٨٦٤٨ - مضمون الباب الكلامُ في حق [الزِّفاف] (٢). فنقول: إذا نكح الرجل بكرًا أو ثيّبًا، وعنده زوجات، فتُخَص المزفوفةُ إليه بحقٍّ في العقد غيرِ محسوب في نُوَبِ القَسْم، فإذا انقضى ذلك، كما سنصفه، عاد إلى ترتيب النُّوَب، فإن كانت الجديدة بكرًا، خَصّها بسبع ليالٍ، وإن كانت ثيِّبًا خَصّها بثلاث ليالٍ، ثم لا تحسب السبع والثلاث على الجديدتين، ولا يلزمه قضاؤهما في حقوق المتقدمات.
وأبو حنيفةَ (٣) يجوِّز التخصيصَ، ويُلزم القضاءَ في البكر والثيب. ومعتمد الشافعي ما روي أن رسول الله ﷺ أقام عند أم سلمة لما زُفت إليه ثلاثَ ليال، فلما انقضت، فارقها، فتعلقت برسول الله، فقال ﷺ: ليس على أهلك هوان! إنْ شئت سبَّعتُ عندك وسبَّعت عندهن، وإن شئت ثلّثت عندك ودُرت " (٤). وعن أنس أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "للبكر سبع، وللثّيبِ ثلاث" (٥). فالباب موضوع على الخبرِ، ومقتضاه ما ذكرناه، فللبكر سبعٌ، فإنها نفورةٌ، فلا يزول ما بها من الحشمة والحياء إلَاّ بمدة، والثيِّبُ في ذلك دونها، ثم الرجوع في المقادير إلى التوقيف.
٨٦٤٩ - ثم لو أقام عند الثيِّب سبعًا بطلبها ورضاها، أقام عند كل واحدة من
_________________
(١) في الأصل: " باب الحال التي يحلف فيها منع النساء " والتصويب من المختصر.
(٢) في الأصل: الرقاب.
(٣) ر. مختصر الطحاوي: ١٩٠، ومختصر اختلاف العلماء: ٢/ ٢٩٥ مسألة رقم: ٧٨٥.
(٤) رواه مسلم: ٢/ ١٠٨٣ كتاب الرضاع، ح ١٤٦٠، ومالك في الموطأ: ٢/ ٥٢٩ كتاب النكاح رقم ١٤، وانظر التلخيص: ٣/ ٤١٠، ح ١٧١٨.
(٥) حديث أنس أخرجه البخاري: كتاب النكاح، باب إذا تزوج الثيب على البكر، ح ٥٢١٤، ومسلم: ٢/ ١٠٨٤، كتاب الرضاع، ح ١٤٦١، وانظر التلخيص: ٣/ ٤١٠ ح ١٧١٧.
[ ١٣ / ٢٥٩ ]
صاحباتها سبعًا سبعًا، وبطل حقُّ اختصاصها بحق العقد. وإن أقام عندها ثلاثًا، لم يقض الثلاث.
وإن أقام عندها سبعًا من غير طلبها، لم يبطلُ اختصاصُها بالثلاث، ولم يقض لصواحباتها إلا الأربع الزائدة على مقدار حقها، والتعويل فيما ذكرناه على الخبر، فإنه قال ﷺ: "إن شئت سبَّعت لك وسبعت لهن -وهذا تصريح بقضاء السبع- وإن شئت ثلثت عنك ودُرت". معناه: عدت في الأدوار إلى أحسابها، ولم أقض الثلاث. وإنما قال هذا، إذ طلبت منه أم سلمة أن يقيم، فإذا لم يكن منها طلب، لم يملك الزوج إبطالَ حقِّ عقدِها بإطالة المقام عندها.
وذكر الأصحاب لِمَا ذكرناه من بطلان حقِ العقد نظيرًا، وفي ذلك النظير كلامٌ، ولكنا نذكره، قالوا: لو قطع الجاني يدَ إنسانٍ من المرفق، فقطع المجنيُّ عليه يدَه من الكوع في القصاص، فليس له حكومة في الساعد؛ فإنه قَطَعَ ما لم يكن له قَطْعُه، وعدل عن حقه. وكذلك الثيب إذا عدل عن حقها إلى ما هو حق غيرها.
