٧٧٧٥ - قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] قد قدمنا في صدر الكتاب أن الغنيمة مخموسة، وكذلك الفيء، ومقصود هذا الباب المعقود إيضاح مصارف خُمس الغنيمة وخُمس الفيء.
وقاعدة المذهب أنّ خمس الفيء وخمس الغنيمة يقسم على خمسة أسهم متساوية، سهم منها للمصالح العامة، وهو السهم الذي يُرصد للمصالح، وكان مضافًا إلى رسول الله ﷺ في حياته، فلما استأثر الله تعالى به صرف سهمه إلى المصالح.
وسهمٌ لذوي القُربى، وسهمٌ لليتامى، وسهم للمساكين وسهم لأبناء السبيل.
وما ذكرناه تراجم، ونحن نذكر الآن الشرح والتفصيل.
٧٧٧٦ - فأول ما نذكر أن الشيخ أبا علي حكى في الشرح قولًا غريبًا أن رسول الله ﷺ لما انقلب إلى رحمة الله تعالى ورضوانه، ارتفع سهمه، وعادت مصارف الخُمس إلى أربعة أسهم: أحدها - لذوي القربى (١).
والثاني - لليتامى، والثالث - لأبناء السبيل، والرابع - للمساكين. وهذا قول غريب لم أره إلا في طريق شيخنا أبي علي.
وذهب بعض العلماء إلى أن السهم الذي كان مضافًا إلى رسول الله ﷺ فهو مصروف إلى خليفة الزمان؛ فإنه وزرُ المسلمين، [وهو] (٢) الذي يقرب إلى القيام مقام المصطفى ﷺ، ولم تصح عندي نسبة هذا إلى أحد من أصحابنا.
_________________
(١) في الأصل: أحدها - لذوي القربى واليتامى.
(٢) في الأصل: وهذا.
[ ١١ / ٥٠٥ ]
وفي بعض الطرق صيغةٌ مختلّة بهذا المعنى؛ فإنّ صاحب الطريقة قال: [ظاهر] (١) المذهب أن السهم الذي كان لرسول الله ﷺ لا يصرف إلى خليفة الزمان، ثم ذكر مذهب السلف (٢). وقوله ظاهر المذهب يشعر بخلافه، ولكنه إيهامٌ لا حاصل وراءه، فلا أصل لهذا الرمز، ولا للقول الغريب الذي حكاه الشيخ، ولا عوْد (٣) إليهما. وهذا قولنا في السهم الذي يعزى إلى رسول الله ﷺ.
٧٧٧٧ - فأما سهم ذوي القربى، فإنه مصروف إلى بني هاشم، وبني المطلب.
ونعني الذي يكون من صلب بني هاشم وبني المطلب، وهم الذين ينتمون إلى هؤلاء بالآباء لا بالأمهات، فمن كانت أمه هاشمية ولم يكن أبوه هاشميًا، فليس من بني هاشم، وإنما الانتساب إلى الآباء وانتمائهم إلى الأجداد القديمة.
ثم إن رسول الله ﷺ من [صلبة] (٤) بني هاشم، وبنو المطلب يقعون منه موقع بني عبد شمس [وبني] (٥) نوفل. ثم خصص رسول الله ﷺ بني المطلب، ولم يعط غيرهم، وقد قيل: إن عثمان (٦) بن عفان جاء إلى رسول الله ﷺ وكان عبشميًا. فقال: يا رسول الله إنا لا ننكر فضل بني هاشم لمكانك منهم، ولكن قرابتنا وقرابة بني المطلب واحدة، وقد أعطيتهم وحرمتنا، فقال رسول الله ﷺ: "إنّ بني المطلب لم يفارقونا في
_________________
(١) مزيدة من المحقق على ضوء السياق كما سيظهر في السطر التالي.
(٢) كذا. ولعلها: مذهب الشافعي، فبهذا تكون مختلفة.
(٣) "لا عَوْد إليهما" قال النووي: و"هذان النقلان شاذان غريبان مردودان" (ر. الروضة: ٦/ ٣٥٥) وعليه فالمذهب أن سهم رسول الله ﷺ بعده -بأبي هو وأمي- لمصالح المسلمين.
(٤) في الأصل: صلبته.
(٥) في الأصل: بنو.
