٨٤٥٥ - نصدّر الباب بذكر التفويض الصحيح المتضمن تعريةَ النكاح عن المهر، وعلى الطالب أن يتأنّق في صدر الباب أولًا، فنقول: المالكة لأمر نفسها -وهي الحرة العاقلة البالغة الرشيدة- إذا أذنت لوليها في أن يزوّجها بلا مهر، وقالت: " زوّجني بلا صداق "، فزوّجها وليها، وصرّح بنفي المهر على حسب إذنها، فهذا النكاح هو الذي يسمى نكاح التفويض. والمرأةُ تسمى مفوِّضة ومفوَّضة، ومأخذ اللفظين بيّن، وتسمية تعرية النكاح عن المهر تفويضًا ليس على حقيقة اللسان؛ فإن التفويض معناه التخيير، والإحالة على رأى الغير في النفي والإثبات، فالذي ينطبق على هذا اللفظ أن تقول لوليها: " إن شئت زوّجني بلا مهر، وإن شئت زوِّجني بالمهر "، ولو صرحت بنفي المهر، فزوّجها الولي، ولم يتعرض لذكر المهر؛ فهذا بمثابة ما لو نفى المهر، اتفق الأصحاب عليه.
ولو زوّج السيد أمته من أجنبي، ولم يذكر مهرًا، كان هذا تفويضًا منه. ولو أذنت المرأة في التزويج، وأطلقت إذنها، ولم تذكر المهر نافية ولا مثبتة، فإذنها المطلق محمول على طلب المهر، وفاقًا، وهو بمثابة إذن مالك المتاع في بيع متاعه.
ثم إذا أذنت في النكاح مطلقًا، أو طلبت المهر، فزوّجها الولي، فإنا نقدم على هذا فصولًا في الوكيل والولي المجبر، ثم نرجع إلى الولي المزوِّج بالإذن.
٨٤٥٦ - فإن سمّى الوكيل مقدارًا من المهر، فخالف، نُظِر؛ فإن زاد، فقد زاد خيرًا، وكان كما لو قال الوكيل لوكيله: " بع عبدي هذا بألف "، فباعه بألفين، فالبيع لازم، والعوض المسمى ثابت، وإن خالف الوكيل في النكاح فنقص عن المقدار الذي سُمي له؛ لم ينعقد العقد؛ لأن تزويج الوكيل مبناه على الإذن، فإذا خالف الإذن مزوِّجًا بغير إذنٍ، فالتزويج بغير الإذن مردود. وهو كما لو قالت: " زوّجني من زيد " فزوّجها من عمرو.
[ ١٣ / ٩٨ ]
ولو نَصب الوكيلَ في التزويج، ولم يَذكر له مقدارًا من المهر، فلو زوّج بدون مهر المثل، [أو] (١) زوّج مع نفي المهر؛ فقد ذكر بعض الأصحاب قولين في انعقاد النكاح، وهذا بعيد، والوجه: القطع بأن النكاح لا يصح؛ فإن تصرّف الوكيل مما يتقيد بموجب الاذن، فكذلك يتقيد بالعرف المقترن بالإذن، ومقتضى العرف رعاية الغبطة، ولهذا قلنا: الوكيل بالبيع مطلقًا إذا باع بغبن، لم يصح بيعه.
ومما يتصل بهذا المقام: أنا إذا كنا لا نصحح من الوكيل المطلق التزويجَ بأقلَّ من مهر المثل، فلو زوج مطلقًا؛ فعلى ماذا يُحمل الإطلاق؟ هذا فيه تردد ظاهر، يجوز أن يقال: هو محمول على تعرية النكاح، حتى لا يصح من الوكيل العقد، ويظهر جدًا أن يُحمل على ثبوت مهر المثل؛ فإن الشرع يقتضي إثبات المهر إذا لم يجرِ تصريح بالنفي، فيكون إطلاق النكاح بمثابة ذكر مهر المثل.
ويخرّج على هذا التردد أن الوكيل المطلق لو [زوج] (٢) بخمر، فالرجوع إلى مهر المثل في مثل ذلك، فكيف السبيل؟ والأظهر في هذه الصورة الفساد؛ فإنه أتى بصورة المخالفة، فهذا ما أردنا ذكره في الوكيل.
٨٤٥٧ - فأما الولي إذا زوّج وليته، فلا يخلو؛ إما أن يكون مجبِرًا، فزوج بمهر المثل: صح. وإن زوج الصغيرة أو البالغةَ البكرَ بدون مهر المثل، أو نكاحَ تفويضٍ؛ ففي انعقاد النكاح قولان، قدمنا تحقيقهما. فإن قلنا: إنه ينعقد، فيثبت مهر المثل، أجمع الأصحاب عليه. ولم يَصر أحدٌ إلى انعقاد [النكاح بالمقدار] (٣) الذي سمّاه.
وقال أبو حنيفة (٤): ينعقد النكاح بذلك المقدار.
فأما إذا كان الولي مزوِّجًا بالإذن، فإن سمّت المرأة مقدارًا، فزوّج الوليّ بدونه، فهو كالوكيل؛ فإن تزويجه؛ موقوف على الإذن، فإذا ظهرت المخالَفَةُ، كان كما لو زوّجها بغير إذن.
_________________
(١) في الأصل: وزوّج.
(٢) في الأصل: متزوّج.
(٣) في الأصل: إلى انعقاد (المقدار بالنكاح) الذي سماه.
(٤) ر. مختصر اختلاف العلماء: ٢/ ٢٥٩ مسألة رقم: ٧٢٧.
[ ١٣ / ٩٩ ]
وإن لم تسم مقدارًا من المهر، فزوّجها الولي، بمهر المثل صح، وإن زوّجها بأقلَّ من مهر المثل، فللأصحاب طريقان: أقيسهما - القطع بأن النكاح لا يصح؛ فإنّ إذنها المطلق محمول على موجب العرف، فكأنها قيّدت إذنها بما يليق بالعرف من المهر، ولو كان كذلك، فخالفها، لم ينعقد النكاح، ومن أصحابنا من قال: في تزويج الولي بدون مهر المثل، أو على حكم التفويض -وإذنها مطلق- قولان: أحدهما - إن النكاح يبطل. والثاني - إنه يصح، وينعقد بمهر المثل، كما ذكرناه في الوليّ المجبِر. وهذا القائل يزعم أن الإذن المطلق يُلحِق الولي بمرتبة المجبِر، ويُخرجه عن مرتبة الوكلاء، الذين لا معتمد لهم إلا الإذن.
فهذا بيان تصوير التفويض.
٨٤٥٨ - فيعود بنا الكلام بعده إلى القول في حكم التفويض المحقَّق المتضمِّن تعريةَ النكاح عن المهر، فإذا جرى هذا، فالنكاح ينعقد، والمهر يجب عند الدخول، وهل يجب بنفس العقد المهرُ؟
ما قطع به العراقيون: أنه لا يجب المهر بالعقد، ولم يعرفوا غيرَ هذا، وإنما ذكروا القولين في محلٍّ سينتهي البيان إليه، إن شاء الله تعالى.
وقال المراوزة: في المسألة قولان: أظهرهما - أنه لا يجب بنفس العقد شيء من المهر، ويجب بالدخول. وقالوا: هذا (١) هو المنصوص. والقول الثاني - إنه يجب لها المهر بنفس العقد، وكان شيخي يحكيه حكايةَ من يعتقده منصوصًا، وقال القاضي: هو مخرّج، والصحيح ما قاله.
ثم إن حكمنا بأن المهر لا يجب بالعقد، فأول ما نفرّعه على هذا القول: أنها إذا وُطئت، فالمهر يجب عند الدخولِ والوطءِ لا محالة؛ فإن وجوب المهر في هذا المقام ليس خاليًا عن تعبد الشرع، ولا يبعد إضافته إلى حق الله تعالى؛ حتى يمتاز النكاح عن السفاح وبدل البضع، وقيل: يجب أن يمتاز نكاحنا عن نكاح رسول الله ﷺ، فإن الله ﷿ جعل خلو النكاح عن المهر من خصائص النبي
_________________
(١) في الأصل: وهذا.
[ ١٣ / ١٠٠ ]
ﷺ، إذ قال: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]
ولا يتصور أن يخلُوَ عن المهر وطء -في غير ملك اليمين، مع كونه محترمًا- إذا أمكن تقدير المهر.
