قال الشافعي: "وطلاق المريض والصحيح سواء إلى آخره" (١).
٩١٨٨ - طلاق المريض واقع كطلاق الصحيح، لا مراء فيه، ومقصود الباب الكلام في انقطاع الميراث، وتحصيلُ المذاهب في ذلك، فنقول: إذا طلق في الصحة، وأبان، انقطع الميراث، من الجانبين سواء اتفق موت الزوج، وهي في العدة بعدُ، أو مات بعد انقضاء العدة، وسواء كان الطلاق بسؤالها أو لم يكن بسؤالها.
وإن كان الطلاق رجعيًّا، فالرّجعية زوجة في الميراث: إن مات الزوج وهي في عدة الرجعية، ورثته، وإن ماتت في العدة ورثها.
٩١٨٩ - فأما الطلاق في مرض الموت، فإن كان رجعيًا، فالتوارث قائم ما دامت في العدة، حتى لو ماتت قبل انقضاء العدة، ورثها الزوج ولو مات، ورثته.
ولو أبانها، نُظر: فإن أبانها بسؤالها أو اختلاعها، انقطع الميراث، ولم يكن الزوج فارًّا؛ لأنه غير مُتّهم؛ إذ هي الراغبة في البينونة.
وذكر العراقيون: أن من أصحابنا من أجرى القولين اللذين سنذكرهما في انقطاع الميراث، ونسبوهُ إلى ابن أبي هريرة، وهذا وإن كان غريبًا في الحكاية، فهو معتضد بقصة عبد الرحمن بن عوف وزوجتِه تماضر (٢)، فإنها [سألت] (٣) الطلاق، فطلقها
_________________
(١) ر. مختصر المزني: ٤/ ٨٣.
(٢) قصة عبد الرحمن بن عوف رواها الشافعي من حديث عبد الله بن الزبير، وقال: هذا حديث متصل (الأم: ٥/ ١٣٨)، ورواها عبد الرزاق في مصنفه (٧/ ٦٢ ح ١٢١٩٢)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٣٢٩، ٣٣٠)، ورواها مالك في الموطأ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن (٢/ ٥٧١ ح ٤٠). أما الرواية التي فيها أن الطلاق كان بسؤال زوجة عبد الرحمن، فقد رواها مالك في الموطأ عن ربيعة (٢/ ٥٧٢ ح ٤٢).
(٣) في الأصل: "سات" هكذا ولعلها صحفت إلى (شاءت).
[ ١٤ / ٢٣٠ ]
ثلاثًا، وورّثها عثمان. وهذا غير مُعتدٍّ به، وقد ذكرنا في الطلاق البدعي اتفاقًا في أن الخلع ليس بدعيًا، وفي الطلاق بالسؤال [قولين، و] (١) لست أدري هل نجريهما [هاهنا] (٢) في الاختلاع؟ ولا ينبغي أن نعتني بالتفريع على الضعيف.
٩١٩٠ - وإن لم تسأل الطلاق، فطلقها ثلاثًا، أو طلقها الطلقةَ الثالثة الباقية، أو سألت طلقةً أو طلقتين رجعيتين، فطلقها ثلاثًا، فلا أثر للسؤال في هذا المقام، [فالمسائل] (٣) يُخرّجُ في جميعها قولان: أظهرهما - وهو المنصوص عليه في الجديد أن الميراث ينقطع، والعبارة المشهورة عن هذا القول: "أنا لا نجعله فارًّا، بل نقضي بانقطاع الميراث؛ لأن علة الوراثة عصمة الزوجية، وقد انقطعت".
والقول الثاني - أن الميراث لا ينقطع، نص عليه في القديم، واعتمد حديثَ عبد الرحمن -كما ذكرناه- في المسائل، وهو في القديم كان يقدم الأثر على القياس، والعبارة عن القول القديم: "أنا نجعله فارًّا ونتّهمه بقصد قطع الميراث، ونعاقبه بضدّ مقصوده، كما نحرم القاتلَ الميراثَ؛ من جهة أنا نتّهمه باستعجال الميراث".
