يستحق سلبه الآن؛ إذْ قتله غيره.
والهزيمة هي مفارقة المعترك مع الاستمرار على الفرار، [وأما التردد بين الميمنة والميسرة] (٢) والقلب، فليس ذلك من الهزيمة، (٣ وسنصف الهزيمة ٣) وحكمَها في حق المسلمين، و[كذلك نصوّر الهزيمة وحقيقتَها] (٤) إذا فرضت من الكفار، إن شاء الله تعالى.
٧٧١٢ - [ومن] (٥) أسباب استحقاق السلب أن يثخن المسلمُ الكافرَ، ويُذهبَ بطشَه ومنعَتَه، فإذا فعل ذلك المسلمُ، استحق سلبَ ذلك الكافِر المثخن، فلو قتله قاتلٌ [وقد] (٦) أثخنه أولًا مثخنٌ، فالسلب للمثخِن، لم [يختلف فيه] (٧) علماؤنا؛ فإن المقصود إثخانه وإبطال بطشه، [وقد] (٨) حصل بالأول.
فإن قيل: أليس روي أن النبي ﷺ قال: "من قتل قتيلًا فله سلبه" فعلق استحقاق السلب بالقتل؟ قلنا: هذا ينزل على غالب العرف، والغالب أن القاتل هو الجارح أو المذفِّف (٩) ابتداء، فاتجه تنزيل الخطاب عليه.
_________________
(١) في الأصل: هزيمة.
(٢) في الأصل: فأما التردد بين اليمنة واليسرة.
(٣) ما بين القوسين سقط من (س).
(٤) في الأصل: "وعد ذلك قصور الهزيمة في حقها" وفي (س): "وغير ذلك نتصور الهزيمة وحقيقتها" والمثبت تصرّف منا.
(٥) زيادة من (س).
(٦) في الأصل: فقد.
(٧) في الأصل: يخلف إليه.
(٨) في الأصل: فقد.
(٩) المدفف: من دفَّ عليه يدف (من باب قتل)، ودفَّف تدفيفًا: إذا أجهز عليه وجرحه جرحًا يوحي بالموت. وهي بالمهملة والمعجمة. (المعجم والمصباح).
[ ١١ / ٤٥١ ]
والدليل الخاص في ذلك ما روي أن شابَّين من الأنصار أثخنا أبا جهل يوم بدرٍ وقَطَراه (١) من فرسه، ثم صادفه ابنُ مسعود مثخنًا فجثم على صدره، فناطقه أبو جهل، وأجاب ابنُ مسعود، وطال تحاورهما، ثم احتزَّ (٢) ابنُ مسعود رأسه، فأعطى رسول الله ﷺ سلبه الشابين، ولم يعط ابنَ مسعود منه شيئًا (٣)، فصار ذلك نصًّا، وحسن معه حمل كلام رسول الله ﷺ على المعتاد، كما تقدم ذكره.
ولو قطع المسلم يدي قِرنه، وترك رجليه، أو قطع رجليه وترك يديه، فقد [ذكر] (٤) العراقيون اختلاف نصٍّ أن هذا هل يكون إثخانًا، وأن ذلك لو صدر من مسلم، ثم جاء مسلم آخر [وأجهزه] (٥)، فالسلب لمن؟ وأجْرَوْا القولين في ذلك: أحدهما - أن السلب للأول؛ فإنه أزمنه وأبطل قوّته ومُنَّته.
والثاني - أن السلب للمجهِز، فإنه قد يبقى (٦) فيه بعد قطع اليدين قتالٌ بسبب رجليه، وقد يعْدُو، فيجلب الكفار على المسلمين. وإن بقيت يداه، فقد يبطش بهما.
_________________
(١) قطراه من فرسه: ألقياه عنه، يقال: قطر فلانًا: أي صرعه، وقطره فرسُه: ألقاه على أحد قُطريه (جانبيه) (المعجم).
(٢) احتزّ: يقال: احتزّ السياف رأسه، قطعها (المعجم).
(٣) قصة مقتل أبي جهل وسلبه، واردة في الصحيحين، أثخنه معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء، وجاءا رسول الله ﷺ كل منهما يقول: أنا قتلتُه، فنظر رسول الله ﷺ إلى سيفيهما، وقال: كلاكما قتله، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. (ر. البخاري: كتاب فرض الخمس، باب من لم يخمس الأسلاب، ح ٣١٤١، ٣٩٦٤، ٣٩٨٨، ومسلم: كتاب الجهاد، باب استحقاق القاتل سلب القتيل، ح ١٧٥٢)، وانظر أيضًا (التلخيص: ٣/ ٢٢٣، ٢٢٤ ح ١٤٧٧).
(٤) في الأصل: حل.
(٥) في الأصل: وأخره.
(٦) (س): بقي.
