٨٤٨٠ - مهر المثل يكثر تَدْوَارُه في الكلام، فيجب في النكاح الصحيح عند فساد التسمية، وقد يجب في نكاح التفويض، ويجب في وطء الشبهة، وقد يجب في بدل الخلع، وتمس الحاجة إلى معرفته في توزيع المسمى على مهور الأمثال إذا نكح الرجل نسوة في عُقدة، وفرّعنا على تصحيح الصداق، وتمس الحاجة فيه إذا كان الصداق شقصًا مشفوعًا؛ فإن الشفيع يأخذ شقصًا من مهر المثل، وهذا الباب معقود في بيان مهر المثل، والطرق التي توصل إلى معرفتها.
٨٤٨١ - ونحن نقول على الجملة: مهر المثل قيمة البضع، والسبيل فيه كالسبيل في قيم المتقوّمات، ثم إذا أشبهت قيمة الثوب، فالوجه اعتبار ذلك الثوب بأمثاله، والنظر إلى ما عهدت أمثال هذا الثوب رائجة به، وذلك يختلف بكثرة الرغبات وقلتها، فهذا مسلك مهر المثل.
وخاصية الباب الإحاطه بأمثال التي نريد أن نعرف مهرها. فقال الأصحاب: يعتبر مهر المرأة بنساء العصبات.
والقول الضابط فيه: أنا نعتبر النسوة اللاتي ترجع أنسابهن إلى من يرجع نسب المستحقة إليه، وبيان ذلك بالمثال: أنا نعتبر الأخوات من الأب والأم لانتسابهن إلى من تنسب هذه إليه، وكذلك تعتبر العمات؛ فإنهن منتسبات إلى الجد، وهو على عمود النسب. وتعتبر بنات الإخوة من الأب وبنات الأعمام، ولا تعتبر بنات الأخوات؛ فإنهن لا ينسبن إلى أمهاتهن، وإنما ينسبن إلى أزواج الأخوات، ولا يعتبر مهر المرأة بمهور البنات والأمهات، فإنهن لا ينسبن إلى من تنسب هذه المرأة إليه، ولذلك لا تعتبر الأخوات من الأم وبناتهن والأخوال والخالات وبناتهم لما ذكرناه.
[ ١٣ / ١٢٤ ]
٨٤٨٢ - فإذا لاحت النسوة المعتبرات والخارجات عن الاعتبار؛ فالطَّلِبة وراء ذلك بتعليل هذا، فنقول: الصفة الغالبة في العرف الجاري في مقدار المهر النسبُ، فإن المنتسبات إلى شجرة واحدة يجرين على مقدار من المهر، وإن فرض النقص منه عُدّ حطيطةً ووكيسة، والأبضاع لا تتقوم تقوم الأموال، وإنما يُرجع فيها إلى أمثال هذه الخصال التي ذكرناها.
ثم قال الأئمة: إن كانت هذه المرأة التي تبغي مقدار مهرها مساوية لنساء العصبات فذاك، وإن كانت مخالفة لهن في بعض الخصال الحميدة أو الذميمة، فقد يزيد وينقص على ما تقتضيه الصفات، فلو اختصت بصراحةٍ في النسب، وصباحة في الوجه، وسلامة في الخَلْق، وعفة [ويسارٍ] (١)، ومزية في العقل، ومَسْحةٍ من الجمال ظاهرةٍ، فيزاد لها بهذه الصفات، فكأن القطب الذي عليه المدار النسبُ، ثم الاقتصار عليه.
ومن لطيف القول في هذا أن الجمال غير معتبر في الكفاءة، والنسب مرعي فيه، وهو الأصل، والجمال مرعي في مهر المثل باتفاق الأصحاب؛ وذلك لأنا وإن اعتبرنا النسب في الباب، فطلب مهر المثل طلب قيمة، والقيم ترتبط بالرغبات، والرغبات تتفاوت بهذه الصفات، والكفاءة ليست من هذا القبيل، والمجتنب ثَمَّ العارُ، كما بينا قاعدة الكفاءة، فإذا لم يكن ضرار ولا عار، فالكفاءة كافية، وهذا مبني على الرغبات.
وقطع أئمتنا باعتبار اليسار في مهر المثل، وإن لم يكن اليسار صفتَها، ولا حق للزوج في مالها، ولكن يسارها يستجر الرغبات إليها، وقد ذكرنا أن التعويل في قيم المتقومات على الرغبات.