ثم إذا فرّعنا على القديم، فعبارتنا عنه أنه فارّ، وإن جرت مسألة فيها خلاف وردَّدنا هذه العبارة بين النفي والإثبات، فليعرف الناظر هذا في صدر الباب، ثم ينتظم في التفريع على هذا القول اتباع التهمة، والتفريعات مطردة على هذا المعنى.
وإن لم يكن له ثبات في سبر النظر وإقامة الجدال، ورُبَّ معنىً نستعمله رابطةً للتفريعات، فيجري، ولا نرى التمسك به في الخلاف.
٩١٩١ - فإن ورثنا المبتوتة، فإلى متى نورثها؟ فعلى أقوال: أحدها - أنا نورثها إلى أن تنقضي العدة؛ فإن مات الزوج قبل انقضاء العدة، ورثته، وإن مات بعد انقضاء العدة، لم ترث؛ فإنّ العدة تابع من توابع النكاح، وعُلْقَة من بقايا أحكامه، وهذا مذهب أبي حنيفة (٤).
_________________
(١) زيادة من المحقق اقتضاها السياق.
(٢) زيادة رعاية للسياق.
(٣) في الأصل: "والمسائل" والمثبت تقدير من المحقق.
(٤) ر. مختصر الطحاوي: ٢٠٣، مختصر اختلاف العلماء: ٢/ ٤٣٢ مسألة ٩٤٢، طريقة الخلاف: ١٢٣ مسألة ٥١، إيثار الإنصاف: ١٧٩.
[ ١٤ / ٢٣١ ]
والفول الثاني - أنا نورثها إلى أن تنكح، وهذا مذهب ابن أبي ليلى (١)، ووجهه أن اعتبار العدة باطل؛ فإنها بائنة في العدة وبعد انقضائها؛ فلا معنى للنظر إلى العدة، ولو طلقها في الصحة، ثم مرض ومات وهي في العدة، لم ترثه، فإذا بطل اعتبار العدة، فالنظرُ إلى النكاح؛ فإنها لو نكحت، صارت محل أن ترث زوجها الثاني، فبعُد أن تورّث من زوجين، ولا يمتنع أن نجعل تزوجها إسقاطًا منها لحقها، والأولى التعلّقُ باستبعاد توريثها من زوجين.
والقول الثالث - أنا لا نُسقط ميراث المبتوتة بشيء إلا بأن تموت قبل زوجها، فلو نكحت أزواجًا، فميراثها قائم؛ فإن حق الإرثِ إذا ثبت لم يسقط، وإذا أدمنا توريثها بعد الزوجية، لم نُبق لمستبعدٍ متعلَّقًا، وهذا مذهب مالك (٢).
٩١٩٢ - وممّا نفرّعه أن المريض لو طلق زوجته التي لم يدخل بها، فإن قلنا في المدخول بها: إذا انقضت عدتها لم ترث، فغير المدخول بها لا ترث؛ إذ لا عدة عليها، وإن لم نعتبر العدة في المدخول بها، ورّثنا هذه، ثم إلى متى ترث؟ فعلى قولين: أحدهما - أنها ترث إلى أن تتزوج.
والثاني - أنه لا ينقطع حقها من الميراث ما لم تمت قبل المطلِّق.
٩١٩٣ - ومن الأصول المفرّعة على القول القديم أنه لو كان تحته أربع نسوة، فطلقهن في مرض الموت، وتزوج بأربعٍ سواهن، ثم مات، ففي المسألة ثلاثة أوجهٍ: أحدها - أن حق الإرث للمطلقات، ولا ميراث للواتي نكحهن في المرض؛ فإنه نكحهن ونصيبُ الزوجات مستحَق من الميراث، فلا حظ لهن؛ إذ لا سبيل إلى حرمان الأوائل، ويبعد توريث أكثر من أربع.
