٨٥٠٩ - وقد تقدم أنَّ الزوجَ إذا طلق امرأتَه قبل المسيس، وقد جرى مُسمًّى صحيح، فإنه يتشطر. والمعتمد في ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وقد تكلموا في قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]؛ فإنها استحقت الجميع بالعقد، ثم عاد النصف بالطلاق، قيل (١): التقدير فنصف ما فرضتم لهن، ثم إذا اختص الاستحقاقُ في جانبها بالنصف، ارتدّ النصفُ الآخرُ إلى الزوج.
وقيل: المذكور النصف [لكن بغرض التثنية] (٢) على النصفين، والمعنى: فنصف ما فرضتم لكم والنصف لهن.
٨٥١٠ - ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أراد به الزوجاتِ يعفون عن المهر، فيخلص الكل للأزواج، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وقد اختلف القولُ في الذي بيده عُقدة النكاح: فقال في القديم: هو الولي، وبه قال ابنُ عباس، ورجَّح الشافعي هذا القولَ في القديم من أوجه: أحدها - أنَّ قول ابنِ عباس مقدم [في] (٣) التفسير؛ لأنه ترجمان القرآن وقد قال ﷺ وهو يمسحُ
_________________
(١) في الأصل: وقيل.
(٢) ما بين المعقفين محاولة لإقامة النص مع الاحتفاظ بأقرب صورة للكلمات الواردة في الأصل، وعبارة الأصل هكذا: " وقيل المذكور النصف لو ـعرص الـ ـسه على النصفين" (انظر صورتها) هذا. وقد راجعت المسألة في الأم، وأحكام القرآن للشافعي، والشرح الكبير، والروضة ومختصر العز بن عبد السلام، فلم أجد ما يفيد في تصحيح العبارة. (والكتاب ماثل للطبع حصلنا على هذا الجزء من مختصر ابن أبي عصرون، والحمد لله صدّق تقديرنا، فقد وجدنا العبارة عنده كما تصوّرناها، فلله الحمد والمنة).
(٣) زيادة من المحقق.
[ ١٣ / ١٤٩ ]
رأسَهُ بيده -وكان إذ ذاكَ صبيًا-: " اللهم فَقِّههُ في الدين، وعَلمهُ التأويل " (١).
ومما ذَكَرهُ أنه تعالى قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ فكان ذلك راجعًا إلى عفو يخلص به الصداق للزوج ليكون المعفوّ واحدًا، وأيضًا فإنَّ قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فإنَّ (٢) ذِكْرَ الزوج جرى على صيغةِ المخاطبة، وقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ﴾ على صيغة المُغايبة، ولا يحسن عطفُ المغيابة على المخاطبة في حق شخص واحد.
والقول الثاني -وهو المنصوص عليه في الجديد- إنَّ الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، وروى الشافعي هذا عن علي، وابنِ جريج (٣)، وابنِ المسيب، وغيرهم.
وأيضًا فإنَّ الله تعالى ذَكَرَ خلوص الصداق له بعفوها، ثم عطف هذا عليه، فظهر أنَّ المرادَ عفوٌ يخلصُ به الصداق لها.
اشتملت الآية على ذكر الخلوص من الجانبين، وذكر التشطر والانقسام على الجانبين، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ والأقرب للتقوى عفوُ الزوجِ، فأما عفوُ الأب عن حقِّ ضعيفةٍ، فلا يتَّصف بهذه الصفة. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ خطاب لهما.
٨٥١١ - فهذا ذكرٌ للقولين على صيغة التردد في التفسير، وثمرتهما اختلافُ القول في أنَّ الولي هل يملك الإبراء عن صداقِ ولِيَّتِهِ؟ وفيه قولان: الجديد -إنه
_________________
(١) حديث: " اللهم فقهه في الدين " رواه مسلم مقتصرًا على لفظ: " اللهم فقهه " (مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عبد الله بن عباس ﵄، ح ٢٤٧٧) وأما بالألفًاظ التي ساقه بها إمام الحرمين، فقد رواه أحمد في مواضع كثيرة من (المسند، منها: ١/ ٢٦٦، ٣١٤).
(٢) في الأصل: " وأيضًا، فإن ذكر الزوج جرى على صيغة المخاطبة ".
(٣) ابن جريج، عبد الملك بن عبد العزيز، أبو الوليد، وأبو خالد، فقيه الحرم المكي، كان إمام أهل الحجاز في عصره، أول من صنف تصانيف العلم بمكة، رومي الأصل، من موالي قريش، مكي المولد والنشأة. توفي سنة ١٥٠ هـ. (ر. تاريخ بغداد: ١٠/ ٤٠٠، وصفة الصفوة: ٢/ ١٢٢، وتذكرة الحفاظ: ١/ ١٦٠، ووفيات الأعيان: ٣/ ١٦٣، وتهذيب التهذيب: ٦/ ٤٠٢. وانظر الأعلام للزركلي).
[ ١٣ / ١٥٠ ]
لا يَملك. وهو مذهب أبي حنيفة (١). ووجهه في القياس لائح؛ فإن الصداقَ مالٌ من أموالها، فلم يملك الأبُ إسقاطَه كسائرِ أموالِها.
والقول القديم: إنه يملك الإسقاط؛ لأنه أكسبها هذا المال في مقابلة البضع، ثم رجع البضعُ إليها، وهو على كمالٍ من الشفقة، ولا يُنكَر في جهات الاستصواب إسقاط المهر، فإذا صدر ممن كملت شفقته، كان محالًا على النظر.
التفريع (٢):
٨٥١٢ - إنْ منعنا العفوَ، فلا كلام. وإنْ جوزناه، فنفوذه مشروط بخمسة أشياء، أحدها - أن يكونَ الولي أبًا أو جَدًَّا؛ إذْ لا مُجبر غيرهما.
والثاني - أن يفرض العفوُ قبل الدخول؛ فإنَّ المهر إذا تأكد بالدخول، فقد تحقق فواتُ البضع، ولأجله استقر العوض. فإنْ كُنا نتلقى إسقاطَ المهرِ من حملِ قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ على الولي، فالعفوُ واردٌ في شطرِ الصداق، إذا فُرض وقوع الطلاق قبل الدخول.
والشرط الثالث - أن يكون العفوُ بعد الطلاق، أو يقعُ الاختلاعُ به؛ والسبب فيه اختصاص الآية أولًا بما بعد الطلاق، ومعتمد هذا القول الاتباع، وأيضًا فإنها تبقى في أسر النكاح، فلو سقط مهرُها وهي [باقية] (٣) في الزوجية، والزوج ربما يستمتع بها- فيفوت بضعها مجانًا.
والشرط الرابع - أن يكون الصداقُ دَينًا، فلو كانَ عينًا، لم يجز للولي هبته من الزوج. هذا ما صار إليه معظم أئمة المذهب، وتمسكوا بظاهر العفو؛ فإنه مُشعِرٌ بالإبراء، وأيضًا فإنَّ الملكَ لا يستقر في الدين استقراره في العين. وكان شيخي أبو محمد يرى للولي على هذا القولِ هبةَ العين؛ اعتبارًا بالإبراء عن الدين، وهو
_________________
(١) ر. بدائع الصنائع: ٢/ ٢٩٠، حاشية ابن عابدين: ٢/ ٢٩٠، ومختصر اختلاف العلماء: ٢/ ٢٦٣ مسألة رقم: ٧٣٤.