[ ١١ / ٤٥٢ ]
وقد ذكر الشيخ أبو علي هذين القولين في الصورة التي ذكروها كما ذكروها، وزاد طريقةً أخرى، فقال: من أصحابنا من قال: ليست المسألة على قولين، بل هي على حالين، فحيث قال: السلب للثاني أراد بذلك إذا لم يسقط [قتاله] (١) لقطع يديه أو رجليه، وحيث قال: السلب للأول أراد به إذا أزمنه بحيث لم يبق فيه قتال.
وهذه الطريقة هي الصحيحة التي لا يجوز غيرُها؛ فإن الإزمان [يختلف] (٢) باختلاف الأشخاص، فرب رجل ليس بالأيِّد البالغ في القوة وإذا قطعت منه يد واحدة ينزف دمه بذلك، ويصير مثخنًا، لا حراك [به] (٣)، وسقوطُ القوّة على قدر بنية القلب وقوته وضعفه، ورب رجل ذي مِرّة لا تسقط قوته بقطع يديه.
ولا يتضح المقصود من هذا الفصل إلا بمزيدٍ، فنقول: الكافر إذا أصابته ضربة، فسقط، ولم يبق فيه بقية يدافع بها، ولكن لو ترك، لثابت إليه نفسُه وآبت إليه مُنّته، ولكنه في الحال لا يبطش، ولا يُغنى غناءً، فالذي أراه أن هذا ليس بإثخان؛ فإنه لو ترك، لعاد كما كان حَنِقًا متغيظًا.
ولو جرح الكافر جرحًا لم يمنعه من القتال في الحال، ولكنا علمنا أنه لو ترك لأهلكته الجراحات بعد أيام، فهو في الحال ليس بمثخن.
٧٧١٣ - ومما يتعلق بهذا الفصل أن المسلم إذا أسَر واحدًا من الكفار وجاء به مأسورًا، فالظاهر أن ما عليه مِن سلبٍ لآسره؛ فإن إثبات اليد القاهرة عليه تحل محل الإثخان، فإن حكم يد الإسلام على الأسرى يُبتنى على استمرار الأسر.
هذا قولنا فيما كان معه، فلو [أرقّه] (٤) صاحبُ الأمر، ففي ملك رقبته كلامٌ سأذكره في الفصل الثاني.
٧٧١٤ - [وهذا] (٥) تفصيل القول في السلب، فأقول: كل ما يتصل بالكافر القتيل
_________________
(١) في الأصل: فقاله.
(٢) في الأصل: مختلف.
(٣) في الأصل: فيه.
(٤) في الأصل: أرقد.
(٥) في النسختين: وهو.
[ ١١ / ٤٥٣ ]
من سلاح أو جُنّة يُدرأ بها السلاح، فهو من سَلَبه، يُصرَف إلى قاتله، وسيفُه [ورُمحه] (١)، وما تبعه من أسلحته ودابّته التي هي عتادُه الاكبر، كل ذلك سلَبُه، وثيابُ بدنه التي هو لابسها من سلبه؛ فإنها متصلة به، وهو حاملها، ويمكن إلحاقها بالجُنن؛ [فإن لكل] (٢) ملبوس وإن رقّ وخفَّ أثرًا في الدفع، وإن لم نُحسّ أثره في الدفع، فالثياب الخشنة الدافعة لو باشرت [البشرة] (٣)، أضرّت به، والقُمُص تحتها تهوّن محملها، فالقول الضابط في ذلك: أن [كل] (٤) ما اجتمع فيه الحمل، وكونه سلاحًا أو [جُنة، فكونه] (٥) سلبًا لا شك فيه.
والسلاح الذي يحمله الفرس كالسلاح الذي يحمله الفارس، [فالسيف] (٦) تحت الركاب، كالسيف الذي يتقلده الفارس، والرمح الذي يعتقله ويتأبطه كالرمح المنصوب على الفرس.
٧٧١٥ - وإن كان على وسط الكافر [هميان] (٧) فيه شيء، ففي المسألة وجهان مشهوران: أحدهما - أنه من السلَب؛ لأن الكافرَ حامله.
والثاني - أنه ليس من السلب، بل هو مغنم مشترك، لأنه ليس سلاحًا ولا جُنّة، وليس آلةً للقتال، ولا عُدّة للدفع، وليس من الملبوسات أيضًا.
واختلف أئمتنا في أن الكافر لو كان على فرسٍ، وكان يُجنب آخر كالجنيبة (٨) هل تعد من السلب؟ فيه وجهان: أحدهما - أنها ليست من السَّلَب؛ لأنها ليست متصلة
_________________
(١) في الأصل: وربحه.
(٢) زيادة من (س).
(٣) في الأصل: العشرة.
(٤) زيادة من (س).
(٥) في الأصل: جه فهو سلب.
(٦) في الأصل: والسيف.
(٧) في الأصل: هيمان. والهميان كيس يجعل فيه النفقة ويشد على الوسط. وهو معرّبٌ دخيل. قاله الأزهري (المصباح).
(٨) الجنيبة: الفرس تقاد ولا تركب (المصباح).
