٨٦٨٠ - الأحوال الدائرة في هذه الفنون بين الزوجين تنقسم ثلاثة أقسام: أحدها - أن يصدر العدوان من الرجل في إيذائها والإضرار بها، فإذا تحقق ذلك منه، منعناه من الإضرار، واستوفينا منه ما يمتنع عنه من الحقوق، وإن كان جسورًا لم نأمن أن يضربها ضربًا مبرِّحًا، وقد يفضي ذلك إلى هلاكها، فنحول بينها وبينه؛ فإنَّا إنْ ضربناه لضَرْبه إياها تعزيرًا، فقد يضم لذلك [حنقًا] (١) ويبلغ منها مبلغًا لا يستدرك.
ثم إذا استشعر الوالي ذلك وضَربَ الحيلولة، لم يردّها إليه حتى تلين عريكتُه، وتظهر عاطفته، وذلك لا يتبين بقوله، وإنما يتضح بأن يُختبرَ ويوكلَ به في السر من يبحث عن مكنون ضميره فيها، فإذا غلب على الظن أنه مأمون في حقها رُدَّت إليه، وهذا يُضاهي البحثَ عن الإعسار وغيره من الأمور الباطنة المتعلقة بالنفي، ويتصل به استبراؤنا الفاسقَ إذا تاب.
وإن لم يتحقق إيذاؤه إياها، بل ظننا ذلك ظنًا، فالوجه أن يأمر الحاكم من يراقبهما في السر والعلن، ولا يشترط أن يتحقق ذلك، ولا يضرب القاضي حيلولة بينهما بمجرد الظن إذا لم تبدر منه بادرة، فإذا بدرت، فقد يديم الحيلولة إلى ظهور الظن بالأمر، وإذا تحققنا الإضرار بها، فليس إلَاّ الحيلولة، فأما إلزام الطلاق، فلا.
٨٦٨١ - وإن تحقق العدوان منها، فهو النشوز، وقد مضى فيه باب، وإن توهمنا نشوزًا، فلا يدَ للقاضي، ويدُ الزوجِ متسلطة عليها، فإن بلغ الأمرُ مبلغًا يُعجز الزوجَ، استعان بالسلطان.
_________________
(١) في الأصل: حقًا.
[ ١٣ / ٢٨٠ ]
٨٦٨٢ - وإن نشبت خصومة بين الزوجين، وأشكل الأمر، فلم ندر من (١) الظالم منهما؟ وكان الزوج لا يصفح، والمرأة لا تفتدي، واشتبه حال الزوجين، فهذا موضع بعثة الحكمين، فيبعث الإمامُ حكمين عدلين حَكَمًا من أهله، وحَكَمًا من أهلها، حتى يخلوَ كل واحد من الحَكَمين بصاحبه، فيستطلعَ رأيه، ويعرفَ مكنونَ غرضه، ورغبته في صاحبه أو عنه، ثم [يلتقيان] (٢)، ويُثبتُ كلُّ واحد ما عنده؛ وإنما استحببنا أن يكونا من الأهلين؛ لأن انبساطهم أكثر، واطلاعهم على حقائق الأمور أمكن.
فهذا تصوير بعثة الحكمين.
والأصل في الباب نص الكتاب لقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]، [وفي الآية] (٣) وجهان من التأويل. قيل: معناه إن [يُرد] (٤) الزوجان إصلاحًا، يوفق الله بينهما.
وقيل: معناه إن يُرد الحكمان إصلاحًا وجرَّدا قصدَهما في ذلك يوفق الله بين (٥) الزوجين ببركةِ قصدِهما. وهذا ما فهمه عمرُ من الآية (٦)، فروي أنه بعث حكمين فرجعا، وقالا: لم يتم الأمر بينهما، فَعَلَاهُمَا بالدِّرةِ وقال: "الله أصدقُ منكما، لو أردتما إصلاحًا، لوفَّق الله"، فرجعا واعتقدا إصلاحًا، فلما بلغا مكانهما، كانا قد أغلقا الباب [وتلاوما] (٧) واصطلحا (٨).
