٧٨٣١ - والأصل في النكاح قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ [النساء: ٣].
وقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. وقوله ﷺ: "تناكحوا تكثروا" (٢).
قال (٣): واتفق المسلمون على أن النكاح شرع لإحلال النساء للرجال.
قلت (٤): الآيتان، والخبر لا يخص ما ترجم الباب (٥)، بل هي عامة.
وقوله: "النكاح شرع لإحلال النساء للرجال" فيه نقد، بل لتحليل كل واحد من القبيلين للآخر.
قال: وصدّر الشافعي ﵁ الكتاب بهذا الباب، وأضاف الأصحاب إليه خصائصه في غير النكاح.
_________________
(١) من هنا خرم في الأصل، ينتهي عند أول باب اجتماع الولاة وتفرقهم، وقد أكملناه من مختصر ابن أبي عصرون (صفوة المذهب) حيث وجدناه يحتفظ بعبارة الأصل، ونكاد لا نجد لفظة منه غير ألفاظ الأمام.
(٢) حديث "تناكحوا تكثروا": أخرجه صاحب مسند الفردوس عن ابن عمر ﵁، وذكره البيهقي في (المعرفة) عن الشافعي بلاغًا، وكذا هو في الأم، والمختصر (ر. مسند الفردوس: ٢/ ١٣٠ ح ٢٦٦٣، الأم: ٥/ ١٤٤، مختصر المزني: ٣/ ٢٥٥، معرفة السنن والآثار: ٥/ ٢١٩، البدر المنير: ٧/ ٤٢٣، التلخيص: ٣/ ٢٤٨).
(٣) القائل هو إمام الحرمين.
(٤) أي ابن أبي عصرون.
(٥) فإن الباب مترجم بأنه في شأن رسول الله ﷺ وأزواجه.
[ ١٢ / ٥ ]
٧٨٣٢ - ويحصر خصائصه ﷺ ضربان: تغليظٌ، وتخفيف، وينقسم التغليظ إلى التحريم والإيجاب: أما الإيجاب فمنه:
صلاة الليل، لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] والنافلة في اللغة: الزيادة. وهي في حق الأمة جائزة لنقصان فرائضهم، وفرائضه ﷺ [منزّهة] (١) من النقص؛ فكان تهجده زيادة على مفروضاته.
ومنه وجوب الأضحى (٢)، والضُّحى، والوتر.
وفي وجوب السواك خلاف.
وكان يقضي دين من مات معسرًا، لما اتسع عليه المال وجوبًا عند الجمهور، أشعر به قوله ﷺ: "من ترك كَلًاّ فإليَّ، أو دينًا فعليَّ" (٣). وقيل: كان تكرّمًا منه، وهو غير سديد؛ لأن قوله حقٌ، فلا يجوز تقدير خلافه، ولا يمكن حمله على الضمان عند من أجاز ضمان المجهول لما يتضاعف فيه من جهالة الجنس، والقدر، والصفة، ومن له، وعليه.
وذُكر في إيجاب ذلك على الإمام من سهم المصالح وجهان.
قال (٤): وفيه تفصيل: فإن [من] (٥) لم يقدر على القضاء، ولم يمطُل، يلقى الله تعالى ولا مظلمة عليه، قالت عائشة ﵂: "لأن أموت وعلي مائة ألف
_________________
(١) في الأصل: منزه.
(٢) المراد الأضحية، وورد ذلك في الحديث الذي رواه أحمد عن ابن عباس مرفوعًا "أمرت بركعتي الضحى ولم تؤمروا بها، وأمرت بالأضحى ولم تكتب"، وروى الدارقطني عن أنس مرفوعًا: "أمرت بالوتر والأضحى ولم يعزم علي" وقد ضعف الحافظ إسناد الحديثين (ر. مسند أحمد: ١/ ٣١٧، الدارقطني: ٢/ ٢١، التلخيص: ٣/ ٢٥٤، ٢٥٥ ح ١٥٣٢).
(٣) حديث أنه كان يقضي دين من مات معسرًا لما اتسع عليه المال، وقوله ﷺ: "من ترك كلًاّ " متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁ (ر. البخاري: الكفالة، باب الدين ح ٢٢٩٨، مسلم: الفرائض، باب من ترك مالًا فلورثته، ح ٤١٥٧. التلخيص: ٣/ ١٠٨ ح ١٢٦٨).
(٤) أي إمام الحرمين.
(٥) زيادة اقتضاها السياق.
[ ١٢ / ٦ ]
لا أملك قضاءها أحب إليّ من أن أموت وأخلف مثلها" (١). ولا معنى لصرف مال المصالح في دينه (٢). وإن ظلم بالمطل، ومات معسرًا، فالأوجه ألا يصرف مال المصالح إليه، فإن قيل بجوازه، فيقضى أيضًا دين من لم يظلم؛ ترغيبًا لأرباب الأموال في إسعاف المحتاجين وشرطه -عامًا وخاصًا- أن يفضل المال عن مصالح الأحياء.
ومن الإيجاب مشاورة [ذوي الأحلام] (٣) عند قومٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقيل: نُدِب إليها استعطافًا للقلوب.
وسر تخصيصه بالإيجاب تعظيم ثوابه؛ فإن ثواب الفرض أعظم؛ قال ﷺ حاكيًا عن ربه ﷿: "ما تقرّب المتقربون إليَّ بمثل أداء ما افترضت عليهم" (٤). وقال ﷺ: "يقول الله تعالى: عبدي، أدِّ ما افترضت عليك، تكن أعبد الناس، وانته عما نهيتك عنه، تكن أورع الناس، وارض بما قسمت لك، تكن أغنى الناس، وتوكّل على الله، تكن أكفى الناس" (٥). وقيل: يزيد ثواب الفرض على النفل سبعين درجة؛ لما روى سلمان الفارسي ﵁ أن النبي ﷺ قال في شهر رمضان: "من تقرّب فيه بخصلة من خصال الخير، كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه، كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه" (٦).
_________________
(١) أثر عائشة ﵂ لم نقف عليه.
(٢) فالراجح عند الإمام أنه لا يقضى دينه من سهم المصالح.
(٣) في الأصل: "ذوي الأْرحام" وهو سبق قلم؛ فلا معنى لتخصيص ذوي الأرحام بالمشورة.
(٤) حديث "ما تقرّب المتقربون إليَّ " طرف من حديث أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁ (ر. البخاري: الرقاق، باب التواضع، ح ٦٥٠٢، التلخيص: ٣/ ٢٥٤ ح ١٥١٣).
(٥) حديث " عبدي، أدِّ ما افترضت عليك" قال في كشف الخفا (١/ ٧٥ ح ١٧١): "رواه ابن عدي عن ابن مسعود. قال الدارقطني: رفعه وهم، والصواب وقفه".