(٢) في الأصل: والتفريع.
(٣) في الأصل: - ـه في الزوجية.
[ ١٣ / ١٥١ ]
متجهٌ لا بأس به، وكان يُجَوِّزُ [الاختلاعَ] (١) على عين الصداق؛ اعتبارًا بالدين. والصحيحُ ما صار إليه الجماهير.
والشرط الخامس - أن تكون صغيرةً عاقلةً بحيث يُرْغَبُ في مثلها، فإن كانت مجنونةً، فحكمها حكم الصغيرة العاقلة، وقالت المراوزةُ: لا ينفذ الإبراء عن مهر المجنونة؛ لأنه لا يُرغب فيها، وكأنَّا إنما نُجوّز اختلاعَ الصغيرة بمهرها، والإبراءَ بعد الطلاق؛ حتى يُرغب فيها، وهذا المعنى مفقود في المجنونة التي لا يتشَوَّفُ الخُطَّابُ إليها.
٨٥١٣ - ولو كانت ثَيِّبا بالغةً، فلا شك أن الأب لا يبرىء عن مهرها.
وإنْ كانت بكرًا بالغة -والتفريع على تنفيذ إبراء الولي- هل ينفذ إبراؤه عن مهر البكر العاقلة؟ فعلى قولين: أحدهما - ينفذ، لملكه عُقدةَ النكاح؛ فإنه يملك إجبار البكر بالغة.
والثاني - لا ينفذ إبراؤه؛ فإنَّ الولاية إن كانت مستمرة على البضع، فلا ولايةَ للأب على مالها، وصداقُها من مالها.
وهذا يقرب مما قدمناه قبلُ من أن الأب هل يملك الانفراد بقبض مهر البكر البالغة السفيهة كالبكر الصغيرة، لثبوت الولايتين عليها؟
والصغيرةُ إذا ثابت بوطء شبهة، وإنما صورنا وطء الشبهة حتى لا يتقرر المهر بفرض المسيس من الزوج، فإذا ثابت الصغيرة تحت زوجها كما ذكرناه، فقد صارت إلى حالة لا يملك الأبُ تزويجَها فيها قهرًا حتى تبلغ، فتأذن.
فقال أئمةُ المذهب: إذا كانت كذلك، لم يملك الولي إسقاطَ مهرها؛ فإنه لا يملك إجبارَها، وليس بيده عقدةُ نكاحها. وأبعدَ بعضُ أصحابنا بأن جوّز للأبِ أو الجدِّ العفوَ عند الطلاق أو بعده إذا كانت صغيرةً؛ نظرًا إلى نفاذ ولايته في مالها، وهذا ضعيف، غيرُ معدود من المذهب؛ فإن ولايةَ المالِ لا تسلِّط على العفو والإسقاط، وإنما المتبع ما يُشعر به ظاهرُ القرآن، وهو يشير إلى ملك عقدة النكاح، والثيب الصغيرة في حق الأب بمثابة الثيب البالغة في التزويج.
_________________
(١) في الأصل: الاطلاع.
[ ١٣ / ١٥٢ ]
فصل
قال: " وأي الزوجين عفا عما في يده، فله الرجوع إلى آخره " (١).
٨٥١٤ - هذا الفصل وفصول بعده تشتمل على مُكرَّرات، ونحن [نوفّر] (٢) لها جهدَنا والتنبيهَ عليها من غير بسط.
وهذا الفصل مفروض في وقوع الطلاق قبل المسيس وتشطّرِ الصداق، ثم إذا تشطر الصداق، عينًا كان أو دينًا، يترتب عليه حكم الهبة والإبراء، فإن كان عينًا فالنصف له والنصف لها، فإن وهبت ما هو لها من زوجها، لم يخف تفريعُ الهبات، فإن كان في يدها سلَّمَته، وإن كان في يده، نُفرّع فيه ما إذا وهب مالكُ الوديعة من المودَع، وعاد التفصيل وإعادة القبض، وفيه اختلافُ قولٍ وتفصيلٌ طويلٌ تقصَّيناه في موضعه.
وإن وهب الزوجُ ما ارتدّ إليه منها، فالأمر كذلك.
وإن كان الصداقُ دينًا وسقط شطرُه، وبقي لها الشطرُ فأبرأت، فلا يخفى حكم الإبراء، والظاهر أنه لا يفتقر إلى القبول وفيه وجه بعيد ذكرناه.
٨٥١٥ - والذي نذكره في هذا الفصل أنَّ الهبةَ مستعملة في الأعيان، ولفظ الإبراء لا يستعمل في تمليك الأعيان، والعفو مختلف فيه، فالذي ذكره معظم المحققين: أن الهبة في الأعيان لا تصح بلفظ العفو؛ فإنه في معنى الإبراء.
وذكر القاضي أن العفو يجوز استعماله في الهبة، وظاهر قوله [فيما] (٣) نقل عنه يدل على أن استعمال العفو في الهبة يختص بالصداق فيما يدور بين الزوج والزوجة، أو يصدرُ من الولي، على أحد القولين، فاستدلّ في هذا بظاهر قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فذكر الله تعالى لفظ العفو مع انقسام الصداق
_________________
(١) ر. المختصر: ٤/ ٣٤.
(٢) في الأصل: نؤثر.
(٣) في الأصل: فيها.
[ ١٣ / ١٥٣ ]
إلى العين والدين، والألفاظ قد يأخذ بها صاحبُ المذهب من الشرع، وعليه بناء صرائح الطلاق.
وهذا الذي ذكره لم يرتضه غيره، وقالوا: ليس المرادُ بذكر العفو في القرآن [التنبيه] (١) على اللفظ الذي يستعمله الزوجان، وإنما المراد أنْ يتركَ كلُّ واحد منهما حقَّه، ثم طريق الترك فيه موكول إلى بيان الشرع. ثم لو صح ما ذكره في الصداق، للزم طرده في سائر الهبات.
٨٥١٦ - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أنا إذا لم نر الإبراء والعفو من ألفاظ الهبات في الأعيان، فهل يلتحقان بالكنايات؟
وقد قدمنا تفصيلًا في أنَّ عقودَ التمليك هل تنعقدُ بالكنايات إذا كانت مفتقرة إلى الإيجاب والقبول؟
قال شيخي: الإبراء ليس كنايةً أيضًا في هبة الأعيان، فإنه لا يتضمن تمليك الغير، وإنما معناه إسقاط المُبرِىء في حقَّ نفسه، وعماد الهبة تمليك المتّهب، وهذا متجه حسنٌ، لا يجوز غيره، وفي كلام القاضي ما يدل عليه أيضًا.
وإذا كان الصداق دينًا، فاستعمل الإبراءَ، فهل يشترط القبول في الإبراء؟ وهل يشترط القبول إذا جرى الإبراءُ بلفظ الهبة؟ ففي المسألة وجهان. وهذا منتهى المراد في هذا الفصل.
