قال الشافعي: "انتهى الله ﷿ بالحرائر إلى أربع إلى آخره" (١).
٧٩٨٣ - كان يجوز لرسول الله ﷺ أن يزيد على الأربع. واختلف أصحابنا في أنه هل كان يجوز له الزيادة على التسع؟ وقد تقدم ذكر ذلك في خصائصه.
فأما من سواه؛ فللحر أربع من الحرائر بلا مزيد، والعبد ينكح اثنتين، وذهب بعض الشيعة إلى إحلال التسع لكل أحد، ولا مبالاة بخلافهم، والدليلُ على انحصار المستحلات في أربع: حديث غَيْلان ونوفل، كما سيأتي ذكره في نكاح المشركات، إن شاء الله ﷿، وما أظهره هؤلاء من الخلاف مسبوق بالإجماع المنعقد قبلهم.
ثم قال الشافعي: "والآية تدل على أنها على الأحرار إلى آخره" (١).
٧٩٨٣/م- قصد بذلك الرد على مالك (٢)؛ فإنه جوّز للعبد أن ينكح أربعًا، كالحر، والشافعي قال: الآية الدالة على الحصر واردة في الأحرار، بدليل قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ [النساء: ٣]، وهذا في الأحرار، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ [النساء: ٣] وكل ذلك يليق بالأحرار. وقال ﷿: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوه﴾ [النساء: ٤]. وذهب الخلفاء الراشدون إلى مثل ما ذهبنا إليه، وهو مذهب عبد الرحمن بن عوف، وقال الليث بن سعد: "قال الحكم: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن العبد لا ينكح إلا اثنتين" (٣).
_________________
(١) ر. المختصر: ٣/ ٢٧٣.
(٢) ر. الإشراف على نكت مسائل الخلاف: ٢/ ٧٠٠ مسألة رقم ١٢٥٣. وكتاب تهذيب المسالك في نصرة مذهب مالك: ٣/ ٣٧ مسألة رقم ٨. وهذا هو المشهور عن مالك، وفى رواية لمحمد عن ابن وهب عنه أنه قال: لا يتزوج العبد إلا اثنتين (ر. المنتقى للباجي: ٣/ ٣٣٦، واختصار عيون المجالس: ٤٧ و١) عن تهذيب المسالك: السابق هامش (١).
(٣) حديث الحكم بن عتيبة رواه البيهقي: ٧/ ١٥٨، وابن أبي شيبة: ٤/ ١٤٥، والشافعي عن =
[ ١٢ / ١٨٥ ]
٧٩٨٤ - ثم قال: "وإذا فارق الأربع تزوج مكانهن إلى آخره" (١).
وقصد بذلك الرد على أبي حنيفة (٢)، فمذهبنا أن من أبان امرأة؛ إما بأن خالعها، أو طلقها ثلاثًا، وجرت في العدة، حل للزوج أن ينكح أختها، وأربعًا سواها، ولا أثر [لبقائها] (٣) في العدة، خلافًا لأبي حنيفة.
ولو طلق امرأته طلقة رجعية، لم ينكح أختها ما دامت في العدة، ولا أربعًا سواها. وهذا صحيح؛ فإن الرجعية زوجة. وستعود هذه المسألة بأطرافها وحقائقها، إن شاء الله ﷿.
٧٩٨٥ - قال: "ولو قتل المولى أمته، أو قتلت نفسها، فلا مهر لها إلى آخره" (٤).
الأمة المنكوحة إذا قتلها سيدها قبل التسليم إلى الزوج، وقبل إلمام الزوج بها؛ فالترتيب المشهور في المذهب ما نطرده أولًا، ثم نذكر بعده قولَ بعض الأصحاب، وحقيقةَ الفصل، فنقول: إذا قتل السيد أمته قبل التسليم، فظاهر المذهب -وهو المنصوص عليه- أنه يسقط مهرها في هذه الصورة، ثم ذكر أصحابنا في ذلك علّتين، تجريان مجرى حدّين، ينشأ عنهما الوفاق والخلاف.
فمنهم من قال: إنما يسقط المهر؛ لأن المقصود بالعقد قد فات قبل التسليم، فأشبه فواتَ المبيع قبل القبض.
ومنهم من قال: علة السقوط الفواتُ قبل التسليم، كما ذكرناه - مع خصلة أخرى، وهي: أن الساعي في تفويتها مستحق المهر؛ فعلى هذا لو قتلت الأمة نفسها
_________________
(١) = عمر، الأم: ٥/ ٤١ قال في البدر المنير: إسناده صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة عن عطاء أيضًا، وانظر تلخيص الحبير: ٣/ ٣٥٥ رقم ١٦٤٥.
