٧٨٤٠ - والنكاح على الجملة مرغوب فيه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] وقوله سبحانه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فوعد به الغنى، وكان الحسن بن علي منكاحًا مطلاقًا، فقيل له في ذلك، فقال: إنّ الله وعد الغِنى عليهما، فقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] فأنا أطلب الغنى بهما (١).
والأخبار في الترغيب فيه كثيرة، قال ﷺ: "تناكحوا، تكثروا". وقال: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء" (٢) و"من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه، فليتق الله في الثلث الباقي" (٣) فقيل: المراد به أكل الحلال. وقال ﷺ لعَكاف بن وَدَاعَة الهلالي: "أتزوجت؟ " فقال: لا، فقال: "إنك إذًا من إخوان الشياطين، أو من
_________________
(١) أثر الحسن ﵁ "إن الله وعد الغنى عليهما" لم نقف عليه.
(٢) حديث "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة " متفق عليه من حديث ابن مسعود ﵁ (ر. البخاري: الصوم، باب الصوم لمن خاف على نفسه العزبة، ح ١٩٠٥، مسلم: النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة، ح ١٤٠٠).
(٣) حديث "من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه " قال ابن الصلاح في مشكل الوسيط: "لم نجد له ثبوتًا" ا. هـ. وقريب منه ما رواه الطبراني في الأوسط، والحاكم (واللفظ له) عن أنس مرفوعًا (من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الثاني) قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في سلسلة الصحيحة. (ر. المعجم الأوسط للطبراني: ٧٦٤٣، ٨٧٨٩، مستدرك الحاكم: ٢/ ١٦١، مشكل الوسيط لابن الصلاح - بهامش الوسيط: ٥/ ٢٤، سلسلة الأحاديث الصحيحة: ٢/ ١٦٠ ح ٦٢٥).
[ ١٢ / ٢٥ ]
رهبان النصارى، فإن كنت من رهبان النصارى، فالحق بهم، وإن كنت منا، فمن سنتنا النكاح" (١).
وقال عمر لأبي الزوائد: "أتزوجت؟ فقال: لا، فقال: لا يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور" (٢).
ولما احتضر معاذ قال: "زوجوني، زوجوني؛ لا ألقى الله عزبًا" (٣).
وفي القرآن الثناء على المتعفف القاعد عن النكاح، قال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٦٠] وقال في صفة يحيى بن زكريا: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩] فسّره بعض أهل اللغة بالذي لا يقدر على إتيان النساء، وفسره الشافعي بالذي لا يأتي النساء مع القدرة؛ لأنه ذكر في سياق المدح والإطراء، ولا يستحق المدح عاجزٌ.
ونظر الشافعي في الأخبار المرغّبة في النكاح، وما يعارضها من الحث على التخلي لعبادة الله تعالى، فسلك طريقًا وسطًا، فقال: من تاقت نفسه إليه، ووجد أهبته، فالمستحب له أن ينكح، ومن لم تتق نفسه إليه، فالأولى أن يتخلى للعبادة. ومن تاقت نفسه إليه ولم يقدر على أهبته، فالأولى له أن لا يتزوج؛ لأنه لو تزوج، لوقع
_________________
(١) حديث "أنه ﷺ قال لعكاف بن وداعة "تزوجت " رواه أبو يعلى في مسنده والطبراني في مسند الشاميين من حديث عطية بن بُسر؛ قال في مجمع الزوائد "فيه معاوية بن يحيى الصدفي، وهو ضعيف". والحديث أورده العقيلي في الضعفاء الكبير، وابن حبان في المجروحين، وابن الأثير في أسد الغابة، وأخرجه أحمد في مسنده من غير طريق أبي يعلى، ورواه ابن شاهين عن ابن عمر. قال الحافظ في الإصابة: والطرق كلها لا تخلو من ضعف واضطراب (ر. مسند أبي يعلى: ١٢/ ٢٦٠، ح ٦٨٥٦، المجروحين لابن حبان: ٣/ ٤٣، الضعفاء الكبير للعقيلي ٣/ ٣٥٦، مسند أحمد: ٥/ ١٦٣ - ١٦٤، أسد الغابة: ٤/ ٤٣، ٦٨، ٦٩، الإصابة: ٧/ ٣٤ - ٣٥، مجمع الزوائد: ٤/ ٢٥٠).
(٢) أثر عمر أنه قال لأبي الزوائد: "أتزوجت " قال ابن الصلاح: "رواه الشافعي في القديم بإسناده" ولم يتكلم على الإسناد، والحديث رواه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وسعيد بن منصور عن طاووس (ر. مشكل الوسيط لابن الصلاح - بهامش الوسيط: ٥/ ٢٥، مصنف ابن أبي شيبة: ح ١٥٩١٠، مصنف عبد الرزاق: ح ١٠٣٨٤، وسنن سعيد بن منصور: ح ٤٩١).
