٨٥٠١ - نقل المزني عن الشافعي مسألتين متشاكلتين في الصورة، وأجاب فيهما بجوابين مختلفين، ونحن ننقل لفظيهما. قال: قال الشافعي: " وإذا عقدَ النكاحَ بألف على أن لأبيها ألفًا، فالمهر فاسد؛ لأن الألفَ ليس بمهرٍ [لها] (١)، ولا بحقٍّ له باشتراطه إياه.
ولو نكحَ امرأةً على ألف، وعلى أن يُعطي أباها ألفًا، كان جائزًا، ولها منعه وأخذها (٢) منه، [لأنها هبةٌ لم تقبض،] (٣) أو وكالة " (٤)
هذا لفظ [السواد] (٥). وليس يخفى تشاكل (٦) المسألتين في التصوير. وجوابه في الأُولى: إنَّ المهرَ فاسدٌ. وجوابه في الثانية: إنَّ ذلك جائزٌ. وقد اختلف أصحابنا مذهبًا، فنذكر اضطرابَهم في المذهبِ أولًا، ثم نرجع إلى (السواد).
فمن أصحابنا من قال: إذا عقد النكاح بألف على أنَّ لأبيها ألفًا، فالمهر فاسد، كما نَصَّ عليه. َ والمسألة مفروضة فيه إذا كان عقدُ النكاح على اللفظ الذي صورناه.
ولو قال: نكحتُها على ألفٍ، وعلى أن أُعطي أباها ألفًا، فالمهر فاسدٌ أيضًا؛ إذ لا فرق أن يقول: على أنَّ لأبيها ألفًا، وبين أن يقول: على أن أعطي أباها ألفًا.
_________________
(١) في الأصل: " له ". والتصويب من المختصر.
(٢) وأخذها: أي الألف.
(٣) في الأصل: لأنه لم يقبض.
(٤) ر. المختصر: ٤/ ٣٢.
(٥) في الأصل: " الشواذ ". وهو تصحيف بالنقط. وتكرر هذا اللفظ مرارًا (بالسين المهملة، والدال المهملة كذلك) وقلنا: إن معناه: مختصر المزني. فهذا اسمه الذي يطلقه عليه الإمام، وهو وارد في الاستعمال الفصيح بمعنى الأصل أو المتن، ولكنه غير منصوص في المعاجم.
(٦) تشاكل: أي تشابه.
[ ١٣ / ١٤٢ ]
فأما إذا قال: نكحتها على ألفين، على أنْ أُعطي أباها ألفًا، فهذا فيه نظر، فإنْ قال: ذلك بأمرها وإذنها، فلا يبعدُ تصحيحُ المهرِ. فكأنه أصدقَها مِقْدارًا صحيحًا، وضم [إليه] (١) التزام عملٍ لها، قريب المأخذ (٢).
ثم هي -كما قال الشافعي-: واهبةٌ، أو واعدة، أو موكِّلة بالهبة، والنظر في ذلك مجتمِع غيرُ منتشر.
ولو شرط الزوجُ عليها أن تهب من أبيها ألفًا، فهذا فاسد مفسد؛ فإنه ملَّكَها وحَجَر عليها. ثم ما ذكره هذا القائل لا يختص بألف من ألفين يذكرهما، بل لو أصدقها ألفًا على أن تسلمه إلى أبيها على التأويل الذي ذكرناه، فالجواب كما ذكرناه.
هذه طريقة.
ومن أصحابنا من قال: في المسألة قولان. وقد نقلهما المزني في مسألتين متشاكلتين، بين لفظيهما أدنى تفاوت، وقد مضت صورةُ المسألتين. فأحد القولين: إنَّ المهرَ يفسدُ، وتوجيهه بَيِّنٌ، فإنه شَرَطَ شيئًا في العِوض لغير المستحِق في العقد، فكان كما لو اشترى شيئًا وشَرَطَ شيئًا في معرض الثمن لغير البائع. والقول الثاني -وهو المنصوص عليه في القديم- إنَّ المهرَ يصحُّ، وتستحق المرأةُ الألفين. وهذا القائل يقول: ذَكَر الزوجُ الألفين في لفظين وأثبتهما لأجلها، وكانا حقَّها، وإن أضاف أحدَهما إلى أبيها. وهذا بعيد جدًا لا اتجاه له في وجه من الرأي.
٨٥٠٢ - فإذا ثبت ترتيب المذهب؛ فالذي ذكره المزني مشكلٌ في المسلكين. أما على الطريقة الأولى، فلا شك في اضطراب المسألة الثانية؛ فإنه لم يقل فيها: أصدقتك ألفين، بل أضاف إليها ألفًا، وأضاف الألف الآخر إلى أبيها. ولا فرق بين
_________________
(١) في الأصل: " السه " كذا بهذا الرسم والنقط.