والوجه الثاني - أن الميراث بين البائنات وبين المنكوحات؛ فإن البائنات لم ينقطع
_________________
(١) ر. بداية المجتهد لابن رشد: ٢/ ٨٩، عيون المجالس للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ١٢٤٣ مسألة ٨٦٦، اختلاف الفقهاء للمروزي: ٢٤١ مسألة ٩٨.
(٢) ر. الإشراف للقاضي عبد الوهاب: ٢/ ٧٥٠، ٧٥١ مسألة ١٣٦٣ - ١٣٦٥، عيون المجالس ٣/ ١٢٤٠ مسألة ٨٦٥.
[ ١٤ / ٢٣٢ ]
استحقاقهن، وإذا ورثناهن، استحال أن نحرم المنكوحات، وعلى هذا الوجه لا يمتنع أن نورث عددًا كثيرًا من النسوة بفرض نكاحهن وطلاقهن.
والوجه الثالث - أن الميراث للمنكوحات، ويسقط بهن حق المطلقات، فإنا ورثناهن لتعلقهن بآثار [النكاح] (١) والمنكوحات الجديدات مستمسكات بعين النكاح؛ فكنَّ أولى من صواحبات العلائق والآثار.
وهذه الأوجه إنما تنشأ لزيادة [العدد] (٢) على مبلغ الحصر، فلو طلق امرأة ونكح أخرى، فلا وجه إلا الاشتراك إذا كنا نفرّع على الوجه الأول، أو على الوجه الثاني، أمّا الوجه الثاني، فمقتضاه الاشتراك، وأما الوجه الأول، فمقتضاه تخصيص المطلقات في الصّورة الأولى، وهذا لا ينقدح في هذه الصورة؛ فإنا نقدّر كأنّ التي طلقت لم تطلق، ولو لم يطلق الأولى ونكح عليها أخرى، لاشتركتا، وهذا على وضوحه يجب ألا يُغْفَلَ عنه؛ إذ قد يظن [ظانٌّ] (٣) أن الواحدة تستغرق الربع أو الثمن كالأربع، ويحسَبُ أن الخلاف يجري في مطلقة ومنكوحة، وليس الأمر كذلك؛ [فما] (٤) ذكرناه من إدخال منكوحة على منكوحة، وهذا لا يتحقق مع الزيادة على الحصر.
فأما إذا فرعنا على الوجه الثالث، وهو أن الميراث للمنكوحات الأربع المتأخرات، فإذا طلق واحدة ونكح أخرى، فكيف الوجه وقد وجهنا الوجه الثالث باستمساك المتأخرات بحقيقة النكاح؟ نقول: لا ينقدح إلا التشريك؛ فإن التشريك بين اثنتين ممكن، وهذا كما لو نكح امرأتين، فأبان إحداهما في المرض -والتفريع على القديم- فالميراث بين الباقية في حالة النكاح وبين البائنة، فاستبان أن الأوجُه في فرض الزيادة على العدد المحصور.
٩١٩٤ - صورة أخرى: إذا طلق أربعًا وأبانهنّ، ونكح واحدةً، فإن رأينا تخصيص
_________________
(١) زيادة اقتضاها السياق، وهي في صفوة المذهب.
(٢) في الأصل: "العبد" وهو تصحيف واضح.
(٣) في الأصل: طلق.
(٤) في الأصل: (ما) والمثبت تصرف منا رعاية للسياق.
[ ١٤ / ٢٣٣ ]
المطلقات، حرمنا الجديدة، وإن رأينا الإشراك أشركنا، وإن رأينا في الصورة الأولى تقديم المنكوحات، [فلا] (١) وجه إلا صرف جميع ميراث الزوجات إلى الواحدة الجديدة، فإن الذي نحاذره الزيادة على العدد، وإذا عسر، خصصنا الميراث بأحد [الحِزْبَيْن] (٢) والمنكوحة أولى.