(٣) أثر معاذ "زوجوني، زوجوني " رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣/ ٤٥٣ ح ١٥٩٠٩).
[ ١٢ / ٢٦ ]
في شغل شاغل عن العبادة. ثم يشتغل بما يكسر توقان نفسه وهو الصوم، فقد قال ﷺ: "فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء".
والمعنى فيه أن النكاح ليس من القربات، وتحصيل النسل به مظنون، وفي الحال يشتغل بالمُلهي عن عبادة الله تعالى بتوقع أمر لا يتحقق وجوده، ولو وُجد، فلا يدري أصالح أم طالح؟ والمعتبر ليس [إلا] (١) توقان النفس والحذار من الوقوع في المخازي الموبقات، فإن أمكن ذلك، فليأخذ المرء حذره (٢)، وإن لم يمكن، فالوجه الاعتصام بالله، وكسر قوى النفس بما أمر به رسول الله ﷺ، فلا معصوم إلا من عصمه الله، وكم من ناكح يفجُر، ومن عَزْبٍ يتقي.
فإن تزوج ولا أهبة له، فقد يجر ذلك خللًا في فى ينه.
٧٨٤١ - وينبغي أن يقصد ذات الدين، فقد قال ﷺ: "عليك بذات الدين تربت يداك" (٣).
ويطلب الحسيبة، لقوله ﷺ: "إياكم وخضراء الدِّمن، قيل: وما خضراء الدمن، قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء" (٤) وقال ﷺ: "تخيروا لنطفكم، لا تضعوها في غير الأكفاء" (٥).
_________________
(١) زيادة اقتضاها السياق، كما يفهم من كلام الشافعي المذكور أنفًا.
(٢) أي إن أمكنه الأهبة، فليأخذ حذره ويتزوج.
(٣) حديث "عليك بذات الدين تربت يداك" رواه مسلم من حديث جابر ﵁، ولمسلم أيضًا، والبخاري من حديث أبي هريرة بلفظ "فاظفر بذات ". (ر. البخاري: النكاح، باب الأكفاء في الدين، ح ٥٠٩٠، مسلم: الرضاع، باب استحباب نكاح ذات الدين ح ٧١٥، ١٤٦٦).
(٤) حديث "إياكم وخضراء الدمن " رواه عن أبي سعيد الخدري الرامهرمزي، والعسكري في الأمثال، وابن عدي في الكامل، والقضاعي في مسند الشهاب، والخطيب في إيضاح الملتبس كلهم من طريق الواقدي، قال الدارقطني: لا يصح من وجه. اهـ. (ر. أمثال الحديث للرامهرمزي: ص ١٨٨ ح ٨٤، مسند الشاب: ٢/ ٩٦ ح ٩٥٧، التلخيص: ٣/ ٣٠٣ ح ١٥٨٠).
(٥) حديث "تخيروا لنطفكم " رواه ابن ماجه، والدارقطني، والحاكم عن عائشة بلفظ: "تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء وأنكِحوا إليهم" والحديث صححه الألباني في سلسلة =
[ ١٢ / ٢٧ ]
ويقصد البكر، لما روي أن جابرًا تزوج، فقال له النبي ﷺ: " تزوجت"؟ فقال: نعم. فقال: بكرًا أم ثيبًا؟ فقال: ثيبًا. فقال ﷺ: "فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك؟ "فقال: إنّ أبي قتل، وخلف بنات صغارًا، ولم أرد أن أدخل عليهن خرقاء مثلهن (١).
وصح الندب إلى نكاح الولود، لما روي عن معقل بن يسار أنه قال لرسول الله ﷺ: "إني وجدت امرأة ذات منصب وجمال غير أنها لا تلد، أفأنكحها؟ فقال ﷺ: لا تنكح إلا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم" (٢).
ويستحب ألا ينكح القرابة القريبة، فإن الولد يخلق ضاويًا، يعني ضئيلًا محمَّقًا هزيلًا. قال ﷺ: "أغربوا ولا تضووا" (٣).
_________________
(١) = الصحيحة (ر. ابن ماجه: النكاح، باب الأكفاء ح ١٩٦٨، الدارقطني: ٣/ ٢٩٩، الحاكم: ٢/ ١٦٣، سلسلة الأحاديث الصحيحة: ٣/ ٥٦ ح ١٠٦٧).
(٢) حديث جابر أن رسول الله ﷺ قال له: "هلا بكرًا تلاعبها " متفق عليه (ر. البخاري: المغازي، باب ١٨، ح ٤٠٥٢ وأطرافه كثيرة، مسلم: الرضاع، باب استحباب نكاح ذات الدين، وباب استحباب نكاح البكر، ح ٧١٥).