(٦) يسوق إمام الحرمين هذا الحديث على نحو ما ساقه الشافعي في الأم: ٤/ ٧١ إلى حد كبير. غير أن الشافعي رواه عن محمد بن جبير بن مطعم، قال: أتيته ﷺ أنا وعثمان بن عفان، فقلنا الحديث.
[ ١١ / ٥٠٦ ]
جاهلية ولا إسلام، وشبك بين أصابعه" (١). فأبان أن سبب اختصاصهم دون الذين هم في درجتهم من القرابة، ما كان منهم من موافقة بني هاشم في الجاهلية والإسلام وهؤلاء هم الذين حرموا الصدقة، وكان رسول الله ﷺ يعطيهم سهمهم من خمس الغنيمة والفيء، ويقول: "إنّ الله قد أغناكم عن أوساخ أموال الناس بما أعطاكم" (٢).
ثم أجمع أئمتنا في الطرق أنهم يستحقون سهمهم، كانوا أغنياء أم فقراء، وهذا كما أن استحقاق الورثة للميراث لا يتخصص بالفقراء المحاويج، بل يستوي في استحقاقه الغني والمحتاج، كذلك هذا.
وكذلك أجمع الأصحاب على أن سهمهم مصروف إليهم على التفاوت بين الذكر والأنثى، فللذكر سهمان وللأنثى سهم، وهذا محتوم؛ فإن سبيله سبيل الميراث، وهذا السهم مصروف إليهم صرف التركة أو صرف باقيها (٣) إلى الذكور والإناث من العصبة. ولا يجوز تفضيل البعض إلا من جهة الذكورة والأنوثة كما نبهنا عليه، فأما التفضيل بسائر الفضائل والمناقب، فلا سبيل إليه. فإن قيل: صح أن رسول الله
_________________
(١) حديث: قرابة بني هاشم وبني المطلب رواه البخاري، والشافعي، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، قال البرقاني: وهو على شرط مسلم هكذا قال الحافظ في التلخيص: ٣/ ٢١٦ ح ١٤٦٢. وانظر (البخاري: كتاب المغازي، باب ومن الدليل على أن الخمس للإمام، ح ٣١٤٠، وطرفاه في: ٣٥٠٢، ٤٢٢٩، وترتيب مسند الشافعي: ٢/ ١٢٥، ح ٤١١، ٤١٢، ومسند أحمد: ٤/ ٨١، ٨٣، ٨٥، وسنن أبي داود: كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب: في بيان مواضع قسم الخمس وسهم ذوي القربى، ح ٢٩٧٨، ٢٩٧٩، ٢٩٨٠، والنسائي: كتاب قسم الفيء، ح ٤١٣٧).
(٢) حديث "إن الله قد أغناكم عن أوساخ الناس" رواه مسلم من حديث عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، في قصة طويلة، بلفظ: "إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمدٍ، ولا لآل محمد" (صحيح مسلم: كتاب الزكاة، باب ترك استعمال آل النبي ﷺ على الصدقة، ح ١٠٧٢) قال الحافظ: وفيه عند أبي نعيم في معرفة الصحابة من حديث نوفل بن الحارث: "إن لكم في خمس الخمس ما يكفيكم" (ر. التلخيص: ٣/ ٢٣٨ ح ١٥٠٣).
(٣) باقيها: أي باقي التركة، بعض أصحاب الفروض.
[ ١١ / ٥٠٧ ]
ﷺ أعطى بعضهم مائة وسق وبعضهم أقل، وفاضل بينهم (١). قلنا: كان السبب أن بعضهم كان ذا أولاد بخلاف البعض، فأعطاه رسول الله ﷺ نصيبه ونصيب أولاده (٢).
هذا قولنا في سهم ذوي القربى، وإن كان ذلك يقتضي التوريث بالعصوبة، فقد صح أن رسول الله ﷺ كان يعطي سهم ذوي القربى الأجداد والأحفاد، فلا مزيد على ما صح النقل فيه.
٧٧٧٨ - فأما اليتامى، فهم يتامى المسلمين الذين لا آباء لهم، وأما المستحقون ما كانوا أطفالًا، إذ لا يُتْمَ بعد البلوغ. ولا نفضّل في هذا الصنف ذكرًا على أنثى.