٨٦٨٣ - ثم [إن] (٩) اتفق التئام الحال واصطلاح الزوجين، فذاك.
_________________
(١) في الأصل: أن.
(٢) غير مقروءة في الأصل، لذهاب معظم حروفها، وقدرناها على ضوء السياق.
(٣) زيادة اقتضاها السياق.
(٤) في الأصل: يريد.
(٥) في الأصل: يوفق الله ذلك بين الزوجين.
(٦) في الأصل: الأئمة.
(٧) مكان كلمة ذهب بها التصوير من طرف السطر.
(٨) أثر عمر ﵁ لم نصل إليه.
(٩) زيادة من المحقق اقتضاها السياق.
[ ١٣ / ٢٨١ ]
وإن [رأيا] (١) الحال بينهما [أبعد] (٢) عن قبول الصلاح ورأيا الخصومة [ناشبة] (٣) لا تنفصل، وظنا أن الوجهَ التفريق [بينهما] (٤)، فهل ينفذ الفراق بينهما إذا رأياه؟ للشافعي قولان في أن التحكيم من الولي [تولية] (٥) أو هو توكيل من الزوجين، أحد القولين- أنهما وكيلان لا ينفذان أمرًا إلا [برضا] (٦) الزوجين، فالذي هو من جانب الزوج وكيله لا يطلِّق ولا يخالع ولا [يثبت أمرًا بغير] (٧) إذن الزوج، والذي من جانب المرأة لا يختلع عن المرأة بشيء من مالها إلا بإذنها.
وهذا [أحد] (٨) القولين، وهو اختيار المزني، ووجهه أن الطلاق للرجال، ولا يتعلق به تصرف [متبرع] (٩) دون الزوج، إلا في حق المولَّى كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-. وهو في حكم [المستثنى] (١٠) المخصوص الذي لا يقاس عليه، هذا في جانب الطلاق.
أما بذل مالها من غير [إذنها] (١١) [بطلقة] (١٢) فعلى نهاية البعد عن قاعدة القياس.
٨٦٨٤ - ومن قال بالقول الثاني قال: للحكمين أن يفرقا [إن] (١٣) رأيا التفريق،
_________________
(١) في الأصل: رأينا.
(٢) تقدير من المحقق، حيث ذهب التصوير بأطراف السطور.
(٣) في الأصل: ناشئة.
(٤) تقدير منا مكان كلمة ذهبت من طرف السطر.
(٥) تقدير منا مكان كلمة ذهبت.
(٦) اختيار من المحقق بدلًا من كلمة سقطت.
(٧) كذا قدرناها مكان كلمة غير مقروءة، وأخرى ذهبت من طرف السطر (انظر صورتها، وغيرها من الكلمات التي قدرناها في هذه الصفحة).
(٨) تقدير منا مكان ما ذهب.
(٩) كذا قرأناها على ضوء ما بقي من أطراف الحروف.
(١٠) تقدير منا مكان الساقط.
(١١) تقدير منا مكان الساقط.
(١٢) في الأصل: مطلقة.
(١٣) اختيار من المحقق.
[ ١٣ / ٢٨٢ ]
وهو الذي نصّ عليه في أحكام القرآن (١)، واحتج بأن الله تعالى سماهما [في كتابه] (٢) حكمين، والحكم هو الذي يحكم وينفذ ما يراه قهرًا، ووكيلا الزوجين لا يسميان [حكمين] (٣). فإن قيل: قيَّد اللهُ تنفيذَ الأمرِ بإرادتهما، قال: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ [النساء: ٣٥]، قلنا: إن حملناها على الحكمين، سقط السؤال، وإن حملنا قوله: ﴿إِنْ يُرِيدَا﴾ على الزوجين فالمعنى: إن [لاحت] (٤) إرادةُ الصلاح مِن الزوجين، وفّق الله (٥) بينهما.