(٦) جاء في زيادات النووي في الروضة: ٣/ ٧ قوله: "قال إمام الحرمين هنا: قال بعض علمائنا: الفريضة يزيد ثوابها على ثواب النافلة بسبعين درجة، واستأنسوا فيه بحديث" ا. هـ. وجعل ابن حجر هذه من فوائده في تلخيص الحبير، وعقب على كلام النووي قائلًا: =
[ ١٢ / ٧ ]
فقابل النفل فيه بالفرض في غيره، وقابل الفرض فيه بسبعين فريضة في غيره، فأشعر أن الفرض يزيد على النفل سبعين درجة، بل دلّ أن كل نفل شهر رمضان كفرض غيره، وأن فرضه بسبعين فريضة في غيره.
٧٨٣٣ - فأما ما وجب في النكاح:
فمنه تخييره نساءه، لقوله سبحانه: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]. وقيل: إن سبب التخيير أنهن طالبنه بشيء من الدنيا، ولم يكن في يديه وفاء به (١).
وروي أن إحداهن طلبت منه خاتمًا من ذهب، فجاءها بخاتم من فضة، لطخه بالزعفران، فردته. وقد روي في سبب التخيير وجوه، ويظهر أن [نفرة] (٢) زحفت إلى قلبه ﷺ لمطالبتهن له بما لايجده، فآلى ﷺ أن لا يدخل عليهن شهرًا.
وروي عن عمر ﵁ أنه قال: كنّا معاشر المهاجرين متسلطين على نسائنا بمكة، وكانت نساء الأنصار مسلّطات على رجالهن، فلما قدمنا المدينة اختلطت نساؤنا بنسائهم، فطفقن يتخلقن بأخلاقهن، فكلمت امرأتي ذات يوم في شيء، فراجعتني، فرفعت يدي لأضربها، وقلت: لا تراجعيني يا لكعاء، فقالت: إن نساء رسول الله ﷺ يراجعنه، وهو خير منك، فقلت: خابت حفصة وخسرت إذًا. فجمعت ثيابي وقمت، فأتيت حفصة، فقلت لها: أتراجعين رسول الله ﷺ. فقالت: نعم. إن رسول الله ﷺ يظلّ على
_________________
(١) = "والحديث المذكور ذكره الإمام في نهايته، وهو حديث سلمان مرفوعًا" وساق الحديث على نحو ما هو وارد هنا في شهر رمضان. ثم قال: "وهو حديث ضعيف، أخرجه ابن خزيمة، وعلّق القول بصحته [أي قال: إن صح الخبر] واعترض على استدلال الإمام به، والظاهر أن ذلك من خصائص رمضان، ولهذا قال النووي: استأنسوا، والله أعلم" انتهى كلام الحافظ (ر. التلخيص: ٣/ ٢٥٤) وانظر صحيح ابن خزيمة: ٣/ ١٩١ - ١٩٢ - رقم: ١٨٨٧.
(٢) حديث أن نساء النبي ﷺ طالبنه بشيء من الدنيا، ولم يكن في يديه وفاء به، رواه ابن سعد في الطبقات عن جابر ﵁ (٨/ ١٧٩) وما بعدها.
(٣) الكلمة بين المعقفين اختيار من المحقق لمناسبة السياق، وفي الأصل كلمة تعذر قراءتها.
[ ١٢ / ٨ ]
بعض نسائه طول نهاره مغضبًا، فقلت لها: لا تفعلي ذلك ولا تغترّي بابنة أبي قحافة، فإنها حِبّ النبي ﷺ، يحتمل منها ما لا يحتمل منك، وكنت قد ناوبت رجلًا من الأنصار حضور مجلس النبي ﷺ، فكنت أحضر يومًا، ويغيب في حاجته، فأخبره بما يجري، ويحضر يومًا وأغيب في حاجتي، فيحدثني بما جرى، فكنت في البيت إذْ قرع الأنصاري الباب عليّ، وقال: أَثمَّ عمر، فقلت: نعم. أحدث أمر؟ فقال: نعم، قلت: أجاءتنا غسان؟ - وكنا نحدث بأن [غسانَ] (١) تنعل خيولها لتغزونا فقال: أمر أفظع من ذلك: طلّق رسول الله ﷺ نساءه، فخرجت من البيت، ودخلت المسجد، ورأيت أصحاب رسول الله ﷺ حول المنبر جلوسًا يبكون، ورسول الله ﷺ على [مَشْرُبة] (٢)، وكان أسامة (٣) على الباب، فتقدمت إليه فقلت: استأذن لي، فاستأذن، فلم يُجَب، فرجعت. فلما بلغت بعض حجر المدينة، نازعتني نفسي؛ فانصرفت فقلت: استأذن لي، فاستأذن؛ فلم يجب؛ فرجعت، فلما بلغت بعض حجر المدينة نازعتني نفسي، فانصرفت فقلت: استأذن لي، فسمع رسول الله ﷺ صوتي، فقال: اصعد، فكان ﷺ نائمًا على حصير من الليف، فاستوى جالسًا، وإذا الليف قد أثّر في جنبه، فقلت: إن كسرى وقيصر يفترشان الديباج والحرير وأنت على مثل هذا، فقال ﷺ: "في شك أنت يا بن الخطاب؟ أما علمت أنها لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة"، ثم قصصت عليه القصة، فلما بلغت إلى قولي لحفصة لا تغتري ببنت ابن أبي قحافة بَسِمَ رسول الله ﷺ، فقلت: أطلقت نساءك؟ فقال: "ل". فقلت: الله أكبر" (٤).
_________________
(١) في الأصل: غسانًا. ولم ندر لها وجهًا.
(٢) بياض بالأصل، والمثبت من نصّ الخبر.
(٣) في بعض روايات الحديث: "وكان على الباب غلام أسود". وفي بعضها: "رباح".
(٤) أثر عمر ﵁ متفق عليه من حديث ابن عباس ﵄ (ر. اللؤلؤ والمرجان: ٢/ ١١٥ - ١٢٠، ح ٩٤٤، ٩٤٥).
[ ١٢ / ٩ ]
وروي أنه آلى عن نسائه شهرًا، فمكث في غرفته شهرًا، فنزلت آية التخيير، فلما نزلت بدأ رسول الله ﷺ بعائشة ﵂، فدخل عليها وقال: "إني ملق إليك أمرًا، فلا تبادريني فيه بالجواب حتى تؤامري فيه أبويك"، وتلا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] الآيات. فقالت: أفي مثل هذا أؤامر أبوي؟ اخترت الله ورسوله والدار الآخرة، ثم قالت: لا تخبر زوجاتك بذلك، وطلبت أن يخترن الدنيا، فيفارقهن ﷺ، فخرج رسول الله ﷺ ودخل على نسائه، وأخبرهن بما جرى مع عائشة، وكان يتلو عليهن آية التخيير، فاخترن بأجمعهن الله ورسوله والدار الآخرة (١). فثبت بذلك وجوب التخيير عليه ﷺ.