(٣) حديث معقل بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: "لا تنكح إلا الولود الودود " رواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (ر. أبو داود: النكاح، باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء، ح ٢٠٥٠، النسائي: النكاح، باب كراهية تزويج العقيم، ح ٣٢٢٩، ابن حبان: ح ٤٠٥٦، ٤٠٥٧، الحاكم: ٢/ ١٦٢، البدر المنير: ٧/ ٤٩٥).
(٤) حديث "أغربوا ولا تضووا" قال ابن الملقن: لم أر في الباب في كتاب حديثي ما يستأنس به إلا ما وجدتُ في غريب الحديث لأبراهيم الحربي من حديث عبد الله بن المؤمل، عن ابن أبي مليكة قال: قال عمر لآل السائب: "قد أضويتم، فانكحوا في النوابغ". قال الحربي: المعنى تزوجوا الغرائب قال: ويقال: "اغتربوا، لا تضووا". (ر. البدر المنير: ٧/ ٥٠٠).
[ ١٢ / ٢٨ ]
فصل
٧٨٤٢ - لا يحل للرجل أن ينظر من الرجل إلى ما هو عورة، ولا يحل مسّ ذلك، ولا الإفضاء إليه من غير حائل.
ويحل أن ينظر إلى غير العورة إذا أمن منه الفتنة.
فأما الأمرد إذا خيف من ترديد النظر إليه الفتنة، فإن كان لشهوة، فهو حرام اتفاقًا، وإن لم يقصد قضاء وطر شهوة. وإن لم يمكن فتنة، فلا بأس، وإن أمكنت فتنة وظهر إمكانها، قال صاحب التقريب: لا يحرم. وقال طوائف: يحرم، لاجتناب الفتنة، ووجه نفيه (١) أن الأمرد الوضيء محل الفتنة، ولا يُمنع من الدخول بين الناس على أحسن بزّة وهيئة، والغالب من الشباب الافتتان، ثم لم يُضرب على المرد الحجاب، فالوجه نفي تحريم النظر، والأمر بالتقوى، وقد روي أن قومًا وفدوا على رسول الله ﷺ وفيهم غلام حسن الوجه، فأجلسه من ورائه، وقال: "إني أخشى على نفسي مثل ما أصاب أخي داود" (٢)، وهذه القصة تستحث على الورع، ولا تقتضي التحريم؛ لأن ذلك الصبي كان بمرأى من الحاضرين الناظرين، ولم ينههم عن النظر.
ويكره تضاجع الرجلين في ثوب واحد، قال ﷺ: "لا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوبٍ واحد" (٣) والحديث صحيح أخرجه مسلم.
٧٨٤٣ - فأما نظر المرأة إلى المرأة، فقد ذكرنا أنه يجب على المرأة ستر جميع بدنها
_________________
(١) أي نفي صاحب التقريب للتحريم.
(٢) خبر الوفد الذين قدموا على رسول الله ﷺ وفيهم غلام حسن الوجه. قال ابن الصلاح: ضعيف غير صحيح. قال الحافظ: رواه ابن شاهين في الأفراد عن الشعبي، وذكره ابن القطان في أحكام النظر وضعفه (ر. مشكل الوسيط لابن الصلاح ج ٢ ورقة ٧٥/أ، التلخيص: ٣/ ٣٠٨ ح ١٥٨٧).
(٣) حديث "لا يفضي الرجل إلى الرجل " أخرجه مسلم -كما قال الامام- من حديث أبي سعيد (الحيض، باب تحريم النظر إلى العورات، ح ٣٣٨)
[ ١٢ / ٢٩ ]
إلا الوجه والكفين لأجل الصلاة، فجملة بدنها إلا ما استثني لأجل الصلاة بمثابة ما بين سرّة الرجل وركبته. وقيل: لا تنظر المرأة من المرأة إلا ما ينظر الرجل من محارمه.
ولم يَصِر أحد من أصحابنا إلى قصر النظر من المرأة إلى المرأة على الوجه والكفين.
وذهب المحققون إلى أن المرأة من المرأة كالرجل من الرجل في كل قسم، إلا ما يجب ستره في الصلاة؛ فإن ما يجب على الرجل ستره في الصلاة يجب في غير الصلاة، حتى في الخلوة عند طائفة من الأئمة.
وما يجب على الحرة ستره في الصلاة لا يجب عليها ستره في غير الصلاة، إلا ما بين السرة والركبة.
والذّميّة فيما تنظر من المسلمة كالمسلمة، إلا أنه يستحب البعد منها، وقيل: إنها لا تنظر من المسلمة إلا ما ينظره الرجل الأجنبي منها، لقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فخصّ نساء المسلمين بذلك.
٧٨٤٤ - أما نظر الرجل إلى المرأة التي تحل له، فجائز إلى جميع بدنها، وما وراء إزارها، وإلى الفرج على المذهب الصحيح، لأنه يباح له الاستمتاع به، وهو زائد على النظر، وأما الخبر (١)، ففيه ضعف، ويُحمل إن صحّ على الكراهية؛ لأن خبر الرسول ﷺ لا يوجد (٢) خلافه. وقيل: يباح النظر إلى ظاهره دون باطنه، ولا معنى فيه، وقد روي أن ابن عمر ﵄ قال لجاريته: "تجردي، وأقبلي وأدبري ولك ألف درهم" (٣).
