٨٦٥٤ - نقول في صدر الباب: إذا أراد الانتقال إلى بلدة أخرى، فهو بين أمرين، إمَّا أن يستصحبَ جميعَ زوجاته، وإمَّا أن [يخلّفهن] (١)، ولا معترض عليه في ظاهر الحكم في واحد من الأمرين.
وأمَّا إذا أراد أن يستصحب بعضَهن، وينتقلَ معها، ويخلِّف الباقيات، فهذا حرامٌ محض.
وإذا كنا نُحرِّم تفضيل امرأة بلحظة من القَسْم؛ لما فيه من إثبات التخصيص والميل، فالانتقال ببعضهن وتعطيل الباقيات أعظم من هذا.
والذي يدور في الخَلَد أنه إذا انتقل إلى بلدة أخرى، وأزمعَ إدامةَ الإقامة، وخلّف الزوجات بجملتهن، فقد يخطِر للفقيه أنهن يتضررن باحتباسهن عمرَهن. وليس كما لو كان يمتنع من الدخول عليهن وهو حاضر؛ فإنهن كنَّ يرجون أن يعود إلى المألوف من معاشرتهن، والعَوْدُ ممكن، [وأما] (٢) إذا انتقل وخلّفهن، فهذا ضرر بيِّن، وليس ينتهي الأمر إلى التحريم.
٨٦٥٥ - فإنْ لم يكن سفرُه سفرَ نُقلةٍ، فهو في الخِيرَتين المذكورتين في سفر النُّقلة على ما ذكرناه، فإنْ شاء خلّفهن ولم يستصحب واحدة منهن، وإن شاء سافر بهن.
ولو أراد أن يسافر ببعضهن ويخلِّفَ الباقيات، فليس له أن يفعل ذلك بانيًا على تخيّره وإرادته؛ إذ ذلك لو فعله مناقضٌ لوضع القَسْم، من المنع عن إظهار الميل.
وحقه إذا أرادَ المسافرةَ ببعض نسائه أن يقرع بينهن، فيسافرَ بمن تخرجُ القرعةُ
_________________
(١) في الأصل: يخلفن.
(٢) زيادة اقتضاها السياق.
[ ١٣ / ٢٦٢ ]
عليها، وإذا فعل ذلك، فالأيام التي تنقضي في سفره لا يلزمه [قضاؤها] (١) للمخلّفات إذا رجع إليهن.
والأصل في الباب، ما روي عن عائشة أنها قالت: "كان ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فمن خرجت قرعتُها سافر بها" (٢). ثم صح بطريق الاستفاضة أنه كان إذا رجع يجري على النوب في القَسْم.
وذكر الأئمة معنى كليًا -والتعويل على الخبر- ونحن نذكر منه ما ينضبط به المذهب إذا تفرعت مسائل الباب، فنقول: المرأة التي تخرج مع زوجها مسافرة، وإن كانت تحظى بصحبة الزوج، فإنها تشقى بما تلقى من محن السفر، وينضم إلى هذه سقوطُ اعتبار الرجل في تحكيمه القرعة. والمخلّفةُ وإن كانت تشقى بفُرقة الزوج، فهي على حظٍّ بالتردد والتودع (٣) في البلد. فهذا أصل الباب. وأبو حنيفة (٤) يُلزم قضاء أيام السفر للمخلّفات، ولا يجعل للقرعة أثرًا في إسقاط القضاء.
٨٦٥٦ - ثم ذكر أئمتنا مسائلَ مرسلةً تأتي على أطراف الباب، ونحن نأتي بها، ثم نجمعها في ربقة جامعة.
_________________
(١) في الأصل: قضاؤه.
(٢) حديث عائشة رواه البخاري: كتاب النكاح، باب القرعة بين النساء إذا أراد سفرًا، ح ٥١١، ورواه مسلم: كتاب فضائل الصحابة، ح ٢٤٤٥، وانظر (تلخيص الحبير: ٣/ ٤١٢ ح ١٧٢١).
(٣) التودع: الإقامة والدّعة.