وذهب بعض الأصحاب إلى أن واحدة منهن لو اختارت الدنيا، لكانت تبين بنفس الاختيار، كما لو خيّر أحدنا زوجته، ونوى تفويض الطلاق إليها، فقالت: اخترت نفسي، ونوت الطلاق؛ فإنها تبين بنفس الاختيار. قال (٢): وهذا غير مرضي؛ فإن الآية اقتضت التخيير بين الدنيا وزهرتها وبين الآخرة، ولا يماثل ما يجري بين الزوجين منا.
قال: والأولى في التوجيه أن اختيار إحداهن الدنيا يضاد صحبة رسول الله ﷺ، والدليل عليه أن هذا القائل يقول: لو اختارت الدنيا، كان يجب على المصطفى ﷺ أن يفارقها، والفرقة إذا وجبت، وقعت عندنا، ولهذا
_________________
(١) واقعة التخيير أخرجها الشيخان من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة ﵂، وليس فيها أن عائشة طلبت أن يختار نساء النبي ﷺ الدنيا فيفارقهن، قال الحافظ في الفتح (٨/ ٣٨٢): "وقع في النهاية، والوسيط التصريح بأن عائشة أرادت أن يختار نساؤه [ﷺ] الفراق، فإن كانا ذكراه فيما فهماه من السياق فذاك، وإلا فلم أر في شيء من طرق الحديث التصريح بذلك" ا. هـ (ر. البخاري: التفسير، تفسير سورة الأحزاب، باب "قل لأزواجك إن كنتن تردن " ح ٤٧٨٥، مسلم: الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن، ح ١٤٧٥).
(٢) أي إمام الحرمين.
[ ١٢ / ١٠ ]
استدللنا بوجوب الفراق في اللعان على وقوعه.
قلت: وفيما ذكره نظر؛ فإنه لو كان اختيار الدنيا يضاد صحبة رسولى الله ﷺ، لتعجلت الفرقة، ولو وقعت الفرقة، لم يكن لقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] معنى؛ فإن المفارِقة كيف تفارَق؟ وقوله: إن الفرقة إذا وجبت وقعت - لا يصح، وليس ذلك مذهبًا، ولهذا إذا أمتنع المُولي من الفيئة، وجب عليه أن يطلق، ولا يقع الطلاق قبل تطليقه. وكذا إذا رأى الحكمان في باب النشوز الطلاق، كان التطليق واجبًا، ولا تطلق بنفس وجوب التطليق. وأما في باب اللعان، فلا نقول بأن الفرقة وقعت بوجوبها، بل تقع بكمال ألفاظ اللعان.
قالى: ومن أصحابنا من قال: إن قلنا: إن الفرقة لا تقع، لكن كان يجب على النبي ﷺ أن يفارقها تلقيًا من قوله سبحانه: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨]. وظاهرهُ وجوبُ الفرقة، وقد تحقق أن ذلك من خصائصه ﷺ، فلا يناط بالأقيسة التي تناط بها أحكام العامة، وإنما يتبع فيها موارد الشرع من غير زيادة.
وذكر الخلاف في خصائصه خبطٌ، لا فائدة فيه؛ لأنه لا يتعلق بها حكم ناجز تمس الحاجة إليه، وإنما نجتهد فيما لا نجد بدًا من إثباته أو نفيه، وما خلا منه تهجّم على الغيب من غير ثمرة.
وانبنى على هذا أنه هل كان يلزمهن الجواب على الفور؟ فقيل: إن قلنا: إن الفرقة تقع بنفس الاختيار، اقتضى أن يكون الجواب على الفور، على قولٍ، كما لو خير أحدنا زوجته، ففي وجوب الاختيار على الفور قولان. قالى: وهذا في نهاية الضعف؛ فإنه ﷺ قال لعائشة: "ولا تبادريني بالجواب حتى تستأمري أبويك". فإن قيل: ما كان لها ذلك تخييرًا ناجزًا، قلنا: فلم اكتفى به ﷺ في جواب التخيير؟ فلا حاصل لذكر الخلاف فيه.
وإن قلنا: لا تحصل الفرقة بنفس الاختيار، فلا يلزمهن الجواب على الفور، وهو الصحيح.
ولما اخترن الله سبحانه ورسوله والدار الآخرة جازاهنّ الله سبحانه، فحرم عليه
[ ١٢ / ١١ ]
التبدل بهن، والتزوج عليهن، فقال تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢] والذي صح عند الشافعي ﵁ أنه ﷺ لم يمت حتى أُبيح له ما حرّم من ذلك (١). وقال أبو حنيفة: مات ولم يبح له.
لنا ما روت عائشة ﵂: "ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل له النساء اللائي حرمن عليه" (٢).
وفي تحريم طلاقهن وجهان: أحدهما - كان حرامًا عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢] والتبدّل إنما يكون بمفارقتهن وإقامة غيرهن مقامهن. والثاني - لم يحرم طلاقهن، وهو الظاهر؛ لأن الخصائص يجب أن يقتصر فيها على المنقول.
وقال بعضهم: إنه في صورة خاصة، وهو أنه لو وجد التطليق باختيارهن الدنيا، فأما منعه من إنشاء طلاق بعد انقضاء التخيير، وأثره، فلا وجه له.
قال: وهذا التفصيل لا حاجة إليه، والوجه القطع بأنّ له اختيار الطلاق متى شاء.
ولما أباح الله سبحانه لرسوله ﷺ التبدّل بهن، لم يتبدّل، وهو السر في إباحته إظهارًا لمنته ﷺ عليهن.
٧٨٣٤ - أما المحرمات من خصائصه ﷺ، فمما حرم عليه من دون أمته إلا ذوي القربى، فالصدقة (٣) المفروضة، وكذا صدقة التطوع على المذهب
_________________
(١) ر. الأم: ٥/ ١٤٠.
(٢) حديث عائشة: "ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل له النساء اللائي حرمن عليه" رواه الشافعي في الأم، ولفظه "ما مات رسول الله ﷺ حتى أحلّ له النساء" قال الشافعي: كأنها تعنىِ اللاتي حظرن عليه في قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢]. وأخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي دون الزيادة، قال في البدر المنير: هذا الحديث صحيح. (ر. الأم: ٥/ ١٤٠، أحمد: ٦/ ٤١، الترمذي: التفسير، باب: ومن سورة الأحزاب، ح ٣٢١٦، النسائي: النكاح. باب ما افترض الله ﷿ على رسوله ﵇ وحرّمه على خلقه ليزيده إن شاء الله قربة إليه، ح ٣٢٠٤، البدر المنير: ٧/ ٤٤٠، التلخيص: ٣/ ٢٦٣ ح ١٥٤٠).