ولا يحرم نظر الرجل إلى فرج نفسه، لكنه يكره من غير حاجة.
_________________
(١) لعله يشير إلى الخبر المروي في النهي عن النظر إلى الفرج، وهو ما روي عن ابن عباس مرفوعًا "إذا جامع الرجل زوجته فلا ينظر إلى فرجها، فإن ذلك يورث العشا" رواه ابن حبان في الضعفاء، وابن عدي في الكامل، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (ر. المجروحين لابن حبان: ١/ ٢٠٢، الكامل لابن عدي: ٢/ ٥٠٧، الموضوعات لابن الجوزي: ٢/ ٢٧١، التلخيص: ٣/ ٣٠٩ ح ١٥٨٩).
(٢) كذا. ولعلها: لا يجوز خلافه، فسبق قلم الناسخ.
(٣) أثر ابن عمر ﵁ لم نصل إليه.
[ ١٢ / ٣٠ ]
٧٨٤٥ - وإن كانت المرأة لا تحل له، فإن كانت محرمًا له بقرابة، أو رضاع، أو صهر، فله أن ينظر منها إلى ما يظهر عند المهنة، كالساق، والساعد، والعنق، والرأس، والوجه، ولا يحل له ما بين السرة والركبة. وفيما فوق السرة وتحت الركبة وجهان. وفي الثدي في زمن الرضاع طريقان، منهم من ألحقها (١) بمحل الوجهين، ومنهم من ألحقها بما يظهر عند المهنة في هذا الزمان، فما هو عورة من الرجل يجب أن يكون مستورًا [منها] (٢) أبدًا، وعليها وراء ذلك رعاية [هيئة، وأخذ ريبة] (٣) وإذا لابست الصلاة، راعينا نهايته، ولا تكلف ذلك في تصرفاتها، فيشق عليها.
أما الأجنبية فلا يحل للأجنبي أن ينظر منها إلى غير الوجه والكفين من غير حاجة.
والنظر إلى الوجه والكفين يحرم عند خوف الفتنة إجماعًا، فإن لم يظهر خوف الفتنة، فالجمهور يردعون التحريم، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] قال أكثر المفسرين: الوجه والكفان، لأن المعتبر الإفضاء في الصلاة، ولا يلزمهن ستره، فيلحق بما يظهر من الرجال.
وذهب العراقيون وغيرهم إلى تحريمه من غير حاجة. قال (٤): وهو قوي عندي، مع اتفاق المسلمين على منع النساء من التبرج والسفور وترك التنقب (٥)، ولو جاز النظر إلى وجوههنّ لكُنَّ كالمُرد (٦)، ولأنهنّ حبائل الشيطان، واللائق بمحاسن الشريعة حسم الباب وترك تفصيل الأحوال (٧)، كتحريم الخلوة تعمّ
_________________
(١) ألحقها: أي المواضع والأجزاء.
(٢) في الأصل: "عنها" والمثبت من المحقق رعاية للسياق.
(٣) كذا قرأنا بصعوبة. والله أعلم بالصواب.
(٤) "قال" أي إمام الحرمين.
(٥) أي منعهن من ترك التنقب.
(٦) هذا من التدليل على تحريم النظر إلى الوجه والكفين؛ إذ إباحة ذلك تسوِّي بين النساء والمُرْد، وهو غير جائز عقلًا.
(٧) نقل هذا الرافعي عن إمام الحرمين، فقال: "اختار الشيخ أبو محمد والإمام التحريم، ووجّهه باتفاق المسلمين على منع النساء من أن يخرجن سافرات، ولو حل النظر، لنزلن منزلة المُرد، وبأن النظر إليهن مظنة الفتنة، وهن محل الشهوة، فاللائق بمحاسن الشرع حسم =
[ ١٢ / ٣١ ]
الأشخاص، والأحوال إذا لم تكن محرميّة. وهو حسن (١).
والمباح من الكف من البراجم إلى المعصم، ولا يختص بالراحة، وغلط من خصّ التحليل بالراحة دون ظهر الكف، وفي جواز ظهور أخمص قدمي المرأة الحرة وجهان في الصلاة، وقيل: هو في جواز كشفه والنظر إليه في غير الصلاة على الخلاف، والصحيح تحريم النظر إليه. ولا يجري ذلك الخلاف في ظهر القدم أصلًا، بخلاف ظهر الكف. وسئل أبو عبد الله [الخِضْري] (٢) عن الأجنبي ينظر إلى قلامة ظفر المرأة، فأطرق طويلًا، فقالت زوجته -وكانت ابنة أبي علي الشَّنوي (٣) -: لمَ تفكر؟ وقد
_________________
(١) = الباب، والإعراض عن تفاصيل الأحوال، كالخلوة بالأجنبية" (الشرح الكبير: ٧/ ٤٧٢).