ولو طلق واحدةً، ونكح أربعًا، فإن أشركنا، فلا كلام، وإن خصصنا المنكوحات، حرمنا المطلقة، وإن خصّصنا [المطلقات] (٣)، انفردت الواحدة [البائنة] (٤) بجميع الميراث، وسقطت الزوجات.
٩١٩٥ - ولو علّق طلاقها في المرض نُظِر: فإن علَّقهُ بفعل نفسه، ثم أوجد ذلك،
فهو فارٌّ.
وإن علّق بفعلها، ولها منه بدٌّ، ففعلت وبانت، فليس بفارٍّ، كما لو سألت (٥).
وإذا ذكرنا قولًا بعيدًا، لم نعُد إليه.
وإن لم يكن لها منه بدٌّ وكانت مدفوعةً إلى ذلك الفعل محمولةً عليه طبعًا أو شرعًا: كالنوم، والطهارة، وتأدية الفرائض، فالرجل فارّ.
وإن علّق الطلاق في المرض بفعل أجنبيّ أو بمجيء وقتٍ، أو جريان شيء من الحَدَثان (٦)، فتحقَّقَ ذلك، فالرجل [فارّ] (٧) بمثابة المنجِّز في المرض.
_________________
(١) في الأصل: ولا، والمثبت تقدير منا.
(٢) في الأصل: الجزأين. والمثبت تصرف من المحقق، ووجدناه في عبارة صفوة المذهب.
(٣) في الأصل، وفي صفوة المذهب: "المطلقة" وهو تصحيف، حيث الكلام عن صورة طلاق الأربع ونكاح أربع أخريات.
(٤) في الأصل: الثانية، والمثبت تقدير من المحقق. ثم هي مصحفة أيضًا في صفوة المذهب: جزء (٥) ورقة (٢٠) شمال.
(٥) كما لو سألت: أي سألت الطلاق.
(٦) الحدثان: بفتحاث ثلاث ثم ألف مد بعدها نون: يراد بها هنا نوائب الدهر وحوادثه (ر. المعجم).
(٧) في الأصل: "فان" وهو تصحيف واضح.
[ ١٤ / ٢٣٤ ]
ولو علق الطلاق بفعلها، فنسيت، قلنا؛ إن لم يكن عندها علم من (١) اليمين، فالرجل فارّ.
وإن كان عندها علم، وظهر من قصده أنه رام منعها عن ذلك الفعل، فإذا نسيت وفعلت، وحكمنا بوقوع الطلاق مع نسيانها، فهل نجعل الرجل فارًّا؟ هذا يحتمل: إن نظرنا إليه، فإنه لم يجرّد تطليقها، وإن نظرنا إليها، فلم يوجد منها ما يحل محلَّ سؤالها الطلاق، والأشبه أنه فارّ؛ لأنه علق الطلاق في المرض، فوقع من غير قصدها، والمعلَّق على هذا الوجه كالمطْلَق.
وممّا يتعلق بذلك أنه إذا علق الطلاق بتطعّمها، فما حدّ الحاجة؟ أنجعلها على حدّ الضرورة كالتي لا تختار الطلاق ونجعلها دون الضرورة مختارةً أم نعتبر شيئًا آخر؟ وما قولنا في التَّفِلَة (٢)؛ هذا كلام منتشر.
أما الضرورة، فلا نرعاها، فإذا أكلت أكلًا عَدَمُه يضرّ بها، فليست مختارة، وإن تلذّذت بالطعام، وذلك يضرها، فنجعلها كالمختارة، وإن تلذذت والأكل ينفعها، فيجوز أن يُلحق بجنس الطعام؛ فإن الفصل بين هذه المراتب عسر، يعجز عنه مهرة الأطباء، ويجوز أن تجعل كالمختارة فيه.
والذي أراه أن التعويل في هذا على ظنّها، فإن ظنت تطعّمَها على حدٍّ يضر تركه، فليست مختارةً -وإن كان الأمر على ضدّ ذلك- بناءً على ما مهّدتُه في النسيان.