(٢) عبارة العز بن عبد السلام عن هذه المسألة: " فإن قلنا بالطريقة الأولى (يعني بطلان الصورتين الواردتين في مختصر المزني) فأصدقها ألفًا أو ألفين على أن يعطي أباها ألفًا بإذنها، فلا يبعد التصحيح لأنه التزم المال والعمل الذي هو الدفع إلى الأب. (ر. الغاية في اختصار النهاية ج ٣ لوحة رقم ١٠١ يمين).
[ ١٣ / ١٤٣ ]
أن يضيفه بقوله: على أن أعطي أباها ألفًا، [وبين قوله: على أن لأبيها ألفًا] (١).
والنصان أيضًا على الطريقة الثانية مضطربان؛ فإنه لم ينبه فيهما على القولين، وأعجب من ذلك كله أنه (٢) لم يتعرض للكلام على النصين، ولو استرسل في الاعتراض بخيال يتخيله على بعد (٣).
[وأما الطريقة الثالثة] (٤): طريقة القولين، [فمسلك] (٥) التصحيح على غاية البسط (٦) [؛ لأن] (٧) الزوج لا يضيف إلى أبيها ما يضيف إلَاّ تشبيهًا، وهذا يتضمن إثبات الألفين جميعًا لأجلها، فكان هذا بمثابة إضافة الألفين إليها. وهذا القياس يقتضي أن نُجري القولين في البيع لو تصور بالصورة التي ذكرناها في النكاح.
وسمعت شيخي يحاول تقرير المسألتين، ويتكلف الفرق بينهما، ويقول: لفظ العقد في المسألة الأولى: " أن يقول: نكحتها بألف على أنَّ لأبيها ألفًا "، يتضمن (٨) تمليك الأب الألف في وضع العقد؛ فكان ذلك فاسدًا. وإذا قال: أصدقتكِ ألفًا على أن أُعطي أباكِ ألفًا، فمن حمل الإعطاء على التسليمْ، والملك في المعطَى للمرأة، فليس لفظ العقد تمليكَ الألف للأب.
وهذا تكلف لا نتحصل منه على طائل؛ فإنَّ الألف الثاني إذا لم يضف إليها، فقد تخبط اللفظ فيه، ثم " أُعطي " (٩) المقرون بـ " على " للتمليك، وستأتي -إن شاء الله تعالى- مسائلُ الخلع شاهدة على ذلك.
_________________
(١) زيادة من المحقق.
(٢) أنه لم يتعرض للكلام على النصين: المراد المزني؛ فإنه أورد النصين في المختصر ولم يتكلم عليهما.
(٣) هنا بياض بالأصل قدر أربع كلمات. ولذا لا نجد جواب (لو) في قوله: " ولو استرسل ".
(٤) ما بين المعقفين زيادة من المحقق على ضوء السياق، ولا يستقيم الكلام بدونها.
(٥) في الأصل: فسلك.
(٦) غاية البسط: أي غاية الوضوح.
(٧) في الأصل: والآن.
(٨) في الأصل: ويتضمن. (بزيادة الواو).
(٩) ثم اعطي المقرون بعلى: المعنى أن لفظ أُعطي إذا اقترن بلفظ (على) كان مفيدًا للتملك.
[ ١٣ / ١٤٤ ]
ولو قال: اشتريت منك هذا العبد على أن أعطيكَ ألفًا، كان ذلك بمثابة ما لو قال: اشتريت منك هذا العبد بالألف.
فلا وجه عندنا إلا الجري على الطريقة الأولى (١)، وحمل الخلل على النقل؛ فإنه على كل وجه مختل.
فصل
قال: " ولو أصدقها ألفًا على أنَّ لها أن تخرج، أو على ألَاّ يخرجها من بلدها إلى آخره " (٢).
٨٥٠٣ - قال الأئمة: الشرائطُ في النكاح قسمان: شرطٌ يقتضيه مُطلقُ العقدِ، وذلك أن يتزوجَها على أن يُنفقَ عليها، أو يَقْسمَ لها، أو ما أشبهَ ذلك، فالذي ذكره صحيح، والشرطُ متضمّنُ العقد.