[ ١١ / ٤٥٤ ]
بالكافر اتصالًا يتأتى الاستعمالُ به، فكانت [الجنيبة] (١) بمثابة الصبي والرَّحْل الذي يكون مع الكافر.
والثاني أنها من السلب؛ فإن الجنيبة مع الفرس المركوب بمثابة سيفٍ تحت الركاب، وآخرَ متقلدٍ، والعادة جارية بالاستظهار بالجنايب، وأجرى الأصحاب الوجهين في الهميان والجَنيبة مجرى واحدًا؛ فإن في الهميان صورة الاتصال والحمل، وإن لم يكن من الجُنَن والأسلحة، وفي الجنيبة حكم الأعتاد (٢) على الاعتياد، وإن لم يكن متصلًا بالفارس في الحال، فاعتدلا من هذا الوجه.
٧٧١٦ - وظهر خلاف أصحابنا في الخاتم؛ لأنه ليس جُنّة، ولا آلة دفع، لكنه ملبوس محمول، فكان من وجهٍ كالهميان لاتصاله، وكان من وجه أخص بالكافر لأنه ملبوس يعتاد لبسه، واحتمال الهميان مما يندر جريانه، وقد يفرضُ الهميان دافعًا إذا كان فيه شيء، فإنه يدفع الأسلحة ويقي الموضع المستورَ به.
ولو كان على الكافر طوْقٌ من ذهب أو فضة، فإن كان قد يستعمل مثله وقاية للرقبة، فهو من الأسلحة، ولا نظر إلى الجنس، فإن المِغفر من الحديد من السلب، فلو كان من أحد التبرين، فهو من السلب أيضًا، وإن كان ذلك الطوق [لا يستعمل] (٣) إلا زينةً، فقد ذكر العراقيون فيه وجهين وقربوهما من الخلاف في [الخاتم] (٤) وهذا ليس على وجهه؛ فإن الطوق لا بد وأن يكون واقيًا لما يستره، وأثره في الوقاية بيِّنٌ، لا حاجة إلى تقريره.
٧٧١٧ - ولو كان الكافر يقاتل راجلًا، وهو مستمسك بفرسه، فالفرس من سلبه.
هكذا قال الأصحاب، ولا يمتنع عندنا إذا تُصوّر ذلك أن نجعل ذلك الفرسَ كالجنيبة، ويظهر الفرق من جهة أن الفارس في حكم [المستغني] (٥) في حاله عن
_________________
(١) في الأصل: الحفية.
(٢) ساقطة من (س).
(٣) زيادة من (س).
(٤) في الأصل: الحكم.
(٥) في الأصل: المستعير.
[ ١١ / ٤٥٥ ]
الجنيبة (١) بالفرس الذي هو مركوبه [والمترجل] (٢) المستمسك بالفرس ليس [مستغنيًا] (٣) بشيء من جنس الفرس.
ولو كان معه غلامٌ، فليس من السلب، ولو كان الغلام حاملًا سلاحه يناوله متى شاء، فيجوز أن [يقال] (٤) ذلك السلاح بمثابة الفرس المجنوب، ويجوز أن يقال: لا يكون ذلك السلاح من السلب، وإذا جعلنا الجنيبة سلبًا، ففي السلاح الذي على الجنيبة ترددٌ ظاهر.
٧٧١٨ - والفرس الذي هو راكبه [مع ما] (٥) عليه من سرج ومركب [كله] (٦) من السلب فيما قطع به الأئمة المراوزة.
وكان شيخي يقطع [بأن] (٧) المِنْطقة (٨) من السلب وجهًا واحدًا، وذكر العراقيون في المِنطقة خلافًا، وهذا بعيد، ثم يليق بهم أن يلحقوا مركب (٩) الفرس بالمنطقة، ويجوز أن يفصِّلوا ويقولوا: [لا] (١٠) يتأتى استعمال الفرس دون المركب؛ فهو مما لا بد منه، بخلاف المِنطقة [ويتجه] (١١) على قياسهم أن يلحقوا ما لا يُحتاج إليه من
_________________
(١) عبارة (س) مضطربة: في حكم المستغني في حاله عن كالجنيبة عن بالفرس الذي.
(٢) في الأصل: والمرجل.
(٣) في النسختين: مستعملًا.
(٤) في الأصل: "يكون".
(٥) في الأصل: مما عليه.
(٦) في الأصل: كل.
(٧) في الأصل: في أن.
(٨) المنطقة: اسمٌ لما يسميه الناس الحياصة، (والأصل الحواصة) وهي سيرٌ يشد به حزام السرج (القاموس المحيط والمصباح).
(٩) مركب الفرس: المراد به (الركابان) والركابان هما ما يُدخل الفارس فيهما رجليه، وجمعها (ركُب) بضمتين. (ر. صفة السرج واللجام، لأبي بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي: ٦٠، ٦١).
(١٠) في الأصل: لولا.
(١١) في الأصل: وينحو.