فصل
قال: " ولو وهبت له صداقَهَا، ثم طلقها [قبل أن يمسّها] (٢) ففيها قولان إلى آخره " (٣).
٨٥١٧ - إذا أصدقَ الرجلُ امرأته عينًا من الأعيان وسلّمها، ثم إنها وهبت عين الصداق من الزوج، وسلّمته إليه، ثم طلقها الزوج قبل المسيس، والصداق قد عاد
_________________
(١) في الأصل: المبينة.
(٢) ساقط من الأصل. وأثبتناه من المختصر.
(٣) ر. المختصر: ٤/ ٣٤.
[ ١٣ / ١٥٤ ]
إليه بهبتها، فهل يرجع عليها بنصف قيمة الصداق؟ فعلى قولين منصوصين: أحدهما - يرجع [عليها] (١)؛ لأن الصداق عاد إليه بتمليكٍ منها، فصار كما لو [باعته منه] (٢) ثم طلقها.
والثاني - لا يرجع عليها؛ لأنها عجّلت ما كان يستحقه عليها مؤجَّلًا بالطلاق، والمستحَق في المال إذا عُجّل، لم يبعد وقوعه الموقعَ عند دخول وقت الاستحقاق، كالزكاة إذا عُجّلت.
والأقْيس القول الأول؛ فإن العَوْد إلى الزوج، لم يكن عن جهة تعجيل حق الزوج (٣) في الشطر.
ولو قدمت إليه الصداق زاعمة أنَّ نصفَه هبةٌ ونصفَه تعجُّلٌ لما يجب للزوج عند الطلاق، فلا يصح من الزوج التصرف في الشطر المعجل، ولا يصح التمليك فيه؛ فإنه على الحقيقة تعليق تمليك بما سيكون، ولا يقبل التمليكُ التعليقَ على أمرٍ منتظر.
وإذا رجع الصداقُ إلى الزوج ببيعِ محاباة، [فإنه] (٤) يرجع عليها بنصف قيمة الصداق عند الطلاق؛ [فإنّ] (٥) المحاباة في معنى الهبة، في كونها تبرعًا، على ما كان يذكره شيخنا، ولم أرَ في الطرق ما يخالفه؛ والسبب فيه أنا وإن كنا نعد بيع المحاباة من التبرعات، فالمبيع مقابَلٌ بالثمن وإن قلّ، وإذا كان مقابلًا به، استحال انصرافه إلى جهة استحقاق الزوج شطر الصداق عند الطلاق.
٨٥١٨ - ثم قال الأئمة: ما ذكرناه من القولين لا يختصان بالطلاق، بل إذا وهبت الصداق، ثم جرى ما يوجب ارتداد جميع الصداق إلى الزوج، كالردة، ففي رجوع الزوج عليها بتمام القيمة القولان.
فلو باع رجلٌ عبدًا بجارية، ثم وهب قابضُ الجاريةِ الجاريةَ من قابض العبد، ثم
_________________
(١) في الأصل: إليها.
(٢) في الأصل: اشترته منه.
(٣) في الأصل: تعجيل حق الزوج حق في الشطر.
(٤) في الأصل: وإنه.
(٥) في الأصل: وإن كانت المحاباة في معنى الهبة.
[ ١٣ / ١٥٥ ]
اطلع [قابض] (١) العبد على عيب قديم به، فردَّه، فهل يرجع على بائع العبد بقيمة الجارية؟ فعلى القولين، والمسائل متناظرة في جريان القولين فيها.
ثم رأيت في مرامز كلام الأصحاب ترددًا لطيفًا في أنَّا إذا قلنا: لا يملك رادّ العبد الرجوعَ بقيمة الجارية، فهل يملك رده؟ وإن ردّ، فهل ينفذ ردُّه أم لا؟ وهذا محتمل حسن، وهذا من جهة أن [الغرض] (٢) من الرد استرداد العوض، فإذا لم يثبت له حقُ الاسترداد، ففي رده بُعْدٌ، وليس هذا كالطلاق؛ فإنه لا مرد له، والفسوخ التي أُثبتت في النكاح ليس مقصودُها استردادَ الصداق، [فما] (٣) ذكرناه من التردد في الرد بالعيب في المبيع.
٨٥١٩ - وما ذكرناه فيه [إذا كان الصداق عينًا، أما] (٤) إذا كان الصداق دينًا، فأبرأت زوجها، ثم طلقها الزوج قبل المسيس، فهل يرجع عليها بنصف الصداق؟
في المسألة طريقان: من أئمتنا من جعل فيها قولين كما في العين، ومنهم من منع الرجوع عليها عند الطلاق قولًا واحدًا، وفرَّق بين العين والدين بأنها إذا أبرأت، لم تستوف الصداق، ولم يستقر ملكها فيه، بل أسقطته، وفي العين استقر ملكها. وكان شيخنا يقرب الطريقين في القطع وطرد القولين من اختلاف الأصحاب في أنَّ الإبراء: هل يفتقر إلى القبول أم لا؟
ولو كان الصداق دينًا، فأبرأت زوجها بلفظ الهبة، وحكمنا بأنه يفتقر إلى القبول، فهذا مرتب على الإبراء. والفرق اقتضاء الهبةِ التمليكَ، فكأنها ملّكت زوجها ما عليه.
فإنْ قيل، كيف سبيل الهبة في الدين، وركن الهبة القبض [وأين القبض] (٥) في
_________________
(١) زيادة لا يستقيم الكلام بدونها.
(٢) في الأصل: العوض.
(٣) في الأصل: "فيما".
(٤) زيادة اقتضاها السياق.
(٥) زيادة لا يستقيم الكلام بدونها.
[ ١٣ / ١٥٦ ]
الديون؟ قلنا: إذا وهب مستحقُّ الدين [الدينَ] (١) ممن عليه، فلا حاجة إلى تقدير القبض في هذه الحالة، ونحن قد نُبرم هبات من طريق آخر، كتقديرٍ من غير إجراء قبضٍ حسي، وكما أن القبض ركن التمليك في الهبة، فإنه يتعلق به حكم نقل الضمان، ثم إذا كان لرجل على رجل دين، فاعتاض عنه عينًا، فحكم الدين أن يسقط، ويكون كالعوض المقبوض المتلف في يد مستحقه.
ولو أصدق الرجل امرأته دينًا، ثم نقد ووفّى، فلما قبضت وهبت من زوجها، ثم طلقها قبل المسيس، ففي هذه المسألة طريقان على العكس: إحداهما - القطع بأن الزوج يرجع عليها. والأخرى - طرد القولين.
٨٥٢٠ - فيترتب مما ذكرناه ثلاثة أحوال: إحداها- فيه إذا كان الصداق عينًا، فجرت الهبة، ثم الطلاق، وفيها القولان.
والثانية - أن يكون الصداق دينًا، فتبرىءَ عنه، ثم يجري الطلاق قبل المسيس، وفيها طريقان، إحداهما - القطع بأنه لا رجوع عليها.
والحالة الثالثة - أن يكون الصداق دينًا، فيوفرَه الزوج، ثم إنها تهب ما تقبض، ففي المسألة طريقان: أحدهما - القطع بأنه يرجع عليها إذا طلقها.
