٧٨٢٩ - تجب قسمة الصدقة على الأصناف بالتسوية، ويجب تعديل السهام اتفاقًا، إلا سهم العامل، فقد سبق تفصيله، فإن تولّى قسمة صدقته بنفسه، سقط سهم العامل، ويخرج المؤلفة على الرأي الظاهر، فيبقى الفقراء، والمساكين، والرقاب، والغارمون، وأبناء السبيل، وسبيل الله: فيقسم على ستة، فيصرف كل سهم إلى ثلاثة فصاعدًا، ولا تجب التسوية بينهم (١)؛ لأنه ضبط للعدد (٢)، فيجوز التفضيل وفاقًا.
ولا يجوز النقصان من الثلاثة.
وإذا تولى [الإمام] (٣) تفرقة الزكاة، لم يؤاخذ في صدقة كل شخص بهذا التعديل، لكن يجمعها كلها، ويتعاطى فيها بتعاطي الواحد في تفرقة زكاة نفسه؛ لأن يد الإمام يد المستحقين، وهي محل الصدقة، وعلى الإمام مزيد نظر أن يوصل الصدقة إلى محاويج الخِطة.
فصل
٧٨٣٠ - إذا فرّق زكاة نفسه، ثم ظهر أن بعض من أخذ لم يكن مستحقًا، فقولان: أصحهما - أنها لم تقع موقعها؛ لأنها من ضمانه إلى أن يوصلها إلى مستحقها، وإلى
_________________
(١) بينهم: أي بين الأصناف في العدد، بعد أن يستوفي ثلاثة من كل صنف.
(٢) أي أن شرط استيعاب ثلاثة من كل صنف ضبطٌ للعدد الواجب، وبعده تجوز الزيادة من أحد الأصناف عن الآخر. ويحتمل أن يكون في الكلام سقط، وصحة العبارة: "لأنه لا ضبط للعدد" أي لا يطالب من عليه الزكاة بإحصاء الأصناف الثمانية، ومعرفة عدد الآحاد في كل صنف، والتسوية بينهم، فإن هذا لا ضبط له لدى الآحاد ممن لزمتهم الزكاة، وإنما يتيسر هذا للإمام، عندما يقوم هو بجمع الزكاة وتوزيعها.
(٣) زيادة اقتضاها السياق.
[ ١١ / ٥٦٤ ]
هذا مَيْلُ النص في الجديد. والقديمُ: لا يلزمه تثنية (١) الزكاة؛ لأن فيه عسرًا، ولا يتمكن الآحاد من نهاية البحث، وفي تثنيتها ثقل على أرباب الأموال.
هذا إذا خرج من قدَّرهُ فقيرًا غنيًا. فأما إذا خرج كافرًا، أو رقيقًا، فقد قيل: هي على قولين كالتي قبلها. وقيل: يجب قطعًا تثنيتها؛ لأن الكافر والرقيق لا يخفيان غالبًا، فظهورهما يدل على تقصير المعطي، بخلاف الفقير والغني، فأمرهما مشكل.
وإذا أدى سهم الغارم إلى من أقام بينة على غرمه، ثم بان كذبهم، ففيه قولان، كمن ادعى المسكنة، ثم بان غنيًا. ولو لم يكلِّف مدعي الغرم البينة، وأعطاه بقوله، ثم بان كذبه، لم يقع المخرج موقعه، ورمز بعضهم [فيه] (٢) إلى تردد، فإن قلنا: لا نسلّم إليه بقوله، لم يبق شك في أنه لا يقع ما أخرجه موقعه. وإن قلنا: يجوز له التعويل على قوله، فالظاهر أنه لا يعتد به؛ لأن الاستظهار بالبينة ممكن. وإذا اكتُفي بظاهر قول المخبر، كان مشروطًا بالسلامة.
ولا وجه لتحليف من يدعي المسكنة إذا لم تظهر تهمة، وإن ظهرت، فإن كان المفرِّق الإمام، فيليق بمنصبه تحليفه، وإن كان ربَّ المال، فيبعد منه التحليف، ويعضّده ترك السلف التحليف. ويجوز أن يقال: له أن يحلّف، كما يسمع قول الثقات في المغارم (٣)، وإن اختص سماع [البينة] (٤) بمجالس الحكام، وإذا رأينا التحليف على دعوى المسكنة، لم نوجبه على من يفرق الصدقة، إذا لم يكن تهمة، بخلاف سهم الغارمين، ولا يبعد في القياس اشتراط اليمين إذا قلنا: اليمين مستحقة، وتخصيص التحليف على المسكنة بمحل التهمة، وغالب العادة
_________________
(١) كذا قرأناها على ضوء السياق، وبمساعدة أطراف الحروف، حيث فيها أثر تصويب، طمس صورة حروفها.