وعن علي أنه بعث الحكمين بين [الزوجين] (٦) وقال: "أتدريان ما عليكما، ما عليكما إن رأيتما أنْ تُفَرِّقا أَنْ تُفرقا، وإن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا [قالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما عليّ فيه ولي] (٧)، فقال الزوج: أمَّا الطلاق فلا، فقال عليٌّ: كذبت حتى تقر [بما أقرّت به] (٨) " (٩). ووجه التعلق بقول علي: أتدريان
_________________
(١) الذي في أحكام القرَان للشافعي يؤيد القول الأول ونص عبارته: " بعث حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، ولا يبعثهما إلا مأمونين وبرضا الزوجين. ويوكلهما الزوجان بأن يجمعا أو يفرّقا إذا رأيا ذلك. ثم قال: ولو قال قائل: يجبرهما السلطان على الحَكَمين كان مذهبًا" (أحكام القرَان: ١/ ٢١٢، ٢١٣، والأم: ٥/ ١٠٣، ١٠٤) هذا ولم نجد فيما رأينا من كتب المذهب من عزا الأقوال إلى كتب الشافعي إلا الرافعي، فقد عزا القولَ الثاني إلى (الإملاء) وليس إلى (أحكام القرآن) فلعل في الكلام سبق قلم أو وهمًا. (الشرح الكبير: ٨/ ٣٩١).
(٢) اختيار من المحقق.
(٣) تقدير منا على ضوء السياق.
(٤) تقدير منا على ضوء السياق.
(٥) في الأصل: يوفق الله ذلك بينهما.
(٦) تقدير منا.
(٧) هذه الزيادة من نصّ رواية الشافعي في الأم.
(٨) غير مقروء في الأصل، وأثبتناه من رواية الأم.
(٩) حديث علي بهذه السياقة وبهذه الألفاظ، هو نص ما رواه الشافعي في الأم: ٥/ ١٧٧، إلا أن إمام الحرمين قدّم " إن رأيتما أن تفرقا " على " إن رأيتما أن تجمعا " ورواه أيضًاً النسائي في الكبرى: ح ٤٦٧٨، والدارقطني: ٣/ ٢٩٥، ح ١٨٩، والبيهقي: ٧/ ٣٠٥، ٣٠٦، وعبد الرزاق: ٦/ ٥١٢، رقم: ١١٨٨٥، ١١٨٨٧، وانظر تلخيص الحبير: ٣/ ٤١٤ ح ١٧٢٣.
[ ١٣ / ٢٨٣ ]
الحديث، [أنه] (١) فوض الفراق إلى [رأي الحكمين] (٢) ولما قال الزوج: أمَّا الطلاق فلا، رد عليٌّ عليه وقال: كذبت. فما معنى تكذيبه؟ لعله أبدى في الابتداء رضًا بما يستصوبه الحكمان، ثم رجع عنه، [فكان] (٣) ذلك [منه] (٤) خُلْفًا في الوعد فورد التكذيب عليه.
وإنْ تعلَّق ناصرُ هذا القول بأنَّ [الضرر] (٥) مدفوع، ولسنا نرى للخصومة [الناشبة] (٦) الملتبسة مدفعًا، وترك النزاع [والشقاق] (٧) (٨) يخالف مبنى الشرع، فهذا كلام كلي لا يتعلق به على السداد غرض جزئي في محل النزاع.
والذي يقتضيه القياس تقرير النكاح وضرْب الحيلولة بينهما؛ حتى لا يتنازعا.
ولا معتمد لهذا القول إلَاّ التمسك بظاهر القرآن والأثر.
التفريع على القولين:
٨٦٨٥ - إن قلنا: الحكمان كالوكيلين، فسيأتي -إن شاء الله تعالى- تفريعُ القول في الوكالة في الخلع والطلاق، والفدر الذي ننجزه لإيضاح التفريع: أنَّا إذا جعلنا الحكمين في منزلة الوكيلين، فإذا لم يجر من الزوجين توكيل، فليس إليهما من الأمر شيء، إلَاّ التفقد والبحث عن محل اللبس، حتى يتبين للقاضي الظالمُ منهما من المظلوم، ثم مضى حكم الإنصاف (٩) والانتصاف.