(٤) لم أر هذا عند الأحناف، لا في مختصر الطحاوي، ولا في مختصر اختلاف العلماء، ولا في حاشية ابن عابدين. بل وجدت عكس ذلك في الاختيار لتعليل المختار: ٣/ ١١٧، قال ما نصه: "ويسافر بمن شاء، والقرعة أولى ومن سافر بها لي عليه قضاء حق الباقيات؛ لأنه كان متبرعًا، لا موفيًا حقًا" ا. هـ. وحكى الرافعي عن الغزالي في الوسيط أنه قال: إن أبا حنيفة ﵀، قال بوجوب القضاء (ر. الشرح الكبير: ٨/ ٣٨٠، والوسيط: ٥/ ٣٠٠). قلتُ، عبد العظيم. تبع الغزالي شيخه في هذا النقل عن أبي حنيفة ﵁، وهو مخالف لما رأيناه عند الأحناف، فهل هو وهم في النقل، أم هو قول مهجور لأبي حنيفة ﵁؟ وانظر أيضًاً (البدائع: ٢/ ٣٣٣، والهداية: ١/ ٢٢٢) لترى أنهما أيضًا يقولان بعدم القضاء للمخلّفات، وانظر أيضًا: المبسوط: ٥/ ٢١٩، وابن عابدين: ٢/ ٤٠١.
[ ١٣ / ٢٦٣ ]
فمما ذكروه: أن الرجل إذا بلغ المقصد، فلو نوى مقام أربعة أيام، فعليه قضاؤها للمخلَّفات إذا رجع؛ فإنه في إقامته خرج عن حكم المسافرين، وهذا مما أجمع عليه أئمة المذهب، القاضي، والصيدلاني وغيرهما.
ثم إذا ابتدأ الرجوعَ، فهل يلزمه قضاءُ مدة الرجوع؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - يلزمه؛ فإنه من وقت الخروج عن حد المسافرين، انقطع حكم السفر المُسقط للقضاء، فتلتحق أيام رجوعه بأيام إقامته.
والوجه الثاني - أنه لا يقضي للمخلفات أيام الرجوع؛ فإنه من وقت ابتداءِ الرجوعِ تركَ ما لابَسَهُ من الإقامة، وعاد إلى حكمِ السفر، وقد اقتضى السفر سقوطَ القضاء، وهو من وقت الرجوع مسافر.
وناصر الوجه الأول يقول: الظاهر يقتضي أن يقضي للمخلَّفات إذا خصص واحدة من الضَرَّات بالصحبة، ولكن القرعة اقتضت جواز التخصيص من غير قضاء، فإذا انقطع حكم القرعة بالإقامة، لم يعد حكمُها، ولا بد من استفتاح قرعة أخرى، ولا سبيل إلى ذلك إلَاّ عند العَوْد، وفرضِ إنشاء سفر، وابتداء إقراع عنده، وهذا بمثابة ما لو اعتدى المودَع وضمن، فإذا ترك العُدوان، لم يعد أمينًا؛ [إذ] (١) جرى الائتمان أولًا مطلقًا.
ثم إن حكمنا بأنه يقضي أيام رجوعه للمخلفات، فلا كلام، وإن حكمنا بأنه لا يقضي؛ فالذي قطع به الأئمة: أن الأيام التي لا يقضيها أولها من وقت خروجه متوجهًا إلى الوطن الذي به المخلّفات.
٨٦٥٧ - وفي بعض التصانيف أنَّ أول الوقت [عند] (٢) عزمه على [الانكفاء] (٣) وقصده. وهذا غلط [صريح] (٤)؛ فإنَّ حكم الإقامة إذا ثبت لا يزول إلا بمزايلة المكان الذي ثبت حكم الإقامة فيه.
_________________
(١) في الأصل: إن.
(٢) في الأصل: عن.
(٣) في الأصل: الانكفاف. والانكفاء: هو الرجوع.
(٤) في الأصل: صحيح.
[ ١٣ / ٢٦٤ ]
وإنما وقع لهذا المصنف هذا من قول الأصحاب: إنه إذا قصد الإقامة، لزمه القضاء من هذا الوقت؛ فظن أن قصد الرجوع في قطع الإقامة كقصد الإقامة في قطع السفر، وهذا ظاهر السقوط، ولا مصدر له عن فكرٍ؛ فإنَّ الإقامة تحصل بمجرد القصد، كما تحصل [القِنية] (١) في البضائع لمحض النية، ولا تنقطع الإقامة إلَاّ بفعل السفر، كما لا ينعقد حول التجارة إلا بإنشاء عقد التجارة، فليس هذا إذًا معدودًا من المذهب.