فأما إذا كان الشرطُ بحيث لا يقتضيه العقد، فإنْ أثَّرَ في مقصودِ النكاحِ أثرًا بيِّنًا، أفسد النكاح، وذلك مثل أنْ [يؤقِّت] (٣) النكاح أو يشترطَ ألَاّ يطأها. وإن اشترط أن يطلقها؛ فالمذهب: فساد النكاح، لتأثير الشرط في مقصود العقد. وذكر بعضُ أصحابنا قولًا: أن الشرطَ يَفْسُد والنكاح يصح، وهذا غير مُعتدّ به.
فلو شرط شرطًا فاسدًا لا يعظم أثرُه في مقصود النكاح، مثل أن يشترط ألَاّ يتزوج ولا يتسرى عليها، وأنها تخرج من الدار متى شاءت، وأنه لا يطلقها، فهذه الشرائط تفيدها فوائدَ، وهي فاسدة.
وقد تكون الشرائطُ عليها، مثل أن يشترطَ ألَاّ ينفق عليها ولا يَقْسم لها، ويجمعَ بينها وبين ضرَّاتها في مسكن واحد.
فهذه الشرائطُ لا تُفسد النكاح، ولكنها تُفسد الصداقَ، فإنَّ الصداقَ يَفسُدُ بما
_________________
(١) الطريقة الأولى: هي: البطلان في الصورتين اللتين حكاهما المزني.
(٢) ر. المختصر: ٤/ ٣٣.
(٣) في الأصل: يرتب.
[ ١٣ / ١٤٥ ]
تفسد به أعواضُ العقودِ؛ من جهةِ أنَّ العِوضَ إذا لم يتجرّد، وانضمَّ إليه شرطٌ، صار عوضًا وشيئًا مجهولًا، ومساق ذلك يتضمن إفساد الصداق. ثم الفساد من جهةِ الجهالة يوجبُ الرجوعَ إلى مهر المثل، كما مهدناه.
٨٥٠٤ - وقال محمد بنُ الحسن: إن زاد المسمى على مهر المثل [وزادها] (١) بالشرط، لغا الشرطُ، وصحت التسمية، وإن نقص عن مهر المثل، وكان الشرطُ ينقُصُها؛ فيلغو الشرطُ وتصحُ التسمية أيضًا. وإن زاد في المهر ونقص في الشرط، أو زاد في الشرط ونقص في المهر، فسدت التسمية؛ لأنه زاد في المهر زيادة هي في مقابلة الشرط، فجَعَل الباقي مجهولًا، وإذا نقص المهرُ وزاد في الشرط، جعل الشرط في مقابلة ما نقص من المهر، فصار المهرُ مجهولًا.
وهذا الذي ذكره غيرُ بعيد عن مسلك الفقه، وكنا نَوَدُّ لو كان مذهبًا لبعض الأصحاب، حتى كنا نقول: الشرط الزائد مع المهر الزائد أو المنطبق على قدر مهر المثل ليس يعكس جهالةً على المهر، ولكن المعتمد عند الأصحاب أن المشروطَ فاسدٌ مضمومٌ إلى الصداق، والعوض يفسد تارةً بما ينعكس عليه من الجهالة، وتارةً باقترانه بفاسد.
وهذا يتطرق إليه كلام- هو منتهى النظر في المسألة، وهو: أنَّ ما ذكره محمد من أنَّ المهر الزائد أو المنطبق على القدر، لا يصير مجهولًا بالشرط الزائد، فلو كان صحيحًا، لكان يجبُ أن يُقال: إنْ زاد المهرُ ونقصَ الشرط، فالرجوع إلى مهر المثل، وكذلك إن نقص المهرُ وزاد الشرط، أو زادا ونقصا، فسد المهرُ بالاقتران، ولكن لا يقطع القول بأن الرجوع إلى مهر المثل. ويجوز أن يقال: [لو] (٢) أثبت العوض دراهم وشرطًا، وذلك الشرطُ مجهولُ الأثر، وهما جميعًا مهر، فكان الرجوعُ إلى مهر المثل لذلك.
فهذا منتهى البحث، وقد ناقض محمد ما قاله في الصداقِ في البيع، فقال: لو باع ما يساوي ألفًا بألفين وزقِّ خمر، وقبض المبيع، وتلف في يده؛ فإنه يغرم القيمة، وليس للبائعِ أن يقول: اطرحْ الزقَّ من ألفين ليصح العقدُ بالألفين.
_________________
(١) في الأصل: وزاها.
(٢) زيادة اقتضاها السياق.
[ ١٣ / ١٤٦ ]
فصل
قال: " ولو أصدقها دارًا، فاشترط له، أو لها، أو لهما الخيار إلى آخره" (١).
٨٥٠٥ - نصّ الشافعي هاهنا على أن شرطَ الخيارِ يُفسدُ الصداقَ ولا يُفسدُ النكاحَ.