ثم إذا كان الصداق في الذمة، ففُرض النقدُ، والهبة، والطلاق؛ فلا فرق بين أن يكون من ذوات الأمثال، وبين أن يكون من ذوات القيم. هذا كله إذا عاد جميع الصداق إلى يد الزوج، ثم فرض الطلاق قبل المسيس.
٨٥٢١ - فأما إذا أصدقها عينًا وسلّم إليها، ثم إنها وهبت نصف ذلك الصداق من زوجها، ثم طلقها قبل المسيس، فهذا يترتب على ما إذا عاد جميعُ الصداق إليه، ثم طلقها:
فإنْ قلنا: إذا رجع الجميع إليه، فإنه يرجع عليها بنصف القيمة إذا طلقها، فهاهنا نُثبت له حقَّ الرجوع في النصف لا محالة.
_________________
(١) زيادة من المحقق، اقتضاها إقامة العبارة.
[ ١٣ / ١٥٧ ]
ثم في كيفية الرجوع أقوال: أحدها - إن حق الزوج ينحصر في النصف الباقي في يدها، ويتعين الموهوب من حقها، وهذا كما قال الشافعي في الزكاة: إذا أصدقها أربعين شاة، وأخذ الساعي منها واحدة، ثم طلقها قبل المسيس، رجع عليها بمقدار عشرين شاة مما بقيت في يدها، ويتعين ما أخرجته من حقها. وكما قال في التفليس: إذا اشترى عبدين بمائتين، وقضى مائةً، وتلف أحد العبدين، ثم فُلّس، [وكانت] (١) قيمتاهما متساويتين، فإذا رجع البائع، انحصر حقه في العبد القائم، وهذا القول يعرف بقول الحصر.
والقول الثاني - إنه يرجع في نصف الباقي وربع قيمة الجملة، فيشيع ما أخرجته وما [أثبتته] (٢) فيحصل للزوج مقدار النصف عينًا وقيمةً. و[هذا] (٣) القول يُشْهر بقول الشيوع.
والقول الثالث - إنه بالخيار بين ما ذكرناه في القول الثاني، وبين أن يرجع في نصف (٤) العين كلها.
وقد نصَّ الشافعي على القولين الآخرين في مسألةٍ في الصداق، وهي إذا أصدقها إناءين، فكسرت أحدَهما، ثم طلقها، نص على قولين: أحدهما - إنه يرجع في نصف الإناء الصحيح ونصف قيمة المنكسر، والثاني - إنه بالخيار بين هذا وبين أن يرجع في نصف قيمة الإناءين. والقولان المذكوران في مسألة الإناءين إذا انكسر أحدهما يمكن بناؤهما على تفريق الصفقة في الرد بالعيب إذا اشتملت الصفقة على عينين، ثم اطلع على عيب بأحدهما. ثم الأقوال الثلاثة تجري في مسألة إصداق أربعين شاة، وفي كل ما يناظر ذلك. وفي المسألة بحث سنذكره عند نجاز المنقول.
٨٥٢٢ - قال الأئمة: لو وهبت المرأةُ النصفَ من أجنبي، ثم طلقها الزوج قبل
_________________
(١) في الأصل: فكانت.
(٢) وما أثبتته: أي أبقته في يدها. هذا. وقد قرأنا هذا اللفظ بصعوبة بالغة، على ضوء صورة الحروف المضطربة (انظر صورتها).
(٣) زيادة اقتضاها السياق.
(٤) في الأصل: " في نصف مهر العين كلها ".
[ ١٣ / ١٥٨ ]
المسيس؛ فإنه يرجع في النصف، ثم في كيفية التوزيع والحصر والشيوع والتخيير الأقوال الثلاثة.
٨٥٢٣ - وكل ما ذكرناه تفريع على قولنا: جميع [] (١) الصداق إذا عاد إليه، ثم طلقها، فإنه يرجع عليها بالنصف.
فأما إذا قلنا: لو رجع جميع الصداق إلى الزوج من جهتها، لم يرجع عليها عند الطلاق بشيء، فإذا وهبت منه النصف، ثم طلقها، ففي المسألة جوابان على الحصر والشيوع: أحدهما (٢) - إنه لا يرجع، فكأنها عجلت يوم الهبة جميع ما كان يستحقه يوم الطلاق.
والوجه الثاني - إنه يملك الرجوع، ثم في قدر ما يرجع فيه جوابان: أحدهما - إنه يرجع في نصف ما بقي في يديها، وهو ربع الجملة، ونجعل الفائت بالهبة من الحقين النصف من حقه والنصفُ من حقها، وكأنها عجلت نصف ما كان يستحق عليها؛ لأن الحق شائع. وهذا اختيار المزني.
والثاني - إنه يرجع في تمام النصف، ويتعين حقها فيما وهبت، فتحصَّل أجوبةٌ: أحدها - إنه لا يرجع بشيء، وما قبضه من النصف هبة محسوب عليه.
والثاني - إنه يرجع بنصف الباقي فحسب، وهذا على الإشاعة.
والثالث - إنه يرجع بتمام النصف، وهذا على الحصر.
وتحقيق ذلك: أنَّا في قولٍ نحصر حق الزوج فيما قبض، وفي قولٍ نحصر حقها فيما وهبت، وفي قول نُشيع، فاستكمال الحصر من وجهين يقتضي جوابين: أحدهما - إنه لا يرجع بشيء، والثاني - إنه يرجع بتمام حقه، والإشاعة توجب التبعيض لا محالة.
ثم إذا قلنا إنه يرجع بتمام حقه، ففي كيفية الرجوع الأقوال الثلاثة التي قدمناها:
_________________
(١) بياض بالأصل، قدر أربع كلمات، ولكن الكلام مستقيم بدون تقدير أي شيء.
(٢) في الأصل: أو لأحدهما. وهو تحريف واضح.
[ ١٣ / ١٥٩ ]
أحدها - إنه يرجع في النصف الباقي. والثاني - إنه يرجع في نصف الباقي وربع قيمة الكل. والثالث - إنه يتخيّر.
هكذا ذكر الأصحاب.
وهذا فيه وهمٌ؛ من جهة أنَّا نفرّع على منع الرجوع لو وهبت الكل، وعلى هذا إذا وهبت النصف، لم ينقدح الرجوع بتمام الحق عند الطلاق إلا على الحصر، وقول الحصر يوجب حصرَ حقه فيما بقي، فإعادة الأقوال الثلاثة لا معنى له.
هذا ما ذكره الأئمة نقلناه على وجهه.
٨٥٢٤ - ونحن نقول بعد ذلك: إذا [وهبت] (١) المرأة جميع الصداق من الزوج، ثم طلقها، فقد مضى أصل القولين فيه.
فإذا وهبت النصف، فقد ذكرنا ثلاثة أقوال، وكلها بينة، فإن حصرنا حق الزوج فيما بقي، فلا كلام، وإن أثبتنا له الرجوع إلى نصف ما بقي وإلى ربع قيمة الكل، فإنَّ أكثر أصحابنا لم يذكروا على هذا القول تخيرًا، وإن تبعض الحق عليه، وذكروا التخير في القول الثالث.