ولو وكَّلَا ثم عَزَلا، أو عزل أحدهما، انعزل المعزول، ولو جُنَّا أو جنَّ أحدهما،
_________________
(١) في الأصل: وأنه.
(٢) تقدير منا مكان الساقط.
(٣) في الأصل: وكان.
(٤) اختيار منا مكان الساقط.
(٥) اختيار منا مكان الساقط.
(٦) في الأصل: الناشئة.
(٧) تقدير منا.
(٨) هنا خلل في ترتيب صفحات الأصل. ولذا سننتفل إلى ص ٢٠٠ ش.
(٩) في الأصل: حكم في الإنصاف والانتصاف.
[ ١٣ / ٢٨٤ ]
فمن جُنَّ ارتفع التوكيل في حقه، وإذا أفاق عن الجنون، فالتوكيل زائل، فإن أراد أن ينفذ أمرًا، فليبتدىء توكيلًا.
٨٦٨٦ - وإن فرَّعنا على القول الثاني، وجعلنا ابتعاث السلطان تحكيمًا، فلهما أن ينفذا ما يريان الصلاحَ فيه، فإنْ رأيا الطلاقَ، طلَّقَا على السخط من الزوج.
وذكر الأئمة أنهما يختلعان المرأةَ بشيء من مالها، وإنْ لم ترض. وهذا متفق عليه في التفريع على هذا القول.
فإن أنكر مُنكر بذلَ مالِ مطلقة في الافتداء بغير إذنها، فهو كتطليق زوجة إنسان من غير إذنه، والأموال قد تدخل تحت الحجر، والطلاق لا يدخل تحت الحجر، فإذا احتكم الحَكَمُ في الطلاق، لم يبعد فرض الاحتكام على مال الزوجة في طلب الصلاح.
٨٦٨٧ - ثم نتكلم وراء هذا في أمور مهمة بها تمام البيان، فنقول أولًا: نصُّ القرآن مشعر ببعثه الحكمين، وهذا فيه تأمل على الطالب، فإنَّا إن اعتقدنا التحكيم [منهما في مرتبة] (١) الولاية، فالعدد يبعد اشتراطه في الوالي، وإن نزّلناهما منزلة الوكيلين، فالعدد ليس بشرط أيضًا، وسنذكر في وكالة الخلع -إن شاء الله تعالى- أنَّ الشخصَ الواحدَ يجوز أن يكون وكيلًا في الخلع من الجانبين على أحد الوجهين، فإن كان يتجه رعاية العدد على قول التوكيل عند مسيس الحاجة إلى الخلع، فيلزم من مساق هذا الاكتفاءُ بوكيل من جانبه إذا كانت هي تختلع بنفسها.
فإذا جعلنا ذلك تحكيمًا، ففي المسألة احتمال ظاهر، يجوز أن نتبع القرآن ولا نعقد لظاهره تأويلًا، ونشترط حكمين، ويجوز أنْ نحملَ العدد على الاستحباب، بدليل اتصاله بوصفٍ ليس مشروطًا، وهو قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِهِ﴾. ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] وهذا مستحَب غيرُ مستحَق إجماعًا. وقد يشهد للاكتفاء بالحاكم الواحد حديثُ حبيبة (٢) بنت سهل، فإنَّ الرسول قطع النكاح بينهما بتًّا لما اطلع على
_________________
(١) في الأصل: فيهما ومرتبة.
(٢) حبيبة بنت سهل الأنصارية هي زوجة ثابت بن قيس التي اختلعت منه فيما يرويه أهل المدينة،=
[ ١٣ / ٢٨٥ ]
أمرهما، كما سنذكر ذلك في صدر كتاب الخلع -إن شاء الله ﷿-، ويقوى التمسك بتلك القصة في تنفيذ الطلاق حكمًا وفي [الاتحاد] (١) الذي أشرنا إليه، والله أعلم.