٨٤٨٣ - ثم مهر المثل حيث ثبت ويُقضى به يكون من النقد الغالب؛ فإنه قيمة،
_________________
(١) في الأصل: " وسياد " والمثبت تقدير منا، أكدته عبارة العز بن عبد السلام في مختصره. (ر. الغاية في اختصار النهاية: ج ٣ لوحة رقم: ٩٩ يمين). والمعنى أن يسار المرأة وغناها له نوعُ تأثير في قيمة مهرها، وإن لم يكن للزوج أي حق في مال زوجته.
[ ١٣ / ١٢٥ ]
والقيم تناط بالنقد الغالب، ولو فرض نقدان عامان، فلا يختلف التقويم بهما، وليس هذا كتقويمنا عروض التجارة؛ فإن الغرض قد يختلف بسبب انتقاص النصاب، وهذا لا يعقل في المتقومات.
ولو سامحت واحدة من نساء العشيرة بحيث تعد بذلك [ندْرة] (١) محمولة على مسامحة، فلا اعتبار بها في حق هذه [التي] (٢) تطلب كمال مهر مثلها، وإن عمّ ذلك في نساء العشيرة بعد أن لم يكن، حُمل هذا على انحطاط [السعر] (٣)، واستبان انتقاص الرغبات فيهن، فكانت المعتبرة محمولةً على هذا التخفيف.
ولكل صورة من الصور التي نذكرها نظير في القيم لا يخفى مُدركه. ولو جرت عادتهن من المهر ولكن كن يؤجّلنه فإثبات مهر المثل مؤجلًا محال؛ فإنه قيمة في مقابلة إتلاف أو فيما يحل محل الإتلاف، والقيم لا تتأجل، ولكن إذا كان مهر العشيرة ألفًا مؤجلًا إلى سنة، فيثبت حالًاّ ما يساوي ألفًا مؤجلًا، فيُحَطّ من المقدار، ويُقضى بالحلول. ولو قالت: أوجبوا الجميع وأنا أمهله، لم يلتفت إليها؛ فإن الأجل إذا كان لا يلزم، فلا حكم لوعدها.
٨٤٨٤ - ومما ذكره الأئمة: أنه لو جرت عادة العشيرة بحط شيء من المهر إذا كان الخاطب منهم، وطلب مزيد إذا كان الخاطب أجنبيًا، قالوا: إذا كان المطالَب واحدًا من العشيرة، فيعتبر في حقه تلك الحطيطة، وكان شيخي أبو محمد يأبى هذا ويقطع بخلافه؛ فإن قيم المتلفات لا تختلف باختلاف المُتْلِفين.
وفي هذا فضل نظر عندنا، فيجوز أن يقال: إن كنا نعتبر مهرًا في نكاح، فتلك الحطيطة مرعية، فإن مسامحة العشيرة سببها طلب التداني في التواصل، وذلك في حكم العرف الغالب يستحث على الحطّ.
_________________
(١) في الأصل: بدرة. وعبارة (صفوة المذهب): " ولو سامحت واحدة من العشيرة، فتلك نادرة ومسامحة لا اعتبار بها ".
(٢) في الأصل: الذي.
(٣) في الأصل: السفر.
[ ١٣ / ١٢٦ ]
وأما إذا جرى وطء بشبهة؛ فيجب أن لا [يفرق] (١) بين القريب والبعيد، فإن الحطيطة التي ذكرناها تُحْتَمَلُ في النكاح رغبة في المواصلة مع تداني القرابة.
والذي عليه الفقه في الباب أن لا نقطع نظره عن قصد المواصلات، ولا نظر إلى الأبعاض تتمحض أموالًا.
وعندنا أنا أوضحنا قاعدة الباب ولم نُبق كلًاّ على الطالب.
ولو أُحوجنا إلى معرفة مهر امرأة لا نعرف لها عشيرة، فليس إلا رد النظر إلى الرغبة المحضة في أمثالها على ما هي عليها، وإنما لم نقتصر على هذا في [النسيبة] (٢)؛ لأن الخاطب قد يجهل نسبها، فنذكرها له، وما ذكرناه جار، فالرجوع إلى الرغبة في النسيبة وغير النسيبة، وإنما خُص هذا الباب بالعقد لبُعْد الأبضاع عن المالية المحضة، مع أنها منزّلة على قيم الأموال، غير أنها [تمتاز] (٣) عن الأموال بالصفات المرعية فيها اللائقة بها، فالأموال قد تختلف أسباب الرغبات فيها، وإن شملتها المالية، والله أعلم.
_________________
(١) في الأصل: يجب.
(٢) في الأصل: النسبة.
(٣) في الأصل: تنحاز.
[ ١٣ / ١٢٧ ]