وهذا فيه غموض؛ من جهة أن التبعيض يُثبت الخيار في أمثال هذه المسائل؛ فكان يجب أن نقطع بالخيار، وهذا فيه وقفة على الناظر؛ من قِبَل أنَّا قطعنا بإثبات الخيار، ففي المسألة قولان إذًا: أحدهما - إنه ينحصر حقه في النصف الباقي، فيخلص له العبد هبة ورجوعًا، والثاني - إنه بالخيار، إن شاء، رجع إلى نصف ما بقي، وإلى ربع قيمة الكل، وإن شاء، رجع إلى نصف قيمة الكل. وإن أثبتنا التبعيض بلا خيار، كان ذلك مناقضًا لأصلٍ بَيِّنٍ في المعاملات، وهو: أن التبعيض عيب.
٨٥٢٤/م- وإذا طلق الرج [امرأته، فصادف الصداق معيبًا في يدها بعيب حادث
قبل الطلاق، فللزوج الخيار، إن شاء، رضي بشطر الصداق معيبًا، وإن شاء، رجع
بنصف القيمة سليمًا. فإذا كان التبعيض عيبًا، وحُكم العيب في الصداق تخيير
الزوج، فرفْعُ التخيير بعيدٌ جدًا]
_________________
(١) في الأصل: وهب.
[ ١٣ / ١٦٠ ]
فإن قال قائل: مبنى الصداق على التبعيض إذا فرض الطلاق، واحتمل ذلك على قول من الأقوال، لم (١) يكن لهذا الكلام تحصيل؛ فإن الطلاق يقتضي التشطير، وهذا (٢) تربيعٌ. وإذا قلّ الجزء، قلّت القيمة على قدره، [فإذا] (٣) كانت الجملة تساوي ألفين وكان نصفها عند فرض الإفراد يساوي أربعمائة، فالربع قد يساوي مائة وخمسين؛ فإن الرغبة في الجزء الكثير أكثر من الرغبة في الجزء القليل.
فإن قال قائل: إذا رجع النصف إلى الزوج بالهبة، ثم فرض الرجوع في ربع آخر إليه، فلا تبعيض في حقه. قيل: هذا أيضًا لا حاصل له، من قِبَل أن الهبة غيرُ محسوبةٍ عليه، فينبغي أن يكون النظر محصورًا على هذا النصف الآخر، وقد تحقق التبعيض فيه، كما ذكرناه. فهذا منتهى البحث سؤالًا وجوابًا.
٨٥٢٥ - /والحق المستقيم على القياس: ردُّ الخلاف إلى قولين، ووجه قول من لا يُثبت الخيار -على بعده- أن التبرع على قول الإشاعة مَلَّك الزوجَ ربعَ العين وربعَ القيمة، مع أن في يدها النصف الكامل، [و] (٤) إذا ملَّك الشرعُ الزوجَ المُطَلّق شيئًا، فإثباتُ الخيارِ -مع أن الشرعَ ملّكه كذلك- بعيدٌ. فإذًا؛ وجه نفي الخيار أن الإشاعة تقتضي التمليك على هذا الوجه، ولا خيار فيما اقتضاه الشرع. هذا هو الممكن، والوجه ما قدمناه. فهذه مباحثة في هذه الطرق.
٨٥٢٦ - مباحثة أخرى: إذا طلق الرجلُ امرأته، وصادف الصداقَ معيبًا في يدها، فقد ذكرنا أنه إن أراد، رجع بنصف القيمة، وكذلك لو تلف الصداقُ في يدها ثم طلقها.
وهذا كلام أطلقه الفقهاء وتساهلوا في إطلاقه، والغرض منه يبين بسؤال.
فإن قال قائل: يرجع الزوج بنصف قيمة الكل، أو بقيمة نصف الكل، وبينهما
_________________
(١) لم يكن لهذا الكلام: جواب قوله: فإن قال قائل:
(٢) (وهذا): إشارة إلى رجوعه إلى نصف النصف.
(٣) في الأصل: وإذا.
(٤) (الواو) زيادة اقتضاها السياق.
[ ١٣ / ١٦١ ]
تفاوت؟ قلنا: يرجع بقيمة نصف الكل؛ فإنه لم يفته إلَاّ نصف الكل، وهذا مما يجب إجراؤه في المسألة التي نحن فيها؛ فإنا أطلقنا ربع قيمة الكل، والمراد قيمة ربع الكل.
٨٥٢٧ - ومن المباحثات في المسألة: التعرض لانكسار أحد الإناءين، وفي معناه: لو أصدقها عبدين، فعاب أحدهما، وقد حكينا قولين: أحدهما - إن الزوج يرجع بنصف الإناء الصحيح، ونصف قيمة المنكسر، والثاني - إنه يتخير بين ما ذكرناه، وبين الرجوع بنصف قيمة الإناءين. وقد ذكرنا أن هذا يخرج على تفريق الصفقة في الرد بالعيب.
وتصوير ذلك في التفريق: أن من اشترى عبدين، فوجد بأحدهما عيبًا، فأراد ردّ المعيب منهما وإمساكَ الصحيح، ففيه قولان، وإن أراد، ردَّهما، كما تقرر هذا في كتاب البيع.
وهذا فيه نظر؛ فإنَّا في مسألة الإناءين ألزمناه -في أحد القولين- الرجوعَ إلى نصف الصحيح ونصف قيمة المنكسر، وفي القول الثاني خيرناه، فكيف ينطبق هذا الذي ذكرناه على ما جئنا به مثلًا في شراء العبدين، مع الاطلاع على عيب بأحدهما؟ وصورة القولين ثَمَّ: أنه يرد المعيب في قولٍ، ولا يرده وحده في قول؛ بل يردهما ويسترد الثمن، ثم على هذا القول طريق استدراكه للظُّلامة، [ردُّ] (١) الصحيح والمعيب. فإن لم يرد ذلك، فليقنع بالمعيب، وليمسكه مع الصحيح.
ونظير هذا من الصداق لو قلنا: طريق استدراكه أن يرد الإناءين ويطالبها بقيمة نصفهما، فإن أبى ذلك، فليقنع بنصف الإناء المنكسر مع [نصف] (٢) الإناء الصحيح، وليس الأمر كذلك؛ فإنَّا نقول في مسألة الإناءين في أحد القولين: يتعين إمساك نصف الصحيح، وطلب نصف قيمة المنكسر، وهذا في التحقيق إلزام التبعيض إذا أراد الاستدراك.
_________________
(١) عبارة الأصل طريق استدراكه للظلامة والصحيح والمعيب.
(٢) زيادة اقتضاها السياق.
[ ١٣ / ١٦٢ ]
وفي القول الثاني - نخيّره بين التبعيض -وهو الأصل- وبين ردهما. وكان الأصل في البيع ردّهما. وإذا جوّزنا التبعيض، فهو دخيل، والأصل هاهنا التبعيض، وإذا أراد ردهما، فهو دخيل.
