قال الشافعي: " جعل الله ﷿ المتعةَ للمطلقات إلى آخره " (١).
٨٥٤٨ - المتعةُ اسم لمقدارٍ من المال يسلمه الزوج إلى زوجته إذا طلقها، وقد يسمَّى المتاع. وأمتع الحسنُ زوجةً طلقها اثني عشر ألف درهم، فقالت: " متاع قليل من حبيب مفارق " (٢). والأصل في الباب قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وقال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ [البقرة: ٢٤١] وشهدت الأخبار وأجمعت الأمة على المتعة.
والكلام في ثلاثة فصول:
[الفصل الأول]
٨٥٤٩ - في تفصيل المطلقات، وهن ثلاثة أقسام: مطلقة لم يفرض لها ولم يتّفق الدخول بها، فهي تستحق المتعة، ونصُّ القرآن شاهد فيه، قال تعالى: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] والإجماع منعقد على استحقاقها للمتعة في هذه الحالة.
والمطلقة الأخرى: هي التي فرض لها الصداق، وطلقت قبل المسيس، فلها نصف المفروض أو نصف المسمى في أصل العقد، ولا متعة لها في ظاهر المذهب.
وتقسيم القرآن أصدق شاهد فيه، فإنه تعالى لما ذكر المتعة في حق التي لم تُمس، ولم
_________________
(١) ر. المختصر: ٤/ ٣٨.
(٢) خبر إمتاع الحسن بن علي ﵄ في متعة إحدى نسائه، رواه البيهقي: ٧/ ٢٥٧، والدارقطني: ٤/ ٣٠، ٣١ وضعفه صاحب التعليق المغني، وابن أبي شيبة: ٥/ ١٥٦، ومقدار المتعة عند البيهقي عشرون ألفًا، وعند الدارقطني وابن أبي شيبة عشرة آلاف، ولم يَرْو واحدٌ منهم أنها كانت اثني عشر ألفًا، كما قال الإمام.
[ ١٣ / ١٨٠ ]
يفرض لها، قال في الآيات التي تلي هذه ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فدل فحوى الخطاب على أنَّ المتعة ونصف المفروض يتعاقبان على التبادل.
والمطلقة الثالثة: هي التي استقر لها مهر بالمسيس، ثم طلقها زوجها، ففي وجوب المتعة لها قولان: أحدهما - إنها لا تستحق المتعة، وهو المنصوص عليه في القديم، وبه قال أبو حنيفة. ووجهه أنه قد سلم لها المهر، ولا متعة مع المهر.
ونصف المسمى في مقابلة العقد، كتمام المسمى، أو كتمام مهر المثل بعد المسيس، فإذا كانت المتعة تَسقُط بسبب وجوب نصف المسمى أو المفروض قبل المسيس، فلأن تسقط إذا وجب جميع المهر على الاستقرار أولى.
والقول الثاني - وهو المنصوص عليه في الجديد: إنها تستحق المتعة؛ لأن ما سلّم لها من المهر في مقابلة منفعة البضع، لا في مقابلة العقد والطلاق.
وإذا جمعنا المطلقات وأردنا نظم الأقوال فيهن، انتظمت ثلاثة أقوال: أحدها- إنه لا متعة إلا للتي طُلِّقت قبل المسيس ولم يفرض لها، وهي المفوّضة.
والقول الثاني - إن لكل مطلقة متعة إلا التي فرض لها ولم تُمس، فاستحقت نصف المهر عند الطلاق.
والقول الثالث - إن لكل مطلقة متعة من غير استثناء، وهذا القائل يلتزم إثبات المتعة للمطلقة قبل المسيس، وإن فرض لها واستحقت نصف المفروض، وهذا بعيد مخالف لظاهر التقسيم في المتعة والفرض.
الفصل الثاني
٨٥٥٠ - يشتمل على الكلام فيما يوجب المتعة، وما لا يوجبها من أقسام الفُرَق، فنقول: أما الفُرقة الحاصلة بالموت؛ فإنها لا توجب المتعة وفاقًا، والميراث كافٍ، وكأنَّ المتعة أُثبتت لمستوحشةٍ بالطلاق، والتي مات عنها زوجها متفجعةٌ غيرُ مستوحشةٍ.
[ ١٣ / ١٨١ ]
فأما ما يجري من الفراق في الحياة؛ فقد قال الأئمة: كل فُرقة تصدر عن جهتها، إمَّا بأن تُنشئَها، أو يصدرَ منها سببٌ يتعلق به ارتفاعُ النكاح، فلا تناط به المتعة.