ونصَّ في القديم على أنَّ شرط الخيار في الصداق يُفسد النكاح.
فمن أصحابنا من حمل ما قاله في القديمِ على ما إذا شرط الخيار في النكاح نفسِه، حتى يثبت التخيير في رفعه على حكم الرؤية، فأما إذا خصَّص الصداق بالخيار، فلا يفسد النكاح، قولًا واحدًا.
ومن أصحابنا من قال: إذا خصّص الصداق بالخيار، ففي المسألة قولان: أحدهما - إنه يبطلُ النكاحُ به، كما لو شرط في النكاح. والثاني - لا يبطل، كسائر الشروط الفاسدة في الصداق.
ثم إن قلنا: يبطل النكاحُ بشرط الخيار في الصداق، اختلف أصحابنا، فمنهم من عدّى هذا إلى كل شرطٍ فاسدٍ في الصداق، فطرد قولًا مثلَ مذهب مالك (٢) في النكاح يفسد بفساد الصداق، ولا خلاف أن النكاح لا يفسد بالتعرية عن العوض، ولا خلاف أن النكاح لا يرتد برد الصداقِ بالعيب.
ومن أصحابنا من خصَّص القولين بفساد الصداقِ بجهة الخيار، وفرّق [بأن] (٣) الخيار في [صيغته،] (٤) وإن خُصّ بالصداق يتضمن الارتباط بالعقد الذي الصداق عوضٌ فيه، وشَرْطُ الخيار في أحد العوضين في البيع يتعدى إلى العوض الثاني، فإن كان الخيارُ في وضعه قابلًا للتخصيص؛ إذ لو خصّ بأحد المتعاقدين، لاختصّ به، فمع هذا لم يختص بأحد العوضين.
_________________
(١) ر. المختصر: ٤/ ٣٣.
(٢) ر. جواهر الإكليل: ١/ ٣٠٩، القوانين الفقهية: ٢٠٥، والإشراف على نكت مسائل الخلاف: ٢/ ٧١٤ مسألة ١٢٩٠، وفيه أن في المسألة روايتين.
(٣) في الأصل: بين.
(٤) في الأصل: صيغه.
[ ١٣ / ١٤٧ ]
٨٥٠٦ - ووراء ما ذكرناه طريقة أخرى مبنية مناسبة (١)، ذكرها الصيدلاني في كتاب البيع، وهو أنَّ شرط الخيار صحيح [في الصداق وفي خيار المجلس في ذلك قولان] (٢) ووجه خروج ذلك على القياس أن الصداقَ يتطرقُ إليه الردود والنكاحُ قائم بحاله.
٨٥٠٧ - فإذا تمهَّد ما ذكرناه انتظمَ بعد ذلك الترتيبُ، فنقول (٣): في صحة الخيار في الصداق قولان. ولا خلاف أنَّ الخيارَ في النكاحِ نفسِهِ يُفسده، فإن صحَّحنا الخيارَ في الصداق، فلا كلام، وأثر الرد والإجازة يختص بالصداق.
وإن أفسدنا الخيارَ في الصداق، فهل يفسد النكاحُ به؟ فعلى قولين أصحهما: إنه لا يفسد. وإن أفسدنا النكاح به، فهل يفسد النكاحُ بسائر وجوه فساد الصداق سوى الخيار؟ فعلى وجهين.
٨٥٠٨ - ثم قال الشافعي: " ولو ضمن أبُ الزوجِ نفقتَهَا عشر سنين إلى آخره " (٤).
فرض الشافعي المسألة في ضمان الأب، ولا اختصاص به، فلو فُرِض الضمانُ
على هذا الوجه من أجنبي، لكان كذلك.
وعرض المسألة أنَّ من ضمن النفقةَ في أيامٍ معدودة في الاستقبال وأعلَمَها، فهذا ضمان ما لم يجب بعدُ ووُجد سببُ وجوبه، وفيه الخلاف المعروف، والترتيب في الجديد والقديم، وقد ذكرناه في أول كتاب الضمان، وفي معناه إبراؤها عن نفقة أيام معدودة، ولسنا لإعادةِ تلك الفصول، وقد جرت على أكمل وجه في البيان في موضعها.
_________________
(١) كذا. "ولعلها قياسية".
(٢) عبارة الأصل: " في الصداق في ذلك، وخيار المجلس في ذلك قولان ". ولا يخفى ما فيها، وطريقتنا في تصحيحها.
(٣) في الأصل: ونقول.
(٤) ر. المختصر: ٤/ ٣٣.
[ ١٣ / ١٤٨ ]