٨٠٨٤ - روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا يخطب الرجل على خطبة أخيه" (١) وقد روي هذا النهي مقرونًا بقوله ﷺ: "لا يبيعن أحدكم على بيع أخيه". فالخطبة على الخطبة محرّمة في النكاح، والسَّوْم على السوم محرم في البيع. وقد مضى في كتاب البيع السوم على السوم، وطرف من الخطبة على الخطبة، ونحن نستقصي، إن شاء الله ﷿ - في هذا الباب تحريم الخطبة على الخطبة، ونذكر ما يتعلق منها بالسوم [على السوم] (٢) فنقول:
٨٠٨٥ - الخطبة والسَّوْم قد يتفقان وقد يختلفان: فاتفاقهما في أن الرجل إذا خطب امرأة، فأجابت؛ حرم على الغير خطبتها، وكذلك إذا ساوم رجلًا سلعة بمبلغ من الثمن، وأجابه (٣)، حرم على الغير السوم على سومه. هذا إذا طلب المشتري، فأجيب.
ومن هذا القبيل: أن يعرض الرجل سلعته على إنسان بمبلغ من الثمن، ويتوافقا على المقدار، فإذا دخل آخر وعلم ما جرى، فعرض سلعة أخرى بمثل ذلك الثمن، أو بأقلّ، فقد يرغب المشتري في السلعة الثانية، فيكون ذلك إفسادًا لمقصود الأول، فيحرم ذلك، ويندرج كل هذا تحت النهي عن (٤) السوم على السوم.
وقد يختلف البابان لاختلاف الصور.
_________________
(١) حديث ابن عمر: "لا يخطب الرجل على خطبة أخيه" متفق عليه (ر. اللؤلؤ والمرجان: ٣٢٧ ح ٨٩٢).
(٢) زيادة من (ت ٣).
(٣) ت ٣: فأجابه.
(٤) ت ٣: على.
[ ١٢ / ٢٧٤ ]
فإذا صادف الرجل سِلعة بيد (١) من يريد بيعها، فإذا طلبها مستام، فقد يزيد غيرُه، فيعلم أنه على المزايدة (٢ فلا يمنع ٢) ولا يتصور مثل هذه الصورة في الأبضاع.
ولو طلب الرجل سلعة مستامًا (٣ فرضي مالكها ٣)، ثم إن المشتري فارقه لا عن عِدَةٍ، فقد قال أصحابنا: للغير أن يستام في هذه الصورة، لأن مفارقته دليل على أنه أعرض عن طلبه، ولو استمر عليه، لواعد صاحبَه، وأوصاه بألا يبيعه.
وإذا خطب الرجل امرأة، فأجيب وأُسعف، فسكت (٤) وانصرف إلى منزله، فليس للغير أن يخطب على خطبته.
وكل واحد من البابين مُقَرٌّ على العادة المعتادة فيه؛ فإن من يُسعَف بالخطبة فقد [يستأخر] (٥) اليوم واليومين، ولا يعدّ ذلك إعراضًا، ثم إن طال انقطاعه -بحيث يعد ذلك إعراضًا- فحينئذ نحكم ببطلان الخطبة الأولى، ويجوز للغير أن يخطب.
ولو خطب امرأة فرُدّ، فللغير أن يخطبها.
ولو خطب امرأة ولا يُدرى أنه أجيب أو رُدّ، فللغير (٦) أن يخطبها؛ فإنه إذا لم يتبين أنه أجيب [أو] (٧) قطعت الخطبة، لما ازدحم الخطّاب على المرأة، والدليل على ذلك من جهة الخبر ما روي أن رسول الله ﷺ قال لفاطمة بنت قيس - وهي معتدة "إذا حللت فآذنيني"، قالت: فلما حللتُ أخبرتُه، وقلت: إن أبا جهم ومعاوية خطباني، فقال: "أما معاوية، فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه، انكحي أسامة". قالت: فكرهت ذلك، ثم لم أجد بدًا من أمر
_________________
(١) عبارة ت ٣: فإذا صادف الرجل سلعة فيمن يريد فإذا طلبها إلخ وهكذا كانت نسخة الأصل، غير أنها صوّبت بقلم مخالف، وهذا يرد بها كثيرًا مما يدل على أنها عورضت من قبل قارىءٍ آخر غير ناسخها.
(٢) ساقط من (ت ٣).
(٣) ساقط من (ت ٣).
(٤) سقط من (ت ٣).
(٥) في الأصل: يسعف. والمثبت من (ت ٣).
(٦) ت ٣: فيجوز للغير.
(٧) في الأصل: لو.
[ ١٢ / ٢٧٥ ]
رسول الله ﷺ، فنكحته، فجعل الله فيه خيرًا، واغتبطت به" (١).