(٢) الذي يستحسن هو ابن أبي عصرون.
(٣) في الأصل (الحصري)، ولما لم نجد من هو حصري يتفق تاريخه مع هذه الواقعة غلب على ظننا أنه (الخضري)، وصدق الواقع هذا الظن، فقد ذكر السبكي في ترجمة الخضري أنه زوج ابنة أبي علي الشنوي. والخضري سبقت ترجمته.
(٤) كذا في الأصل (الشنوي). ولم نصل إلى أي ترجمة له على طول بحثنا، فلم يترجم له السبكي، ولم يزد على ما ذكره من صلة المصاهرة بينه وبين الخضري. وقد أحال محققا الطبقات، العلامة محمود الطناحي، والعلامة عبد الفتاح الحلو -رحمهما الله وأجزل ثوابهما- إلى اللباب، ولم نجد في اللباب إلا الضبط للفظ الشنوي، وذكر صاحب اللباب أكثر من شنوي ليس من بينهم صاحبنا، فكأنهما -رحمهما الله- أحالا إلى اللباب للضبط فقط. ولما أعيانا البحث عن الشنوي، ولم نجد له ذكرًا، لم نقنع بهذه النتيجة، ولم يقبل عقلنا أن مثل أبي علي الشنوي تتواطأ كتب التراجم والطبقات والرجال كلها على إهماله، فأخذنا نبحث في ترجمات صهره الخضري، وكان أن فتح الله لنا بابًا، فوجدنا ابن خلكان في ترجمة الخضري يذكر القصة، ويسميه: أبا علي (الشبوي) [بالباء الموحدة]. وهكذا يصنع التصحيف والتحريف، فلو لم تصحف الكلمة (الشنوي) في طبقات السبكي لما جرّت كل هذا العناء. والله أعلم كم توارد على هذا التصحيف الذي رأيناه في مخطوطتنا المكتوبة سنة ٥٧٠ هـ. والله أعلم بما كان في مخطوطات طبقات السبكي. والأعجب من هذا أن الكلمة صحفت عند الصفدي في الوافي إلى أبي علي التستري! والشَّبُّوْي هو الشيخ الثقة الفاضل أبو علي محمود بن عمر بن شَبُّوْيَه الشَّبُّوِي المروزي، سمع صحيح البخاري من الفربري، وحدّث به بمرو. وهذه النسبة إلى شبُّويه، وهو اسم بعض أجداده، وهناك خلاف في ضبط نسبته، فابن خلكان ضبطها بفتح الشين المعجمة، وتشديد الباء الموحدة وضمها، وسكون الواو، وكذا السمعاني في الأنساب، أما ابن ناصر =
[ ١٢ / ٣٢ ]
سمعت أبي يقول في جوابها: إن كانت قلامة أظفار اليد، جاز، وإن كانت قلامة أظفار الرجل لم يجز؛ لأن كفها ليس بعورة، بخلاف ظهر القدم، ففرح الخضري، وقال: لو لم أستفد من اتصالي بأهل العلم إلا هذه المسألة، لكانت كافية (١).
وقد قطع الأصحاب بتحريم النظر إلى العضو المبان من الأجنبية، كتحريم النظر إليها ميتة.
ونصّ الشافعي على تحريم النظر إلى شعر الأجنبية إذا وصلته الزوجة بشعرها.
والنظر إلى شعر الأمة من رأسها متصلًا ومنفصلًا جائز، فلو اختلط شعر حرة بشعر أمة ولم يتميز، فلا يليق بدأب (٢) الفقه منع النظر إليه؛ لأن تحريم المناظر يبتني على تميز المنظور من غيره، وكذلك حكم جلده يسقط ويشكل. وهذا مقتضى الرأي
_________________
(١) = الدين في توضيح المشتبه فقال: بفتح أوله، وضم الموحدة المشددة، وكسر الواو، تليها ياء النسب، كذا قاله الجمهور، وقيل بسكون الواو، بعدها مثناتان تحت الأولى مكسورة والثانية ياء النسب. ا. هـ وبهذه الأخيرة ضبط ابن الأثير في اللباب (الشَّبُّوْيِيّ). وقد أفادنا العلامة المحقق المحدث الشيخ عبد الرحمن المعلمي في حاشيته على الإكمال بتفسيرٍ لسبب اختلاف الضبط في النسبة لمثل هذا العلم المختوم بويه، فنذكره لفائدته - على طوله، قال: للعلم المختوم بويه طريقان، الأولى: ما جرى عليه أهل الحديث، وهو: ضم ما قبل الواو، وإسكانها، وفتح التحتانية. والثانية: ما عليه أهل العربية، وهو: فتح ما قبل الواو، والواو أيضًا، وسكون التحتانية، والنسبة إليه على هذا الأخير تكون بإبقاء ما قبل الواو مفتوحًا، وكسر الواو، تليها ياء النسبة وتسقط الياء التي كانت في المنسوب إليه. فأما على ما جرى عليه أهل الحديث فالوجه أن يكون كذلك أيضًا إلا أنّ ما قبل الواو يبقى مضمومًا، وهذا هو الذي نسبه صاحب التوضيح إلى الجمهور". ر. الإكمال لابن ماكولا: ٥/ ١٠٨، الأنساب للسمعاني، اللباب لابن الأثر الجزري، وفيات الأعيان: ٤/ ٢١٥، ٢١٦، سير أعلام النبلاء: ١٦/ ٤٢٣، تاريخ الإسلام للذهبي: ٨/ ٤٩٧، طبقات السبكي: ٣/ ١٠٠، الوافي بالوفيات: ٢/ ٧٢، توضيح المشتبه: ٥/ ٢١٩).