وما يصدر من الزوج لمعنًى فيها، كالفسخ بالعيوب، فإنه لا يتعلق به المتعة.
وأما ما ينفرد به الزوج لا لمعنى فيها، فيتعلق به استحقاق المتعة، ومن جملة ذلك الطلاق، ومنها ارتداد الزوج وإسلامه.
وقد نص الشافعي على أن الإسلام من الزوج يوجب المتعةَ، ذَكَرهُ في آخر كتاب المشركات. والخلعُ، وإن كان يتعلق بها، فالأصل فيه الزوج. وإذا فوض الطلاقَ إليها، فهو كما لو طلقها بنفسه؛ فإن عبارتَها مستعارة، وكأنَّ الزوج هو المعبِّر، فالفراق المنوط باللعان يثبت المتعة، فإنه مما ينفرد الزوج به، ولا يتوقف حصول الفراق على لعانها.
وإذا وقع الفراق بفعل من غير الزوجين، مثل أن ترضع امرأتُه [الزّوجةَ] (١) الرضيعة إرضاعًا مفسدًا، فهذا يوجب المتعة.
٨٥٥١ - والضبط الجامعُ أن كل ما لو جرى قبل المسيس، لم يسقط به المهر المسمى، بل تَشَطَّر، فهو من موجبات المتعة، وكل ما يتضمن سقوطَ جميع المسمى لو جرى قبل المسيس، فلا تتعلق المتعة به. ثم إذا تعلقت المتعة بفُرقةٍ من الفُرق، فتجري فيها الأقسام الثلاثة المذكورة في الطلاق لا محالة، وعلينا في هذا القسم أن نُلحق [كل] (٢) فرقة من الفُرق بالطلاق، ثم فيها الأقسام الثلاثة والأقوال الثلاثة.
وما قطعناه عن مضاهاة [الفُرق] (٣)، فإنا نحكم فيه بأنه لا تتعلق المتعة به، كيف فُرض، وصُوِّر، [وعلى] (٤) أيةِ حاله قُدِّر.
ولا استثناء في شيء مما ذكرناه إلا في مسألة واحدة وهي: إذا اشترى الزوج زوجته، فالمذهب أن هذه الفُرقة تُشطِّر الصداق، ولا تتعلق بها المتعة؛ فإنَّ المتعة
_________________
(١) في الأصل: المزوّجة.
(٢) زيادة اقتضاها السياق.
(٣) في الأصل: الفراق.
(٤) في الأصل: وأعلى.
[ ١٣ / ١٨٢ ]
لو وجبت، لوجبت مع الفراق لمنْ يحصل الفراق في ملكه. فإذا اشترى زوجته، فقد ملك رقبتها، فلو وجبت المتعة لوجبت له، ويستحيل أن يجب له على نفسه شيء.
٨٥٥٢ - ونقول على الاتصال بهذا، المتعة تجب بالفراق، ولا يتقدم وجوبها عليه، فلو زوّج السيدُ أَمَةً مفوِّضة، ثم باعها، فطُلقت في ملك المشتري، فالمتعة للمشتري؛ لأنَّ الطلاق هو الموجب للمتعة، وقد جرى في ملك المشتري، [فهذا] (١) قاعدة المذهب في الفُرق التي تقتضي المتعة والتي لا تقتضيها.
٨٥٥٣ - وقد نقل المزني أنها إذا فسخت النكاح بعيب العُنَّة [لها المتعة] (٢)، وقد أجمع الأصحابُ على تغليطه، وصادفوا هذه المسألةَ منصوصةً للشافعي على العكس مما نقل.
وغلط بعضُ المصنفين، فقال: لا متعة في الخلع لتعلق الفراق بها، وهذا خطأ، بدليل أن الخلع يشطّر الصداق، [ونَقَل عن الأصحاب] (٣) تردّدَهم فيه إذا ارتد الزوجان معًا، وتردَّدَهم فيما إذا اشترت الزوجة زوجَها المملوك. نعم، إن جعلنا الخلع فسخًا، فمن أصحابنا من تمارى في التشطير، فيليق بهذا القول ترديدُ الوجه في المتعة.