والذمية إذا نكحت في الشرك على التفويض، وكانوا يرَوْن سقوط المهر عند المسيس أيضًا، فقد ينزل النكاح على موجب عقدهم إذا اتصل الإسلام، كما سبق تقريره.
والسيد إذا زوّج أمته من عبده، فلا يثبت المهر أصلًا؛ فإن إثباته غير ممكن، وما حكيناه من مذهب بعض الأصحاب في أن المهر يثبت بأصل النكاح، ويسقط، لا تحصيل فيه ولا تحقيق وراءه.
فأما في غير هاتين المسألتين، فلا يتصوّر خلو مسيسٍ في نكاحٍ من مهر، هذا ما اتفق عليه الأصحاب قاطبة في طرقهم.
٨٤٥٩ - وقال القاضي إذا [قالت له زوجته] (١)، وهي مفوضة: " طأني ولا مهر عليك "، فلا يمتنع أن نقول: إذا وطئها في نكاح التفويض على الوجه الذي صورناه، إن المهر لا يجب؛ فإنها صاحبة الحق، وقد [سلّطته] (٢) مع الرضا بانتفاء المهر، وخرّج عن هذا قولَ الشافعي في كتاب الرهون: إذا قال الراهن للمرتهن: أذنت لك في جماع هذه الجارية المرهونة، فإذا واقعها ظانًّا أن الوطء يحلّ له بإذن الراهن، ففي وجوب المهر قولان للشافعي، ذكرناهما. في الرهون، قال: ووجه قوله " لا يجب المهر " أن مالك البضع، ومن يثبت له المهر -لو ثبت- رَضيَ بالوطء، فكان ذلك إسقاطَ حقه منه.
ومن الأقيسة الجلية الكليّة في قاعدة الشرع أن من يملك إسقاط العوض بعد ثبوته له، إذا سلّطه على إتلاف العوض، كان تسليطُه عليه متضمنًا إسقاط العوض. ولذلك نقول: إذا قال مالك العبد لإنسان: " اقتله "، فقتله، لم يلتزم القاتل بالإذن للمالك
_________________
(١) في الأصل: قال لزوجته.
(٢) في الأصل: سلطت. وفي (صفوة المذهب): أسقطته.
[ ١٣ / ١٠١ ]
الآذن عوضًا، وكذلك إذا قال [للجاني] (١): اقطع يدي، فإذا قطعها، لم يلتزم عوضًا، هذا وجه التخريج.
وما ذكره لَستُ أُعدّه من المذهب، وأظن أنه (٢) لم يذكره ليلحقه بأصل المذهب، وإنما ذكره ليوضح جهة الاحتمال وتطرقه إليه؛ فإن ما قاله مسبوق بالإجماع من نقلة المذهب في الطرق المختلفة.
ثم إنما كان ينتفع المناظِر بما خرّجه لو صحّ أنه كان يطلقه فيه إذا جرى التفويض في النكاح مطلقًا، وقضينا بعروّ العقد عن المهر، فكان يجب أن يقال: إذا وطىء الزوج -وقد صَحّ التفويض في أصل العقد- لا يجب المهر، بناء على ما تقدم؛ فإن الزوج بعد صحة التفويض، يتصرف في ملك نفسه، ومن انتفع بملك نفسه، وقد ثبت ملكه خليًا عن العوض، فيبعد أن يستوجب العوض بسبب تصرفه الجائز في ملكه الثابت العريّ عن العوض، [و] (٣) القاضي لا يسمح بتخريجه في هذه الصورة، بل نَقَل عنه من يُعْتَمَد أن سقوط المهر مع جريان المسيس إنما يُقدّر إذا جدّدت تسليطًا على الوطء من غير مهر، وصرّحت بنفي المهر.
والمهر في ذلك متردد عندي؛ فإني رأيت في بعض مجموعاته ما يدلّ على طرده التخريج فيه، إذا جرى تفويض تام على الصحة، من غير احتياج إلى تجديد إذن في الوطء، فإن لم يكن من هذا التخريج بد، فلا بد من طرده على هذا الوجه الذي ذكرناه؛ وذلك أن إذنها المتجدد لا يصادف حقها؛ من جهة أن الزوج هو المستحق للبضع، وقد ثبت استحقاقه الأول عرِيًّا عن العوض، فلا معنى لاشتراط تسليط من المرأة، [فيما] (٤) استقر فيه حق الزوج.
وقد يتجه مع هذا فرق ظاهر بين مسألة التفويض ومسألة إذن الراهن، وذلك أن إذن الراهن متعلقٌ بوطءٍ في غير نكاح، ولايبعد أن يخلو وطءٌ في غير نكاح عن
_________________
(١) في الأصل: الجاني.
(٢) في الأصل: وأظن أنه إن لم يذكره.
(٣) (الواو) زيادة من المحقق.
(٤) في الأصل: فما.
[ ١٣ / ١٠٢ ]
المهر، والدليل على الفرق: أن مجرد إذن الراهن -على أحد القولين- يتضمن سقوط المهر من غير تعرض لإسقاط المهر، ولو عقد النكاح خاليًا عن المهر ذاكرًا، لثبت المهر إذا لم يتعرض لنفي المهر، كما قدمنا ذلك في تصوير التفويض، فقد اجتمع -مما حُكي عنه ومما رأيته- كلامٌ مختلط، وأنا أحصّله وآتي به مضبوطًا.
فأقول:
٨٤٦٠ - إذا جرى التفويض على الصحة -والتفريع على أنها لا تستحق بنفس العقد
مهرًا- فالمذهب المشهور: أنها إذا وطئها زوجها، ثبت مهر مثلها بالمسيس، سواء
سَلَّطت بعد التفويض على الوطء من غير مهر، أو تمادت على ما سبق، ولم تُجدِّد تسليطًا، وذكر القاضي تخريجًا، وفيه وجهان: أحدهما - أن المهر لا يجب بالوطء وإن لم تجدد تسليطًا، بناء على ما تقدم من التفويض.
والوجه الثاني - أنها إن لم تجدد تسليطًا حتى مسّها الزوج، وجب لها مهر المثل، ولا تخريج. وإن جدّدت تسليطًا وقيّدته بنفي المهر، فإذ ذاك يخرّج وجهٌ في سقوط المهر.
ووجه الأول [في] (١) تنزيل التخريج بيّن، لا حاجة فيه إلى تكلف إيضاح. ووجه الوجه الثاني - أن النكاح له تميزٌ عن المسيس، ويتعلق بالمسيس تقرير المهر، فلا يبعد أن يحمل التفويض (٢) حالة العقد على الرضا بسقوط حق العقد، حتى لو طُلِّقت قبل المسيس، لم تستحق نصف مهر في مقابلة العقد، فكان اشتراط تجديد التسليط مع نفي المهر [كما] (٣) ذكرناه.
ثم إن جرينا على الوجه الثاني في تنزيل تخريجه، فلا شك أنها تملك المطالبة بالفرض قبل الدخول، كما سنذكره، إن شاء الله تعالى.
وإن جرينا في التخريج على أن المهر لا يجب وإن لم تجدد تسليطًا، ففي ملكها
_________________
(١) في الأصل: يجيء.
(٢) في الأصل: أن يحمل على التفويض حالة العقد على الرضا.
(٣) في الأصل: بل ذكرناه.
[ ١٣ / ١٠٣ ]
المطالبةَ بالفرض قبل المسيس احتمال ظاهر، يجوز أن يقال: إنها تملكه، ويجوز أن يقال: إذا لزم النكاح عاريًا عن العوض، فلسنا نتوقع ثبوت المهر عند المسيس على هذا الوجه، فلا تملك المطالبة بالفرض. وهذا هو القياس لو أمكن طرده.
فهذا منتهى ما أردناه في ثبوت المهر وسقوطه عند جريان المسيس، تخريجًا على أن عقد التفويض خالٍ عن استحقاق المهر.
وإن فرعنا على القول الثاني -وهو أنها تستحق المهر بالعقد- فالذي قطع به الأئمة: أنه إذا طلقها زوجها قبل المسيس، سقط المهر، ولم تستحق شطره، وليس لها إلا المتعة.
٨٤٦١ - وكان شيخي أبو محمد يكرر في دروسه أن الطلاق قبل المسيس يشطر مهر المثل -على قولنا: تستحق المفوضة المهر بالنكاح- وكان يشبه هذا [بما] (١) لو ذُكر في النكاح مهر [وجُحد] (٢)، ووقع الحكم بالرجوع إلى مهر المثل، فإذا وقع الطلاق قبل المسيس في مثل هذا النكاح، فمذهب الشافعي أن مهر المثل يتشطر تشطّر الصداق المسمى على الصحة.