[ ١١ / ٤٥٦ ]
المركب بالمِنطقة، كالغُّرة (١) من اللجام، وأحذ [اللببين] (٢)، والكفاية حاصلة بواحدة، وكذلك ما يتعلق [بالزينة] (٣) كالأطراف [المفضّضة] (٤) من المعاليق (٥) ونحوها.
وكل هذا خروج عن الأصل المعتبر، والوجه أن تعد جملة ملابس الفارس وملابس فرسه كيف فرض الأمر فيها من السلَب.
٧٧١٩ - ولو قيل: هلا قلتم: السلبُ كلّ ما يسلب من الكافر، مما لا يتأتى سلبه إلا بقتله أو إثخانه؛ فإن السّلَب من السَّلْب؟ قلنا: لا يطرد هذا مع قطع الأصحاب بأن الكافر لو كان على فرسه عَيْبةٌ فيها ثياب ونفقة، أو على الجنيبة عيبة، فالعيبة بما فيها مغنم مشترك، وليس من السلب؛ فإنه ليس سلاحًا، ولا ملبوسًا، فإذا كان هذا قولنا في العيبة فمخيَّمه وما فيه من رحله مغنمٌ لا شك فيه.
٧٧٢٠ - ولو كان معه فرسان يجنبهما، فالخلاف في واحد منهما؛ [فإنا] (٦) لو جعلنا الفرسين المجنوبين سلَبًا، [التزمنا] (٧) ذلك في الثلاثة والأربعة فصاعدًا، وإن كان يُسند الأمر في هذا إلى العادة، فليس وراء الجنيبة الواحدة عادة بها اعتبار، وإذا كان كذلك ووقع التفريع على أن السلب إحدى الجنيبين، فكيف سبيل التعيين؟
وما الوجه؟ هذا مشكلٌ محتمل، والغرض قد يتفاوت [بتفاوت] (٨) الفرسين. هذا
_________________
(١) الغرّة: المراد بها غرة اللجام، وهي من زينته وتحليته.
(٢) اللببين: اللبب ما يشد على صدر الدابة، ليمنع تأخر الرحل والسرج، وهو يقع على لبان الفرس. وهو في الأصل سير واحد، ولببٌ واحد، فإذا كان من سيرين سمي الأول اللبب، والثاني (الكانف) فالتثنية هنا من باب التغليب. (السابق نفسه).
(٣) في الأصل: بالعر - ـه (كذا) تمامًا بهذا الرسم.
(٤) في الأصل: المصصعه (كذا) تمامًا.
(٥) المعاليق: هي السيور التي تكون في الخُروق التي في مؤخر الدفتين، والدفتان هما جانبا السرج مما يلي لحم باطن فخذي الفارس، فالمعاليق هي من نسيج السرج وزينته في الوقت نفسه. (ر. صفة السرج واللجام، لابن دريد: ٤٨، ٥٥).
(٦) في الأصل: فأما.
(٧) في الأصل: لالتبس فيها ذلك.
(٨) زيادة من (س).
[ ١١ / ٤٥٧ ]
[مقامٌ قد] (١) يخطر للفقيه فيه القرعة؛ فإن الفرس الذي تخرج القرعة عليه وإن شرف قدرُه لو صور وحده، لأخذه سلبًا، فلا يظهر مع هذا تفاوت القيم.
ويجوز أن يقال: هذا إلى الوالي، وصاحب [الرأي] (٢) أَخْذًا من مِلْكه التنفيل، كما سنذكره بعد هذا، ثم لا يقع تنفيل الإمام على حسب الوفاق، ولكنه ينظر إلى الحال والشخص، والغَنَاء، وكذلك يرى رأيه في تعيين الفرس، ويبني الأمر على مقتضى الاجتهاد. وهذا [أوْجه] (٣) من القرعة.
وقد يخطر للفقيه تخيير القاتل؛ فإن مبنى استحقاقه السلبَ على الاختصاص [لما] (٤) أبلاه من البلاء وأبداه من الغَناء، فلا يبعد أن يستحق السلبَ المتعيَّنَ وتعيينَ السلب.
وما ذكرناه من تخصيص الخلاف [بالجنيبة] (٥) الواحدة، وقد (٦) يتحامل المصور (٧)، فيفرض جنيبين، وهذا يعتضد تصويره باعتياد [جُندٍ] (٨) من الكفار ذلك، والدورانُ على العادة في محل الوفاق والخلاف.
ثم لا بدّ -وإن قدَّرنا خلافًا في الجنيبين- من الرجوع [إلى] (٩) العادة، ثم يُفضي الأمر إلى الإشكال الذي ذكرناه.
وإذا زاد العدد على العادة، والفارس إن احتمل من السلاح أكثر من العادة، فالزائد على العادة محمول وليس سلاحًا مستعملًا، وهو [يقرب] (١٠) من الهميان، كما تقدم،
_________________
(١) في النسختين: هذا مقام وقد يخطر للفقيه (بزيادة الواو).
(٢) في الأصل: الدابة.