(٣) فالصدقة: كذا بالفاء، ولم نعرف لها وجهًا، فقد سبق جواب أمّا بقوله: فمما حرم عليه. =
[ ١٢ / ١٢ ]
المعروف، وفي تحريمها على ذوي القربى خلاف تقدم. وقيل: بأنها لم تحرم عليه، لكنه كان يأنف منها تعففًا. وهو بعيد غريب.
ومنه خائنة الأعين (١)، فكان لا يجوز له أن يظهر شيئًا ويسر خلافه وهو يسمى الإيماض بالعين. وقيل: كان يحرم عليه الإيهام، والختل بجميع وجوه الأفعال، حتى الخُدعة في الحرب. وهذا مزيف. فقد صح "أنه ﷺ كان إذا أرِاد سفرًا وزَى بغيره" (٢). وقد روي أنه ﷺ قال: "الحرب خُدعة" (٣). قال: لا أدري أخبرٌ هو عنه، أم أثر عن علي كرم الله وجهه لما قتل عمرو بنَ عبد ود؛ ولأن الإيماض والتلويح بالترامز يحط من قدر المتكلم، ويسقط من أبّهته؛ فأما الإيهام في الأمور العظام، فمعدود من الإيالات والسياسات. ومكائد الحروب لا تزري بأصحابها.
_________________
(١) = فالكلمة (الصدقة) مبتدأ مؤخر، خبره فمما حرم عليه، والله أعلم.
(٢) دليله قوله ﷺ: "لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين" رواه أبو داود، والنسائي، والبزار، والحاكم، والبيهقي من حديث سعد بن أبي وقاص في قصة الذين أمر النبي ﷺ بقتلهم يوم فتح مكة. وروى أبو داود والترمذي والبيهقي من طريق أخرى عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "إنه ليس لنبي أن يومض". وفي رواية لابن سعد في طبقاته: "الإيماء خيانة، وليس لنبي أن يومىء" (ر. أبو داود: الجهاد، باب قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام، ح ٢٦٨٣، والجنائز، باب أين يقوم الإمام من الميت إذا صلى عليه، ح ٣١٩٤، النسائي: تحريم الدم، باب الحكم في المرتد، ح ٤٠٦٧، مسند البزار: ٣/ ٣٥٠ - ٣٥١، الحاكم: ٣/ ٤٥، السنن الكبرى للبيهقي (٧/ ٤٠) (١٠/ ٨٥)، طبقات ابن سعد: ٢/ ١٠٧، التلخيص: ٣/ ٢٧٤ ح ١٥٤٩.
(٣) حديث "أنه ﷺ كان إذا أراد سفرًا وزى بغيره" متفق عليه من حديث كعب بن مالك (ر. البخاري: الجهاد، باب من أراد غزوة فوزى بغيرها ح ٢٩٤٧، مسلم، التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك ح ٢٧٦٩، التلخيص: ٣/ ٢٧٥ ح ١٥٥٠).
(٤) حديث "الحرب خدعة" متفق عليه من حديث جابر، ولمسلم أيضًا من حديث أبي هريرة (ر. البخاري: الجهاد، باب الحرب خدعة، ح ٣٠٣٠. مسلم: الجهاد، باب جواز الخداع في الحرب، ح ١٧٣٩، ١٧٤٠).
[ ١٢ / ١٣ ]
وكان يحرم عليه إذا لبس لأَمَة حربه، حرم عليه نزعها حتى يلقى العدو (١)، وقيل: هو مكروه. وهو بعيد.
وقال ﷺ: "أنا لا آكل متكئًا" (٢)، فقيل: إنه حرام. والظاهر أنه لا يحرم؛ لأنه لم يثبت فيه ما يدل على التحريم، واجتنابه عنه واختياره غيره لا يدل على التحريم. ومن هذا اجتنابه أكل الثوم، وما له رائحة كريهة، ففيه هذا الخلاف.
٧٨٣٥ - أما محرمات النكاح، فقد صح أنه حرم عليه التبدل بأزواجه، وقد بيّناه.
وكان يحرم عليه استدامة نكاح امرأة تكره صحبته، لما روي أنه ﷺ نكح امرأة ذات جمال فلُقِّنَتْ أن تقول له ﷺ: "أعوذ بالله منك". وقيل لها: إن هذا الكلام يعجبه. فلما قالت له ذلك، قال ﷺ: "لقد استعذت بمعاذ، الحقي بأهلك" (٣).
_________________
(١) حديث "كان يحرم عليه إذا لبس لأمة حربه، حرم عليه نزعها حتى يلقى العدو" علقه البخاري مختصرًا، ووصله أحمد والدارمي، وغيرهما من حديث جابر: "أنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل" وفيه قصة. وللحديث طريق أخرى بإسناد حسن عند البيهقي والحاكم من حديث ابن عباس. ا. هـ ملخصًا من كلام الحافظ (ر. البخاري: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]، أحمد: ٣/ ٣٥١، الدارمي: ح ٢١٥٩، البيهقي (٦/ ٣٠٤)، (٧/ ٤١)، الحاكم (٢/ ١٢٩)، (٣/ ٣٩)، التلخيص: ٣/ ٢٧٣ ح ١٥٤٨).
(٢) حديث "أنا لا آكل متكئًا" رواه البخاري، وأصحاب السنن عن أبي جحيفة ﵁ (ر. البخاري: الأطعمة، باب الأكل متكئًا، ح ٥٣٩٨، ٥٣٩٩، أبو داود: الأطعمة، باب ما جاء في الاكل متكئًا ح ٣٧٦٩، الترمذي: الأطعمة، باب ما جاء في كراهية الأكل متكئًا، ح ١٨٣٠، النسائي في الكبرى: آداب الأكل، باب الأكل متكئًا، ح ٦٧٤٢، ابن ماجه: الأطعمة، باب الأكل متكئًا، ح ٣٢٦٢، التلخيص: ٣/ ٢٦٦ ح ١٥٥٤).
(٣) حديث "أنه ﷺ نكح امرأة ذات جمال، فلقِّنت أن تقول له " هذا الحديث أصله عند البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد، وعند البخاري من حديث أبي أسيد، وعند البخاري والنسائي وابن ماجه من حديث عائشة، وليس فيه أن المرأة (لُقِّنت)، بل هذه الزيادة قال عنها ابن الصلاح: إنها باطلة. وقد رواها ابن سعد في طبقاته، والحاكم في مستدركه بسند ضعيف. =
[ ١٢ / ١٤ ]
وقيل: إن نكاحه الحرة الكتابية كان لا يحرم عليه؛ فإن حل النكاح كان أوسع عليه من أمته. وقيل: كان يحرم عليه؛ لأن الغالب أنها كانت تكره صحبته دينًا، وقد قال ﷺ: "زوجاتي في الدنيا، زوجاتي في الآخرة" (١). ولا يحكم بهذا في الكافرة، ولأن قدره العلي لا يقتضي أن يضع ماءه في كافرة.