واختلف أصحابنا في أنّا هل نشترط فقرهم؟ فمنهم من لم يشترط، وجعل الأيتام من المسلمين مستحقين لهذا السهم من الخمس، وإن كانوا أغنياء. ومن أئمتنا من قال: إنهم يستحقون إذا احتاجوا، ولا يستخقون إذا استغنَوْا (٣). وهذا القائل يزعم أن اليتم
_________________
(١) هذه تكاد تكون عبارة الشافعي، إذ قال في الأم: "وأخبرنا عمي محمد بن علي بن شافع عن الزهري عن ابن المسيب عن جبير بن مطعِم قال: قسم رسول الله ﷺ سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب، ولم يعط منه أحدًا من بني عبد شمس، ولا بني نوفل شيئًا، فيعطي جميع سهم ذي القربى حيث كانوا لا يفضِّل منهم أحدًا حضر القتال على أحدٍ لم يحضره إلا بسهمه في الغنيمة، كسهم العامة، ولا فقير على غني، ويعطى الرجل سهمين والمرأة سهمًا، ويعطي الصغير منهم والكبير سواء، وذلك أنهم إنما أعطوا باسم القرابة، وكلهم يلزمه اسم القرابة. فإن قال قائل: قد أعطى رسول الله ﷺ بعضهم مائة وسق وبعضهم أقل؟ قال الشافعي: فكل من لقيت من علماء أصحابنا لم يختلفوا فيما وصفتُ من التسوية بينهم، وبأنه إنما قيل: أعطى فلانًا كذا لأنه كان ذا ولد فقيل أعطاه كذا، وإنما أعطاه حظه وحظ عياله" ا. هـ (الأم: ٤/ ٧١).
(٢) خبر القسمة لسهم ذوي القربى، المشار إليه، وإعطاء بعضهم مائة وسق، وبعضهم أقل، المراد به قسمة سهمهم من خيبر، أورده ابن إسحاق في السيرة، وفيه: " ولعلي بن أبي طالب مائة وسق، ولعقيل بن أبي طالب مائة وسق وأربعين وسقًا، ولبني جعفر خمسين وسقًا ولأم الزبير، صفية بنت عبد المطلب أربعين وسقًا قال ابن هشام: قسمه على قدر حاجتهم، وكانت الحاجة في بني عبد المطلب أكثر، ولهذا أعطاهم أكثر". (السيرة النبوية لابن هشام: ٣/ ١١٨٠).
(٣) هذا هو المشهور، وقيل الصحيح. (ر. الشرح الكبير: ٧/ ٣٣٣، الروضة: ٦/ ٣٥٦).
[ ١١ / ٥٠٨ ]
يشعر بعدم الكافل، وإنما لسهم هذا لحاجة ناجزة.
ثم الذي ذهب إليه جماهير الأصحاب اشتراك كافة يتامى المسلمين في الاستحقاق. وانفرد القفال بأن قال: المراد يتامى المرتزقة (١) دون غيرهم، وهذا [] (٢) ولم يُساعَد عليه.
٧٧٧٩ - وأما المساكين، فلا حاجة إلى وصفهم، وهم المساكين المذكورون في آية الصدقات، كما يأتي الكلام فيها، إن شاء الله تعالى.
٧٧٨٠ - وأما أبناء السبيل، فهم المسافرون، وسيأتي وصفهم في الصدقات، إن شاء الله تعالى. وقد ذهب جماهير الأصحاب إلى [أنه] (٣) تُشترط فيهم [الحاجة.
وحكى بعضهم] (٤) وجهًا عن بعض الأصحاب أنا نصرف هذا السهم إلى كل من يَهُمّ بسفر، وإن لم تكن حاجة ماسة. وهذا غريب جدًا لا تعويل عليه.
والمعتبر عندنا في الباب أن كل من سمي في البابين (٥)، فلا يختلف وصفه فيهما، ومن جملة ذلك أبناء السبيل.