وقد ذكر العراقيون اختلافًا للأصحاب على مناقضة هذا، فقالوا: إذا سافر الرجل ببعض نسائه عازمًا على الانتقال إلى البقعة المقصودة، فهذا ظلم منه، وإذا انتهى إلى البقعة [المأمومة] (٢)، فالأيام التي تتفق الإقامة فيها (٣) بها مقضية، والأيام [التي] (٤) قطع [فيها] (٥) المسافة من الوطن إلى البقعة، فعلى وجهين: أحدهما - أنها لا تُقضى؛ فإنها أيام سفر، والمسألة مفروضة في الإقراع واتباع خروج القرعة لا محالة.
والثاني - أن تلك الأيام مقضية؛ فإنها قصدُ ظلم، فكانت في معنى الظلم، وهذا [أوجه] (٦)، والوجه الأول مزيف، وليكن ميل الفقيه في الباب إلى القضاء، مهما وجد فيه مستمسكًا.
٨٦٥٨ - وإذا أقام في البقعة التي قصدها، وثبت له حكم الإقامة، وانقطعت رخص المسافرين، ثم إنه أنشأ سفرًا من تلك البقعة قُدُمًا، وهو مُستدبر وطنَه مثلًا، فإن قلنا: أيام رجوعه إلى الوطن مقضية- فهذه الأيام مقضية، وإن قلنا: أيام الرجوع
_________________
(١) غير مقروءة بالأصل. والقِنية: الاقتناء، يشير الإمام بها إلى أن من يملك عروضًا للتجارة، إذا نوى القِنية، أي نوى اقتناءها، واتخاذها لنفسه، ينقطع حول التجارة بمجرد نية القِنية.
(٢) في الأصل: المأمونة.
(٣) فيها: أي في البقعة المأمومة. وبها: أي بالزوجة التي معه. فالمعنى: الأيام قضاها في البقعة بهذه الزوجة.
(٤) في الأصل: الذي.
(٥) زيادة من المحقق.
(٦) في الأصل: الوجه.
[ ١٣ / ٢٦٥ ]
لا تُقضى، فالحال ينقسم في تقدمه بالسفر، فإن بدا له هذا السفر الآن، ولم يكن [عازمًا] (١) عليه في خروجه الأول، فهذه الأيام مقضية؛ فإنه أنشأ السفر عن إقامةٍ، وما كان عزم عليه قبلُ.
وإن كان نوى أن يمتد إلى بغداد، فأقام بالرَّي الإقامة التي وصفناها، ثم استتم سفرته إلى بغداد؛ فهذا فيه احتمالٌ، على قولنا: أيامُ الرجوع غيرُ مقضية، والأوجه هاهنا: وجوب القضاء.
ويجوز أن نَفْصل بين أن يقطع نيةَ السفر، ثم تبدو له فيعود، وبين أن يكون مستديمًا لنية السفر الأقصى، ولكن نوى إقامة أيامٍ في بقعة، فتنتظم أوجه، وجهان عامَّان في النفي والإثبات، ووجه مُفَصَّل، كما نبهنا عليه.
ولو نوى مُقام المسافرين، فهو مسافر، لا يتغير من الحكم الذي ذكرناه في القسم شيء.
٨٦٥٩ - وذكر العراقيون أنه إذا سافر ببعض نسائه سفرًا قصيرًا، فيلزمه القضاء، وزعموا أن القضاء إنما يسقط في السفر الطويل عند فرض القرعة المسقطة للاختيار، وكأنهم عدُّوا سقوط القضاء في مقابلة المشقة التامة.
وكان شيخي يتردد في هذا ويقول: من الرخص ما يتعلق بالسفر القصير والطويل وفاقًا، أو على قولٍ، وأحراها بالذكر الجمع بين الصلاتين تقديمًا وتأخيرًا.
والوجه عندي: القطع بما ذكره العراقيون (٢)؛ فإنَّ ما نحن فيه يضاهي إسقاط العبادات، أو تخلية الأوقات منها. وهذا الفن لا يثبت إلا في السفر الطويل، والله أعلم.
فهذه المسائل أطلقها الأصحاب وما أحوجَها إلى رباط يحويها.
_________________
(١) زيادة اقتضاها السياق.
(٢) لم يرجح الرافعي ولا النووي أيًا من الوجهين، ولكنهما نقلا ترجيح صاحب التهذيب وصاحب التتمة للتسوية بين السفر الطويل والقصير (ر. الشرح الكبير: ٨/ ٣٨١، والروضة: ٧/ ٣٦٣).
[ ١٣ / ٢٦٦ ]
٨٦٦٠ - وقد أجرى الأصحاب في صدر الباب النُّقلة، وهذا قد يخيِّل أن إقامة أيام وإن جرى العزم عليها لا توجب القضاء، ثم صرحوا بأنه لو أقام أربعة أيام على قصد وعزم- فهذه الأيام مقضية. وكل ما [ذكروه] (١) صحيح.