وغَلِطَ طوائفُ من الأصحاب في شراء الزوج زوجته، فحكَوْا أن المتعة تجب للبائع على المشتري، وقد رمز إليه الصيدلاني، وهذا عندي ليس من غلط الفقه، بل هو خللٌ في الفكر؛ فإن من صار إلى هذا بين أمرين كلاهما محال، إن قال: تجب المتعة قبل الفراق، كان رادًّا للإجماع. وإن قال: تجب مع الفراق، والفراق يحصل مع الملك، ثم المتعة تجب للبائع، فهذا مستحيل وإن وجبت متعة، على نفسه [لنفسه] (٤) كان هذا كلامًا متناقضًا. فهذه غلطات نبهنا عليها بعد طرد المذهب على السداد.
_________________
(١) في الأصل: في هذا.
(٢) ساقط من الأصل. والمثبت من المختصر، ونص عبارته: " وأما امرأة العنين، فإن شاءت أقامت معه، ولها عندي متعة " والله أعلم. (ر. المختصر: ٤/ ٣٩).
(٣) زيادة من المحقق لاستقامة العبارة.
(٤) في الأصل: فإن وجبت على نفسه، كان هذا.
[ ١٣ / ١٨٣ ]
الفصل الثالث
في قدر المتعة
٨٥٥٤ - ولا [قدر] (١) عندنا لأقلها، ولا لأكثرها، وهي موكولة إلى اجتهاد الحاكم، ثم هي تختلف باختلاف الأحوال على ما سنصفه، ونذكر ما بلغنا من قول الأصحاب نقلًا، ثم نرجع، فنبحث.
ذكر العراقيون وجهين في تقدير المتعة: أحدهما - أن أقل المتعة ما يتمول، فلو أمتعها الزوج بأقل ما يتمول، فقد خرج عما عليه.
وهذا القائل يقول: ما صح أن يكون صداقًا، صح أن يكون متعة في كل صورة.
والوجه الثاني -وهو الصحيح- أن تقديرها إلى الحاكم واجتهاده، وليس كالصداق؛ فإنَّ الصداق على التراضي، فكان كالأثمان، والمتعة أمر معتبر يفرض ثبوته في وقت التنازع، فيجب أن يكون له أصل يفرضُ الرجوع إليه، ونصُّ القرآن شاهد فيه، فإنه عز من قائل قال: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦].
ثم فرعوا على الوجهين، فقالوا: إن اكتفينا بأقلِّ ما يتموّل، فلا كلام، وإن أحلناه على اجتهاد الحاكم، فالحاكم يَعتبر ماذا؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يعتبر حالَ الزوج لا غيرَ في اليسار والإعسار، ولا ينظر إلى حالها، فيقول: زوجٌ في حالِ زيدٍ ويسارِه، كم يكون أقل متعة منه في العادة؟ فيبني الأمرَ على هذا، قالوا: وهذا اختيار أبي إسحاق المروزي.
والوجه الثاني - أنه يعتبر حالها، فيقول: امرأة في مثل حال هذه بكم تُمَتَّع في العادة في أقل ما يُفرض؟ ولا يعتبر حال الرجل، وهذا الوجه مخالف لظاهر القرآن، فإنَّه تعالى قال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وقال الإمام والدي: يعتبر في ذلك حالهما جميعًا، فيقال: مثل هذا الرجل ما أقلُّ ما يمتِّع به مثلَ هذه المرأة؟
_________________
(١) في الأصل: تقدر.
[ ١٣ / ١٨٤ ]
٨٥٥٦ - هذا تردُّدُ الأصحاب، وليس فيما ذكروه تحويمٌ على المقصود، فضلًا عن الإخلال، وذلك أنه ما لم يبِنْ موقعُ المتعة ومنزلتُها لا يمكن أن يعتبرَ فيها ما ذكره الأئمة؛ فإنَّ الإنسان يختلف ما يبذله إذا اختلف جهاتُ المبذول، فما لم يَبِنْ محلُّ المتعة، أعِوضٌ هي أم مِنْحة؟ لا يظهر. وقد اتفق المحققون على أن المتعة لا يبلِّغها القاضي نصفَ المهر، وسبب هذا بينٌ؛ فإنها تجب حيث لا يجب نصف المهر، وكأنا نقنع بما يقلّ عن شَطر المهر إذا لم يحتمل الحالُ شَطْر المهر، فليتخذ الناظر هذا أصلَه.
قال القفال: لا تبلغ المتعةُ نصفَ المهر، كما لا يبلغ التعزيرُ الحدَّ، والرضخُ السهمَ، والحكومةُ الدِّيةَ.