وهذا الذي ذكره قياسٌ جلي لا ندفعه، ولكنه خالف ما عليه كافة الأصحاب؛ فإنهم لم يختلفوا في سقوط جميع المهر إذا جرى التفويضُ والطلاقُ قبل المسيس، فكان ما ذكره غيرَ معتد به، [ولا] (٣) يلتحق بالوجوه الضعيفة المعدودة من المذهب، وإنما ذكرته لأنبّه على أنه كذلك، فإنه يُلفَى في كثير من التعاليق عن ذلك الشيخ، فليعلم الناظر ما ذكرناه فيه.
ومما ذكره: أنا إذا فرّعنا على أن المفوضة تستحق بالعقد المهر، فلا يثبت لها حق المطالبة بالفرض على هذا القول، كما لو جرى في النكاح تسميةُ خمرٍ أو خنزير أو مهرٍ مجهول؟ فإنا إذا قضينا بثبوت مهر المثل في هذه المسائل، فلا تملك المرأة المطالبةَ
_________________
(١) في الأصل: مما.
(٢) في الأصل: وجحود.
(٣) في الأصل: وما لا يلتحق.
[ ١٣ / ١٠٤ ]
بالفرض، وإن طلبته وطالبت به قيل لها: حقك مهر مثلك، فاطلبيه، ولا تطلبي فرضه وهو ثابت مستحَق.
وقد أجمع الأصحاب على أنها تملك المطالبة بالفرض.
وإن فرّعنا على أنها تستحق بالعقد المهرَ فيما ذكره شيخي؛ بناءً على أن مهر المفوضة يتشطر بالطلاق، وما ذكره الأصحاب مبني على أنها لو طُلقت، سقط جميع مهرها، [فملّكوها] (١) طلبَ الفرض لتتوصّل به إلى تقرُّر شطر المهر.
٨٤٦٢ - فإن قيل: ما ذكرتموه في التفريع [لا يثمر] (٢) إلا الخبطَ والاضطراب، فعلى ماذا تقررون المهر؟
قلنا: سنذكر الغرض في ذلك بعد تقديم أصل آخر، وهو: أنه إذا جرى تفويضٌ صحيح، ولم يجر مسيس ولا طلاق، حتى مات أحد الزوجين، ففي ثبوت مهر المثل قولان للشافعي وتردّدٌ بيّنٌ، وذِكْره يستدعي تقديمَ خبر، وهو ما روي " أن عبد الله بن مسعود سئل عن المفوِّضة إذا مات عنها زوجها قبل الدخول؟ فكان يردد السائل ويعدُ حتى تردد شهرًا، ثم قال: إن أصبتُ فمن الله، وإن أخطأتُ فمني ومن الشيطان، أرى لها مهر نسائها والميراثَ، فقام مَعْقِل بن سِنان وقال: أشهد أن رسول الله ﷺ قضى في بِرْوع (٣) بنت واشق الأشجعية بمثل قضائك هذا؛ فَسُرّ ابنُ مسعود سرورًا لم يُسَرّ مثله، وحمد الله ﷿ على ذلك " (٤).
_________________
(١) في الأصل: فملوكها.
(٢) في الأصل: لا يتم.
(٣) بِرْوع: باء موحدة مكسورة، وسكون الراء المهملة، وفتح الواو، بعدها عين مهملة (تهذيب الأسماء واللغات للنووي).
(٤) حديث بِرْوع، رواه أحمد في مسنده: ٣/ ٤٨٠، وأبو داود: كتاب النكاح، باب فيمن تزوج ولم يسمّ صداقًا حتى مات، ح ٢١١٤، والترمذي: كتاب النكاح، باب ما جاء في الرجل يتزوج المرأة، فيموت عنها قبل أن يفرض لها، ح ١١٤٥، والنسائي: كتاب النكاح، باب إباحة التزويج بغير صداق، ح ٣٣٥٥، وابن ماجه: كتاب النكاح، باب الرجل يتزوج، ولا يفرض لها، فيموت على ذلك، ح ١٨٩١، وابن حبان: ح ٤٠٨٦، والحاكم: ٢/ ١٨٠، ١٨١، وقال صحيح على شرط مسلم، وقد رواه أيضًا الشافعي في الأم، وتكلم =
[ ١٣ / ١٠٥ ]
فهذا الحديث يقع أيضًا في تصوير موت أحد الزوجين، ولكن تردَّدَ الشافعيُّ (١) في الحديث وحكم باضطرابه، إذ قد قيل: قال معقل بن يسار، وقيل: معقل بن سنان، وقيل ناسٌ من أشجع، وقد بلغ الحديثُ على الوجه الذي رويناه عليَّ (٢) بن أبي طالب، فلم ير قبول رواية معقل، وقال: لا نقبل في ديننا قول أعرابي بوال على عقبيه، فردد الشافعيُّ المسألة؛ لأن الحديث لم يقع على شرطه في الصحة، فيبقى مجرد مذهب ابن مسعود، ويعارضه مذهب علي؛ فإنه كان لا يرى للمفوضة عند موت أحد الزوجين مهرًا، وقد خلا النكاح عن المسيس (٣).
٨٤٦٣ - وقد حان أن نذكر الترتيب في المذهب، فنقول: أما العراقيون فقد استدُّوا، وجَرَوْا على المسلك المرتضى، وقَضَوْا بأن المفوضة لا تستحق بالعقد مهرًا؛ إذا (٤) لم يعرفوا قولًا آخر، وقطعوا بأنها تستحق المهر إذا مسها الزوج، وذكروا قولين فيه إذا مات أحد الزوجين، مع قطعهم بأنها لا تستحق بأصل العقد مهرًا، ووجّهوا القولين، فقالوا: من أوجب المهر في موت أحد الزوجين، احتج بأن الموت نازل منزلة الوطء في تقرير المهر؛ بدليل أنه يتقرر المهر المسمى بالموت قبل المسيس، كما يتقرر بالمسيس نفسه، ومن قال: لا يثبت المهر بالموت، احتج بأنها ما استحقت بالعقد مهرًا، ولا جرى مسيس؛ حتى يقال: لو لم يثبت المهر، لكان الوطء في حكم المبذول، عريًا عن العوض.
وسرّ هذا القول أن النكاح إذا اشتمل على مسمى صحيح، ثم فرض طلاق قبل المسيس، يسقط نصف المسمى، ويبقى نصفه في مقابلة العقد، وإن جرى مسيس، تقرر المهر. وإن فرض موت من غير مسيس، تقرر المسمى بانتهاء النكاح نهايته.
_________________
(١) = فيه بما لخصه الحافظ بقوله: وقال الشافعي: " لا أحفظه من وجهٍ يثبت مثله " (ر. الأم: ٥/ ٦١، وانظر التلخيص: ٣/ ٣٨٧ ح١٦٧٦). هذا. وفي نسخة الأصل: معقل بن يسار. والتصويب من كتب السنة.
(٢) أشرنا إلى هذا التردد وموضعه من كتاب الأم، في التعليق السابق على الحديث.
(٣) في الأصل: " الذي رويناه عن علي بن أبي طالب، فلم ير قبوله ".
(٤) قول علي هذا. رواه الشافعي في الأم: ٥/ ٦١.
(٥) إذا: هي هنا بمعنى " إذ " وهو استعمال فصيح أشرنا إليه أكثر من مرة من قبل.
[ ١٣ / ١٠٦ ]
وإذا عُقِد النكاحُ على التفويض، ثم فُرض الطلاق قبل المسيس؛ فلا يثبت من المهر شيء فتمثل (١) القول من هذا المنتهى، فرأى الشافعي -بعد التردد في حديث معقل- في قول حكمَ المهر عند الموت ولا مسيس، كحكم نصف المهر عند الطلاق قبل الدخول؛ فإن نصف المسمى كان ثبت عند الطلاق. والآية لم يثبت منه شيء، فكان تشبيه ما يقتضيه الموت من التقرير بما يتقرر من المسمى عند الطلاق قبل المسيس، أولى من تشبيهه بما إذا جرى المسيس. فهذا أحد القولين، وهو فقه حسن.
والقول الثاني - أن الموت في اقتضائه التقريرَ، نازل منزلة الوطء؛ فإنه إذا انقضى العمر على النكاح، وبلغ بانقضائه النكاحُ غايتَه، فقد اتصل بالمقصود -وهو الدوام إلى آخر العمر- فيجب ألا يكون عريًّا عن المهر.