والضبط فيه أنَّ سفر النُّقلة ببعض النساء محرَّم، يعني تخصيصَ المخرَجة.
والسفرُ إذا لم يكن سفرَ نُقلة، وكانت الحاجة تَمَسُّ إلى إقامة أيام بالقصد، فهذا النوع من السفر مما يسوغ فيه تخصيص بعض النسوة بالقرعة، وليس كسفر النقلة، ويجب قضاء أيام الإقامة؛ لمكان التودّع (٢) وزوال المشقة.
وإن كان السفر عريًا عن قصد النقلة، ولم تكن [فيه] (٣) إقامة تزيد على مدة المسافرين؛ فيجوز الخروج ببعض النسوة بالقرعة ولا يلزمه القضاء.
٨٦٦١ - فالأسفار إذن على ثلاث مراتب.
[المرتبة الأولى:] (٤) سفر النقلة، وهذا هو الذي لا يجوز الخروج فيه ببعض النسوة؛ فإنه لا يتصور أنْ يجمع من يقصد الانتقال بين قصد الانتقال وقصد القضاء، فيجرد قصدَه ظلمًا، فكان مقصودُه محرمًا.
والمرتبة الثانية: سفرةٌ (٥) فيها تودّع يُسقط رخص المسافرين، فالخروج ببعض النسوة على شرط تحكيم القرعة جائز، ثم أيام الإقامة إذا انقضت مقضيةٌ؛ لما فيها من التودّع.
والمرتبة الثالثة -[هي] (٦) سفرة طويلة لا [يتخللها] (٧) ولا يتصل بمنتهاها،
_________________
(١) في الأصل: ذكره.
(٢) التودّع: أي الدعة والراحة من السفر.
(٣) في الأصل: فيها.
(٤) هذا العنوان من وضع المحقق.
(٥) في الأصل: لسفرة.
(٦) في الأصل: في.
(٧) في الأصل: يتخيلها.
[ ١٣ / ٢٦٧ ]
[إقامة] (١) في أيام تزيد على مدة إقامة المسافرين، فيجوز تخصيص بعض النسوة [بالإقراع] (٢)، والقضاءُ منتفٍ في جميع الأيام، فإنَّ حكم السفر مطرد فيها.
٨٦٦٢ - ثم ننعطف ونقول: إذا خرج بالبعض وقصدُه النقلة، وأقرع، فعلى أيام خروجه إلى الانتهاء إلى المقصد خلاف، ذكره العراقيون وإذا كان على قصد إقامة أيام في منتهى السفر مثلًا، فأيام خروجه إلى الانتهاء إلى المقصد غيرُ مقضية بلا خلاف.
وأما المرتبة الثالثة، فلا كلام فيه؛ فإنَّ جُملة الأيام عرية عن التودّع، وفيها دقيقة لطيفة، وهي: أنَّ المسافر [إن] (٣) كان لا يقيم بمقصده إلَاّ يومًا واحدًا؛ فإنه لا يقصر في المقصد ولا يفطر؛ إذ لو عُدَّ ذلك منزلًا، لكانت مرحلة واحدة كافية؛ لأجل أنها إذا حسبت ذهابًا ومجيئًا، صارت مرحلتين، [فإنا نميز] (٤) الرخصة في السفر من غرض القَسْم؛ فإنَّا لا نوجب القضاء إذا لم يُقم في مقصده، وإن كان لا يقصر، لأن [مبنى] (٥) هذا الباب على زوال التودّع، ومبنى الرخص على انتهاء السفر، والرجوع ابتداءٌ آخر.
والذي يقتضيه هذا القياس أنَّ السفر إذا كان مرحلة واحدة، فيجب أن يكون في إسقاط القضاء [كمرحلتين] (٦) في التقصير (٧)، فإنَّ مدة الكون في خاصية الباب في منتهى السفر كالإقامة في مرحلة من المراحل، وهذا لطيفٌ حسن، والاحتمال مع ذلك قائم.
٨٦٦٣ - ومما بقي في الفصل: الكلام في أيام الرجوع، فنبدأ بالمرتبة الثالثة، ونقول: أيام الرجوع في السفرة التي لا تودّع فيها كأيام الذهاب، وأيام الرجوع من
_________________
(١) في الأصل: أقام.
(٢) في الأصل: "بالإخراج".