وإن ظنت أن ذلك التطعّم مضرّ، فهي مختارة وإن كان الأمر على خلاف ما ظنت، فهذا نوع من الكلام في تعليق الطلاق.
٩١٩٦ - ومما يتعلق بتمام الكلام في هذا القولُ في تعليق الطلاق في الصحّة مع وقوعه في المرض، أو في زمنٍ يتصل بهِ، ونحن نفصِّل هذا بالمسائل.
_________________
(١) كذا في الأصل وفي صفوة المذهب أيضًا. والمعنى -كما هو واضح- أنها ليس عندها علم عن يمين تعليق طلاقها.
(٢) التفلة: في الحديث: "وليخرجن تفلات" أي غير متطيبات، ولا متزينات. فالتفلة التي تركت زينتها هذا معناها في الأصل، ثم استخدم هذا في معنى الزهد والتقلل، والرغبة عن الطعام.
[ ١٤ / ٢٣٥ ]
فإن علق الصّحيحُ الطلاق بمقدمات الموت وما يُنبىء عنه، فهو فارٌّ، وإن جرى التعليق في حالة الصحة، وذلك مثل أن يقول: إذا وقعتُ في النزع، أو تردّدت روحي في الشراسيف (١)، فأنت طالق، وإنما قطعنا بكونه فارًّا؛ لأنه اعتمد الفرار وأضافه إلى المحل الذي ينشأ منه التهمة.
وكذلك لو قال: أنت طالق قبل موتي بيوم أو يومين، وذكر مدة قريبةً، الأغلبُ أن مرض الموت ينبسط عليها، فإذا مات وتبيّنا بتاريخ تلك المدة أن الطلاق وقع في أولها، وأولها في الصّحة -كذلك اتفق (٢) - فالرجل فارٌّ، والتعليقُ في الصحة والوقوع في الصّحة (٣)؛ فإن معتمد هذا القول تحقق التهمة.
وقد ذكرت في مقدمة الباب [أننا] (٤) نعتبر التهمة تطرد في التفريع على القول القديم، وقد وقع الطلاق في هذه المسألة في وقتٍ لو نجّزه فيه لم يكن فارًّا (٥).
وكان شيخي أبو محمدٍ يقول: "إذا علق الصحيح الطلاق على الموت، أو على مرض الموت، ففي كونه فارًّا خلاف".
وهذا مجازفة وذهول عن المسألة. نعم، الصورة الأخيرة التي ذكرناها صعبة؛ فإن التّهمة وإن تحققت، فينبغي أن يقع أحد الطرفين في المرض، فتقدير الخلاف في هذا ظاهر.
وحكى من يوثق به أن القاضي قال في مجالس الإفادة: "إذا قال: إذا مرضت مرض الموت، فأنت طالق قبله بيومٍ، أو قال لعبده إذا مرضتُ مرض الموت، فأنت
_________________
(١) الشراسيف: جمع شرسوف، وهو الطرف اللين من الضلع مما يلي البطن، والمعنى: إذا تردّدت روحي بين أضلعي عند خروجها. (المعجم).
(٢) أي صادف.
(٣) كون التعليق في الصحة واضح، حيث أنشأه كذلك، وكون الوقوع في الصحة يظهر إذا علمنا أن الحكم بوقوع الطلاق كان قبل موته بيوم أو يومين، ولما ضبطنا التاريخ، تبين لنا أنه كان في حال الصحة يومئذٍ.
(٤) في الأصل: أن.
(٥) هذا هو موضع المفارقة في المسألة، أنه يعتبر فارًّا، مع أنه علّق ووقع المعلَّق في وقتٍ لو نجز فيه ما عَلّق لم يكن فارًّا.
[ ١٤ / ٢٣٦ ]
حرٌ قبله بيومٍ، قال: ليس بفارٍّ، وليس العتق من الثلث لوقوع الطلاق والعتق في حال الصحة".