وكان يحرم عليه نكاح الأمة الكتابية كما يحرم على غيره.
قلت: فلا ينبغي أن تعد من خصائصه.
قال: ويحل للواحد من الأُمّة أن يتزوج الأمة المسلمة إذا عَدِم طَوْلَ حرّة، وخاف العنت، وفي تحريمها عليه ﷺ وجهان: أحدهما - يحرم: لأن شرط إباحته خوف العنت، وهو الزنا، وقد عُصم ﷺ. والثاني - يحل له، والشرط يعتبر في حق الأُمّة خاصة. وفي اشتراط عدم الطول وجهان؛ لأن حله أوسع بابًا، ولهذا ينكح من غير عدد، فإن لم يعتبر فقدان الطول، جاز أن يتزوج الإماء بغير عدد، وإن اعتبرناه، لم يزد على واحدة، وقد صح أنه ﷺ
_________________
(١) = (ر. البخاري: الطلاق، باب من طلق، وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق، ح ٥٢٥٤، ٥٢٥٥، ٥٢٥٦، ٥٢٥٧. مسلم: الأشربة، باب إباحة النبيذ الذي لم يشتد ولم يصر مسكرًا، ح ٢٠٠٧، النسائي: الطلاق، باب مواجهة الرجل المرأة بالطلاق ح ٣٤٤٦. ابن ماجه: الطلاق، باب ما يقع به الطلاق من الكلام، ح ٢٠٥٠، طبقات ابن سعد: ٨/ ١١٣ - ١١٦ الحاكم: ٤/ ٣٧، مشكل الوسيط لابن الصلاح. بهامش الوسيط: ٥/ ١٣، التلخيص: ٣/ ٢٧٨ ح ١٥٥٣).
(٢) حديث "زوجاتي في الدنيا زوجاتي في الآخرة" قال الحافظ: لم أجده بهذا اللفظ، وفي البخاري عن عمار أنه ذكر عائشة فقال: "إني لأعلم أنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة" ا. هـ. وقال ابن الملقن في البدر المنير: هذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه في ترجمة علي ﵁ من رواية ابن أبي أوفى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "سألت ربي ﷿ أن لا أُزوج أحدأ من أمتي ولا أتزوج إلا كان معي في الجنة، فأعطاني". وقد ذكر الحافظ حديث الحاكم هذا، وقال إن في الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن عمر مثله "وفي ملاقاته لحديث الباب تكلّف" (ر. البخاري: فضائل الصحابة، باب فضل عائشة ﵂، ح ٣٧٧٢، الحاكم: ٣/ ١٣٧، البدر المنير: ٧/ ٤٥٧، التلخيص: ٣/ ٢٧٩ ح ١٥٥٤).
[ ١٢ / ١٥ ]
تسرّى بمارية القبطية: أم ولده إبراهيم ﵇.
واختلفوا في جواز نكاح الأمة الكتابية، ويقرب من اختلافهم في جواز نكاحه الحرّة الكتابية. ومن نكح من الأُمّة أمة كتابية، فولده منها رقيق، فلو نكح ﷺ أمة كتابية، فولده منها حرّ؛ إذ يستحيل أن يُسترق جزء منه. وقيل: إن جوزنا استرقاق العرب، ففي ولده ﷺ وجهان، وهذا لا يحل اعتقاده، فلو تُصُوِّر أن غُرَّ بنكاح أمة، فولده منها حرّ، ولا قيمة (١) عليه؛ لأنه لا يَعْلق رقيقًا مع العلم، فظن الحرية يكون دافعًا للرق.
وسر ما حرم عليه دون أمته تكثير ثوابه في اجتنابه، لأن اجتناب المحرمات كفعل الواجبات، ووقعه أعظم من وقع اجتناب المكروه. قال ﷺ: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجلان تحابّا في الله، اجتمعا عليه وافترقا عليه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل كان في البيت وقلبه متعلق بالمساجد، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، بحيث لم تعلم يساره ما أنفقت يمينه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين" (٢).
٧٨٣٦ - أما التخفيف، فهو ما أبيح له دون غيره، فمنه: الصفيُّ (٣) من المغنم، وخمس الخمس، والوصال في الصوم.
وأما في باب النكاح، فإنه كان له أن يزيد على أربع، وقيل: كان يباح له أن يجمع بين تسع نسوة من غير زيادة. وقيل: منكوحاته كالسراري في حق أمته.
_________________
(١) أي قيمة المولود باعتباره رقيقًا، فإنّ من غرّ من الأمة فنكح أمة، فولده منها حر؛ لأنّ ظن الحرية بها يدفع الاسترقاق لولده، ولكن عليه قيمة المولود لسيد الأمة، فيقدّر رقيقًا، ويغرم قيمته لسيدها.
(٢) حديث "سبعة يظلهم الله " متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁ (ر. البخاري: الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة ح ٦٦٠، مسلم: الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، ح ١٠٣١).
(٣) الصفيّ، ومثله الصفية: ما يصطفيه الرئيس لنفسه من المغنم قبل القسمة، والجمع الصفايا، مثل عطية وعطايا. (مصباح).
[ ١٢ / ١٦ ]
وفي انحصار طلاقه [في] (١) الثلاث الخلافُ في انحصار زوجاته.
وكان ينعقد نكاحه بلفظ الهبة. وفي اشتراط لفظ النكاح في حقه خلاف سيأتي.
٧٨٣٧ - وقيل: كان يفتقر نكاحه إلى الولي كغيره، والصحيح أنه لا يفتقر؛ لأنه شرط لحفظ الكفاءة، وطلب الحظ، وذلك مستغنى عنه؛ فإنه سيد ولد آدم ﷺ وعلى أبيه (٢). ولما خطب ﷺ أم سلمة اعتذرت بمعاذير، وقالت: إني امرأة مُصْبية، غيرَى، وأوليائي غُيّب. فقال ﷺ: "أما الصبية فسنكفيكهم، وأما الغَيْرة، فأسال الله أن يذهبها، وأما الأولياء، فلم يكن أحد منهم يكرهني إذا حضر" (٣).
والأصح أن نكاحه ينعقد بغير شهود؛ لأن الغرض دفع ما يتوقع من الجحود، وذلك مستحيل منه ﷺ، ولو فُرض من جانبها، لكان تكذيبًا له، ومن كذب رسول الله ﷺ، فقد كفر.
وقيل: هذه المسائل تندرج تحت الخلاف في أن نكاحه كالتسرّي في حقنا، فإن جعلناه كذلك، لم يفتقر إلى الولي والشهود، ولم ينحصر العدد، وصح بلفظ الهبة من الجانبين، وفي حالة إحرامه. وإن قلنا: ليس كالتسري، فحكم هذه المسائل على العكس.