(٣) في الأصل: وإن.
(٤) في الأصل: "فإنا نامن الرخصة".
(٥) في الأصل: منتهى.
(٦) في الأصل: لمرحلتين.
(٧) كذا. ولعلها في القصر.
[ ١٣ / ٢٦٨ ]
السفرة المبنية على قصد النقلة على وجهين، والأصح فيها: القطع بوجوب القضاء؛ فإنه لم يجر إقراع له حكمٌ في ابتداء الأمر، ولست أرى لنفي القضاء وجهًا، ولكنه مشهور.
فأما أيام الرجوع من المقصد الذي أجرى فيه قصدَ الإقامة لا قصدَ الاستيطان، ففيه وجهان: أصحهما - أنَّا لا نقضي؛ فإنَّ السفرة جائزة بسبب القرعة، وإذا اطَّرد الجواز؛ فلا يُستثنى من سقوط القضاء إلَاّ أيام التودع.
٨٦٦٤ - ومما يعترض في الباب أنَّ المسافر إذا قصد بقعة ولم يُزمع الإقامة في مدة، ولكن ربط أمره بانتجاز حاجة، فالقول في أنه هل يترخص إذا زادت إقامتُه على مدة المسافرين مذكور في الصلاة.
فإن أدمنا الرُّخَصَ، فالأيام غير مقضية، وإن أسقطناها وألحقناه بالمقيم؛ فالقول فيه كالقول في إبرام العزم على الإقامة أربعة أيام، فإن قيل: لا تودّع بمن يبرم عزمه [على الرحيل بانتجاز حاجته] (١)، قلنا: أُلحق هذا الشخص بالمتودّع [بدليل] (٢) سقوط الرخص.
٨٦٦٥ - ومما يجري ركنًا في الباب أنه لو خرج بواحدة من غير قرعة، فإذا آب، قضى للمخلفات إجماعًا، وينضم إلى وجوب القضاء عصيانُه بالخروج بالتي اختارها؛ فإنه أظهر الميل إليها، فاقتضى ذلك تعصيتَه وإلزامَه بالقضاء، فلا نظر -مع ما ذكرناه- إلى مقاساتها المشقة.
٨٦٦٦ - ولم يختلف العلماء في أنه إذا أقام عند واحدة من نسائه في الحضر ليمرضها، فهذه الأيام مقضيةٌ للأخريات، فإن ماتت المريضة، خرجت من البين (٣)، ولم يظهر أثرُ وجوبِ القضاء في حق الباقيات، فالوجه أنْ نقدر كأنَّ التي
_________________
(١) زيادة اقتضاها السياق.
(٢) في الأصل: بالمتودّع به ليل سقوط الرخص.
(٣) البَيْن: هذه من ألفاظ إمام الحرمين التي رأيناها في البرهان وغيره، ثم ترددت هنا كثيرًا، ومعناها واضح من السياق، وإن لم نجدها منصوصة في المعاجم بهذا المعنى.
[ ١٣ / ٢٦٩ ]
ماتت لم تكن. وإن استبلّت وبرئت، قضى تلك الأيام [للباقيات] (١)؛ فإنَّ قيامه بتمريضها يقع [محضًا] (٢) لها، وليس كذلك الخروج ببعضهن سفرًا؛ فإنها وإن حظيت من وجه، شقيت من وجه.
ثم لا يجوز للرجل أن يقوم بالتمريض ويقطع النُّوبَ إلَاّ عند حاجة. وقد رأيت في هذا ترددًا للأئمة، فالذي ظهر من كلام المعظم أنَّا نشترط أن يكون المرض مخوفًا، وأشار مشيرون إلى أنَّ الحاجة الحاقّة كافية، حتى إذا عظمت الآلام -وإن لم تبلغ مبلغ الإخافة [ولم] (٣) تجد ممرضًا- فللزوج أن يقوم بتمريضها.
وإذا كان المرض مخوفًا، ووجدت المرأةُ من يقوم بتمريضها ففي جواز قيام الزوج بتمريضها تردد.
وحاصل المذهب أنَّ المرض إذا اشتدَّ ألمُه، [ولم تجد] (٤) المرأة غيرَ الزوج، فللزوج تركُ النوب لتمريضها، [وإن وجدت] (٥) غيرَه، فعلى التردد.
وللزوج القيام بتمريضها في المرض المخوف إذا لم تجد من يقوم مقامه، فإن وجدت، فعلى التردد.