فأما الذين لا ذكر لهم في آية الصدقات، فأصحاب القرابة منهم، ولا تشترط
_________________
(١) يتامى المرتزقة: المراد يتامى المجاهدين أصحاب الديوان الذين يأخذون كفايتهم من الفيء، فإذا استشهد واحد منهم أو مات وترك يتيمًا، فيأخذ كفايته من سهم اليتامى من الفيء، ولا يأخذ من الصدقات عند القفال، وقال الماوردي بقول القفال في المساكين، فقال في الأحكام السلطانية: "والسهم الرابع للمساكين، وهم الذين لا يجدون ما يكفيهم من أهل الفيء، لأن مساكين الفيء يتميزون عن مساكين الصدقات لاختلاف مصرفهما". قال الرافعي: وقد يحتج لهذا بظاهر قول ابن عباس ﵄: "إن أهل الفيء كانوا بمعزلٍ عن الصدقة، وأهل الصدقة كانوا بمعزلٍ عن الفي". (ر. الأحكام السلطانية: ١٢٧، والشرح الكبير: ٧/ ٣٣٣، ٣٣٤) وقول ابن عباس، رواه البيهقي في المعرفة: ٥/ ١٦٣.
(٢) كلمة طمس أولها، وما بقي منها صورته هكذا (حـ ـلف) بهذا الرسم وهذا النقط.
(٣) في الأصل: أن.
(٤) زيادة من المحقق، لا يستقيم الكلام بدونها.
(٥) البابين: المراد باب قسم الفيء، وباب قسم الصدقات.
[ ١١ / ٥٠٩ ]
حاجتهم. والمعتمد في ذلك الأخبار؛ فإنه صح في الأخبار "أن رسول الله ﷺ كان يعطي سهم القرابة للأغنياء كما كان يعطي الفقراء منهم" (١). فأما اليتامى، فلا ذكر لهم في الصدقات، وليس معنا فيهم ثبت من جهة الخبر، واسمهم مشير إلى الحاجة.
٧٧٨١ - ومما يتعلق بمقصود الباب أن الذي دل عليه النص وصار إليه جمهور الأصحاب أنه يجب على الإمام أن يوصّل كل سهم من هذه السهام إلى جميع المستحقين في خِطة الإسلام، لا يغادر منهم أحدًا، وذلك مما يتمكن الإمام منه بأن [ينصب] (٢) في [كل] (٣) قُطر أمينًا موثوقًا ذا خبرة ويأمره بضبط أعداد المستحقين، واتخاذ جرائد وسجلات تحوي أنساب ذوي القربى، ويضبط اليتامى وغيرَهم من مستحقي السهام. وإذا صدَرَ أمورُ الخِطة عن رأي واحد واتّسقت الطاعة وأمكنت الاستطاعة، فهذا هيّن.
وحكى العراقيون عن أبي إسحاق المروزي أن الإمام لا يلزمه ذلك، ولكنه يأمر حتى يُصرف ما يتّفق من خمس الغنيمة في كل قطر إلى المستحقين من أهل ذلك القطر، حتى لا يحتاج إلى [جمع الجميع] (٤) نقلًا (٥)، ثم يلزمه [تفريقها] (٦) بعد جمعها. وهذا الذي ذكروه فيه إبهام.
ونحن نقول إن عنى أبو إسحاق بهذا أن يكل الإمام أهل كل قطر إلى ما يتّفق في
_________________
(١) حديث أنه ﷺ كان يعطي الأغنياء من سهم ذوي القربى، رواه الشافعي بلفظ: فقد أعطى ﷺ أبا الفضل العباس بن عبد المطلب، وكان غنيًا، لا دين عليه، ولا حاجة به، بل كان يعول عامة بني المطلب، ويتفضل على غيرهم لكثرة ماله، وما منّ به عليه من سعة خُلقه" (ر. الأم: ٤/ ٧٤).
(٢) مكان كلمة مطموسة.
(٣) زيادة اقتضاها السياق.
(٤) في الأصل: جميع الجميع.
(٥) كذا قرأناها بصعوبة شديدة، وأعاننا على ذلك أن الناسخ كتب بعدها: "ثم يلزمه تفرقها بعد نقلها، ثم ضرب على كلمة (نقلها) وكتب مكانها: (جمعها).
(٦) في الأصل: تفرّقها.