٨٦٨٨ - ومما يجب النظر فيه أنَّ الحكمين ينبغي أن يكونا على عقلٍ ودراية واستقلال بالاطلاع على خفايا الأمور، هذا لا بد [منه] (٢).
والعدالة لا شك مشروطة، فلا ثقةَ بمن يخون نفسَه ودينه.
ثم لم يشترط أحدٌ من أصحابنا أن يكونا مجتهدين، وكيف سبيل اشتراط ذلك؟ وقد لا يتصدى للفتوى في سعةِ رقعة إقليم إلَاّ الشخص الواحد، فكيف نرقبُ مجتهدًا من أهله ومجتهدًا من أهلها.
ولكن لا بُدَّ أن يكونا عالمين بحكم الواقعة، فالعقل يرشدهما إلى وجه الرأي والتحويم على الأسرار والخفايا، وحكم الواقعة تقريرٌ أو تفريقٌ على حسب الاستصواب.
وينشأ من هذا أنَّ الحاكم إذا ولّى حاكمًا، وكان ما يتعلق به أمورٌ خارجة عن الضبط والنهاية، فلا بد من كون مولاّه مجتهدًا؛ فإنه بالإضافة إليه بمثابته بالإضافة إلى الإمام الأعظم، فأمَّا إذا كان الحاكم خاصًا، فلا يشترط الاجتهاد من المحكّم، ويشهد له الحكمان، وهذا رمز إلى مراتب الولاة، وسنأتي فيها بالعجائب والآيات في أدب القضاء، إن شاء الله ﷿.
فالذي تَنَخَّلَ من مجموع ما ذكرناه القول في العدد وصفة الحَكَمَيْن.
٨٦٨٩ - ثم قال الأئمة: لا يبعث الحكمين بمبادىء الشر والشقاق، حتى يظهر
_________________
(١) =وسيأتي حديث ثابت بن قيس قريبًا، في أول الخلع. (ر. الإصابة: ترجمة حبيبة بنت سهل).
(٢) غير مقروءة في الأصل. (انظر صورتها) وهذا تقدير منا.
(٣) في الأصل: فيه.
[ ١٣ / ٢٨٦ ]
التشاتم والتواثبُ والأمورُ المستكرهةُ المنكرة، وتنشب الخصومة على [التباسٍ] (١) لا يُفك ولا يُدرك في ظاهر الأمر.
ثم إذا كان رأي الحكمين أن يُفَرِّقا، فالتفريق يقف على استدعائهما، وإن كانت هي [المعنة] (٢) فهذا ما يجب الوقوف عليه.
ثم إنْ قدرناهما وكيلين، لم يقف نفوذ حكمهما على حضور الزوجين، قياسًا على تصرف الوكلاء. وإذا جعلناهما حَكَمين وقد اطلعا على حقيقة الحال، فلو رأى الحكمان الطلاق، فغاب الزوجان، فهل ينفذ تطليقهما مع قطعهما بشكايتهما؟ اختلف أصحابنا في المسألة، فمنهم من قال: لا يشترط هذا والمتبع الصواب الذي يريانه.
ومنهم من قال: لا قطع إلَاّ إذا كانا مكبين على الشكاية، ولا يشترط أحدٌ استدعاء الطلاق والاختلاع؛ فإن هذا لو شرط، فهو تنفيذ الفراق على حسب إذنهما، بل يكفي قيام الشكاية.
٨٦٩٠ - ولو تراضيا وأظهرا الوفاق، فقال الحكمان: إنهما لا يفيئان، وسيرجعان إلى التنازع الذي ألفناه منهما مرارًا، فلا تعويل على هذا، ولا سبيل إلى [الفراق] (٣).