وقيل: إن القَسْمَ كان واجبًا عليه، ويحمل قوله تعالى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] على إباحة التبدل. وكان يأمر في مرض موته أن يُطاف به على نسائه في بيوتهن (٤)، وكان يستبطىء نوبة عائشة ويقول: أين أنا اليوم، أين أنا غدًا؛ ففطِن
_________________
(١) زيادة اقتضاها السياق.
(٢) المراد "آدم" المذكور آنفًا، ﵊.
(٣) حديث أم سلمة لما خطبها النبي ﷺ اعتذرت بمعاذير وقالت: "إني امرأة مصبية " رواه النسائي، وأحمد، وأصله عند مسلم (ر. مسلم: الجنائز، باب ما يقال عند المصيبة ح ٩١٨، النسائي: النكاح، باب إنكاح الابن أمه، ح ٣٢٥٦، أحمد: ٦/ ٣١٣، ٣١٧، ٣٢٠، ٣٢١).
(٤) حديث "أنه كان يأمر في مرض موته أن يطاف به على نسائه في بيوتهن" رواه الحارث بن أبي =
[ ١٢ / ١٧ ]
لمراده ﷺ فحلّلنه، فكان يمرّض في بيت عائشة ﵂ إلى أن قبضه الله، فقالت عائشة: مات رسول الله ﷺ في بيتي وفي يومي، ورأسه بين سَحْري ونحري، وجمع الله بين ريقي وريقه (١).
وقيل: ما كان يجب عليه القسم، وإنما فعله تكرّمًا. وهذا يخرج على تشبيه زوجاته بالسراري.
ومن خصائصه أنه ﷺ كان إذا رمق امرأة، ووقعت منه موقعًا، وجب على زوجها أن يطلقها، وقصة زينب مشهورة تشهد بذلك، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] فقيل: إنه لم يباشر عليها عقد نكاح، وإنما حلّت له بهذه الكلمة الإلهية. وقيل: إنه عقد عليها. ومعنى قوله سبحانه ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ أبحنا لك أن تتزوجها (٢).
_________________
(١) = أسامة في مسنده بسند رجاله ثقات إلا أنه منقطع. قاله الحافظ في التلخيص: (٣/ ٢٨٩ ح ١٥٦٢).
(٢) حديث "أنه ﷺ كان يستبطىء نوبة عائشة ويقول: أين أنا اليوم " رواه الشيخان (ر. البخاري: فرض الخمس، باب ما جاء في بيوت أزواج النبي ﷺ ح ٣١٠٠، والمغازي، باب مرض النبي ﷺ ووفاته ح ٤٤٥٠، والنكاح، باب إذا استأذن الرجل نساءه في أن يمرض في بيت بعضهن فأذن له ح ٥٢١٧. مسلم: فضائل الصحابة، باب في فضائل عائشة أم المؤمنين ﵂ ح ٢٤٤٣).
(٣) هذه الخصيصة، والاستشهاد لها بقصة زينب ﵂، تقوم على تفسير غير مرضيٍّ لآية سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] فقد جاء فيما رواه القرطبي: "ذهب قتادة، وابن زيد، وجماعة من المفسرين -منهم الطبري وغيره- إلى أن النبي ﷺ وقع منه استحسان لزينب بنت جحش، وهي في عصمة زيد، وكان حريصًا على أن يطلقها زيد، فيتزوجها هو، ثم إن زيدًا لما أخبره بأنه يريد فراقها، ويشكو منها غلظةَ قول وعصيان أمر، وأذى باللسان، وتعظمًا بالشرف، قال له: "اتق الله -أي فيما تقول- وأمسك عليك زوجك" وهو يخفي الحرصَ على طلاق زيد إياها، وهذا الذي كان يخفي في نفسه، ولكنه لزم ما يجب من الأمر بالمعروف" ا. هـ ثم أتبع القرطبي ذلك بروايات توضح أو تؤكد أو تشهد لهذا التفسير، منها ما رواه مقاتل، قال: =
[ ١٢ / ١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = زوج النبي ﷺ زينب بنت جحش من زيد، فمكثت عنده حينًا، ثم إنه ﵇ أتى زيدًا يومًا يطلبه، فأبصر زينب قائمة، وكانت بيضاء جميلة جسيمة من أتم نساء قريش، فهويها؛ وقال: "سبحان الله مقلّب القلوب"! فسمعت زينب بالتسبيحة، فذكرتها لزيد؛ ففطن زيد؛ ففال: يا رسول الله، ائذن لي في طلاقها؛ فإن فيها كبرًا، تعظُم عليَّ، وتؤذيني بلسانها، فقال ﵇: أمسك عليك زوجك واتق الله" انتهى ما حكاه القرطبي عن مقاتل. وأتبعها بروايات أخرى مثلها، مما قال عنه الألوسي في تفسيره: "وللقصاص في هذا كلامٌ لا ينبغي أن يجعل في حيز القبول". أما ابن العربي فبعد أن روى مثل هذا عن المفسرين، قال ثائرًا غاضبًا فيما سماه تنقيح الأقوال وتصحيح الحال. قال: "قد بينا في غير موضع عصمة الأنبياء صلوات الله عليهم من الذنوب وعهدنا إليكم عهدًا لن تجدوا له ردًّا أن أحدًا لا ينبغي له أن يذكر نبيًا إلا بما ذكره الله لا يزيد عليه؛ فإن أخبارهم مروية وأحاديثهم منقولة بزياداتٍ تولاها أحد رجلين: إما غبيٌّ عن مقدارهم، وإما بدْعي لا أرب له في برّهم ووقارهم؛ فيدس تحت المقال المطلق الدواهي، ولا يراعي الأدلَة والنواهي فهذا محمد ﷺ ما عصى قط ربّه في حال الجاهلية ولا بعدها فلم يقع قط في ذنب صغير -حاشا لله- ولا كبير، ولا وقع في أمر يتعلّق به لأجله نقصٌ، ولا تعيير فهذه الروايات كلها ساقطة". ثم قال بعد ذلك: " فأما قولهم: إن النبي ﷺ رآها؛ فوقعت في قلبه، فباطلٌ؛ فإنه كان معها في كل وقت وموضع، ولم يكن حينئذٍ حجاب. فكيف تنشأ معه وينشا معها، ويلحظها في كل ساعة، ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج حاشا لذلك القلب المطهر من هذه العلاقة الفاسدة". ا. هـ. هذا ومن المعاصرين الذين قالوا بهذا التفسير الدكتورة بنت الشاطىء - عائشة عبد الرحمن -على علمها وفضلها- فقد جاهرت بهذا التفسير ودافعت عنه بقوة في خبط وتخليط حول تأكيد بشرية الرسول ﷺ. والإمام السيوطي الذي أورد مثل هذا القصص في أسباب النزول، لم يعدّ هذه من الخصائص -على كثرة ما عدّد من الخصائص الكبرى- بل اقتصر في تفسير الآية على ما رواه البيهقي عن علي بن الحسين زين العابدين، وهو التفسير المرضي الذي سنورده بعد سطور. أما التفسير الصحيح الذي قال عنه القرطبي: "قال علماؤنا -رحمة الله عليهم-: هو أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية، وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين كالقاضي بكر بن العلاء القشيري، والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم"، وهذا التفسير يقوم على أن الذي أخفاه النبي ﷺ في نفسه هو علمه بأن زيدًا سيفارقها، وأنه ﷺ سيتزوجها، فقد كان الله قد أوحى إليه بذلك، وليس أنه أخفى حبه لها!!