[ ١١ / ٥١٠ ]
ذلك القطر من فيء أو مغنم حتى إن لم يكن، فلا شيء لهم -وربما [تمرّ] (١) السنون على أهل كل قطر ولا يُصيبون فيه فيئًا ولا مغنمًا، ومساق هذا يقتضي لا محالة أن يُحرم قومٌ ويعطَى قوم- فإن أراد هذا، فهو مخالفُ لما عليه معظم الأصحاب والنصِّ.
وإن أراد بذلك أن للإمام ألا ينقل الأخماس من الأقطار ويُقرَّ في كل قطر المقدارَ الذي يليق بأهل ذلك القطر، فهذا قريب لا ينبغي أن يكون فيه خلاف، على ما شرط أنه إن خلا قطرٌ، لم يُحرم أهله، ويبعث إليهم حظهم من حيث يستصوب.
٧٧٨٢ - فإن قيل: أليس من يؤدي الزكاة لو أراد أن يقتصر من كل صنف على ثلاثة، كان له ذلك؟ قلنا: نعم، ولكن آحاد الناس لو تكفلوا فضّ [صدقاتهم] (٢) على المستحقين في خِطة الإسلام، وما في أيديهم يقلّ على سبيل الانبساط على كافة المستحقين [ويتعذر عليهم] (٣) الإمكان لو أرادوه، ولا يقبل كلُّ مقدار بسطًا، فحسمنا هذا الباب.
أما الإمام، فإنه ينظر لأهل الإسلام نظر الشخص الواحد [لذويه] (٤) المعدودين، حتى لو ضاع واحدٌ، [تداعى] (٥) ذلك إلى انتسابه إلى التقصير في الضبط، فإذا كان يجب عليه أن يرعى آحادهم، فسبيل رعايتهم أن يبسط كل سهم على جميع مستحقيه، إذا كان يقبل الانبساط عليهم، ولو جُمع الزكوات عند الإمام، تعيّن عليه أن يرعى في الزكاة ما يرعاه في خمس الفيء والغنيمة.
ولكن يعترض في الزكاة قول منع النقل؛ فإن كان الإمام يرى النقل، فإنه يلتزم في جميع الزكوات إيصالها إلى المستحقين في الخِطة.
فإن قال قائل: هلا خُرّج في خمس الفيء والغنيمة قولٌ في منع النقل، كما خرج
_________________
(١) مكان لفظة غير مقروءة.
(٢) في الأصل: "صدقهم".
(٣) في الأصل هكذا: "على كافة المستحقين [بياض قدر ثلاث كلمات] عليا عدهم الإمكان ".
(٤) في الأصل: " لرو ـه " بدون نقط.
(٥) في الأصل: يراعى.
[ ١١ / ٥١١ ]
في الصدقات؟ قلنا: لا يمتنع أن يخرج، ولم يتعرض لذلك الأصحاب بالنفي والإثبات.
فإن قيل: أليس حمل الشافعي قول معاذ لأهل اليمن -"إئتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة، فإنه أهون عليكم وأنفع للمهاجرين والأنصار بالمدينة" (١) - على الفيء؟ وهذا دليل من نصه على أن الفيء يُنقل. قلنا: لا يمتنع حمله على أربعة أخماس الفيء، فإنها مُرصدة للمرتزقة والجند المعقود بالمدينة، وإنما كلامنا في مصارف الخمس.
وهذا منتهى المراد في ذلك.
٧٧٨٣ - ومن تمامه أنا [إن] (٢) أوجبنا البسط على الكافة، فإن لم يكن الفقر مشروطًا فيهم، فيجب الفضّ على كافتهم بحيث يستوي الذكور في أقساطهم، وتستوي الإناث في حصصهم، وقد تقدم أن الأصل في الباب على تضعيف حق الذكور كما تقدم.
وإن شرطنا الحاجة في مستحقي بعض السهام، فلا يمكن التسوية بينهم، [ولا] (٣) يتجاوز [سداد] (٤) الحاجة، ويجعل الحاجات معتبره ومرجوعَه.