وكان يجوز أن نقول: المطلِّق فارّ، والعتق من الثلث: أما الفرار، فالمتبع فيه التهمة، وهي لائحة، والشاهد لهذا المسألةُ التي [نذكرها] (١) الآن: وهي إذا قال: أنت طالق قبل موتي بيومٍ، ثم مضى يوم في أوّله صحيح، ومرض في آخره ومات، فالطلاق وقع في الصّحة، وهو طلاقُ فارّ على القياس البيّن، فليكن الأمر كذلك في تقديمه على مرض الموت.
ثم إذا تحقق هذا في الطلاق، فالعتق يتبعه، فكل طلاق يفرضُ طلاقُ فارٍّ، فالعتق إذا أقيم في محله، فهو عتق تبرّع.
٩١٩٧ - ولنا وراء هذا تصرفان: أحدهما - أنه لا يبعد فرق بين المسألة الأولى التي استشهدنا بها وبين الثانية؛ فإنه ذكر في الأولى أيامًا يغلب على القلب انبساطُ المرض عليها، وصرّح في المسألة التي أفادها القاضي بالتقديم على المرض، فإن كانت تهمةٌ (٢)، فلتكن، فإنا لا نلتزم مضادّته في كل تهمةٍ، ولا بدّ من ضربٍ من الارتباط بالمرض. هذا وجهٌ. والأَوْجه أنه فارّ؛ فإنّ هذا ينشأ من استشعار الموت.
والوجه الثاني في النظر - أن ما ذكرناه من الفرار متجه، فأمَّا عتق يفرض وقوعه في الصحة ويختلف في احتسابه من رأس المال، فلا وجه له؛ فإن مأخذ الاحتساب من الثلث وقوعُ التبرّع في حالة الحجر، ومرض الموت يجرّ على المرء حجرًا ويردّ مضطربة (٣) إلى ثُلثه، فلا التفات في هذا على التهمة.
_________________
(١) في الأصل: "ذكرناها" والمثبت اختيارٌ منا، على ضوء السياق، ويشهد لاختيارنا عبارة ابن أبي عصرون ونصها: " ويجوز أن يقال: إن المطلق فارّ، وإن العتق من الثلث؛ لأن المتبع في الفرار التهمة، وهي لائحة، ويشهد لهذه المسألة: إذا قال: أنت طالق قبل موتي بيوم، فمضى يوم هو في أوله صحيح، ومرض آخره ومات، فالطلاق وقع في الصحة، وهو طلاق فارّ على القياس البيّن، فليكن الأمر كذلك" ا. هـ (ر. صفوة المذهب: جزء (٥) ورقة (٢١) شمال).
(٢) كانت تهمة: كان هنا تامة: أي فإن وجدت تهمة.
(٣) مضطربة: المراد هنا تصرفاته.
[ ١٤ / ٢٣٧ ]
٩١٩٨ - ومما يتعلق بهذا أنه لو علق الطلاق في الصحة بفعل من أفعال نفسه، ثم مرض، فَفَعَله في المرض، قطع القاضي بأنه فارّ؛ فإنّه اعتمد سبب الطلاق في مرضه، فكان كما لو نجّز الطلاق في المرض، وهذا حسنٌ فقيه، وكان شيخي يذكر وجهين في هذه الصورة، والوجه عندي القطعُ بما ذكره القاضي؛ فإن عماد القول التهمةُ، وتحققُها في هذه الصورة كتحققها في تنجيز الطلاق.
وإن علَّق الطلاق في الصّحة بفعل أجنبي، أو بأمرٍ يجوز أن يقع في الصحة، ويجوز أن يقع في المرض مما لا يتعلق به، فاتفق وقوع ذلك في المرض، فحينئذٍ في المسألة قولان: أحدهما - أن الاعتبار بحالة التعليق، ولقد كان صحيحًا فيه، فليس فارًا.
والقول الثاني - أنه فارّ؛ نظرًا إلى وقت وقوع الطلاق، ولعلّ الأقيس القولُ الأول؛ فإنّ التهمة لا تتحقق.