(٢) عقب ابن خلكان على هذه القصة فقال: "هذا التفصيل بين اليدين والرجلين فيه نظر، فإن أصحابنا قالوا: اليدان ليستا بعورة في الصلاة، أما بالنسبة إلى نظر الأجنبي فما نعرف بينهما فرقًا، فلينظر" (وفيات الأعيان: ٤/ ٢١٥).
(٣) كذا.
[ ١٢ / ٣٣ ]
الكلي، ولأن أئمة الورع كانوا لا يغضون الطرف عن الشعور الملقاة في الطرقات، مع جواز كونه شعر من لا تحل رؤية شعرها لما ذكرناه.
ومن أصحابنا من فرّق بين الحرة والأمة، وجوّز أن ينظر من مملوكة غيره ما ينظر الرجل من محارمه، لما روي أن عمر رأى أمة مقنعة، فعلاها بالدرة، وقال: "يا لكعاء تتشبهين بالحرائر" (١) وهذا قد يتجه بأن حكم العورة في الحرائر أضيق منه في الإماء، ولهذا [افترقا] (٢) فيما يجب ستره في الصلاة، فما لا يجب على الأمة ستره في الصلاة فهو منها بمثابة الوجه من الحرّة، لكنا بينا أن الظاهر أنه لا يحل النظر إلى وجوه الحرائر، وأولى الأعضاء بمنع النظر إليه الوجه، ومملوكته التي لا تحل له كأخته من الرضاع والنسب، والمجوسية والوثنية والمرتدة والمعتدة والمكاتبة والمزوجة كأمة غيره.
٧٨٤٦ - أما نظر المرأة إلى الرجل، فإن كان زوجها أو مالكها، فهو كنظر الزوج والمالك إلى زوجته ومملوكته، وفي فرجه ما قدمناه في فرجها.
وأما نظر الأجنبية إلى الأجنبي، فقيل: هو بمثابة نظر الرجل إلى المرأة، وقيل: لا يحل أن تنظر منه إلا الوجه والكفين، وقيل: إلى ما يظهر منه عند المهنة، وقيل: إلى ما فوق السرة وتحت الركبة، وهو القياس المحقق. وروي أن عبد الله بن أم مكتوم دخل على رسول الله ﷺ وعنده عائشة وحفصة، فقال: لمَ لمْ تحتجبا عنه، فقالتا: إنه أعمى. فقال ﷺ: "أفعمياوان أنتما" (٣).
_________________
(١) أثر عمر ﵁ رواه البيهقي في سننه الكبرى، وفيه قصة ليس فيها قول عمر "يا لكعاء تتشبهين بالحرائر" (ر. السنن الكبرى: ٢/ ٢٢٦، ٢٢٧). ولكعاء: بفتح اللام، وإسكان الكاف، وبالمد، قال الأزهري: هي الحمقاء، وقال أبو عبيد: اللكع عند العرب: العبد أو الأمة. (تهذيب الأسماء واللغات: ٣/ ١٢٩).
(٢) في الأصل حرفت؛ فرسمت هكذا "افرض".
(٣) حديث "أفعمياوان أنتما " رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن حبان من حديث أم سلمة، وأنّ القصة كانت معها، وميمونة. هذا وقد تعقب سراج الدين ابن الملقن إمام الحرمين بأنَّ جعْلَ القصة لعائشة وحفصة لا يعرف. لكن تعقب الحافظ ابن حجر شيخه ابن الملقن وقال إنه وَجد في الغيلانيات من =
[ ١٢ / ٣٤ ]
٧٨٤٧ - مسائل مفردة: إذا كان للمرأة عبد مملوك، فقد قيل هو محرم لها، لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، وقيل: لا؛ لأن النفوس تتقاضى أربابها بالكف عن المحارم، فصار الإطباق عليه مانعًا من التهم، ولسنا نرى ذلك بين السيدة وعبدها، والآية محمولة على الإماء، وفيه نوع استكراه، واحتماله أهون من خلوة العبد بسيدته، ولا يحمل قوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَال﴾ [النور: ٣١] على المخانيث المتشبهين بالنساء، بل حكمهم حكم الرجال.