والقول الأول أفقه (٢)، والثاني معتضد بقصة ابن مسعود؛ فإن حديث معقل إن رده عليٌّ، عمل به ابن مسعود، ومن قواعد الأصول الترجيح بالحديث الذي لا يقطع بسقوطه؛ فإنه لا ينحط عن أقوى مسلك في الترجيحات، هذا كله بيان طريقة واحدة، وهي ما اختاره العراقيون.
٨٤٦٤ - طريقة أخرى للمراوزة، وهي: طرد القولين في أن المفوِّضة هل تستحق بأصل العقد مهرًا؟ وفيه على ما ذكروه قولان: أحدهما -وهو الأصح عندهم- أنها لا تستحق بأصل العقد مهرًا، وهذا الذي قطع به العراقيون ولم يعرفوا غيره.
والقول الثاني - أنها تستحق بأصل العقد المهرَ، ورأْيُ المراوزة في ذلك مختلف،
_________________
(١) كذا بهذا الرسم بدون أي نقط. (ولعل المعنى: أننا يمكن أن ندرك مأْخذ القول، ونعرف أصله).
(٢) قال النووي: " رجح الإمام والبغوي والروياني أن المهر لا يجب بالوفاة قبل المسيس " فلعله أخذه من قول الإمام: " الأول أفقه ". ثم إن النووي رأى ترجيح الوجوب، مائلًا إلى تصحيح حديث بِرْوع، ولعلّه في هذا تبع الرافعي في الشرح الكبير. قلت (عبد العظيم): واضح من كلام الإمام أنه أمْيل إلى ترجيح الوجوب وإن لم يصرّح به. (ر. الشرح الكبير: ٨/ ٢٧٩، والروضة: ٧/ ٢٨٢).
[ ١٣ / ١٠٧ ]
قال معظمهم: هذا قول مخرج. وقال قائلون: هو مأخوذ من نص الشافعي في أن المفوِّضة إذا ماتت، أو مات زوجها قبل المسيس، فلها المهر كاملًا، هذا منصوص. وهو دالّ على أنها استحقت بأصل العقد المهر؛ فإنه لا يتقرر بالموت مهر ما لم يثبت بالنكاح.
توجيه القولين في الأصل: من قال: لا يثبت المهر بالعقد، احتج بأن المهر حقها، وحق المولى من أمته، فإذا وقع الرضا بإسقاطه لم يثبت، وآية ذلك أنه لا يتشطر بالطلاق قبل المسيس. ومن قال: إنها تستحق بالعقد، احتج بثبوت المهر حالة المسيس، مع العلم بأن تصرف المالك على الوجه المستباح في ملكه لا يلزمه عوض ملكه، فإذا لزم، دلّ على أن اللزوم كان بالعقد، هذا وضع القولين تأصيلًا وتوجيهًا.
٨٤٦٥ - فإن حكمنا بأنها لا تستحق بالعقد شيئًا، فوراء ذلك تخريج القاضي في المسيس كما قدمته، وليس هو من المذهب، وإذا أنكرناه بشيء من هذا المنتهى، فإنه يتحقق هذا القول، فنبديه في معرض سؤال وجواب عنه.
٨٤٦٦ - فإن قيل: ما وجه إيجاب المهر حالة الوطء، مع عروّ العقد عن المهر؟ قلنا: الجواب عن ذلك يستدعي تقديم أصلٍ في المذهب -هو مقصود في نفسه- وبه يبين غرضُنا في المنتهى الذي انتهينا إليه، وذلك أن المفوضة إذا وطئها الزوج، ووقع الحكم بوجوب المهر، فقد اختلف أئمتنا في أن الاعتبار في مهر المثل بحالة الوطء أم بحالة العقد؟ وفيه وجهان مشهوران، ينبني عليهما أنا إذا اعتبرنا حالة المسيس فكأنا افتتحنا إيجاب المهر بالمسيس، نخرّجه على أنا وإن احتملنا إسقاط المهر حالة العقد، فلا نحتمل إسقاطه في مقابلة المسيس.
وفي تقرير ذلك إشكال بيّن؛ فإن المهر ليس ركنًا في النكاح، وإنما يتميز النكاح عن السفاح بصحته وإفضائه إلى استحقاق المنفعة على موجب الشرع، وذلك لا يستدعي عوضًا، ولذلك لم يبعد في الشرع نكاح يصح من غير مهر، كتزويج السيد أمته من عبده.
[ ١٣ / ١٠٨ ]
ونهاية الإمكان في ذلك أن نقول: النكاح في وضعه يقتضي [كالبيع] (١) الصحيح- عوضًا، والذي ذُكر من أن المهر ليس ركنًا في النكاح، فالمراد به: أنه ليس يثبت على حقيقة العوضية ركنًا، كما يكون الثمن أحد ركني البيع، فأما المصير إلى أنه لا يثبت شرعًا إقامةٌ لمنصب النكاح وما يقتضيه الشرع، فلا، فهو ركنٌ شرعًا، وليس ركنًا عوضًا، وهو بمثابة عوض الخلع؛ فإن البينونة من غير عوض ولا استيفاءِ عدد [الطلقات] (٢) في الممسوسة غيرُ ممكن، ولكن يفسد العوض، ويثبت الرجوع إلى مهر المثل، أو قيمةِ العوض، كما تقدم في الصداق.
ثم إنما يعظم الأمر في تعرية الوطء عن العوض الشرعي، ولا يبعد عروّ النكاح، وهذا القائل يقول في تزويج الرجل أمتَه من عبده: إنا نحكم بثبوت المهر وسقوطه، وهو محمول على مذهب الضرورة؛ فإن العبد لا يملك ولا يستبيح الوطء [بطريق] (٣) التسري، فأُثبت في حقه النكاح، كما ذكرناه.
وقد ينقدح فيه أن يقال: كان يجب بطلان تزويج الأمة من العبد إذا كان مولاهما واحدًا، إذ [لا] (٤) يتصور أنه نكاح مشتمل على المهر. فهذا منتهى الإشكال.
ومن قال: الاعتبار في مهر المثل بصفتها حالة النكاح، احتمل ذلك مسلكين: أحدهما - أنا نتبين إذا جرى المسيس أن المهر وجب بنفس العقد، فيخرج من ذلك أن الأمر موقوف، فإن انقضى النكاح من غير مسيس، تبينا آخرًا أن المهر لم يجب بأصل العقد. وإن جرى في النكاح مسيس، تبيّنّا أن المهر وجب بأصل العقد، هذا مسلك.
والثاني - أن المهر يجب بالمسيس، وإن اعتبرنا صفة المرأة حالة النكاح، فعلى هذا نقطع القول بعرو العقد عن المهر، ويكون الاختلاف في أن الاعتبار في صفتها -
_________________
(١) مكان كلمة غير مقروء بالأصل. وهي كذلك في (صفوة المذهب).
(٢) زيادة لإيضاح العبارة.
(٣) في الأصل: وطريق.
(٤) زيادة من المحقق، لا يستقيم الكلام بدونها. وهي ثابتة في (صفوة المذهب).
[ ١٣ / ١٠٩ ]
إذا أوجبنا مهر المثل -حالةَ [النكاح] (١) - مأخوذًا (٢) من أصل اختلف فيه الأصحاب، وهو أن الرجل لو جنى على أمة حاملٍ بولد رقيق، ثم أَجْهضت، وأوجبنا على الجاني عُشر قيمة الأم، فنعتبر قيمتها يوم الانفصال أم نعتبر قيمتها يوم الجناية؟ المنصوص عليه للشافعي أن الاعتبار بقيمتها يوم الجناية. وقال المزني وأبو الطيب بنُ سلمة: نعتبر قيمتها يوم الإلقاء. وفي هذا التشبيه نظر ولكنه على حالٍ تقريبٌ في سرّ مسألة الجناية، يأتي في كتاب الجنايات، إن شاء الله ﷿.
والأوجه في المعنى: أنّا [إن] (٣) اعتبرنا حالة العقد، فنتبين استناد الوجوب إلى تلك الحالة، ونبني الأمر على الوقف الذي ذكرناه؛ [إذ] (٤) لا وجه لاعتبار صفة في حالةٍ لا يجب المهر فيها- ثم إذا قلنا: لا يجب المهر بالنكاح، فلا شك أن الطلاق إذا جرى قبل المسيس، فلا يجب شيء إلا المتعة.