(٣) في الأصل: الوجه.
(٤) في الأصل: بما.
(٥) في الأصل: فالجنيبة.
(٦) (س): قد يتحاول.
(٧) في الأصل: من المصور.
(٨) في الأصل: خيل.
(٩) زيادة من (س).
(١٠) في الأصل: مقرب.
[ ١١ / ٤٥٨ ]
ثم يؤول الكلام إن جعلنا البعض سلبًا إلى [التعيين] (١) وفيه التفصيل المقدم.
٧٧٢١ - ومما يتعلق بهذا الفصل أن من أسر كافرًا، فأرقّه الإمام، ففي رقبته وجهان مشهوران: أوجههما - أنها لآسره؛ فإن رقبته أخص من سلاحه وثيابه.
ومن أصحابنا من قال: رقبتُه مغنمٌ؛ فإن الرق جرى فيه بعد الأسر.
ومما يتعلق بهذا أن الإمام لو رأى قتلَ الأسير، فلا معترض عليه، وليس للآسر أن يحتكم على صاحب الأمر بالإرقاق، ولا يغرم الإمام شيئًا للآسر، وإن قلنا: لو أرقه، لكان الملك في الرقبة للآسر (٢)؛ لأن قتل الإمام على حكم الاستصواب نازلٌ منزلة قتل الواحد من المسلمين قِرنه، فإنّ قتله [واقع] (٣) بحق، فليفهم الناظر ذلك.
وكذلك لو منَّ عليه، فلا معترض، ولا غرم.
ولو فاداه، فله المفاداة، ثم المال المأخوذ من مفاداته فيه احتمال على الخلاف المذكور في رقبته إذا أرقّه الإمام، والأظهر أنه ليس للآسر مالُ المفاداة؛ فإنه ليس سلبًا، ولا هو عين المأسور. والله أعلم.
هذا تمام القول فيما يُعدّ (٤) من السلب، ويلتحق به، وفيما يخرج منه.
٧٧٢٢ - ومما يتعلق بالسلب القولُ في صفة السالب القاتل: اختلف أئمتنا في أن من ليس (٥) من أهل السهم وكان من أهل الرضخ، كالصبيان والنسوان والعبيد إذا جرى منهم قتلٌ، فهل يتعلق به استحقاق السلب؟ فمنهم من قال: يتعلق به استحقاق السلب؛ تعلقًا بظاهر قوله ﵇: "من قتل قتيلًا، فله سلبه".
ومنهم من قال: لا يستحق السلب إلا مَن هو من أهل استحقاق السهم في المغنم؛
_________________
(١) في الأصل: التعين.
(٢) (س): للأسير.
(٣) زيادة من (س).
(٤) (س): يتعلّق.
(٥) عبارة (س): في أن من يكون من أهل الرضخ.
[ ١١ / ٤٥٩ ]
فإن السلب واستحقاقه يتعلقان بكمالٍ في حال من هو من أهل القتال، فإذا قصر الشخص عن استحقاق السهم، كان بأن يقصر عن استحقاق السلب أولى.
وقد يعترض ها هنا احتمال في الطرف الآخر، وهو أن المسلم لو قتل صبيًا من الكفار مراهقًا كان يقاتل، أو امرأة كانت تقاتل، ففي استحقاق سلبه احتمال؛ فإنه ليس من أهل القتال.
ولو قتل عبدًا منهم، استحق (١) سلبه بلا خلاف؛ فإن ما يَلْقى من قتل عبد مثل ما يَلْقى من قتل حر، فإن عورضنا في هذا بأن قتال العبد منا كقتال الحر، قلنا: هو كذلك، ولكن الشرع لم يعلق به السهم، فترددنا في السلب.
٧٧٢٣ - ومما يتعلق بالسلب، وهو تمامه وختامه، القول في أن السلب هل يخمس [ومن أين يؤخذ؟ وقد اختلف أصحابنا في ذلك، فقال قائلون: لا يخمس] (٢) السلب، بل تُنحَّى أسلاب القتلى، ويُقضى بفوز القاتلين [بها. هذا] (٣) ظاهر الأخبار الدالة على [اختصاص] (٤) القاتلين بأسلاب القتلى، وأيضًا إذا كان يختص القاتل بالسلب عن الغانمين، جاز أن يختص به عن أصحاب الخمس.
والوجه الثاني - أن السلب يخمّس؛ فإن اختصاص القاتل بسلب القتيل كاختصاص الغانمين بالمغنم، [فالقاتل] (٥) في السلب كأنه الجُنْد كله فيه، ثم الخمس زاحم حقوقَ الغانمين، وكان يليق بطريق الرأي ألا يثبت الخمس إلا في الفيء، فلما لم يكن كذلك، دلّ على أن الخمس يتعلق بكل مغنوم.
_________________
(١) عبارة (س): ولو قتل عبدًا منهم لا خلاف أنه يستحق سلبه.
(٢) ما بين المعقفين ساقط من الأصل، وزدناه من (س).