[ ١٢ / ١٩ ]
ومنها أنه أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها (١)، ووقع الاتفاق على أنه كان له في ذلك خاصية، فقيل: هي أنه لزمها الوفاء بالتزوج به، وغيره لو أعتق أمته على أن تتزوج به، لم يلزمها الوفاء وتلزمها قيمتها. وقيل: الخاصية أنه جعل عتقها صداقها مع الجهل بقيمتها، وفي جواز ذلك في حق الأمة خلاف.
ومنها أنه جاز له دخول مكة من غير إحرام، وفي جوازه للأُمّة خلاف.
_________________
(١) = "فحاصل العتاب -كما قال الألوسي-: لم قلتَ: أمسك عليك زوجك، وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك، وهو مطابق للتلاوة -أي يتفق مع نظم الآية- لأن الله تعالى أعلم أنه مبدي ما أخفاه ﵊، ولم يظهر غير تزويجها منه، فقال سبحانه ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ فلو كان المضمر محبتها، وإرادة طلاقها ونحو ذلك، لأظهره الله جل وعلا". انتهى كلام الألوسي. أما ما كان يخشاه ﷺ من الناس، فهو أن يرجف المنافقون بأنه نهى عن تزوّج نساء الأبناء، وتزوجّ بزوجة ابنه. ويبقى بعد ذلك إشكال، وهو كيف يقول ﷺ لزيد: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وقد أعلمه الله أنه مفارقها، وأنه سيتزوجها؟ وقد أجاب عن ذلك ابن العربي بقوله: "فإن قيل: كيف يأمره بالتمسك بها، وقد علم أن الفراق لا بدّ منه، وهذا تناقض؟ قلنا: بل هو صحيح للمقاصد الصحيحة، لإقامة الحجة، ومعرفة العاقبة. ألا ترى أن الله يأمر العبد بالإيمان، وقد علم أنه لا يؤمن، فليس في مخالفة متعلق الأمر لمتعلق العلم ما يمنع من الأمر به عقلًا وحكمًا، هذا من نفيس العلم، فتيقنوه وتقبلوه" هذا ما قاله ابن العربي في (أحكام القرآن) ونقله عنه القرطبي في تفسيره. وأخيرًا نقول: لعل إمام الحرمين كان أول من قال بهذه الخصيصة من خصائصه ﷺ، فإن ابن العربي وهو يعدد خصائص المصطفى ﷺ ذكر هذه الخصيصة، ثم قال: "هكذا قال إمام الحرمين، ثم أشار إلى ما سبق من ردّه لذلك، وتبع الغزالي إمامه في ذلك. (راجع في هذه القضية: أحكام القرآن لابن العربي: ٣/ ١٥٤١ - ١٥٤٤، ١٥٦٣) و(تفسير القرطبي: ١٤/ ١٨٨ - ١٩٢) و(تفسير الألوسي: ٢٢/ ٢٤ - ٢٦) و(تفسير الماوردي: ٣٢٦ - ٣٢٨) و(الخصائص الكبرى للسيوطي: ٢/ ٢٤٦) و(الوسيط للغزالي: ٥/ ١٧).
(٢) حديث "أنه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها" متفق عليه من حديث أنس (ر. البخاري: النكاح، باب من جعل عتق الأمة صداقها، ح ٥٠٨٦، مسلم: النكاح، باب فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها، ح ١٣٦٥، التلخيص: ٣/ ٢٨١).
[ ١٢ / ٢٠ ]
ومنها أنه لا يورث. قال ﷺ: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" (١)، فكان ما خلفه على ما كان عليه في حياته وكان الصدّيق ﵁ ينفق منه على أهله وخدمه، ويراه باقيًا على ملك رسول الله ﷺ؛ لأنّ الأنبياء أحياء، وهذا هو الصحيح الموافق لسيرة الصديق.
وقيل: كان سبيله سبيل الصدقة، قال ﷺ: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة".
وقيل: كان إذا أمَّن كافرًا لا يلزمه الوفاء بأمانه، وكان يجوز له قتله. وهذا مما أُجمع على تخطئة صاحب التلخيص (٢) فيه. وكيف يليق بمنصب رسول الله ﷺ أن يخالف قولَه، ويخفر ذمته، ولو جاز، لكان فيه حط مرتبته، وتتبير (٣) أمره، وعدم حصول الثقة به، ومن حرمت عليه خائنة الأعين كيف يجوز له أن يخفر ذمته؟
ومنها أنه كان يجوز له أن يلعن من شاء من غير سبب يوجبه؛ لأنه كانت لعنته رحمة. وهو غلط باتفاق الأئمة.
ومن هذا القبيل أنه كان يجوز له أن يدخل المسجد جنبًا. وهذا هَوَسٌ لا مستند له.
ومن خصائصه شهادة خزيمة له، وإجازتها، وإقامتها مقام شهادة شاهدين عدلين، وفي هذا اضطراب؛ فإنه لم يصح ردّ شهادته في حقّ غير رسول الله ﷺ، وكان ﷺ يحتاج إلى شهادته؛ لأنه معصوم عن الحلف، ومن كذّبه كفر.
_________________
(١) حديث "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" متفق عليه من حديث أبي بكر ﵁ بلفظ أنه ﷺ قال: "لا نورث ما تركنا صدقة" (ر. البخاري: فرض الخمس، ح ٣٠٩٣، مسلم: الجهاد، باب قول النبي ﷺ: لا نورث ما تركنا فهو صدقة، ح ١٧٥٩، التلخيص: ٣/ ٢١٤).
(٢) ر. التلخيص: ٤٧٩.
(٣) كذا في الأصل، وهي بدون نقط. والمعنى: هلاك أمره وفساده. ويلوح لي أنها مصحفة عن: "وتثبيج أمره"؛ فإن التثبيج هو الاختلاط والاضطراب والتعمية. وهو الأكثر مناسبة للسياق.
[ ١٢ / ٢١ ]
ومنها أنه أبيح له الوصال في الصوم، وكان حرامًا على غيره، وقيل مكروهًا.