وقد ربط المحققون ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] ثم قال عزّ من قائل: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقد اتفق المفسرون أن الآيات مسوقة في المفوِّضة، وأنها إذا طلقت قبل المسيس، فلها المتعة، كما سيأتي شرحها في بابها، إن شاء الله تعالى.
ثم قالوا: [لو] (٥) فرض لها شيء قبل المسيس، فطُلقت، فلها نصف المفروض، ولا متعة.
٨٤٦٧ - ثم يبقى -بعد ما ذكرناه- القولُ في طلب الفرض- تفريعًا على أنها
_________________
(١) عبارة الأصل: " ويكون الاختلاف في أن الاعتبار في صفتها، إذا أوجبنا مهر المثل، فإنها حالة مأخذوًا من أصل اختلف فيه الأصحاب " والحذف والزيادة من المحقق، ونرجو أن يكون صوابًا.
(٢) مأخوذًا: خبر " يكون الاختلافُ ".
(٣) زيادة من المحقق لاستقامة الكلام. وفي (صفوة المذهب): " إذا ".
(٤) في الأصل: أن لا وجه.
(٥) زيادة من المحقق.
[ ١٣ / ١١٠ ]
لا تستحق بالعقد المهرَ -فنقول: إذا جرينا على ما قطع به الأئمة- من وجوب المهر عند المسيس، فهؤلاء أجمعوا على أنها تملك المطالبة بالفرض، حتى لا يقع الإقدام على الوطء إلا على مفروض ثابت.
وإن فرعنا على أن المهر لا يثبت بالمسيس أيضًا، وقلنا: لو مسها، فلا مهر، وإن لم يجر تسليط على الوطء، فيتجه جدًا أن نقول: لا تملك المطالبةَ بالفرض أصلًا، وقد لزم النكاح عريًّا عن المهر، كيف تَصَرَّفَ الحال، وقد يلزم على هذا القياس أن يقال: لا يثبت المهر، وإن قُدّر فرضٌ؛ لأن الانعقاد ولزومه على حكم [العقد] (١) ينافي في ثبوت المهر، جريًا على امتناع إلحاق الزوائد بالعقود [وبُعْد لزومها] (٢)، وهذا مشهور من مذهب الشافعي.
وما ذكرناه أقيسةٌ واحتمالات، والرأي: القطع بما قطع به الأصحاب.
٨٤٦٨ - ثم في مصير الأئمة إلى أن المهر يجب عند المسيس إشكالٌ في الفرض والمطالبة؛ من جهة أنه كان يجوز أن يقال: هي على ثقة من ثبوت المهر إذا جرى المسيس، فلا معنى لطلبها الفرض، ولكن المرأة تقول: إذا كان الزوج [يتسلّط] (٣) على الوطء ولي المهر، ثم الشرع أثبت لي حق الامتناع عن الوطء في النكاح المشتمل على المسمى الصحيح، فطلبي الفرض في مقابلة طلبي المهر المسمى في النكاح المشتمل عليه.
فهذا منتهى القول في هذا، وهو غاية البيان.
ومن طمع أن يلحق ما وَضْعُه على الإشكال وتقابلِ الاحتمال بما هو بيّنٌ في وضعه، فإنما يطلب مستحيلًا مُعْوِزًا. والمطلع على الحقائق -فيعرف كل شيء على ما هو عليه- هو الله ﷿.
وكل ما ذكرناه تفريع على أن المفوضة لا تستحق بالعقد شيئًا.
_________________
(١) في الأصل: العرف. والمثبت تصرّف منا.
(٢) في الأصل: " وبعد لـ مومها " هكذا تمامًا.
(٣) في الأصل: يتشطط.
[ ١٣ / ١١١ ]
٨٤٦٩ - فإن قلنا: إنها تستحق المهر بالعقد، ففي التفريع على هذا القول بقية البيان.
قال الأئمة: إذا طُلِّقت قبل المسيس؛ لم تستحق من المهر شيئًا، وإن قضينا بأنه وجب بأصل العقد، فهذا هو المذهب، وعليه التعويل. والشاهد له من القرآن قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فخصص استحقاق نصف المهر بأن نفرض، فدلّ مفهومُ الخطاب دلالة ظاهرة على أنها لا تستحق شيئًا من المهر إذا لم يجر فرضٌ.
وكان شيخي يقطع -إذا فرعّ على هذا القول- بأن المرأة تستحق نصف مهر المثل إذا طلقت قبل المسيس، قياسًا على ما إذا أصدقها زوجها خمرًا أو خنزيرًا أو مجهولًا. وهذا غير معتد به.
وسرّ مذهب الأصحاب يتبين بذكر مرتبتين: فنقول: إن اشتمل النكاح على مهر مسمَّى، ثم فُرض الطلاق قبل الدخول، فالشرع قابَل العقدَ بنصف المهر، وليست هذه المقابلة على نهاية التأكد، والدليل عليه: أنه قد يفرض سقوط جميع المسمى بجريان فسخ قبل المسيس. والمختار: أنه لا يسقط المسمى بجريان الفسوخ بعد المسيس؛ لما كان المهر على نهاية التقرر، فهذه مرتبة.
فإذا رضيت المرأة بتعرية النكاح عن المهر، فالمهر ضعيف، وإن حكمنا بأنه يثبت بالعقد، فتكون جملة المهر في هذه المنزلة بمثابة شطر المسمى إذا جرت تسمية. فإن حكمنا بسقوط جميع المهر في حقِّ المفوضة، فليس حكمنا منافيًا للقضاء بوجوب المهر بأصل العقد.
فهذا بيان مسلك الأصحاب، وهو الحق الذي لا مراء فيه.
ثم ينبني على ذلك أمر الفرض والمطالبة، أما على طريق الإمام والدي (١) [] (٢)
_________________
(١) الإمام والدي: هذه هي المرة الثانية للآن التي عبر فيها عن والده بهذه الصورة، بدلًا من شيخي، وأبو محمد، والشيخ الوالد. ونادرًا جدًا (الإمام) فقط.
(٢) ما بين المعقفين بياضٌ في الأصل قدر أربع كلمات. والسياقُ مستقيم بدونه.
[ ١٣ / ١١٢ ]
فليس لها طلب الفرض؛ فإن مهر المثل عنده ثبت ثبوت المهر المسمى، فيتشطّر بالطلاق، ويتقرر بالمسيس، فلا معنى لطلب الفرض؛ فإن الفرض لا يفيد مزيدًا، وسبيل طلبه في هذا المقام كسبيل طلبه إذا جرى في النكاح مسمّىً فاسدٌ، وكسبيل طلبه إذا جرى المسيس واستقر به مهر المثل. ولا خلاف أنه لا معنى لطلب الفرض بعد المسيس. ولكن هذا المذهب -وهو المصير إلى أن المهر يتشطر بالطلاق قبل المسيس والفرضِ- ليس معتدًا به، ولا معدودًا من المذهب.
فالمرأة إذًا تملك طلب الفرض، وغرضها أن تتوصَّلَ إلى تقرير نصف المهر، [لو] (١) فرض طلاق قبل المسيس.
وحقيقةُ القول في الفرض نذكره على الاتصال بنجاز هذا الكلام في فصل معقود.
فصل
في الفرض ومعناه وما يتعلق به من التفاصيل.
٨٤٧٠ - فنقول: إذا حكمنا بأن المفوِّضة لا تستحق شيئًا بالعقد، فقد ذكرنا أنها تملك طلب الفرض. وأوضحنا ما فيه من ترددٍ واحتمالٍ على ما عليه الأصحاب، وعلى التخريج الذي ذكره القاضي.
والأصل المعتمد: أنها تملك طلب الفرض إذا فرعنا على أنها تستحق المهر بالعقد، فالذي ذكره الأئمة مع ذلك أنها تستحق طلب الفرض. وقد أوضحنا ذلك على طريقة الأصحاب، وذكرنا طريقة شيخنا أبي محمد.
ونحن الآن نرفع تفرّق الفكر بالتخريج، وطريق شيخنا، ونرد النظر إلى ما عليه الأصحاب، من أنها تملك طلبَ الفرض، وهذا متجه على قولنا: إنها لا تستحق بالعقد مهرًا، فالفرض يفيدها لا محالة استحقاق المفروض. وإن قضينا بأنها تستحق بالعقد، فالفرض يفيدها تقرير نصف المهر، بناء على أنها إذا طُلقت قبل المسيس، لم تستحق شيئًا، ويسقط المهر كله.