(٣) في الأصل: بهذا، وهذا ظاهر
(٤) في الأصل: إخلاص.
(٥) في الأصل: والقاتل.
[ ١١ / ٤٦٠ ]
فصل
قال: "والنفل من وجهٍ آخر، نفَّل رسول الله ﷺ من غنيمةٍ إلى آخره" (١).
٧٧٢٤ - معنى الفصل أن الإمام لو رأى أن يحرّض سرية من السرايا على اقتحام مخاوف، نفّلهم مقدارًا مما يأخذون على خلاف ما يقتضيه اعتدال القسمة، مثل أن يقول لسريةٍ رأى اقتطاعَها عن كُثْر (٢) الجند: نفّلتكم الربعَ، بحيث لا يخمس عليكم، هذا جائز للإمام. ذكر الشافعي البدْأةَ والرجعة، والمراد بالتنفل في البدأة أن يخصص سريةً تَقْدُم الجندَ وتُوغِل في العدو مبتدئة، هذا هو البدأة.
والرجعة [أن] (٣) تنجرّ الراية وكُثْرُ الجُند متوجهةً إلى بلاد الإسلام، فيقتطع الإمام سريةً ويكلفُهم أن يرجعوا على أدراجهم، ويغتالوا طائفةً من الكفار، أو يهجموا على قلعة، أو يرجعوا لغرضٍ سوى ما ذكرناه، وهذا يشتدُّ عليهم، وهو الرجعة، ثم [التنفيل] (٤) في البدأة من وجهٍ قد يكون أقلّ؛ فإن السرية لم تلق بعدُ [قتالًا] (٥)، والجند من ورائهم، وهم فئتُهم ووزرُهم.
(٦ وإذا كُلِّفوا الرجعة ٦) وقد عضّهم السلاح وفشا فيهم الجراح، والجند مشرِّقٌ، وهم مغرّبون، فهذا يكون أشقَّ عليهم.
وقد يكون الأمر على العكس، بأن نقدّر الكفار على أُهَبهم في الابتداء، فيعظم مصادمتُهم، ويقدّرون [مفلولين] (٧) في الانتهاء، فتسهل الكرة عليهم.
_________________
(١) ر. المختصر: ٣/ ١٨٧.
(٢) كُثْر الجند: معظمهم وعامتهم (معجم).
(٣) زيادة من (س).
(٤) في الأصل: السبيل.
(٥) غير مقروءة في الأصل، هكذا: - ـالا (انظر صورتها).
(٦) ما بين القوسين ساقط من (س).
(٧) في الأصل: "معلولين". ومفلولين يقال: فللتُ الجيش فلًا من باب قتل، فانفلّ: كسرته، فانكسر (مصباح).
[ ١١ / ٤٦١ ]
والنظر في ذلك إلى الإمام، والأحوالُ على التباسٍ، فإن رأى التسوية بين التنفيل في البدأة والتنفيل في الرجعة، سوى بينهما، وإن رأى أن يجعلهما متفاوتين، فلا معترض عليه، ثم له أن يجعل ما في البدأة أكثر مما في الرجعة، وله عكس ذلك، والسبب فيه أنه لم يَرد في ذلك توقيف شرعي، نقف عنده؛ فكان الأمر مفوضًا إلى الرأي والاجتهاد. ولو صح في بعض الآثار أن رسول الله ﷺ نفَّل على قدرٍ [في] (١) البدأة والرجعة، فليس ذلك -إن صح- تقديرًا، وإنما هو حكم الوفاق.
ثم لا يحتكم صاحب الأمر بهذا؛ فإنّ التحكم بالتفضيل في المال، والحرمان [منه] (٢) غيرُ سائغ، والمال إذا تعلق الأمر فيه بالزيادة والنقصان، والأثرة والحرمان خطر في الاجتهاد.
٧٧٢٥ - ثم إذا تبين جواز التفضيل في [التنفيل] (٣)، فقد اختلف أصحابنا في المسألة، فمنهم من قال: إذا خصص الإمام قومًا بشيء، فنجبر ذلك النقصانَ للجند، ويكون جبران النقصان من خمس الخمس المرصد المصالح، وهؤلاء يرون هذا الجبران حتمًا، وحكمًا متبعًا لا يُتعدى، ثم يردّون الأمر إلى اختيار الإمام من وجهٍ، ويقولون: إن شاء الإمام -وقد نفّلَهم الربعَ، أو ما رأى- جاء بهذا القدر من سهم المصالح (٤)، ولم يخصص المتنفِّلين المفضلين بأعيان ما أَتوْا به، وإن أحب، فضّلهم بذلك القدر من أعيان ما أصابوه، ثم غرم لباقي الجند مقدارَ التفضيل من سهم المصالح، وهذا القدر لا معترض فيه.
هذا قولنا.
ومن أصحابنا من ذكر قولًا آخر: إن التفضيل في التنفيل جائزٌ للإمام، من غير أن
_________________
(١) سقطت من الأصل.