(٢) ر. المختصر: ٣/ ٢٧٣، وعبارة الشافعي فيه: "فإذا فارق الأربع ثلاثًا ثلاثًا تزوج مكانهن في عدتهن".
(٣) ر. مختصر اختلاف العلماء: ٢/ ٣٤٢ مسألة ٨٣٥، مختصر الطحاوي: ١٧٦.
(٤) غير واضحة في الأصل، وت ٣: لإجابتها.
(٥) ر. المختصر: ٣/ ٢٧٤.
[ ١٢ / ١٨٦ ]
أو ماتت حتف أنفها، أو قتلها أجنبي قبل التسليم (١ فإن عللنا بالعلة الأولى ١)، فيسقط المهر، وإن قيّدنا بصدور التفويت من المستحق، فالمهر لا يسقط في هذه الصورة.
فأما الحرة المنكوحة إذا ماتت أو قتلها أجنبي؛ فيستقر مهرها وفاقًا؛ وذلك أنها كالمسلّمة بنفس العقد، بخلاف الأمة، ولم يصدر منها انتساب إلى التفويت.
فأما إذا قتلت الحرة نفسها قبل التسليم؛ ففي سقوط مهرها حينئذ وجهان، من جهة انتسابها إلى التفويت. هذا هو الترتيب المشهور.
وفي أصل المسألة قول آخر، وهو: أن الأمة وإن قتلها سيدها، لم يسقط مهرها، وهذا وإن كان مخالفًا للنص، فهو قول منقاس، جارٍ على موجب نكاح يقبله المحقِّقون، ولم يرَوْا بين الحرة والأمة فصلًا.
٧٩٨٦ - وقد حان أن نذكر حقيقة الفصل، فنقول: القياس الكلي الجاري على القواعد، أن فوات المستَمتَع من المنكوحة يتضمن سقوطَ المهر كيف فُرض الفوات.
وهذا تستوي فيه الحرة والأمة، قياسًا على فوات المبيع قبل القبض، وقياسًا على انعدام الدار (٢) قبل مضي المدة المضروبة.
ولكن اتفق المسلمون على أن النكاح في الحرة ينتهي نهايتَه بموتها، ولهذا يتعلق به الميراث. وهذا القياس يوجب الحكم بقرار المهر، ولا نظر إلى صورة الاستمتاع بعد ما ذكرناه من تصرّم العمر، وهو منتهى النكاح، وليس في النكاح ماليّة معتبرة في جانب المنكوحة، حتى يفرض فوات، وهذا في حكم النكاح يحتكم على العلة الكلية؛ فإن ما ينشأ من خاصية العقد، أولى بالاعتبار، فهذا هو المعنيّ بقول الأصحاب: الحرة المنكوحة مسلَّمة بنفس العقد. وليس للحرة (٣) بهذا حقيقة التسليم؛ فإن لها أن تمنع نفسها حتى يتوفر عليها صداقها، كما يحبس البائع المبيع -
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من ت ٣.
(٢) أي الدار المؤجرة.
(٣) ت ٣: للمرأة. ولعل الصواب: وليس المراد بهذا حقيقة التسليم.
[ ١٢ / ١٨٧ ]
على قولٍ- حتى يتوفر عليه الثمن كَمَلًا، ولكن المراد بما ذكروه: إذا ماتت أو قتلت، فهذا بمثابة التسليم التام فيما يراعَى التسليمُ فيه. هذا قولنا في الحرة.
فأما الأمة، فظاهر القياس فيها أنها كالحرة؛ فإن النكاح فيها مربوط بالعمر كنكاح الحرة.
وذهب ذاهبون إلى الفرق بين الأمة والحرة؛ [من جهة أن] (١) يد السيد ثابتة على الأمة، ولهذا يقدَّم السيدُ بحق الانتفاع، فإذا انتجز حقه، ودخل وقت الدَّعة، فإذ ذاك لا يُمنع الزوج منها، فلا تمتنع والحالة هذه، وقد ضعف حق الزوج؛ إذ الحد الذي وصفناه، أن يقال: نكاح الأمة لا يصيّرها مسلّمةً بنفس العقد، بل الأمر موقوف فيها على ما يبين من تسليم السيد ومنعه. وهذا لسنا نرى الإطناب فيه؛ فإنه ليس مفضيًا إلى تحقيق، مع ما ذكرناه من استواء النكاحين في الحرة والأمة، في أن كل واحد منهما [معقودٌ للعُمر] (٢) لا غير.