_________________
(١) في الأصل: " ولو ".
[ ١٣ / ١١٣ ]
ووراء ذلك كلام للأصحاب، وذلك أنهم قالوا: لو أرادت أن تطلب من المهر شيئًا وإن قل، لم تملكه ولم تجد إليه سبيلًا، وإنما لها طلب الفرض فحسب، وهذا الآن مشكل جدًا، مناقضٌ لقولنا: إنها تستحق بالعقد المهرَ، وكان الوجه أن يقال: تملك طلب المهر، وتملك طلب الفرض. أما طلب المهر فمعلل بثبوت المهر، وأما طلب الفرض، فسببه تقرير نصف المهر، وهذا له التفات على مطالبتها بوطأة واحدة ليتقرر بذلك مهرها، ولكن ذلك مختلَفٌ فيه، وطلب الفرض على رأي الأصحاب متفق عليه، والسبب فيه أن الزوج قادر على الفرض متى شاء، والوطء أمر جِبِلِّيٌّ قد لا تساعد الطبيعةُ على المواتاة فيه، ولا عجز بالزوج أيضًا، ولكن وقته لا يتعين، فبعُد تمليك المرأة الطلبَ فيه في أي وقت [تشاء] (١)، وما ذكره الأصحاب تصريح بإفساد القول بأنها تستحق بالعقد شيئًا، وأن هذا القول لا ثبات له، ولذلك لم يعرفه العراقيون، ولم يعرِّضوا بذكره أصلًا.
٨٤٧١ - فإذا [تمهّد] (٢) أصل الفرض فيما رسمناه، فنخوض بعد ذلك في تفصيل القول، ونقول: الفرض يقع من الزوج، فإذا وقع التراضي بمبلغ، فَفَرضه الزوجُ، ثبت، ويجوز أن يكون عينا معيّنة - نقدًا أو عَرْضًا، ويجوز أن يكون دينًا ملتزمًا في الذمة.
والمذهب الأصح: أن الفرض إذا كان يجري من الزوج، فلا يشترط علمُه وعلمُ الزوجة بمقدار مهر المثل، وإنما التعويل على رضا المرأة وفَرْضِ الزوج.
ومن أصحابنا من قال: لا يصح [الفرض] (٣) من الزوج ما لم يكونا عالمين بمقدار مهر المثل، وهذا الوجه ضعيف، لا معوّل عليه، ولكنه مشهور في الحكاية.
وقد قال بعض المحققين: إن حكمنا بأن المفوضة لا تستحق بالعقد مهرًا، فلا حاجة إلى معرفة هذا المِثْل؛ فإن الفرض ابتداءُ إيجابٍ على هذا القول، وإن حكمنا
_________________
(١) في الأصل: شاء.
(٢) في الأصل: مهد.
(٣) في الأصل: العقد. وصدقتنا (صفوة المذهب).
[ ١٣ / ١١٤ ]
بأن المفوضة تستحق المهر بالعقد، فهو مهر المثل؛ فلا بد من علمها بمهر المثل.
والذي نراه في ذلك رأيًا -وهو حقيقة الأمر- أنا إن فرّعنا على الأصح -وهو أن المفوِّضة لا تستحق بالعقد شيئًا- فإذا فَرَضَ الزوجُ، فالظاهر أنه لا حاجة إلى العلم بمبلغ المهر، ولكن ينقدح معه اشتراط العلم؛ فإنا لو قدرنا الفرض ابتداء إيجاب، كان ذلك خارجًا عن القانون؛ فإن العوض إنما يثبت بالعقد، وشرطه إيجاب وقبول، والقبول ليس معتبرًا في الفرض اتفاقًا، ولو اعتُبر، فالمرأة ليست قابلة في عقد النكاح، والنكاح لا يمكن إعادته ما لم يُنقض، فمن ضرورة الفرض أن يكون له التفاتٌ على ما يجب بالوطء، والواجب به إن لم يجر فرضٌ مهرُ المثل. وبالجملة الفرض لا يضاهي قاعدة من قواعد الأعواض على رأي الشافعي. فمَن اشترط العلم بالمهر على هذا القول، فصدَرُه مما نبهنا عليه الآن.
ويتصل بهذا المنتهى أن المفروض لو كان أقل من مهر المثل، جاز على هذا القول، وكذلك لو كان عَرْضًا من العروض، مع العلم بأن مهر المثل لا يكون إلا نقدًا. والسر فيه أن الشرعَ كما (١) أثبت للمرأة طلب الفرض وَسَّع الأمرَ عند التراضي؛ حتى يستفيد الرجل [البراءة] (٢) عن مهر المثل قبل وجوبه بالمسيس إذا رضيت؛ فإن المهر المسمى في النكاح على التراضي، فكان الفرض دائرًا على الرضا، ولكن إن رضيت، فالأمر على ما وصفنا.
وإن لم ترض إلا مهر المثل، فالوجه أن يقال: إن ساعدها، فذاك، وإلا رفعت الأمر إلى القاضي، وهو القسم الثاني في الفرض، كما سنصفه الآن، إن شاء الله ﷿.
٨٤٧٢ - ومما يتعلق بذلك: أن الزوج لو أراد أن يفرض لها من غير أن تطلب الفرض؛ فإن فرض لها أقل من مهر المثل، لم يثبت. وإن فرض لها مهر المثل من غير طلبها وتعرضها، فهذا محتمل جدًا؛ يجوز أن يقال: يثبت؛ فإن الفرض ليس
_________________
(١) "كما": بمعنى (عندما).
(٢) في الأصل: " المثل عن مهر المثل ". والمثبت محاولة منا لإقامة النص. لسنا راضين عنها تمامًا. والله المستعان.
[ ١٣ / ١١٥ ]
عقدًا، [ويظهر] (١) أن يقال: لا يثبت ما لم تطلب؛ فإن طلبها ينزل منزلة القبول في العقود.
ولو وقع التراضي على أكثر من مهر المثل، فيظهر على هذا القول أن يثبت؛ فإن المهر غير ثابت حالة الفرض، ويحتمل ألا يثبت الزائد إذا كان من جنس النقد الذي إليه الرجوع؛ فإنا على كل حال نلتفت إلى مهر المثل، فكأنه وإن لم يثبت بعدُ- فهو مستحق الثبوت. وهذا يشابه مسألة ستأتي -إن شاء الله ﷿- في الجنايات، وهي: أن من صالَح على دم العمد على أكثر من دية، ففي ثبوت العوض كلام مأخوذ من التفريع على موجب [العمد] (٢)، أنه ماذا؟ وسيأتي مشروحًا، إن شاء الله تعالى.
وإذا كان يثبت المشروط- وهو أقل، فيثبت أيضًا وهو أكثر. ولولا اعتراض شيء في الفكر لما أوردنا القول في ذلك، ولكن لو ثبتت الزيادة، لما ثبتت إلا عوضًا، وكيف يتصور ثبوت العوض من غير التفات إلى ما سيستحق من غير صيغة عقد؟
٨٤٧٣ - ومما يتم به الغرض: أن المرأة لو قالت: " أسقطت حقي من طلب الفرض " فكيف الوجه فيه؟ فنقول: قد ظهر الاختلاف في أن الإبراء عما [لم] (٣) يجب وظهر (٤) سبب وجوبه، هل يصح؟ وعليه خُرِّج إبراء المرأة عن نفقة عدتها، فعلى هذا لو قالت: أبرأت عما سيجب لي من المهر عند الوطء؛ فالظاهر: خروج ذلك على الخلاف الذي ذكرناه الآن.
فإن قيل: ثبوت المهر يتعلق بتعبد الشرع، فكيف يسقط بإسقاطها؟ قلنا: الإبراء في الأعواض نازل منزلة الاستيفاء، وليس هذا الذي ذكرناه بمثابة ما ذكره القاضي من تسليطها إياه على الوطء من غير مهر، فإن معناه أن ترضى بانعدام المهر، وإجراء الوطء على حكم التعرية، والإبراءُ الذي ذكرناه، معناه: تقدير ثبوت المهر مع إسقاطه بعد ثبوته.
_________________
(١) في الأصل: فيظهر.
(٢) في الأصل: العمل.
(٣) زيادة من المحقق، لا يصح الكلام إلا بها.