(٢) في الأصل: "منه".
(٣) المعنى: أننا كما جوّزنا سماع الثقات (أي الشهود) من الغارمين، أي طلبنا منهم البينة، وسمعناها، مع أن سماع الشهود يختص بمجالس الحكم، فكذلك يجوز أن يحلَّف في المسكنة.
(٤) في الأصل: بالبينة.
[ ١١ / ٥٦٥ ]
اجتناب (١) التهمة في مصارف الزكوات. ولو تصور استواء النفي والإثبات في دعوى المسكنة، فعلى الوجهين.
أما إذا تولى الوالي تفرِقة الزكاة، فبان مَنْ ظنَّهُ مسكينًا غنيًا، فالمشهور أن الوالي لا يغرم؛ لأن تغريمه يجر عسرًا؛ لأنه يتعذّر عنه، ووقعت الزكاة موقعها، وبرىء [مَنْ أداها] (٢)، ويسترد الوالي ما بذله إن تمكن منه، ويصرفه إلى مستحقه. ولا يقف الحكم ببراءة ذمة رب المال على أن يفعل الوالي ذلك.
وإن كان (٣) الآخذ كافرًا، أو رقيقًا، فهل يغرم الوالي؟ فيه قولان، فإنه ينسب إلى تقصير. وقيل في الصورة الأولى أيضًا قولان.
وحيث نوجب على الإمام الاستظهار، فلم يفعل، فالوجه القطع بتغريمه؛ لأنه متصرف بالولاية في حقّ الغير، وحيث لا يغرم الإمام، فلا نشك بوقوع الزكاة موقعها، وإن رأينا تغريمه، فهو بمثابة ما لو أكلها، ولم يصرفها إلى مستحقها، ولو فرض ذلك، فلم نحكم بانعزال الوالي، فظاهر القياس أنه يبرأ مَن عليه الزكاة؛ فإن يد الإمام يد المستحقين، والواقع في يده كالواقع في يد المستحقين. وقيل: لا تبرأ ذمة من عليه الزكاة؛ لأنها لم تبلغ محلها، وهذا يجري حيث يغرم الإمام جريانًا ظاهرًا.
وإن لم يغرم الإمام، أثبتنا له حق الاسترداد إذا تمكن منه، بخلاف الصدقة المعجلة إذا لم تقع موقعها، ففي بعض الصور نقول: لا تسترد؛ لإمكان صرفها إلى جهة التطوع، بخلاف ما نحن فيه؛ فإنّ أَخْذ الصدقة ظلمًا مستحيل أن يقدَّر جهة ثبوت الملك.
وأما إذا تولى تفرقتها من وجبت عليه، فالوجه أن نقول: إن أمكن الاسترداد، وجب ذلك، ويُقطع بأنّ الزكاة لم تقع موقعها.
_________________
(١) كذا قرأناها بصعوبة شديدة؛ لعدم وضوحها بالأصل، والمعنى أن معطي الزكاة غالبًا يبعد عن موضع التهمة، ويتطلب أصحاب الحاجة الحاقة.
(٢) في الأصل: "مِنْ أدائها" ولعل الصواب ما أثبتناه؛ فالإمام مفرّق، وليس بمؤدٍّ، ويؤيد صحة اختيارنا الكلام بعده.
(٣) كذا، ولعلها: "بان".
[ ١١ / ٥٦٦ ]
[] (١) على أن نقول: يسترده للمساكين؛ فإن هذا لو قيل به، فهو أولى [به بعد تقدير بُرئه] (٢) عن الزكاة، ولا سبيل إليه.
وإن عسر الاسترداد وأيس منه، حكمنا بوقوع الزكاة موقعها، وبرىء من كانت عليه، وهو بمثابة ما لو تلف المال قبل الإمكان، إذا قلنا: تجب بانقضاء الحول.