(٢) في النسختين: فيه.
(٣) في الأصل: السبيل.
(٤) جاء بهذا القدر من سهم المصالح: المعنى أنه لا يترك لهم أعيان ما أخذوه من العدو، بل يعطيهم بدلًا منه من سهم المصالح، كما سيتضح من العبارة التالية.
[ ١١ / ٤٦٢ ]
يجبر ذلك النقصان [لكُثْر] (١) الجند، فيخصص على حسب النظر في التنفيل، ثم لا يحتسب ذلك عليهم، بل يفوزون به فوْز القاتلين بأسلاب [قتلاهم] (٢) من غير جبران.
وهذا القائل يقول: لا يخفى مسيس الحاجة إلى مثل ذلك في سياسة الحروب، وقد ورد فيه التفضيل في التنفيل، ولم يرد جبران النقصان، فإذا وجدنا التنفيل من رسول الله ﷺ وألفيناه موافقًا لوجه الرأي، [اتخذناه] (٣) إمامَنا.
هذا قولنا في تنفيل السرية في البدأة والرجعة.
٧٧٢٦ - ومن [أسرار] (٤) المذهب في هذا أن الإمام لو لم يتعرض لهذا عند انبعاث السرية، ولكنهم لما أصابوا ما أصابوا أراد أن يخصصهم تفضيلًا وتنفيلًا ببعض ما أصابوه، فظاهر كلام الأصحاب أن هذا ممتنع بعد الإصابة والإحراز، وإنما يسوغ التفضيل والتنفيل قبل إصابة المغنم.
وسبب هذا أنهم إنما [يُفضَّلون] (٥) ليحرصوا على الامتداد في الصوب الذي يراه الإمام.
ثم القول في ذلك معتضدٌ بالخبر (٦)، وهو وارد في اشتراط التفضيل عند ابتداء البعث.
_________________
(١) في الأصل: أكثر، و(س): لأكثر. والمثبت تصرف من المحقق. وكُثْر الجند: معظمه، والمراد هنا باقي الجند.
(٢) في الأصل: قتالهم.
(٣) في الأصل: اتخذناها.
(٤) في الأصل: أسر المذهب.
(٥) في الأصل: ينفصلون.
(٦) يشير إلى حديث عبادة بن الصامت عند الترمذي، أنه ﷺ نفل في البدأة الربع، وفي القفول الثلث. قال الترمذي: وحديث عبادة حديث حسن. وفي الباب عن ابن عباس، وحبيب بن مسلمة، ومعن بن يزيد، وابن عمر وسلمة بن الأكوع. ا. هـ بنصه من جامع الترمذي. ورواه أبو داود عن حبيب بن مسلمة (ر. الترمذي: ح ١٥٦١، وأبو داود: ح ٢٧٤٨، ٢٧٤٩، ٢٧٥٠، وانظر أيضًا تلخيص الحبير: ٣/ ٢٢١ ح ١٤٧١).
[ ١١ / ٤٦٣ ]
فهذا ما وجدناه، ويتأيد ما ذكرناه بطرفٍ من المعنى؛ فإنهم إذا أحرزوا والجندُ وزرُهم ومرجعُهم، والغوث قريب منهم، فقد تعلق حق الجميع بما [حصّلوه] (١)، فالتخصيص بعد تعلق حق الكافة مخالف (٢) للتفضيل والتنفيل قبل (٣) التحصيل.
٧٧٢٧ - ومما اختلف الأصحاب فيه أن الإمام لو رأى في مصلحة القتال أن يقول للأبطال، أو الجند عامة: من أخذ مالًا، فهو له لا يزاحَم فيه، فهل يجوز ذلك؟
فعلى وجهين ذكرهما العراقيون: أحدهما - لا يجوز؛ فإن هذا تخصيص مخالفٌ لوضع الشرع [في] (٤) تعديل القسمة، ولم يرد فيه ثَبَت.
ومِنْ أصحابنا من جوز هذا؛ بناء على التفضيل في (٥) التنفيل في البدأة والرجعة، وهو متَّجِه في طريق الإيالة (٦)، وله نظير في مورد الشرع، وهو اختصاص القاتلين بالأسلاب.
ومن قال بالأول، انفصل عن هذا [بأن] (٧) قال: التخصيص (٨) بالسلب سببه بيّن؛ فإن نهاية البلاء الحسن والغَناء قتلُ الكفار، فأما الاشتغال بأخذ الأموال في حال قيام القتال، فمن الأسباب الحائدة عن وجه الرأي، ومن أعظم المكائد في الحروب أن يخلِّي الكفارُ الأموالَ (٩) على رجالنا حتى ينكبّوا على التنافس فيها، ثم إنهم يعكرُون عكْرةً (١٠)، ويرون ذلك خداعًا وغِرّة، هذا بيّن ظاهر في غالب الأمر.
ثم إن لم نجوّز ما ذكرناه، فلا كلام، وإن جوزناه، فهو بمثابة التنفيل
_________________
(١) في الأصل: فصلوه.