(٤) وظهر سبب وجوبه: أي جرى سبب وجوبه، كما هي عبارة الرافعي والنووي. وفي صفوة المذهب: " ووجد سببُ وجوبه ".
[ ١٣ / ١١٦ ]
فإذا تقرر هذا، عدنا إلى القول في إسقاطها حقَّ طلب الفرض، فنقول: هذا لغو لا حاصل له؛ فإنها إذا لم تُسقط المهر -على التقدير الذي ذكرناه- فلا يسقط حق الطلب، كما يسقط حق طلب المرأة التي آلى عنها زوجها، في أمثلة لذلك معروفة.
وكل ما ذكرناه تفريع على أن المفوِّضة لا تستحق بالعقد شيئًا.
٨٤٧٤ - فأما إذا فرّعنا على أنها تستحق [بالعقد] (١) المهرَ، فلو وقع التراضي على مقدار مهر المثل، فلا كلام. وإن وقع التراضي على أكثر من مهر المثل؛ فالذي أراه: امتناع هذا، كما إذا صالح عن دم العمد بأكثر من الدية، والتفريع على أن الموجَب الدية أو القَوَد أوْ أحدُهما لا بعينه، فإن وقع التراضي (٢) على أقل من مهر المثل؛ فالذي قطع به الأصحاب: أن ذلك يصح. وخروج ذلك على حمل الاقتصار على هذا المقدار على إسقاط ما يتمم به مهر المثل، وعلى هذا خُرِّج جواز الفرض بما دون مهر المثل.
فإذا تقرر ما ذكرناه، فالذي جرّ هذا الكلام كلَّه، القولُ في أنا هل نشترط علم الزوجين؟ وقد فرعنا ذلك على القول الأول، وتفريعه على هذا القول: أن المفروض إن كان دون مهر المثل قطعًا، فلا حاجة إلى العلم بمقدار مهر المثل، وإن أمكن أن يكون المفروض أكثر من مهر المثل، ولم يكن من جنس مهر المثل، فالوجه: ألا نشترط العلم بالمهر. وإن كان المفروض من جنس مهر المثل، ويمكن أن يكون [أكثر] (٣)، فيتجه اشتراط العلم.
فهذا تمام البيان في ذلك [و] (٤) الأصحاب أطلقوا وجهين.
٨٤٧٥ - ومما نذكره الآية: القول في تأجيل المفروض، وقد ذكر معظم الأئمة أن المفروض يقبل التأجيل، وفي بعض التصانيف ذكر الوجهين، والتحقيق فيه: أنا إن فرعنا على أن المفوِّضة لا تستحق بالعقد شيئًا؛ فالظاهر: ثبوت الأجل إذا وقع
_________________
(١) زيادة لوضوح العبارة.
(٢) عبارة الأصل هكذا: فإن وقع على التراضي أقل من مهر المثل.
(٣) زيادة لاستقامة الكلام، لا يصح إلا بها.
(٤) (الواو) زيادة من المحقق.
[ ١٣ / ١١٧ ]
التراضي به، فإن المفروض على هذا القول واجبٌ مبتدأٌ، وإن كان له التفات على موجب العقد.
ويحتمل أن يقال: لا يثبت الأجل فيه؛ فإن الفرض ليس عقدًا تامًا، وأشبه شيء به الفرض (١)، ثم لا يثبت الأجل فيه.
وإن فرّعنا على أن المفوضة تستحق بالعقد المهر، فهل يقبل الأجل، وكيف وجهه؟ فنقول: الأجل على هذا القول بعيدٌ، ولكن ليس ينحسم الاحتمال فيه، مع جواز الاقتصار على أقل من مهر المثل، وجواز العدول عن جنس مهر المثل.
وكنت أود لو كان الفرض على هذا القول اعتياضًا عن المهر الواجب بالعقد، ثم كان يترتب عليه ما يليق به، ومن أوائله: اشتراط الإيجاب والقبول، قياسًا على الاعتياض، عن جميع الأعواض، أو كان يخرّج على الاعتياض عن الثمن في الذمة، ولكن أطبق الأصحاب على إجراء الفرض على نسق واحد على القولين، وهو محمول عندي على كف الفكر عن الغوامض والمغاصات، ونحن لم نأل جهدًا نقلًا وتنبيهًا وتخريجًا على الأصول.
٨٤٧٦ - ومما يتصل بهذا المنتهى: أن الزوج لو فرض لها خمرًا برضاها، فالذي ذكره الأئمة يقتضي أن ذلك لغو، وكأن لا فرض، ولا نجعل تسميةَ الخمر في مقام الفرض بمثابة تسميته الخمر [مهرًا] (٢)، فإن قيل: إذا جوزتم تأجيل المفروض، فهلا جعلتم تسميته بمثابة تسميتها (٣) في الإصداق؟ قلنا: لا سواء؛ فإن الخمر إذا [سميت] (٤) في النكاح، فقد قصد العوض، فلم نجد بُدًا من إثبات المهر، فأثبتناه.
وأما الفرض، فليس ينحسم بابُه، فإذا فسد فرضٌ، لغا، وابتُدِىء فرضٌ صحيح، هذا هو الذي لا يجوز غيره.
وكل ما ذكرناه فيه إذا جرى الفرض على التراضي.
_________________
(١) كذا. وهو في مخطوطة ابن أبي عصرون بنفس الألفاظ أيضًا.
(٢) زيادة لإيضاح الكلام.
(٣) تسميتها: الضمير يعود على الخمر.
(٤) في الأصل: سويت.
[ ١٣ / ١١٨ ]
٨٤٧٧ - فأما القول في فرض القاضي؛ فإنما تمس الحاجة إلى ذلك، إذا طلبت وأبى الزوجُ، أو تنازعا في مقدار المفروض، فأما إذا كانا يتراضيان، فلا فائدة في الارتفاع إلى القاضي.
فإذا ثبت ذلك؛ فلو تنازعا، وكانت المرأة لا ترضى إلا بأقصى حقها، فلا يصح الفرض من القاضي، ما لم يكن عالمًا بمقدار مهر المثل؛ إذ إليه الرجوع، وهو منتهى حقها. فإن تراضيا في مجلس القاضي بدون مهر المثل، فالقاضي ليس بفارض، وإنما الفارض الزوجُ برضاها، فإن فوّضا إلى القاضي، فهو في حكم المستناب عن الزوج، وإذا كان النزاع دائمًا، فَفَرْضُ القاضي ثابت أيضًا، ولكنه نيابةٌ قهرية، يُجْريها القاضي [استيفاءً لحقٍّ] (١) من الممتنع عنه.
ولو امتنع الزوج من الفرض، فرضيت المرأة بدون مهر المثل، أو رضيت بأن يكون المفروض مؤجلًا، والتفريع على أن الفرض يقبل التأجيل، فنقول: أما إذا رضيت بالتأجيل، والزوج على إبائه وامتناعه، وكان القاضي يفرض عليه قهرًا، فقد قال المحققون: ليس للقاضي أن يفرضه مؤجلًا، وإن كان الفرض قابلًا للأجل لو صدر من الزوج- على الرأي الأصح؛ والسبب فيه: أن منصب القاضي [يقتضي منه إلزامَ الزوج] (٢) مالًا حاقًّا، انتجزت الطَّلِبة به. فأما إثباته على أجلٍ ومهل، فلا يليق بمنصب الولاة، وليس كما لو كان الفارض الزوج؛ فإن ذلك يجري مجرى العقود والتراضي على ما يتفق به الرضا به. والسلطان قد يبيع مال الطفل بأجل؛ لأن بيعه منوط بالنظر، فإذا رأى الغبطة في التأجيل، أجّل، على شرائط ذكرناها في كتاب الرهون، [وفرضه عن زوج ممتنعٍ استيفاءُ حقٍّ منه] (٣)، ولا يتحقق استيفاء الحق لأجل
_________________
(١) في الأصل: استيفاء الحق.
(٢) عبارة الأصل: " أن منصب القاضي ـعـ ـعـ ـ من الزام العين مالًا حاقًا " هكذا بهذا الرسم وهذا الضبط، والمثبت تصرّفٌ منا. يؤدي المعنى، وإن كان بعيدًا عن ألفاظ الأصل.
(٣) عبارة الأصل: " وفرضه للزوج ممتنع استيفاء حق منه " هكذا بهذا الرسم والنقط. والمثبت تصرف منا بالزيادة والتعديل، وفاءً بما يقتضيه السياق، حيث تعذر علينا إدراك موضع التحريف في ألفاظ الأصل.