وما أخذه ذلك الإنسان هل يكون دينًا للمؤدي أم للمسلمين؟ قال: وهذا خَبْط لا يهتدى إليه، ونتبين منه تزييف القول بأن الزكاة سقطت عمن عليه. وبهذا يتضح الفرق بين الوالي ورب المال؛ فإن الوالي يتصرف للمستحقين وأرباب الأموال، ويده صالحة للنيابة للمساكين.
_________________
(١) النقط بين المعقفين مكان ثلاث كلمات تعذّر قراءتها، كما تعذّر تقدير كلمات مكانها.
(٢) كذا قرأنا هذه الكلمات بصعوبة بالغة. وقد رسمت كلمة (برئه) هكذا (براه).
[ ١١ / ٥٦٧ ]
باب ميسم الصّدقة
وسمُ الدواب جائزٌ، وقد صح أن رسول الله ﷺ وسم الدواب والنَّعَم في الصدقة والجزية (١).
ووسمُ الأغنام في آذانها (٢) وليخفَّ على قدر احتمالها. ووسمُ الإبل والبقر في أفخاذها، وكذلك وسم الخيل.
ونهى النبي ﵇ عن وسم الوجه، ورأى حمارًا في وجهه وسم فقال: "ألم يبلغكم أني لعنت من يسم الدواب في وجوهها" (٣). والذي ذكره الأصحاب الكراهية، وهذا الحديث يتضمن التحريم.
ثم قال الشافعي (٤) ﵁: علامة الصدقة: لله، وعلامة الجزية: الصَّغَار.
ثم ذكر الشافعي ﵁ بابًا (٥).
_________________
(١) حديث "أنه ﷺ وسمَ الدواب والنعم في الصدقة والجزية" متفق عليه من حديث أنس ﵁ (ر. البخاري: الزكاة، باب وسم الإمام إبل الصدقة بيده ح ١٥٠٢، واللباس، باب الخميصة السوداء، ح ٥٨٤٢. مسلم: اللباس، باب جواز وسم الحيوان غير الآدمي في غير الوجه وندبه في نعم الزكاة والجزية، ح ٢١١٩).
(٢) حديث وسم الأغنام في آذانها، ورد في بعض روايات حديث أنس السابق (ر. البخاري: الذبائح، باب الوسم والعلم في الصورة، ح ٥٥٤٢، مسلم: اللباس، باب جواز وسم الحيوان غير الآدمي في غير الوجه ح ٢١١٩، وابن ماجه: اللباس، باب لبس الصوف ح ٣٥٦٥، وأحمد ٣/ ١٦٩).
(٣) حديث "أنه ﷺ رأى حمارًا في وجهه وسم " رواه مسلم وأبو داود عن جابر ﵁ (ر. مسلم: اللباس، باب النهي عن ضرب الحيوان في وجهه ووسمه فيه ح ٢١١٧، ٢١١٨، أبو داود: الجهاد، باب النهي عن الوسم في الوجه والضرب في الوجه ح ٢٥٦٤، التلخيص: ٣/ ٢٤٠ ح ١٥١٢).
(٤) ر. المختصر: ٣/ ٢٤٤.
(٥) هو باب (الاختلاف في المؤلفة) ر. المختصر: ٣/ ٢٤٦.
[ ١١ / ٥٦٨ ]
آخر ربع البيوع (١).
_________________
(١) جاء في خاتمة النسخة: وافق الفراغ منه بتوفيق الله تعالى وحسن معونته، سابع ليلة مضت من ربيع الآخر من شهور سنة سبعين وخمسمائة، وهو حسبي ونعم الوكيل. وكتبه العبد الضعيف الراجي رحمة ربه عمر بن أبي غانم ابن الموصلي حامدًا لله ومصليًا على رسوله محمد خير خلقه وعلى آله وأصحابه وأزواجه صلاة زاكية تامة إلى يوم الدين. ستبقى خطوطي بعد موتتي على أنها تبقى وتفنى أناملي فيا ناظرًا فيها اسأل الله رحمةً لكاتبها المدفون تحت الجنادل اسأل الله رحمة.
[ ١١ / ٥٦٩ ]
عز الفقه وشرفه في الاقتصار على مسالكه، مع التزام الجواب عن كل واقعة.
الإمام
في نهاية المطلب
[ ١٢ / ٤ ]