وقد نجز مضمون الباب تأصيلًا وتفصيلًا، ونحن نذكر على إثر ذلك فروعًا مرتّبة المآخذ ..
فرع:
٨٦٦٧ - إذا سافر بواحدة بالقرعة -حيث يسقط القضاء- فلو تزوج بجديدة في خلال الطريق، فإنه يخصها بحق العقد ثلاثًا أو سبعًا، ثم يَقْسِمُ بينها وبين التي سافر بها، فلو أراد أن يخلّف إحداهما ببلد، لم يجز إلا بالقرعة، وإذا فعل ذلك بالقرعة، فالتفصيل على ما قدمناه.
_________________
(١) في الأصل: الباقيات.
(٢) في الأصل: محض.
(٣) في الأصل: إذ لم.
(٤) في الأصل: ووجدت.
(٥) في الأصل: وإن لم تجد.
[ ١٣ / ٢٧٠ ]
ولو خرج بامرأتين بالقرعة، جاز، فلو بدا له أن يخلِّف إحداهما ببلد، لم يجز إلَاّ بالقرعة.
ولو ظلم إحداهما في الطريق لصاحبتها، قضاها في الطريق، فإن لم يتفق القضاء حتى رجع، قضى للمظلومة من حق [التي] (١) ظلمها بها دون حق صاحبتها المتخلفتين.
ولو خرج منفردًا، ثم تزوج في الطريق، لم يلزمه أن يقضي للمخلَّفات [كل الأيام] (٢) التي صحب فيها المُتَزَوَّجَةَ في السفر؛ لأنه خرج ولا حقَّ لهن، ثم تزوج في السفر، ولا يتصور عليه القَسْم بينهن، وإنما يجب الإقراع في اللواتي يجتمعن تحته حالة السفر، فإذا كان الإقراع يُسقط حق المتخلفات، فابتداء [الزواج] (٣) بذلك أولى.
فرع:
٨٦٦٨ - إذا كان تحته زوجتان، فنكح جديدتين، فقد ثبت لهما حق العقد، فلو أراد سفرًا وأقرع، فخرجت القرعة على إحدى الجديدتين، فإذا سافر [بها] (٤)، فلا شك أن أيامها تندرج تحت صحبة السفر، إذا كان يصحبها.
فإذا عاد، فهل يلزمه أن يوفي الجديدةَ الأخرى حقَّ العقد -إذا لم يكن وفاها من قبل؟ والمسألة فيه إذا زُفَّت إليه، فلم يُقم عندها؟ اختلف أصحابنا في المسألة فيما نقله العراقيون، فمنهم من قال: لا يوفيها حق العقد؛ فإنَّ أيام حق العقد قد انقضت في سفره، كما انقضت نُوبُ القديمتين، ثم لا يجب قضاءُ نوب القديمتين، فلا يجب تدارك حق العقد.
ْومن أئمتنا من قال: يجب أن يوفيها حقَّ العقد، ولا يقاس حقُّ العقد في ذلك بالقَسْم، وهذا اختيار أبي إسحاق المروزي؛ والسبب فيه أن معنى التوحش قائم، وحق القَسْم قد يسقط بأسباب، وهو يجب شيئًا شيئًا، فإذا كان الرجل مسافرًا على
_________________
(١) في الأصل: الذي.
(٢) في الأصل: بكل للأيام.
(٣) في الأصل: الزوج.
(٤) زيادة من المحقق.
[ ١٣ / ٢٧١ ]
شرط الشرع، فلا يجب للمخلَّفات حقُّ القَسْم. وحق العقد يجب دفعةً واحدة، لا على قياس القسم؛ فإنَّ القسم [للتسوية] (١)، وحق العقد حق مستَحقٌّ في الذمة، فلابد من الوفاء به.
وعندنا أنَّ ما ذكروه في المزفوفة. فأمَّا التي لم يزفها بعدُ إذا أدخلها في القرعة، ولم تخرج القرعة عليها، فإذا عاد وزفها؛ فيجب القطع بأن حقها -والحالة هذه- قائم.
ولو نكح جديدةً وزفها على قديمة، وخرج مسافرًا، ولم يستصحب واحدة منهما، فإذا عاد، فالذي أراه أنه يلزمه أن يوفي المزفوفةَ حق العقد هاهنا، فإن مضت أيام في السفر غيرُ محسوبة عليه، وفي المسألة احتمال على حال، والعلم عند الله تعالى.
_________________
(١) في الأصل: التسوية.
[ ١٣ / ٢٧٢ ]