وحكم العنِّين حكم المقتدر على الوطء. والشيخ الهِمّ بمثابة الشباب.
[وأما] (١) الخصيُّ الممسوح، فالأكثرون [نزَّلوه] (٢) من الأجنبيات بمنزلة الرجل المَحْرَم، وقيل: هو كالفحل؛ لأنه يحل له نكاح التي ينظر إليها، ولو التحق بالمحارم، لسُدَّ عليه بابُ نكاحها. ولو كان [مسلولا] (٣) سليم الذكر أو مجبوبًا سليم الأنثيين، فحكمه كالفحول.
وقد حمل بعض أصحابنا قوله تعالى: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ [النور: ٣١] على الخصي الممسوح، والإربة الحاجة. وقيل: المراد به الأطفال الذين لم يتشوفوا إلى الشهوة
_________________
(١) = حديث أسامة على وفق ما نقله القاضي حسين، والإمام، فيحمل الأمر على التعدد، ويؤيده أثر عائشة عند مالك أنها احتجبت من أعمى، فقيل لها: إنه لا ينظر إليك، قالت: لكني أنظر إليه، وقد يحمل الأمر كما قال ابن حجر "على أن الراوي قلبه، لأنّ ابن حبان وصف راويه (وهب بن حفص الحراني) بأنه كان شيخًا مغفلًا يقلب الأخبار". فإمام الحرمين على أيٍّ من الحالين بريء من التعقب. (ر. أبو داود: اللباس، باب في قوله ﷿: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِن﴾ [النور: ٣١]، ح ٤١١٢، الترمذي: الأدب باب ما جاء في احتجاب النساء من الرجال، ح ٢٧٧٨، النسائي في الكبرى: عشرة النساء، باب نظر النساء إلى الأعمى، ح ٩٢٤١، ٩٢٤٢، ابن حبان: ح ٥٥٤٩، التلخيص: ٣/ ٣٠٨ ح ١٥٨٨).
(٢) زيادة اقتضاها السياق.
(٣) في الأصل: تركوه.
(٤) في الأصل: "مشكولًا" وواضح جدًا أنها محرفة عن (مسلولًا) فمن الشائع تعبيرهم عن الخصي بقولهم: سُلّت خُصيتاه.
[ ١٢ / ٣٥ ]
تشوف نزوان، ويحملون قوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾ [النور: ٣١] على التأكيد. وهذا بعيد لا يوافق نظم القرآن.
واختلف في قوله سبحانه: ﴿لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١] فقيل: لم يبلغوا مبلغًا يحكون ما يرون، وتحملهم الدواعي على حكايته. وقيل معناه: لم يتشوفوا على ما فسرناه، والمعتبر هو التشوف في المناظر واعتماد حكاية ما يواريه الإزار، فإذا لم يبلغ هذا المبلغ، فحضوره كغيبته، واعتماد الحكاية تقع قبل سن التمييز، والقول في الصبي المتشوف كالقول في الرجل في وجوب الاحتجاب. وإن لم يبلغ التشوف، نزل منزلة المحارم.
وأما الخنثى، فقيل: هو في نظره إلى المرأة كالرجل، احتياطًا، كما ثبتت أحكامه، ولم يطلق القفال فتواه بالتحريم استدامة لحكمه وحال طفوليته.
قال الإمام: وجه هذا إذا لم تَدْعُ حاجة للنظر، فإن دعت حاجة، أبيح له النظر، فمن الحاجة المبيحة معالجة الطبيب، ويباح له بها المسّ، ومنها تحمّل الشهادة، فقد تفضي إلى النظر إلى ما وراء الإزار، ومطلق الحاجة لا تبيح النظر المحرم، والضرورة المهلكة لا تشترط، فالضابط فيها المرض الذي يبيح الانتقال من الماء إلى التيمم، وقد سبق بيانه.
٧٨٤٨ - وجواز النظر إلى الأجنبية عند خطبتها مقصور على الوجه والكفين واليدين، إذا لم يُخف الفتنة، لعموم الحاجة في بناء النكاح على تمييزه، وبيان عمومها أنه ليس في [الخلق] (١) من يستوي عنده الدمامة والحسن، والحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الحاقة، وعليه يبنى جواز النظر إلى وجه المرأة عند تحمّل الشهادة عليها دون غيره.
فأما ما يحرم النظر إليه لغير خوف الفتنة كالعورة، فهو حجاب شرعي متاصل، فإزالته في حكم رفع الحجاب بين الرجل والمرأة، فيراعى فيه الحاجة التي ضبطناها، ولا يبعد أن يشترط بعد الوجه والكف مزيد حاجة في عضو دون عضو، ولهذا أبحنا
_________________
(١) في الأصل: "الجنس". ولا معنى لها.