٨٦٥٠ - ولو أقام عند البكر أكثرَ من سبع، لم يقض لضراتها إلَاّ مقدار الزيادة.
ولسنا نفي بمعانٍ جامعة فارقة، وإنما ندور على مقتضى الخبر، فإذا لم نجد متعلقًا فيه، رجعنا إلى التمسك بالقياس. ومن القياس الجلي ألَاّ يبطل حقُ صاحبِ الحقِ إذا أخذَ أكثرَ من حقه، فأجرينا الزيادةَ على حقِّ البكرِ على هذا القياس، وتركنا ما ذكرناه في حق الثيب من بطلان حقها -إذا طلبت الزيادةَ وأُجيبت- على موجب الخبر.
٨٦٥١ - ولو طلبت الثيب أن يقيم عندها خمسَ ليال، فهل يبطلُ حقُها بهذا المقدار من الزيادة أو بما دونها؟ أم يتوقف بطلانُ حقِها في الثلاث على أن تطلب السبعَ أم ببعض هذا؟ لم أرَ فيه نصًا، وفي المسألة احتمال تشيرُ إليه الترديداتُ التي ذكرناها.
٨٦٥٢ - ومما يتعلق بالباب أنَّ المنكوحةَ إذا كانت أَمَة؛ فكيف القول في حق عقدها إذا زُفت؟ اختلف أصحابنا في المسألة، فمنهم من قال: هي كالحرة، وإن كانت (١) أعلى منها في القسم المستمر في دوام النكاح؛ لأنَّ حقَّ العقدِ لغضِّ الحياء وكسر
_________________
(١) وإن كانت أعلى: المراد الحرة.
[ ١٣ / ٢٦٠ ]
الحشمة، وهذا يرجع إلى الجِبلَّة، وما يتعلق بالجبلات من المُدد لا يختلف بالرق والحرية [ولذا لم يتطرق إليه فرقٌ في مدة العُنَّة والإيلاء] (١) وفيما ذكرناه احتراز عن العدّة.
ومن أصحابنا من رأى تنصيف حق العقد بالرق؛ فإنَّ هذا على مضاهاة القَسْم، وإن اختص بمزيد غرض، فإلحاقه بقاعدة القَسْم أولى.
فإنْ فرعنا على هذا الوجه الأخير، فلا وجه إلَاّ التنصيف، فللأَمَةِ البكر ثلاثُ ليال ونصف، والأيام على حسب ذلك، وللأَمَةِ الثيب ليلةٌ ونصف، والأيام كما ذكرناه، وليس ذلك كالأقراء، فإنَّا لا نثبت للأَمة في العدة قرءًا ونصفًا؛ فإنَّ القروء لا تتبعض، والليلة تتبعض.
فإن قيل: أليس تردَّدَ الأصحاب في الاعتداد بالأشهر، فقال قائلون: تعتد الأمة بشهرين، قلنا: سبب ذلك أنهم رأوا الأصل الأقراء، فأثبتوا شهرين في مقابلة قرأين.
والأصح أنَّ اعتداد الأمة بشهر ونصف. وهاهنا قطعوا بالتنصيف؛ إذ لا أصل يمتنع التبعيض فيه.
٨٦٥٣ - ثم قال الشافعي: "ولا أحب أن يتخلف عن صلاة ولا عن شهود جنازة إلى آخره" (٢).
أراد بهذا أنَّ الزوج في إقامته أيام الزفاف عند زوجته ينبغي أن لا يترك إقامة الجماعات والخروج لها، وهذا إنما ذكره الشافعي على ظهوره؛ لأنَّ أهل الحجاز يعتادون لزومَ بيت العرس إلى انقضاء أيامٍ، لا يرون البروز فيها، فأبان أنَّ تلك العادة لا أصل لها.
_________________
(١) عبارة الأصل: "وإذا لم يتطرق إليه بعد المدة العُنَّة والإيلاء" والمثبت تصرف من المحقق.
(٢) ر. المختصر: ٤/ ٤٥.
[ ١٣ / ٢٦١ ]