٨٥٢٨ - ولن يحيط الناظر بحقيقة هذا ما لم يفهم فرقًا كليًا بين القاعدتين، وهو أن البيع مفسوخ [بالرد] (١)، وهو متَّحد لا يتعدد بتعدد المعقود، فبعُد عند بعض العلماء إيراد الفسخ على بعضه، فينشأ منه منع التفريق. وأما رجوع الصداق إلى الزوج، فليس في حكم عقد يعقد، ولكنه رجوع قهري شرعي، غير أنا قد لا نرد إليه ما في رده إليه إضرار به، وينتظم من هذا أن استمساكه بنصف الصحيح على القاعدة؛ فإنه لا ضرار فيه. بقي طريقٌ للاستدراك في نصف المنكسر، فله الرجوع إلى نصف قيمته، فهذا [بَتٌّ] (٢) لا كلام فيه، فإن أراد رد الصحيح مع المنكسر، فهذا خروج منه عن قاعدة الصداق؛ فإنَّ من اشترى عبدين فوجد بأحدهما عيبًا؛ فإنه يردهما باتحاد العقد، وهذا المعنى لا يتحقق هاهنا.
فقال قائلون: لا سبيل إلى ردهما في الصداق؛ لافتراق الأصلين، وتباعد القاعدتين، ونظر ناظرون نظرًا ظاهرًا من غير بحث عن تباعد القاعدتين، وقالوا: يملك الزوج ردهما. ولم يترك هذا القائل التمسك بجواز التبعيض، وكذا وقع لهذا الإنسان هذا، من حيث ظن أنَّ إفراد العين مشابه للعيب، وأن المشتري إنما يرد العبدين لذلك. ثم قد وجد في الصداق الردّ بالعيب مع إمكان دفع الضرر دونه؛ فإنَّ الزوج إذا صادف الصداق معيبًا في يدها، رجع إلى نصف القيمة، ولو قالت: أجبرُ النقصَ لم يُبالَ بها. وهذا وهم؛ فإنَّ تميّز أحد العبدين عن الثاني ليس عيبًا، وإنما سببه ما ذكرناه من اتحاد العقد.
[بان] (٣) تحقيق القول في الأصلين، وانتظم منه أنَّا في البيع نقول في قول: يجمع ولا يُفرِّق. وفي قول: إن شاء فرَّق وإن شاء جمع. فإن أراد الزوج ألا يستدرك
_________________
(١) في الأصل: بالردة.
(٢) في الأصل: ثبت.
(٣) في الأصل: فإن.
[ ١٣ / ١٦٣ ]
الظلامة، استمسك بنصف الصحيح ونصف المنكسر. وتلك المناقشات فيه إذا كان يبغي استدراك الظلامة.
فهذا تمام المباحثة في الانعطاف على أطراف الكلام في المسألة. وقد انتظم قبلها النقلُ على وجهه.
فصل
قال الشافعي: "ولو خالعته بشيء مما عليه من المهر، فما بقي، فعليه نصفه إلى آخره" (١).
٨٥٢٩ - أورده المزني من الخلع، وغرضه إنما هو الاستشهاد بنص الشافعي على ما يدل على قول الشيوع؛ فإنا لما ذكرنا الهبة في بعض الصداق، أجرينا نصوصًا للشافعي دالَّةً على الحصر، فاختار المزني قولَ الشيوع - وهو الأصح والأَقْيَسُ.
وتمسك بنص الشافعي في المسألة التى سنذكرها وهي قليلة النَّزَل (٢)، ومدارها على أصول سابقة، ومن معه رشد من الفقه يُخرّج المسألة، ونحن نذكرها ولا نغادر شيئًا منها، فنحرص على الاختصار جُهدنا.
٨٥٣٠ - فنقول: إذا اختلعت المرأة نفسها من زوجها نُظر: فإن كان بعد الدخول، فلا يخلو، إما أن كان إلى غير جنس الصداق، [أو على جنس الصداق] (٣)، فإن كان على غير جنس الصداق، مَلَك الزوج عليها العوض، ثم الخلع مفروض قبل المسيس، فيتشطر الصداق، فله عليها عوض الخلع، ولها عليه نصف الصداق.
_________________
(١) ر. المختصر: ٤/ ٣٥.
(٢) النَّزَل: بفتح النون والزاي المعجمة: من قولهم: رجل ذو نَزَل أي كثير الفضل والعطاء، و" فلان ليس بذي طُعْم وليس بذي نَزَل ": ليس له عقل ولا معرفة، وسحابٌ ذو نَزَل: كثير المطر، وطعام كثير النزل: كثير البركة (المعجم، والمصباح). والمعنى هنا أن هذه المسألة قليلة الأثر والفائدة.
(٣) زيادة اقتضاها الكلام.
[ ١٣ / ١٦٤ ]
فإن خالعها على ما هو جنس الصداق، صح الخلع؛ فإنه لم يورده على الصداق. ثم يتشطر الصداق إن كان الخلع قبل المسيس، ويجب المسمى بكماله إن كان بعد المسيس. ثم تجري أقوالٌ في التقاصّ في قدر التساوي على ما ستأتي مشروحة، إن شاء الله ﷿.
٨٥٣١ - وإن [خلعت] (١) نفسها بصداقها، وكانت مدخولًا بها، صح الخلع، وبرىء الزوج عن الصداق الذي كان استقر عليه بالمسيس.
وإن خلعت نفسها قبل المسيس بالصداق، لم تخل إمَّا أن تخلع بتمام المسمى، وإما أن تختلع بنصف المسمى، فإن اختلعت بتمام المسمى قبل الدخول، فحكم الخلع تشطير الصداق. فإذا كان الصداق ألفًا، وقد جرى منها الاختلاع عليه، فنصف العوض المذكور حقُّ الزوج. فالعوض متبعِّض إذًا، بعضه مستحَق، وبعضه ثابت على ما تقتضيه المعاملة.
فيخرج في هذا المقام قَوْلا تفريق الصفقة: فإن أفسدنا الصداق (٢) بالتفريق، جرى القولان في أن الصداق إذا فسد؛ فالرجوع إلى مهر المثل، أو إلى بدل العوض المسمى، فإن قلنا: الرجوع إلى مهر المثل، فالزوج يستحق عليها مهرَ مثلها، وقد سقط نصف المسمى، وهي تستحق نصفَ المسمى، فإن تجانسَ المالان، جرى أقوال التقاصّ.
وإن رجعنا عند فساد المسمى إلى بدله، فالمسمى دراهم، وبدلها دراهم؛ فإنها من ذوات الأمثال؛ فيستحق الزوج عليها ألفَ درهم، وهي تستحق على زوجها خمسمائة، ولا يخفى التقاصّ، هذا إذا فرعنا على أن التفريق مفسدٌ.
فأما إذا قلنا: التفريق لا يُفسد، فيصح نصف المسمى، وهو نصيبها من المهر.
ويجري الآن القول في أن للزوج الخيار، فإن فسخ (٣)، عاد القولان إلى أن الرجوع
_________________
(١) في الأصل: أخلعت.
(٢) أفسدنا الصداق: المراد أفسدناه بدلًا للخلع وعوضًا فيه، بسبب أن نصفه مستحقٌّ للزوج.
(٣) أي فسخ عقد الخلع بسبب أن العوض الذي هو المهر المسمى خرج نصفه مستحقًا.