[ ١٣ / ١١٩ ]
الامتناع إلا فيما يتَّصف بالحلول، وأيضًا، فالأجل إذا ثبت، فهو حق لمن عليه الحق، وإثبات الحق لناظرٍ [لنفسه] (١) حاضرٍ لا وجه له. فخرج من مجموع ما ذكرناه أن الأجل لا يثبت إلا برضا [الزوجة] (٢) وفي ثبوته [برضاها] (٣) التردد الذي ذكرناه.
فهذا منتهى القول في ذلك.
ثم قال الأصحاب: إذا كانت المرأة لا ترضى إلا بنهاية حقها، فيتعين على القاضي أن يفرض لها مهرَ مثلها، ثم قالوا: لو زاد شيئًا أو نقص، لم يجز إلا القدر اليسير الذي لا يؤبه له، ويسوغ الاجتهاد فيه. ولم يُرد الأصحاب بذلك زيادة محققة أو نقصانًا محققًا، وإنما أرادوا ما يقع التغابن في مثله، ولا يثبت به القول فيه زيادة ولا نقصان. وهذا على التحقيق إيجاب مهر المثل؛ فإن مبلغه مظنون، كما سيأتي في الباب المعقود على أثر هذا الباب، إن شاء الله ﷿.
فرع:
٨٤٧٨ - الأجنبي إذا فرض للمفوضة شيئًا برضاها، وجرى ذلك بينه وبينها، فهل يصح الفرض من الأجنبي؟ ذكر العراقيون وجهين: أحدهما - أنه يصح كما يصح من الأجنبي أداءُ الدين، وإن لم يصدر عن إذن الزوج، فكذلك يصح منه الفرض برضاها. [وهذا المفروض يكون على الأجنبي] (٤)، فإنه لم يُلزم الزوجَ شيئًا.
والوجه الثاني -وهو الأصح عندهم- أنه لا يصح؛ لأنه تصرفٌّ في العقد، وتغيير لصفته.
فإن قلنا: لا يصح، لغا ما كان، ولها مطالبة الزوج بالفرض. وإن صححنا الفرض، سقطت طلبتها عن الزوج، وطالبت الأجنبي بما التزمه.
ثم إذا طلقها الزوج قبل المسيس، فإلى من يرتد النصف المفروض؟ فعلى الوجهين المذكورين إذا تبرع الأجنبي بأداء الصداق، ثم فرض الطلاق.
_________________
(١) في الأصل نفسه، والمثبت من مختصر ابن أبي عصرون.
(٢) في الأصل: الزوج.
(٣) في الأصل: برضاه.
(٤) ما بين المعقفين به تعديل يسير لإقامة العبارة، أما عبارة الأصل، ففيها خللٌ على النحو الآتي: " وهذا والمفروض على الأجنبي، فإنه لم يلزم الزوج شيئًا ".
[ ١٣ / ١٢٠ ]
فصل
٨٤٧٩ - قال الأئمة: ما ذكرناه [قولنا] (١) في التفويض الصحيح، وقد تقدم تصويره، والحكمُ فيه على وجه لم يدخل في إمكاننا أشفُّ (٢) وأفضل منه، وهذا الفصل معقود في التفويض الفاسد.
وفساد التفويض في الغالب يصدر ممن لا يملك التفويض، فإذا كانت المرأة سفيهة، فرضيت أن تزوَّج بلا مهر، فلا حكم للرضا بترك المهر؛ فإذا زوجها وليّها بغير مهر كان كما لو ابتدأ تزويج ابنته بغير مهر، فإذا جرى ذلك، ففي انعقاد النكاح القولان السابقان.
ومما يجب التنبه له في هذا المقام أنها لو أذنت في أن تُزوَّج بلا مهر، وكان النكاح يتوقف على إذنها، فإذا زوّجها الوليّ بالمهر، وظن الفقيه أن النكاح لم يقع على حسب الإذن، فيجب أن لا ينعقد، فقال (٣): يظهر تنزيل هذا منزلة ما لو أذنت في أن تزوج بألف، فزُوِّجت بألفين. ولو جرى ذلك، لانعقد النكاح، وثبت المسمى، فيحمل على رضاها، فنزل المهر على طلب النكاح كيف كان.
وإن هي صرحت باشتراط نفي المهر، وذكرت ما يتضمن خروج النكاح عن موجب إذنها لو زُوِّجت بالمهر، فهذا بمثابة ما لو قال المالك: " بع عبدي هذا بألف ولا تبعه بأكثر منه، فتخالف إذني ". وقد ذكرنا في كتاب الوكالة، فأوضحنا تردد الأصحاب فيه.
وإذا قال: " هب هذا العبد من فلان " فباعه منه، لم يجز؛ لأنه انتقال من صنف من العقود إلى صنف، والنكاح بالمهر والعَرِيُّ منه عن المهر صنفٌ واحد، فكان مشبهًا بما ذكرناه في البيع بأكثر من المقدار الذي سماه الموكِّل.
_________________
(١) في الأصل: قول.
(٢) أشف: أي أفضل، وأوفى، وأتم (المصباح، والمعجم).
(٣) (فقال) أي الفقيه.
[ ١٣ / ١٢١ ]
ومما ذكره الأئمة أن المرأة المطْلقَة (١) في مالها، المالكة للتبرع به، لو قالت لوليها: " زوّجني بما شئت، أو بما أراد الخاطب "، فإن جرى العقد على هذه الصيغة، فقال الولي: زوجتُ فُلانة منك أيها الخاطب بما شئت، فهذا معقود بمهر مجهول، فالرجوع إلى مهر المثل، ولو وقف الولي على المبلغ الذي شاءه الخاطب، ثم أنشأ العقد به، فيجب القطع بصحة التسمية. وذُكر عن القاضي أن هذا مجهول.
وتعلَّق بأن لفظ الإذن على صيغة الجهالة.
وهذا وهم عظيم؛ فإنها فوّضت إلى الولي أن يعقد بما يقدره الخاطب، و[ليس] (٢) من غرضها أن [تُعاد] (٣) صيغة لفظها في العقد، فسبيل التفصيل إذًا ما ذكرناه.
وقد يتجه أن يقال بعد فهم ما ذكرناه من كلامها: إذا عقد النكاح وأعيدت صيغة لفظها، فقال الولي: " زوجتكها بما شئت "، فالنكاح مختلٌّ؛ لأن الولي خالف موجب إذنها، فكان كما لو قالت: " زوجني " فزوجها بأقل من مهر مثلها.
فلو قالت: " زوجني " فزوجها بخمر؛ فالواجب مهر المثل لو قدر انعقاد النكاح [ولكان] (٤) ما جاء به [موجَبَ] (٥) الإذن المحمول على العرف، فليتأمل الناظر ذلك.
ولا ينبغي أن نسرف في [الفرض] (٦) أيضًا. وإذا اتضحت الأصول، لم يخف على الفقيه مُدرك المقصود منها.
ثم قال الأئمة: إذا انعقد النكاح بمهر المثل عند اتفاق تسمية فاسدة، فإذا طُلِّقت قبل المسيس، تشطّر مهر المثل كما يتشطّر المسمى الصحيح، خلافًا لأبي حنيفة (٧)،
_________________
(١) المطلقة: أي غير المحجور عليها.
(٢) زيادة لاستقامة العبارة وصحتها، على ضوء السياق والسباق.
(٣) في الأصل: تغادر.
(٤) في الأصل: ولكن.
(٥) في الأصل: لموجب.
(٦) في الأصل: الطرف.
(٧) ر. حاشية ابن عابدين: ٢/ ٣٣٥.
[ ١٣ / ١٢٢ ]
وإذا جرى في [نكاح] (١) التفويض فرضٌ، ثم طلقت قبل المسيس، تشطر المفروض، وخالف أبو حنيفة (٢) في ذلك أيضًا، واجترأ على ظاهر النص في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقد ذكرنا إطباق المفسرين على حمل هذه الآي على المفوضة. وإذا خلا نكاح التفويض عن الفرض، ثم فُرض الطلاق قبل المسيس، فلا يثبت -وإن فرعنا على أن المهر يثبت بالنكاح مع اشتماله على التفويض- مما ذكره شيخنا أبو محمد غير ملحَق بالمذهب، كما تقدم شرحه، والله أعلم.
_________________
(١) في الأصل: النكاح.
(٢) ر. حاشية ابن عابدين (الموضع السابق).
[ ١٣ / ١٢٣ ]