وإنما كرهت لأحد أمرين: إما لأنها كانت طمعت أن رسول الله ﷺ يريد أن ينكحها، فلما لم يفعل، كرهت، أو لأن أسامة كان ابن مولى، ولم يكن من قريش، وإنما هو من بني كلب (٢).
وفي حديث زيد بن حارثة دليل على جواز استرقاق العربي.
وهذا الحديث يتعلق به فوائد: منها - أن رسول الله ﷺ عرّض بالخطبة وهي في العدة، لما قال "إذا حللت فآذنيني"، ثم صرح بعد انقضاء العدة، فدل ذلك على جواز التصريح بعد العدة، وجواز التعريض في العدة.
ثم خطب رسول الله ﷺ على خطبة معاوية وأبي جهم، فاتجه أن يحمل هذا على أنه لم يعلم ما كان منهما، أو علم خطبتهما وعلم ترددهما، وهذا يفيد أصلًا في الباب، وهو: أن المرأة إذا كانت متوقفة في إجابة من خطبها، فلا يحرم على الغير خطبتها، وما كانت ردت الرجلين؛ فإنها لو ردتهما، لما ذكرتهما لرسول الله ﷺ.
ويبتني على ذلك أن الثيب المستقلة إذا خُطبت، فأجابت؛ لم يكن للغير أن يخطُبها على الخِطبة الأولى.
وإن ردّت، فللغير الخِطبة.
وإن سكتت، فقد اختلف أصحابنا في المسألة: فقال الصيدلاني: في المسألة قولان: أحدهما - وهو المنصوص عليه في الجديد- أن خِطبتها لا تحرم لذلك؛ فلا تعويل على سكوتها المتردد بين الرد والقبول، وحديث (٣) فاطمة دالّ على ذلك؛ فإن الظاهر أنها ما ردّت وما أسعفت.
_________________
(١) جزء من حديث فاطمة السابق.
(٢) في حاشية الأصل: وقيل: إنها كرهت لسواده، والله أعلم.
(٣) هنا خلل في ترتيب صفحات المخطوط. حيث انتقلنا من آخر (١٥٢ ي) إلى أول (١٥٣ ش) ثم يستمر إلى آخر (١٦٢ ي) فيرجع إلى أول (١٥٢ ش).
[ ١٢ / ٢٧٦ ]
قال: والمنصوص عليه في القديم (١): أنها إذا سكتت، تحرم الخِطبة على الغير، وهذا يعتضد بالعادة في الباب؛ فإن الغالب أن المرأة إذا خُطبت، لم تبادر بالإسعاف، وإنما تسكت، ثم تُراجَع مرة أخرى، أو مرارًا.
٨٠٨٦ - ثم الاعتبار في الرد والإجابة بمن العقد إليه على سبيل الإجبار، أو بالمرأة - إن كانت مستأذَنة، وكان النكاح يفتقر إلى إذنها؟
وبيان ذلك أن [أَبَ البكر] (٢) لما كان مُجبِرًا، [فالمخاطَب بالخِطبة هو] (٣)، ثم العبرة به في الرد والإجابة والسكوت، ولا أثر للمرأة في ذلك.
وإن كانت ثيّبًا؛ فهي المخطوبة، وإن كانت لا تتولَّى العقد، من جهة أنها الأصل. وإذا رضيت بكفءٍ [طلبها] (٤)، حصل غرضها، فإن ساعدها الولي، فهو المراد، وإن خالفها، توصلت إلى غرضها من جهة القاضي، وكان الولي عاضلًا.
٨٠٨٧ - ثم حاصل المذهب أن من يُعتبر -على ما ذكرناه- إن صرح بالرد، فللغير أن يخطب. وإن صرح بالقبول، حرمت الخطبة على الغير. وإن سكت: فوجهان، أو (٥) قولان. وإن لم يُدْرَ أخطبت أم لا؟ فليس على الذي يريد الخطبة أن يبحث؛ بل له الهجوم على الخطبة. وإن خُطبت، ولم يدر أن الخاطب أجيب أو رُدّ، فظاهر ما ذكره الصيدلاني أن الخطبة لا تحرم؛ فإنه استدل بحديث فاطمة، وهذه الحالة تتميز عما إذا فرض السكوت في مقابلة الخطبة؛ فإن ذلك (٦) محقق والحالة التي ذكرناها - فيه إذا جوّزنا الرد وجوّزنا غيره. فهذا منتهى التفصيل.
٨٠٨٨ - فإن قيل: قد ذكر رسول الله ﷺ كل واحد من خاطبَي
_________________
(١) حكى الرافعي والنووي القولين، ولكن الرافعي عكس الأمر، فوضع القديم مكان الجديد والجديد مكان القديم. (ر. الشرح الكبير: ٧/ ٤٨٥، الروضة: ٧/ ٣١).