وكما طرد الأصحاب قولين في الطلاق طردوهما في العِتاق ومحلِّ احتسابه، وجريانُ القولين في العِتاق في الصورة التي انتهينا إليها حسنٌ ترددًا في وقت التعليق ووقت النفوذِ.
فإن قال قائل: إذا كان عماد الفرار على التهمة، فكيف يخرج قول الفرار في الصورة التي ذكرتموها؟ قلنا: إذا علّق بصفةٍ مترددةٍ بين أن تقع في الصّحة أوالمرض، ولو أوقع في المرض، لاتّهم، فإذا أطلق التعليق بما يجوز تقدير وقوعِه في المرض، انبسط التعليق على زمانٍ لا تهمةَ فيه، وعلى زمانٍ فيه تهمة، فلا يبعد أن يُنْظَر إلى العاقبة. وإن وقع في زمانِ نفْي التهمة، فلا فرار، وإن وقع في زمان التهمة، جعلناه فارًّا.
وقال أبو حنيفة (١): إذا وقع العتق في المرض، وقد جرى التعليق في الصّحة، فالعتق من الثلث، وإذا جرى تعليق الطلاق في الصّحة، ووجدت الصّفة في المرض، فلا يكون الزوج فارًّا، وتعلَّق في الفرق بفصل التهمة، وكنت أودّ لو كان ذاك مذهبًا
_________________
(١) ر. المبسوط: ٦/ ١٥٧ وما بعدها.
[ ١٤ / ٢٣٨ ]
لأصحابنا. وقد قدمنا رمزًا إلى مثله في الفرق بين العتق والطلاق.
٩١٩٩ - ومما يتعلق بهذا أنه إذا أقرّ في المرض بطلاقها في الصحة، فليس بفارٍّ، وإقراره مقبول، ولو أقر في المرض بعتقٍ نجّزه في الصحة، فهو من رأسِ المال.
قال القاضي: يجوز أن يُخرَّج في المسألتين قولٌ آخر أنه يكون فارًا، والعتق من الثلث. وأقرب مأخذٍ لهذا أن المريض في حالة حجرٍ، والمحجور عليه إذا أقرّ وأسند إقراره إلى حالة الإطلاق، ففي قبول إقراره في الحالِّ قولان، كالمفلس يقرّ بعد اطراد الحجر عليه بدين [فيما مضى] (١) زعم التزامَه في حالة الإطلاق، فهل يزاحم المقَرُّ له سائرَ الغرماء؟ فعلى قولين، قدمنا ذكرهما.
ولو أبان في مرض الموت امرأته الأمةَ، فعَتَقَت أو امرأته الذِّمية، فأسلمت، أو كان الزوج عبدًا، فطلّق ثم عَتَق، فالذي قطع به الأئمة أنه لا يكون فارًّا في هذه المسائل؛ لأنه لم يكن متعرضًا للتهمة حالة الطلاق؛ فإن السبب المورّث لم يكن ثابتًا في ذلك الوقت، فإن طرأ سببٌ، فذلك لا حكم له.
وقد يتطرق إلى ما ذكرناه نظرٌ مأخوذ من إقرار الرجل لعمّهِ وله أولادٌ ذكور، فإذا جرى الإقرار في مرض الموت، ثم اتفق موت الأولاد ومصير العمّ وارثًا، والتفريع على أن الإقرار للوارث مردود، فهل يُردّ الإقرار في هذه الصّورة؟ فعلى قولين، وكذلك لو فرض الأمر على عكس ذلك، وقدّر المقَرّ له وارثًا لو فرض موت المقِرّ، ثم حدث حاجبٌ، ففي [قبول] (٢) الإقرار قولان.
فلو قال قائل: إذا جرى الطلاق، ثم أفضى الأمر إلى الوراثة، فيخرّج كون المطلق فارًّا على ما ذكرناه من القولين في اعتبار الحال أو المآل، لم يكن ذلك بعيدًا.