[ ١٣ / ١٦٥ ]
إلى مهر المثل، أو إلى مثل جميع المسمى؟ ففي قولٍ يستحق عليها مهرَ مثلها، وفي قولٍ يستحق عليها مثلَ ما سمى، وهو ألف درهم. وإن اختار الإجازة، جرى الخلاف في أنه [يجبُر] (١) بالكل أو بقسطٍ، فإن قلنا: إنه يجبر بالكل، فيجبر الخلع بمقدار حصتها من المهر، وهو خمسمائة، فيسقط الشطر بالتشطير، ويسقط الباقي بالعوضية. وإن قلنا: يجبر بالقسط؛ فيرجع فيما هو مستحق بنصف مهر المثل، أو بنصف البدل، والبدل مثلٌ؟ فعلى القولين.
ولا يخفى أن ما ذكرناه من الخيار فيه إذا كان الزوج جاهلًا بحقيقة الحال في الشطر والتفرق.
هذا كله إذا كان الصداق ألفًا [فاختلعت] (٢) نفسها بالألف الذي هو صداق. ولو اختلعت نفسها بألف مطلَقٍ، فلا يكون صداقًا، ويصح الخلع، واستحق الزوج عليها الألف، وهي تستحق الخمسمائة.
٨٥٣٢ - ولو أنها اختلعت نفسها عن زوجها بنصف مهرها -وهو خمسمائة- وهي غير ممسوسة، فهذا يصوّر على أوجه: أحدها- أن تقول: اختلعت نفسي بالخمسمائة التي تبقى لي، فإذا قالت ذلك، صح الخلع بتنصيصها على تخصيص المقدار الخالص لها، ثم لا يخفى أن موجب ذلك سقوط جميع المهر، النصف منه بحكم التشطر، والنصف بحكم المعاوضة.
والصورة الثانية - أن تقول: اختلعت نفسي بخمسمائة شائعة من مهري، وصرَّحَت بما ينافي الاختصاص، فهذا تفريق؛ فإن النصف مما ذكرته مستحَق للزوج، والنصف لها، فيعود التفريع كما مضى، ولكن تختلف الأقدار. أما النصف من الألف، فيسقط بحكم التشطر، ويقع الكلام في النصف الثاني.
فإن أفسدنا العوض بالتفريق فيرجع الزوج -في قولٍ- إلى تمام مهر مثلها، وفي
_________________
(١) في الأصل: يجر. والمعنى أنه إن أجاز عقد الخلع ولم يصح إلا نصف العوض -الذي نصيبها في الصداق المتشطر- فهل يجبر ما صح العقد فيه (وهو نصيبها) ويجعله وحده عوضًا للخلع؟ أم يجعل نصيبها قسطًا من عوض الخلع؟
(٢) في الأصل: فأخلعت.
[ ١٣ / ١٦٦ ]
قول إلى خمسمائة. وإن لم نُفسد واختار الزوج الفسخ، فالجواب كذلك. فإن اختار [الإجازة] (١) وقلنا: يجبر بالتمام، كان بدل الخلع مائتين وخمسين، والحكم أن الزوج يبرأ عن سبعمائة وخمسين بحكم التشطير والعوض ويبقى لها بقية المهر. وإن قلنا يجبر بالبعض، ففيما يرجع به قولان: أحدهما - إنه يرجع بنصف مهر المثل، فله عليها نصفُ مهرها، ويسقط من مهرها سبعمائة وخمسون، ولها عليه مائتان وخمسون.
الصورة الثالثة - أن تقول: اختلعت نفسي بخمسمائة من المهر، ولم تصرح بالإشاعة ولا بما يختص بها، ولكنها أطلقت الاختلاع كذلك، فنقدم عليه تجديد العهد بما إذا قال الشريك في الدار بالنصف: بعت نصفي، فإن قال ذلك، صح، وإن قال: بعت النصف من هذه الدار. فمن أصحابنا من حمل ذلك على ملكه، ومنهم من حمله على الإشاعة، فمن حمل على النصف الذي له صحح، وإن حمل على الإشاعة؛ فإن النصف مما باعه له، والنصف لشريكه، فتتفرق الصفقة.
نعود إلى مسألتنا، ونقول: إذا اختلعت المرأة بخمسمائة على الإطلاق؛ فقد اختلف أصحابنا على طريقين: فمنهم من خَرَّجَ هذا على بيع نصف الدار مطلقًا ممن يملك نصفها، ففي وجه نقول: اختلاعها بالخمسمائة محمول على اختلاعها بحقها الخالص، وهذا يلتفت على الحصر. وفي وجه نقول: اختلاعها واقع بحقها وحق الزوج. ثم تسترسل التفاريع على قوانينها. هذه طريقة.
ومن أصحابنا من قطع بأن الخمسمائة محمولة على الإشاعة، والفرق بين هذه الصورة وبين بيع نصف الدار [أن] (٢) من يبيع نصفَ الدار مالكٌ لنصفها دون غيره، يُحمَلُ تصرفُه على ما يملك. وإذا اختلعت بالخمسمائة في مسألتنا، فقد أنشأت الاختلاع والمهر غير متشطر، وإنما يقع التشطر مع اختلاعها، فهذا موجَب القطع بالحمل على الإشاعة.
وقد يرد على ذلك أنها إذا خصصت بما يبقي لها، فهذا تعليق بما سيبقى إذًا، فهذا منتهى الكلام في هذا.
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) زيادة اقتضاها السسياق.
[ ١٣ / ١٦٧ ]
٨٥٣٣ - ثم تعلق المزني بنص الشافعي في الحمل على الإشاعة في هذه المسألة التي نقلها، واستدل بنصه في مسألة هبة بعض الصداق، وقال: ينبغي أن تحمل هبة البعض [على] (١) الشيوع، كما نقله في مسألة الاختلاع ببعض المهر.
فاختلف أصحابنا في الجواب؛ فقال بعضهم: جرى الشافعي فيما نقله على قول الشيوع، وهذا النوع متداول بينه وبين الأصحاب.
وقال قائلون: نفرق بين مسألة الخلع وبين مسألة الهبة، ونقول في مسألة الخلع: اقترن سببُ استحقاق الزوج بتصرفها، فنفوذ التصرف واستحقافُ الزوج يلتقيان ويقربان، فكل ما وقع التصرف فيه يجعله عوضًا محسوبًا من الحقين، حق الزوج، وحقها. وليس [كذلك] (٢) مسألة الهبة؛ لأنها وهبت النصف في حالةٍ لم يكن للزوج فيها استحقاقٌ في عين الصداق، ولا سببٌ للاستحقاق، فكان تصرفها محمولًا على خالص حقها، وإذا حمل تصرفها على حقها الخالص، تعين صرف ما بقي إلى خالص حق الزوج، وقال هؤلاء: نظير مسألة الخلع أن يطلقها والصداق بعدُ في يدها بكماله، فلو تصرفت في النصف، فلا يكون تصرفها في خالص حقها، بل يجعل شائعًا في الحقين.
فصل
قال: " فأما في الصداق غيرِ المسمى، أو الفاسد، فالبراءة في ذلك باطلة؛ لأنها أبرأته مما لا تعلم إلى آخره " (٣).