(٢) في الأصل: أن أبا بكر.
(٣) في النسختين: فللمخاطب بالخطبة ثم العبرة.
(٤) في النسختين: طلبه.
(٥) في الأصل: والقاضي قولان.
(٦) ت ٣: دالّ محقق.
[ ١٢ / ٢٧٧ ]
فاطمة بعيب، فما الفرق بين هذا وبين الغِيبة؟ وفي الحديث " أن الغيبة: أن تذكر الإنسان بما فيه مما يكره ذكره، فإن ذكرته بما ليس فيه، فقد بهتّه" (١). وقد قال ﷺ: "من تتبع عورة أخيه، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته، فضحه، ولو في جوف رحله" (٢). فكيف سبيل الجمع بين هذه الأخبار؟
قلنا: إذا ذكرتَ ما في الإنسان لغرض صحيح - وهو أن يكون إلى ذلك حاجة، أو طلبتَ نصيحةَ مسلم لتحذِّره، أو أردت مخايرةً بين شخصين، فلك في هذه المواضع أن تذكر ما في الشخص، ولك أن تتعرض لأمثال هذا وأنت تنفذ وراء الأحاديث في ردٍّ أو ترجيح (٣)، ولا شك في ذلك وأنت تُجرِّح الشاهد.
فخرج من ذلك: أن من ذكر في الإنسان ما هو فيه، وصدق، وكان لغرضٍ [ممّا] (٤) ذكرناه، فليس مغتابًا، وإنما المغتاب من يقصد أن يفضح إنسانًا، أو يهتك ستره، أو يتعلل بذكر الناس تفكّهًا؛ فهذا محرّم.
ويلتحق به من (٥) يتقرب إلى إنسان بذكر عدوّه بالسوء. وقد روي أن النبي ﷺ قال: "اذكروا الفاسق بما فيه يحذره الناس" (٦).
_________________
(١) حديث الغيبة رواه مسلم عن أبي هريرة، بلفظ: أن رسول الله ﷺ قال: "أتدرون ما الغيبة؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "ذكرك أخاك بما يكره" قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه، فقد بهته" (ر. مسلم: كتاب البر والصلة، باب تحريم الغيبة، ح ٢٥٨٩).
(٢) حديث "من تتبع عورة أخيه " هذا جزء من حديثٍ عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ صعد المنبر؛ فنادى بصوتٍ رفيع، قال: "يا معشر من أسلم بلسانه، ولم يُفض الإيمان إلى قلبه الحديث" رواه الترمذي: كتاب البر، باب ما جاء في تعظيم أمر المسلم، ح ٢٠٣٢، وصححه الألباني: صحيح الترمذي: ح ١٦٥٥، وصحيح المشكاة ٥٠٤٤، التعليق الرغيب: ٣/ ٢٧٧.
(٣) أي يجوز ذلك (أي ذكر الرجال بسوء) إن في مجال التضعيف والتصحيح للحديث، وفي مجال ردّ الشهود.
(٤) في النسختين: فيما.
(٥) في النسختين: ويلتحق به أن من يتقرب إلى إنسان
(٦) حديث: "اذكروا الفاسق " ذكره العجلوني في كشف الخفا، بلفظ: اذكروا الفاجر وقال: رواه ابن أبي الدنيا وابن عدي والطبراني، والخطيب، وقال في التمييز: "أخرجه أبو =
[ ١٢ / ٢٧٨ ]
ثم قوله ﷺ "لا يضع عصاه عن عاتقه" قيل: معناه: إنه سيء الخلق. يضرب أهله. وقيل: معناه: إنه كثير الأسفار. والعرب تقول: ألقى فلان عصاه - إذا أقام. ومنه قول القائل:
[فألقت] (١) عصاها واستقر بها النوى كما قر عينًا بالإياب المسافر (٢)
_________________
(١) = يعلى وغيره ولا يصح" (ر. تمييز الطيب من الخبيث: ٢٤ رقم ١٠٦، وكشف الخفا: ١/ ١٠٦ رقم ٣٠٥).
(٢) في النسختين: فقرّت. والمثبت هو المحفوظ، والذي رأيناه في "لسان العرب".
(٣) البيت لعبد ربه السلمي هكذا قال ابن بري. ويقال لسليم بن ثمامة الحنفي، وذكر الآمدي أن البيت لمعفِّر بن حمار البارقي (ر. لسان العرب - مادة: ع. ص. و) وفيه قصة البيت وطرف مما قيل قبله.
[ ١٢ / ٢٧٩ ]