[ ١٢ / ٣٦ ]
للمحارم النظر إلى ما يظهر في حالة المهنة، ولم نجوز للمحرمية النظر إلى ما تحت الإزار، وردّدنا القول فيما بينهما (١)، ولم تقتض المحرمية إباحة النظر إلى ما تحت الإزار لمزيد تغليظ من الشرع في ستره، ولذلك سوّي في منعه بين الذكر والأنثى. فما جاز الانتقال فيه إلى التراب (٢) قطعًا يكون مُسلِّطًا على الكشف، وما اختلف القول فيه في جواز الانتقال هناك يسلط على الكشف هاهنا قولًا واحدًا؛ لأن الانتقال إلى التراب من الأحوال النادرة، والحاجة إلى الكشف مما يعم بسبب الأمراض، فلا يرتب ما تعم حاجته وإن خف على ما تندر حاجته.
والأصل في حل النظر إلى من يريد نكاحها قوله ﷺ "من أراد أن ينكح امرأة فلينظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينهما" (٣) وقال ﷺ: "إذا أراد أحدكم أن يتزوج بامرأة فلينظر إليها، فإن في أعين الأنصار سوءًا" وروي "شيئًا" (٤).
وهذا النظر مستحب لندب الرسول ﷺ إليه، وقيل: هو مباح، وصيغة الأمر قد تحمل على الإباحة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، والنظر مباح وإن خيفت الفتنة، فاستحباب التعرض إلى الفتنة بعيد عن قاعدة الشريعة.
ولا يحل النظر إلى ما سوى الوجه والكفين؛ فإن قصد التزوج، لم يحرم عليه النظر -وإن خاف الفتنة- إلى الوجه والكفين للخبر.
_________________
(١) ما بينهما: المراد به ما فوق السرة، وما تحت الركبة ولا يظهر عند المهنة، ولكنه عبر عنه بقوله: "ما بينهما" لوضوح المقصود، وهذا التعبير وارد في ألسنة كثير من الفقهاء.
(٢) أي المرض المبيح إلى التيمم.
(٣) حديث "من أراد أن ينكح امرأة فلينظر إليها " رواه النسائي والترمذي وابن ماجه والدارمي وابن حبان من حديث المغيرة. قال في البدر المنير: هذا الحديث صحيح. (ر. النسائي: النكاح باب إباحة النظر قبل التزويج ح ٣٢٣٥، الترمذي: النكاح باب ما جاء في النظر إلى المخطوبة ح ١٠٨٧، ابن ماجه: النكاح باب النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها ح ١٨٦٦، الدارمي: ٢١٧٢، ابن حبان: ٤٠٣٢، البدر المنير: ٧/ ٥٠٣، التلخيص: ٣/ ٣٠٥ ح ١٥٨٣).
(٤) حديث "إذا أراد أحدكم أن يتزوج " رواه مسلم، وأحمد من حديث أبي هريرة وفيهما بلفظ "شيئًا". (ر. مسلم: النكاح، باب ندب من أراد نكاح امرأة إلى أن ينظر إلى وجهها وكفيها قبل خطبتها، ح ١٤٢٤. أحمد: ٢/ ٢٩٩).
[ ١٢ / ٣٧ ]
وينبغي أن يقدم النظر على الخطبة؛ لأنه إذا قدم الخطبة، ثم نظر، فقد لا تقع بغرضه، فَتَرْكُ الخطبة يؤدي إلى الإيحاش.
ولا يفتقر (١) إلى إذن المرأة، بل له أن يتغفّلها فينظرها، لأن استئذانها بمثابة تقديم الخطبة. ولو أمر امرأة تنظر إلى مجردها، فلا بأس، فقد روي أن رسول الله ﷺ أراد أن يتزوج امرأة، فبعث إليها أم عطية وقال لها: "شمي معاطفها، وانظري إلى عرقوبها" (٢).
_________________
(١) أي النظر.
(٢) حديث "أن رسول الله ﷺ أراد أن يتزوج امرأة فبعث إليها أم عطية وقال لها: شمي معاطفها " رواه أحمد والطبراني في الأوسط، والحاكم، والبيهقي من حديث أنس، قال في البدر المنير: "هذا الحديث صحيح". وقد وقع في مسند أحمد، والطبراني تسمية المرأة: أم سليم، قال في البدر المنير: (وفي رواية أنها (أم عطية) وهو غريب". (ر. أحمد: ٣/ ٢٣١، المعجم الأوسط للطبراني: ح ٦١٩٥، الحاكم: ٢/ ١٦٦، البيهقي: ٧/ ٨٧، البدر المنير: ٧/ ٥٠٧).
[ ١٢ / ٣٨ ]