والضابط في الباب أن الوصية يُرعى فيها المآل حتى لو أوصى لأجنبيّة، ثم نكحها، فالوصية مردودة، ولهذا لم نفرق بين وصية الصحيح وبين وصية المريض؛
_________________
(١) عبارة الأصل: مضى فيما زعم.
(٢) في الأصل: "قبوله" والمثبت تصرف منا.
[ ١٤ / ٢٣٩ ]
فإن محل الوصية في حق الكافة بعد الموت، والإقرار تنجيز التبرّع في المرض؛ [فخرج] (١) على قولين في اعتبار الحال والمآل.
ولو أقرّ لأجنبية في مرضه، ثم نكحها، فهل نجعل ذلك إقرارًا لوارثٍ؟ فعلى طريقين: منهم من قطع بقبول الإقرار، ومنهم من جعل المسألة على قولين، على الأصل الممهّد.
٩٢٠٠ - ولو نكح ذمّي ذميةً، ثم أسلم الزوج في مرض الموت، وأصرت المرأة، وأفضى اختلاف الدّين إلى انقطاع [التوارث] (٢)، فلا يكون الزوج فارًّا إجماعًا؛ لأنّ الزوج أدّى مفروضًا عليه، ثم لا يتطرق التهمة إليه في قصد الحرمان، وكذلك لو فسَخَ النكاحَ بعيبٍ، فلا يُجعل فارًّا؛ لأنه استوفى حقًا مستحقًا له، فلم يُحمل ما جرى منه على قصد الحرمان.
ولو ارتدّ الزوج، فانبتَّ النكاح، ثم عاد، فهل نجعله فارًّا؟ فعلى وجهين: ذكرهما العراقيون: أحدهما - أنا لا نجعله فارًّا، لأنه لا يظن به أن يبدّل دينه لقصد الفرار، مع تمكنه من الطلاق.
والثاني - أنه فارّ، ولا يُمهَّد له عذر.
والمرأة لو ارتدت يجري الوجهان فيها، والأصح انقطاع ميراث الزوج عنها؛ فإنا وإن كنّا نطرد معنى التهمة، فلا ينبغي أن نبعد عن مورد الأثر، وهذا وارد في الطلاق والطلاق مثبَتٌ لرفع النكاح، والردة ليست تصرفًا في النكاح.
٩٢٠١ - وإن لاعن الزوج، نظرنا: فإن لم يكن ثَمَّ نسبٌ، وكانت لا تطلب اللعان، فقد قيل: إنَّه فارّ، كما لو أبانها بالطلاق، ولو كان ثَمَّ نسبٌ متعرّض للثبوت، فنفاه باللعان، أو طلبت اللعان، [ولو لم] (٣) يلتعن، لعوقب على ما صدر منه من قذفٍ، فلا يكون فارًا.
_________________
(١) في الأصل: يخرج. والمثبت اختيار منا.
(٢) في الأصل "النكاح".
(٣) في الأصل: "ولم" والمثبت من صفوة المذهب: جزء (٥) ورقة (٢٢) شمال.
[ ١٤ / ٢٤٠ ]
وفي كلام الأئمة رمزٌ إلى أن اللعان لا يكون فرارًا، وإن لم يكن ثَمَّ نسبٌ ولا طلب؛ فإن التهمة بعيدة مع ما في اللعان من التعرض للشهرة والخزي، والطلاقُ ممكن دون ذلك.
٩٢٠٢ - ثم إذا طلق الزوج زوجته وأبانها، فالقولان في توريثها منه لو مات، فأما إذا اتفق موت المبتوتة، فلا خلاف أن الزَّوج لا يرثها، والسبب فيه أنه المطلِّق المُؤْثرُ للقطع، وإذا كنا نقول: الطلاق إذا كان صادرًا عن سؤالها، فينقطع ميراثها، فلأن ينقطع ميراث الزوج وهو المنشىء للطلاق أولى وأحرى.
***
[ ١٤ / ٢٤١ ]