(٢) في الأصل: تعبد مخالف.
(٣) (س): سقط منها: قبل التحصيل.
(٤) في الأصل: من.
(٥) (س): على التفضيل في البدأة والرجعة.
(٦) (س): الإماية.
(٧) في الأصل: فإن.
(٨) (س): بأن التحصيص بالسلب سببٌ.
(٩) في الأصل: والأموال.
(١٠) يعكرُون عكرة: من باب قتل: أي يرجعون ويكرون كرّة. (معجم ومصباح).
[ ١١ / ٤٦٤ ]
[الذي] (١) سبق شرحه، ويؤول الخلاف في وجوب الجبران من خمس الخمس، كما تقدم في ابتداء الفصل.
وإذا حيزت الغنائم، فمقتضى كلام الأصحاب أن التفضيل بعد حيازة المغانم غيرُ سائغ، وإنما هذا التردد قبل الحيازة. والله أعلم.
هذا منتهى القول في ذلك.
٧٧٢٨ - ولو مست الحاجة إلى [ترجّل] (٢) الفرسان، وكان يشتد القتال على الرّجّالة، ويهون على الفرسان، فأراد الإمام -والحالة هذه- أن يسوّي بين الرجّالة والفرسان، أو أراد تفضيل الرّجالة على حسب الرأي، [فهذا لا مساغ] (٣) له؛ فإنه هجوم على مخالفة الوضع (٤) في القسمة من غير تعلّقٍ بمستند من توقيفِ الشارع، وقد أجمع علماؤنا على أن تفضيل الفرسان على الرجّالة من التوقيفات المتبعة، وليست محمولةً على وجه الاستصواب، وهو بمثابة ما لو خصص الإمام بمزيد في المغنم الذين يباشرون القتال، وهذا لا يجوز، وما ذكرناه من تخصيصه كلَّ من يأخذ بما يأخذ على بُعده [مشبه] (٥) بالسلب، فإذا لم نجد معتصمًا شرعيًا، فلا سبيل إلى تسليط وجوه [التأتي] (٦) على [تغيير] (٧) وضع الشرع في تعديل القسمة.
٧٧٢٩ - ومما يتعلق بالفصل أنه لو جعل للسرية المبعوثة كلَّ ما غنمت وأصابت، فهذا مما تردد الأصحاب فيه، من جهة مخالفته للأثر والتوقيف، وإفضائه إلى الميل بالكلية عن تعديل القسمة.
_________________
(١) في الأصل: الذين.
(٢) في الأصل: توجل.
(٣) في الأصل: وهذا لا يساغ، وفي (س): فهذا الامتناع. والمثبت تصرف من المحقق.
(٤) (س): مخالفة وضع القسمة.
(٥) في الأصل: منيّة (كذا).
(٦) التأتي: الترفق في الأمر، والتبصّر به حتى يأتيه من وجهه (معجم). ثم هي في الأصل: "الثاني".
(٧) في الأصل: تعيين.
[ ١١ / ٤٦٥ ]
وما ذكرناه حقه أن يُرتب على ما لو قال: من أخذ شيئًا، فهو له؛ فإن التنفيل في البدأة والرجعة في جميع ما أصابه المبعوثون أمثل من إطلاق القول بأن (١) كل من أصاب شيئًا، فهو له.
وقد تمهد في مسلك المذهب أنا لا نحكِّم وجهَ الرأي في جميع المسائل، ولكن إن وجدنا في التنفيل أصلًا في التوقيف، اتبعناه، ثم تصرّفنا قليلًا في المقدار، فإن لم نجد أصلًا في التوقيف، ولم يستدّ (٢) لنا قياس شبهي، وجب اتباع القواعد في تعديل القسمة، وامتنع التفضيلُ وإن وافق الرأيَ.
وإن وجدنا قياسًا شبهيًا [كما (٣) ذكرناه في تشبيه] ما يصيب كل رجل بالسلب، فهو على التردد، والزيادة على الربع والثلث مأخوذة من مسألة إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه لكونه في معناه، كإلحاقنا الأمة بالعبد في قوله ﷺ: "من أعتق شركًا له في عبدٍ قُوِّم عليه" وإذا وقع التنفيل في مقدار النصف، فهو مقطوع به جوازًا، وإن وقع في معظم ما يصيبه المبعوثون، فيحتمل تخريجه على الخلاف، وتنزيله منزلة ما لو [خصصهم] (٤) بجميع ما يصيبونه، ثم حيث جوزنا التفضيل، ففي وجوب الجبران من سهم المصالح ما قد تمهد من الخلاف.
هذا منتهى القول في ذلك.
_________________
(١) (س): أمثل من القول بل كل من أصاب.
(٢) يستدّ: أي يستقيم. وفي (س): يستبن.
(٣) (س): قياسًا شبهيًا في جميع ما يصيبه كل رجل
(٤) في الأصل: خصصه.
[ ١١ / ٤٦٦ ]