_________________
(١) حديث معاذ أخرجه البيهقي، وعلّقه البخاري. (ر. السنن الكبرى: ٤/ ١١٣، والبخاري: كتاب الزكاة، باب العرض في الزكاة (بعد حديث ١٤٤٧)، وانظر تلخيص الحبير: ٣/ ٢٤٢ ح ١٥١٨). هذا، وفي (تنبيهٍ) للحافظ فسّر فيه غريب الحديث قال: "خميس: المراد به الثوب الذي طوله خمسة أذرع، كأنه عنى الصغير من الثياب. وقيل: لأن أول من عمله ملِكٌ باليمن يقال له: الخميس، أمر بعمل هذه الثياب، فنسبت إليه. وقال المحب الطبري: روي: "خميص" بالصاد، فإن صح، فهو تذكير خميصة. اهـ. هذا وقد صحف في التلخيص: (ملك) إلى (مالك خميس) فأشكلت العبارة في طبعة عبد الله هاشم اليماني: ٣/ ١١٤، وطبعًا تبعه أبو عاصم في طبعة مؤسسة قرطبة، والتصويب من غريب أبي عبيد: ٤/ ١٣٦.
(٢) زيادة لاستقامة الكلام.
(٣) في الأصل: ولكن.
(٤) في الأصل: اسداد.
[ ١١ / ٥١٢ ]
وإن كان المقدار الحاصل بحيث لا تنتهي حصة واحد منهم إلى مقدار سدّ الحاجة، أفيسوي الإمام أم يعطي على قدر الحاجات؟ فإن الأشخاص وإن كانوا هم المستحقين، [فالجهة التي اقتضت الصرفَ الحاجةُ، فكان للإمام أن يرعى الكثرة في أشخاصٍ] (١) بالإضافة إلى من قلّت حاجته.
وإن وقع بيد الإمام مقدارٌ [لو بسطه] (٢) على أهل الخِطة [لما] (٣) تُصوِّر أن ينبسط لقلّته [وكثرةِ] (٤) المستحقين، فإذا تُصوّر الأمر كذلك، فالأمر مفوّض إلى اجتهاده، ثم سبيل اجتهاده أن يقدِّم بما معه الأحوج فالأحوج، وإن كانت الحاجة غير مرعية في مستحقي ذلك السهم. لا وجه غير ذلك؛ فإن التأخير على الجملة ممتنع والفضّ على الكافة غير ممكن، والتحكم لا سبيل إليه، فلا وجه إلا ما ذكرناه.
٧٧٨٤ - ومما ذكره الأئمة في هذا الباب أنه إذا جاء إلى الإمام إنسان، وادعى أنه من ذوي القربى، لم يعطه بدعواه حتى يثبته، فإن كان [نسبه مستفيضًا] (٥)، اكتفي به، وإلا ألزمه إثباته بالبينة، [إن] (٦) أراد طلبَ حقه من ذلك السهم.
وكذلك لو ذكر أنه يتيم، فلا سبيل إلى اعتماد قوله؛ فإن اليتيم لا بد وأن يكون طفلًا، وقول الطفل غير مقبول، فعلى الوالي أن يبحث عن ذلك بطريق البحث عنه، ثم إذا استبان صغره، فلا بد وأن يتحقق عنده موت أبيه.
_________________
(١) هذه الفقرة مضطربة تمامًا، وقد حاولنا إقامتها بصورة غير مُرضية لنا، ولكن لم نستطع غيرها. والعبارة في الأصل هكذا: "فالجهة التي لصرف الحاجة مكان الإمام الكثرة في أشخاص بالإضافة إلى من قلت حاجته" ا. هـ بنصه. فمن وجد لها وجهًا، فليلحقها بالكتاب، وليغفر لنا، ويدعو لنا بالعفو وحسن العاقبة.
(٢) في الأصل: الوسطة.
(٣) في الأصل: كما.
(٤) في الأصل: وكثرته.
(٥) مطموس بالأصل. وأمكن قراءته على ضوء ما بقي من أطراف الحروف، وفحوى كلام العز بن عبد السلام في مختصره للنهاية.
(٦) في الأصل: وإن.
[ ١١ / ٥١٣ ]
فأما من جاء يطلب من سهم المساكين، وذكر أنه مسكين، فلا نكلفه إقامة البينة على مسكنته، وإن كانت البينة تقام على الإعسار، ولكن نكتفي بقوله، وسيأتي شرح [ذلك] (١) وأنه هل يحلّف إذا اتُهم - في موضعه من قسم الصدقات، إن شاء الله ﷿.
_________________
(١) زيادة اقتضاها السياق.
[ ١١ / ٥١٤ ]