فصل
في أحكام نسائه
٧٨٣٨ - فنقول: مات رسول الله ﷺ عن تسع، وكان يقسم لثمان، وهنّ: عائشة بنة الصديق، وحفصة بنة الفاروق، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم سلمة بنت أبي أمية، وميمونة بنت الحارث خالة ابن عباس، وصفية بنت حيي بن أخطب، وجويرية بنت الحارث، وسودة بنت زمعة، وزينب بنت جحش، وهي التي كانت امرأة زيد. فهنّ اللواتي مات عنهن ﷺ، وهنّ أمهات المؤمنين، محرمات على الأبد على غيره.
ولو فارق امرأة في حياته هل كان يحل لغيره نكاحها؟ قيل: لا يحل كالتي مات عنها، وقيل: كانت تحل؛ لأن النكاح لم ينته نهايته، وقيل: إن كان ﷺ دخل بها، لم تحل لغيره، وإن لم يكن دخل بها حلّت لغيره. ولهذا روي أن الأشعث بن قيس نكح المستعيذة في زمن عمر ﵁، فرفعت قصته إليه، فحبسه وهمّ برجمه، فذكر له أن رسول الله ﷺ ما كان دخل بها، فكفّ عنه وتركها في حِباله (١).
ولا خلاف أن اللاتي خيرهن رسول الله ﷺ لو اختارت واحدة منهن الدنيا، لحلّ لها أن تتزوج؛ لأنها لو منعت ما تمكنت من غرضها من الدنيا.
_________________
(١) أثر "أن الأشعث نكح المستعيذة في زمن عمر فحبسه وهمّ برجمه " قال الحافظ: هذا الحديث تبع [الرافعيُّ] في إيراده هكذا الماوردي، والغزالي، وإمام الحرمين، والقاضي حسين، ولا أصل له في كتب الحديث. نعم روى أبو نعيم في المعرفة عن الشعبي مرسلًا وأخرجه البزار من وجه آخر عن ابن عباس موصولًا وصححه ابن خزيمة والضياء من طريقه في المختارة: "أن النبي ﷺ طلق قُتيْلة بنت قيس أخت الأشعث، طلقها قبل الدخول، فتزوجها عكرمة بن أبي جهل، فشق ذلك على أبي بكر فقال له عمر: يا خليفة رسول الله إنها ليست من نسائه، لم يحزها النبي ﷺ وقد برأها الله منه بالردة" ا. هـ ملخصًا (ر. التلخيص: ٣/ ٢٩٢ ح ١٥٦٥).
[ ١٢ / ٢٢ ]
وليس المراد بكونهن أمهات المؤمنين أنه يجوز لهنّ التكشف لهم، كتكشف الأم لأولادها، بل المراد به التشبه بالأمهات في التحريم.
٧٨٣٩ - وبنات رسول الله ﷺ لا يشبهن أخوات المؤمنين؛ لأنه لو كان كذلك، لحرمن كما حرم زوجاته، لكن يقال: هن بنات أمهات المؤمنين. ومن ذلك لا يقال: معاوية خال المؤمنين، بل نقتصر على ما جاء التوقيف به ولا نتعداه.
قال المزني ﵀: "إنّ الله تعالى لما خص به رسوله ﷺ، وميز بينه وبين خلقه لما فرض عليهم من طاعته، افترض عليه أشياء خففها عن خلقه ليزيده بها إن شاء الله قربة إليه" (١).
والقراءة المشهورة (لِمَا) مخففة مكسورة اللام؛ ليكون بمعنى التعليل.
وفي الكلام خلل من وجوه، ينقدح في بعضها الذب (٢) والتأويل، ولا يتجه في بعضها جواب، فمن وجوه الخلل أنه قال: "إنّ الله تعالى لما خصّ به رسوله من وحيه، وأبان (٣) بينه وبين خلقه بما فرض عليهم من طاعته، افترض عليه أشياء" (٤)، فجعل تخصيصه بما افترض عليه معللًا بما خُص به من الوحي، وفُرِض على الخلق من طاعته، فهذا [كلام] (٥) مضطرب، نبيّن ما فيه من الخلل. قلنا: لفظ الشافعي على ما نقل المعتمدون عنه، قال ﵁: "إن الله تعالى لما خصّ به رسوله فأبان من فضله بالمباينة بينه وبين خلقه، افترض عليهم طاعته" (٦) فجعل افتراض طاعته منوطًا
_________________
(١) ر. المختصر: ٣/ ٢٥٤ والكلام هنا بمعناه، وسيأتي قريبًا بنصّه.
(٢) كذا. والمعنى: يمكن في بعضها الدفع للخلل وتأويله.
(٣) أبان: من المباينة والمخالفة.
(٤) هذه عبارة المختصر بنصها.
(٥) زيادة اقتضاها السياق.
(٦) ر. الأم: ٥/ ١٢٤ مع اختلاف يسير في اللفظ، فعبارة الأم: "إن الله تعالى لما خص به رسوله من وحيه، وأبان من فضله من المباينة بينه وبين خلقه بالفرض على خلقه بطاعته في غير آية من كتابه". [وذكر الآيات] ثم قال: "افترض الله ﷿ على رسوله ﷺ أشياء خففها عن خلقه، ليزيده بها -إن شاء الله- قربة إليه وكرامة، وأباح له أشياء حظرها على خلقه زيادة في كرامته، وتبينًا لفضيلته، مع ما لا يحصى من كرامته".
[ ١٢ / ٢٣ ]
برسالته. ثم استأنف فقال: "وافترض عليه أشياء خففها عن خلقه". فإن تكلّف متكلّف وعلّل ما خص به بعلو منصبه [بما] (١) خص به من الوحي وافتراض الطاعة، أمكن تقريب القول فيه، لكن الأوجه ما ذكره الشافعي.
وقوله (٢): "وأبان بينه وبين خلقه" غلط في اللغة والعربية لا يخفى دركه على الشادي (٣)؛ فإن العرب لا تقول: أبنت بين فلان وبين فلان، بل تقول: أبنت الشيء عن الشيء، بمعنى القطع. وأبنت الشيء إذا أظهرته، وباينت بين فلان وفلان. ولفظ الشافعي "وأبان من فضله بالمباينة بينه وبين خلقه". وقوله "ليزيده بها قربة إن شاء الله" لا يرجع الاستثناء (٤) فيه إلى نفس القربة، بل إلى جهتها؛ لأنه لا شك في حصول القربة له لما خصه به.
_________________
(١) في الأصل: "فيما" والمثبت تصرف من المحقق اقتضاه السياق.
(٢) وقوله: أي المزني.
(٣) الشادي: أي المبتدىء.
(٤) الاستثناء: أي قول الشافعي: "إن شاء الله".
[ ١٢ / ٢٤ ]