وقال الشافعي في القديم: أستحب المتعةَ قدر ثلاثين درهمًا، وإنما استحب ذلك لأثر ورد عن ابن عمر (١). وقال الشافعي في بعض كتبه: ينبغي أن يفرض القاضي فيها مِقْنعةً أو ثوبًا أو خاتمًا. وقال القاضي: أي شيء فرضه بعد ما كان متمولًا جاز.
٨٥٥٦ - هذا ما بلغنا من كلام الأئمة.
والذي يلوح لنا فيه بعد بناء الأمر على حطّ المتعة عن نصف المهر أن المتعة كاسمها إمتاعٌ وإتحافٌ يسدّ ممّا تداخلها من الفراق مسدًا، وليس في الإمتاع عادةٌ مطردةٌ في الناس، حتى نرجعَ إليها من غير قاضٍ رجوعَنا إلى العادات، في القبوض والأَحراز، وأمور في المعاملات، فهذا يتعلق بنظر القاضي، حتى يَفْرِض قدرًا يراه لائقًا، ثم يختلف هذا بالإعسار واليسار، ثم لا ضبط للتقدير، [في التعزير] (٢)؛ فإن التقدير يختلف باختلاف أحوال الناس في عرامتهم (٣) وشراستهم، فرب صاحبِ عَبْرة (٤) يكفيه
_________________
(١) حديث ابن عمر، رواه البيهقي موقوفًا. (ر. السنن الكبرى: ٧/ ٢٤٤، والتلخيص: ٣/ ٣٩٢ ح ١٦٨٥). هذا وفي نسخة الأصل " حديث عمر".
(٢) زيادة اقتضاها السياق.
(٣) عرامتهم: أي عنفهم وشدّتهم، وشراستهم.
(٤) عَبْرة: أي: دمعة. والمعنى رقيق القلب سريع الفيئة.
[ ١٣ / ١٨٥ ]
[تبكيتٌ] (١)، ورب [عَرمٍ] (٢) خبيث، لا يردعه إلا الكثير من [التعزير] (٣)، ثم الحد مردٌّ لاعتبار التعزيزات؛ فإنها توقيفات الشرع.
فإن قال قائل: إذا كان المقصود من التعزير [التأديب] (٤) والردع، فمن وصفتموه لا يرتدع؟ قلنا: إن لم يرتدع، فسيعود، وإن عاد، عُدنا، والإمام أقدر على معاقبته، ويدُه على الرقاب، وهو تحت ضبط الإمام.
وما ذكره العراقيون من أن الزوج لو أمتعها بأقلِّ ما يتمول، جاز، خارجٌ عن القانون. وما ذكره القاضي من ذكر أقل ما يتمول مضافًا إلى اجتهاد الحاكم، محمول عندي على ما إذا كان [حال] (٥) الزوج تقتضي هذا، فلا نظن به على علو قدره أن يجوّز إثباتَ أقلِّ ما يتمول من غير رجوع إلى مستند، ثم يربط ذلك باجتهاد الحاكم.
هذا ما عندنا في ذلك، وقد مهدنا المطالب، والرأي فوضى (٦).
٨٥٥٧ - ومما أجريناه في الكلام، نصفُ المهر، وهو المعتمدُ الفقيه، فإن لم يكن في النكاح مسمى، فالمعتبر نصف مهر المثل، وإن كان في النكاح مسمى، وفرّعنا على أن المدخول بها تستحق المتعة؛ فننظر في المتعة ونصفِ مهر المثل، أو ننظر في المتعة وهو نصف المسمى، هذا محتملٌ: يجوز أن يكون الرجوع إلى نصف مهر المثل؛ فإن المسمى متعلقه التراضي، والأصل الذي لا تعلق له بالتراضي هو مهر المثل، ويكون رضاها بأقلَّ من مهر المثل عن مسامحة، هذا هو الأشبه، والعلم عند الله تعالى.
_________________
(١) في الأصل: تنكيت.
(٢) في الأصل: " عُرة " وهو تصحيف.
(٣) في الأصل: الغزير.
(٤) زيادة لاستقامة الكلام.
(٥) في الأصل: " اختار" (هكذا بهذا الرسم والنقط) ولم أدر لها وجهًا. والمثبت تصرف منا.
(٦) فوضى: أي مشترك، من قولهم: مالهم ومتاعهم فوضى بينهم: إذا كانوا شركاء فيه، يتصرف كل واحد منهم في جميعه بلا نكير. (المعجم).
[ ١٣ / ١٨٦ ]