٨٥٣٤ - إذا نكح المرأة نكاحَ تفويض، فقد ذكرنا أن لها حقَّ طلب الفرض. فلو قالت: أسقطت حقي عن طلب الفرض، لم يسقط حقها. فلو أكبّت على الطلب، فبادر وطلقها، فقد كُفي الرجل أمر الطلب، وليس لها إلا المتعةُ قبل الدخول.
_________________
(١) في الأصل: في.
(٢) زيادة من المحقق.
(٣) ر. المختصر: ٤/ ٣٥.
[ ١٣ / ١٦٨ ]
٨٥٣٥ - وإذا طلق الرجل امرأته في نكاح مشتمل على التسمية قبل المسيس، وحكمنا بأن شطر المهر لا يرجع إلى الزوج إلا باختيار التملك، فلو قال: أبطلت حقي في التملك، بطل حقه، ولا حاجة في ذلك إلى قبول المرأة، وإن فرعنا على أن صحة الإبراء تقف على القبول. وسبب هذا أن ثبوت حق التملك يضاهي ثبوتَ حق الشفعة، ثم حق الشفيع يبطل بالإبطال من غير قبول؛ فإن من يشترط القبولَ في الإبراء يحمله على التمليك. وهذا المعنى لا يتحقق فيما نحن فيه.
هذا قول القاضي فيما نقله عنه من يوثق بنقله، ويظهر عندي ألا نحكم ببطلان حقه من التملك إذا فرعنا على الوجه الضعيف؛ وينزل إبطالُ حق التملك منزلةَ إبطال الواهب حقَّه في الرجوع في الهبة؛ فإنه لو قال: أبطلت حقي في الرجوع، لم يبطل حقه، ولغا ما جاء به.
فإن قيل: هلا شبهتم ذلك بالغانم يُبطل حقه عن المغنم؟ فإنه يَبطُل حقُّه من أجل أنه لم يملك المغنم، بل ملك أن يتملك. قلنا: لا بأس بهذا السؤال، ولكن الواهب يملك نقضَ ملكٍ قام للمتهب، والغانم يُبطل حقَّ تملّكٍ وليس تملّكه نقضًا لملك تام. فهذا تشبيه من طريق الظاهر. والتشبيه بالرجوع في الهبة أعوص، وذلك أن ملكها تم بالإصداق، وقد تلقّته من قِبل الزوج، وإذا أراد الزوج استراداد النصف، فإنما يسترجع ملكًا تامًا، فكان تشبيهًا بالرجوع في الهبة.
وهو بعيد عن حق الشفعة؛ من قِبَل أنه دَفْعُ ضرار، كالرد بالعيب، والشفيع داخل على ملك المشتري، فكان أصلُ حقه نازحًا عن القياس، ربطه الشرعُ بدفع الغرر، فإذا وقع الرضا به، لم يبعد سقوطه، ولهذا كان طلبُ الشفعة على الفور على الأصح، واختيار الزوج التملك ليس بهذه المثابة، والمسألة على حالٍ محتملة.
وقد قدمنا في صدر الكتاب تشبيه تملك الزوج بالرجوع في الهبة، فكان ذلك جريانًا على أحد الوجهين في الاحتمال.
٨٥٣٦ - وإذا كان النكاح نكاحَ تفويض، فإن قلنا: لا تستحق المرأة بالعقد شيئًا، فلو أبرأت عن المهر، لم يصح ذلك منها؛ فإنه إبراء قبل الوجوب. وإذا فرعنا على
[ ١٣ / ١٦٩ ]
أنها تستحق المهرَ بالعقد، نُظِر، فإن كانت عالمة بمهر مثلها، صح إبراؤها، وإن كانت جاهلة بمبلغ مهر المثل، فلا يصح إبراؤها فيما جهلته، وهل يصح إبراؤها في المقدار المستيقن؟ فعلى قولين.
وبيان ذلك أنها لو استيقنت أن مهرها لا ينقص عن ألف، وجوّزت أن يبلغ ألفين، فإذا أبرأت عن مهر مثلها لم يصح إبراؤها عما هي مترددة فيه. وهل يصح إبراؤها عن الألف المستيقن؟ فعلى ما ذكرناه.
فإن قيل: إذا فرعتم على أن المفوضة لا تستحق بالعقد شيئًا، فهلا جعلتم إبراءها عن مهر المثل إذا علمته بمثابة الإبراء عما لم يجب، ووُجد سببُ وجوبه؟ [و] (١) في مثل هذا قولان؟ قلنا: ليس هذا بمثابة إبراء المرأة عن نفقة غدها؛ فإن النفقة وإن لم تكن واجبة في الحال، فالنكاحُ يفضي إلى وجوبها من غير سببٍ آخر، فاستمر القولان في مثل ذلك، ومهر المفوضة على قولنا: إنها لا تستحق شيئًا بالعقد لا يثبت إلا بسبب سيحدث، يتعلق إنشاؤه بالاختيار: كالفرض والمسيس. وقد ذكرت قولًا جامعًا في ضمان ما لم يجب في ترتيب القديم والجديد، والإبراءُ عما لم يجب بمثابة ضمان ما لم يجب.
٨٥٣٧ - ومما يجب التنبه له أن نص الشافعي في كتبه يشير إلى أن المفوضة لا تستحق بالعقد شيئًا، وفي هذا الفصل من نص الشافعي ما يدل على أنها تستحق بنفس العقد المهر؛ فإنه قال: " فأما في الصداق غير المسمى أو الفاسد فالبراءة في ذلك باطلة لأنها أبرأته مما لم تعلم ". فقوله: " الصداق غير المسمى " يشير إلى صورة التفويض. ثم أبطل الشافعي الإبراء، وعلل إبطاله بأنها أبرأت عما لم تعلم.
ولو كان الصداق غير واجب بالعقد، لكان تعليل إبطال الإبراء [بعدم الوجوب] (٢)؛ فإن ما لا يجب لا يعلل إبطال إسقاطه بكونه مجهولًا؛ إذ المجهول ثابت على الجهالة وهذا حسن.
_________________
(١) (الواو) زيادة اقتضاها السياق.
(٢) في الأصل: يعد من الوجوب.
[ ١٣ / ١٧٠ ]
ولكن يتطرق [إليه] (١) حمل النص على تعرية النكاح عن ذكر المهر من غير إذن صريح من المرأة في التعرية. وقد ذكرنا أن هذا يقتضي ثبوتَ المهر، وليس من صور التفويض، وإنما يلتحق النكاح بالتفويض التام إذا صرَّحت المرأة بالرضا بإسقاط المهر.
والمفوضة لو أبرأت عن المتعة قبل الطلاق، لم يصح إبراؤها؛ لأن ذلك إسقاط ما لم يجب بعدُ، ولا يخرج على القولين المشهورين في أنَّ ما لم يجب، ووُجد سبب وجوبه، هل يصح الإبراء عنه؟ فإن وجوب المتعة محال على الطلاق الذي سيقع؛ فليس النكاح سببًا خاصًا في إيجاب المتعة، وقد ذكرنا هذا في إبرائها عن المهر، إذا قلنا إنها لا تستحق المهر بأصل العقد.
_________________
(١) في الأصل: إلى.
[ ١٣ / ١٧١ ]