٨٦٩١ - فالأحوال إذًا ثلاثة: إحداها - إبداء الوفاق، فلا فراق معه. والثانية - في إدامة [التلاوم] (٤) والتخاصم، عند ذلك للحكمين أنْ يُطلّقا إذا رأيا.
والحالة الثالثة - أن [يغيبا] (٥) بعد الشكاية أو يسكتا مع الحضور، وفيه التردد، والمسألة فيه إذا راجعهما الحكمان فآثرا السكوت.
_________________
(١) في الأصل: القياس. وهو تصحيف سخيف أرهقنا أيامًا حتى ألهمنا الله الصواب.
(٢) كذا بهذا الرسم والنقط. ولم أعرف لها وجهًا، مع طول البحث والمعاناة.
(٣) مكان كلمة ذهبت فيما ذهب من أطراف السطور.
(٤) مكان كلمة غير مقروءة.
(٥) في الأصل: يُعينا (بهذا الرسم وهذا الضبط).
[ ١٣ / ٢٨٧ ]
فصل
قال: "ولو استكرهها على شيء أخذه منها إلى آخره " (١).
٨٦٩٢ - هذا الفصل من مسائل الخلع، ولكنه اتصل بتنازع الزوجين [بأخراه] (٢).
وصورة المسألة: أنَّ المرأةَ إذا قبلت الطلاقَ على مالٍ في ظاهرِ الحال، ثم ادعت [على] (٣) الزوج أنه يلزمه ردُّ ما أخذ منها؛ لأنها كانت مُكرهة على الاختلاع، والزوج [ساكت] (٤)، وأقامت بيِّنة على الإكراه، وإنما فرضنا سكوته لغرض [يبين] (٥). قال: فالمال مردود عليها، والطلاق يُحكم بوقوعه رجعيًا؛ لأنه لم يقر بطواعيتها.
ويمكن فرض المسألة فيه إذا كانت الدعوى على الوكيل من جهة الزوج، فأنكر الطواعية (٦) [فالزوج] (٧) لا يلزمه حكم إنكار الوكيل، وهذا فيه إذا قامت بيِّنةٌ على إكراهها على الخُلع قصدًا.
فأمَّا إذا لم يكرهها على الخلع ولكن [كان] (٨) يُسيء العشرةَ معها، ويؤذيها بالمشاتمةِ والضرب، فلو اختلعت وزعمت أنها كانت تبغي الخلاصَ من أذى الزوج، فلا يكون هذا إكراهًا، وإن كان ما يجريه الزوج من الضرب لو خوَّف المرأةَ به، لكانت مُكرهةً، وهذا بيِّن. وستأتي حقيقة هذه المسألة في كتاب الخلع، إن شاء الله ﷿ (٩).
_________________
(١) ر. المختصر: ٤/ ٥٠.
(٢) كذا قدرناها على ضوء ما بقي من أطراف الحروف.
(٣) تقدير منا على ضوء السياق، وما بقي من أطراف الحروف.
(٤) تقدير منا على ضوء السياق، وما بقي من أطراف الحروف.
(٥) في الأصل: تبين.
(٦) عبارة الأصل: فأنكر واذكر الطواعية.
(٧) تقدير من المحقق.
(٨) زيادة اقتضاها السياق.
(٩) انتهى هنا الجزء العاشر، الذي اعتمدناه هنا أصلًا (نسخة وحيدة) من أول (باب الاختلاف في=
[ ١٣ / ٢٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) =إمساك الأواخر) وجاء في خاتمة هذا الجزء ما نصه: تم الجزء العاشر من نهاية المطلب في دراية المذهب. يتلوه الجزء الذي يليه -إن شاء الله تعالى- كتاب الخلع. والحمد لله أولًا وآخرًا وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلم تسليمًا. فرغ من نسخه عبد الصمد بن مرتضى بن رحمة بن رفاعة الكندي بتاريخ العشر الأول من شعبان المكرم سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
[ ١٣ / ٢٨٩ ]