ثم المصير إلى أن الحرة لو قتلت نفسها قبل إلمام الزوج بها، فسقوط مهرها مختلف فيه في نهاية الضعف؛ فإن الأمة إذا كان يتحقق فيها ما ذكرناه؛ فلا يتحقق في الحرة شيء منه، ولا حاصل لتسبّبها إذا كانت حرة؛ فإن العمر إذا انقضى، فلا تكون الحرة بإهلاكها نفسها متسبِّبةً إلى منع المعقود عليه في النكاح؛ فإن المعقود عليه مدة العمر، طالت أم قصرت.
فيخرج من مجموع ما ذكرناه: أن القياس إيجاب المهر كيف فرض الموت في الحرة والأمة، وهذا موافق قولًا ذكره الأصحاب، ولكن النص الظاهر على مخالفته.
فإن رأينا الفرق بين الحرة والأمة جريًا على النص، تكلفنا الفرق بين الحرة والأمة، كما سبقت الإشارة إليه، فأما الفرق بين أن تموت الحرة وبين أن تقتل نفسها، فلا سبيل إلى [احتماله] (٣) أصلًا.
_________________
(١) في النسختين: إلى جهة من أن يد السيد ثابتة.
(٢) في الأصل: معقودًا بعمره، ت ٣: معقودًا لعمره.
(٣) ت ٣: إحماله (بالحاء المهملة) وفي الأصل: "إجماله" والمثبت هو المناسب للسياق.
[ ١٢ / ١٨٨ ]
فصل
قال: "وإن باعها حيث لا يقدر عليها، [فلا مهر لها حتى يدفعها إليه إلى آخره" (١).
٧٩٨٧ - فنقول أولًا: إذا زوّج الرجل أمته، وصحّ النكاح على حكم الشرع] (٢)، ثم إنه باع الأمة، فالبيع نافذ، والزوجية قائمة.
وقال ابن عباس: "بيعُها طلاقها"، ولعله أخذ ذلك من تجدد الملك على رقبة المزوّجة، وشبّه ذلك بما إذا سُبيت الزوجة، وجرى الرق عليها. والدليل على بقاء النكاح: حديث بريرة؛ فإن عائشة اشترتها وأعتقتها، فخيّرها رسول الله ﷺ، فدل أن النكاح لم يبطل ببيعها، والفرق بين السبي والشراء ظاهر؛ فإن السبي يغير صفة [الزوجة] (٣) ويقلبها من الحرية إلى الرق، وصفةُ المزوَّجة إذا بيعت لم تتبدّل، وإنما تبدل عليها الملاك.
٧٩٨٨ - فإذا بان بقاء النكاح، فنقول بعده: إذا باع السيد الأمة المزوجة، وكان النكاح مشتملًا على مسمّىً صحيح؛ فهو للأول - يعني البائع، وإن كان الدخول بها حصل في ملك المشتري؛ لأن وجوب المهر مستند إلى العقد.
ولو صح النكاح وفسدت التسمية في المهر، واقتضى الأمر الرجوع إلى مهر المثل، فهو أيضًا للبائع؛ فإن مهر المثل ثبت صحيحًا بالعقد، ولا نظر إلى فساد التسمية.
ولو كان زوّج أمته [وفوّض] (٤) بضعها، وعرّى النكاح عن المهر أصلًا، وباعها، فوطىء الزوج في ملك المشتري، فالمهر (٥) يجب، واختلَف القول في أنه يجب
_________________
(١) ر. المختصر: ٣/ ٢٧٤.
(٢) ما بين المعقفين سقط من الأصل.
(٣) في النسختين: الزوجية.
(٤) في الأصل: وفرض.
(٥) ت ٣: فالملك.
[ ١٢ / ١٨٩ ]
بالعقد، أو يجب بالمسيس؟ على ما سيأتي شرح ذلك في كتاب الصداق، إن شاء الله تعالى.
فإن حكمنا بأن المهر يجب بالعقد؛ فهو للبائع، كما لو كان أصدقها خمرًا أو خنزيرًا، وإن حكمنا بأن المهر لا يجب في نكاح التفويض بالعقد، وإنما يجب بالمسيس؛ فالمهر على هذا للمشتري؛ فإن المسيس جرى في ملكه.
٧٩٨٨/م- ومما يتفرع على ذلك: أنا إذا أثبتنا المهر للبائع؛ فليس له بعد البيع حقُّ [منع] (١) الجارية عن زوجها حتى يتوفر الصداق عليه؛ فإن ملكه قد زال عن رقبة الأمة، فلم يبق له متعلق، والمشتري ليس له منعها أيضًا؛ فإن المهر ليس له، فيستفيد الزوج بتبدّل الملك الإلمامَ بالأمة من غير حبسٍ [ومنع] (٢)، وهذا إذا قلنا: المهرُ للبائع في صورة التفويض.
وإن حكمنا بأن المهر للمشتري إذا وطئت عنده؛ فله أن يمنعها من زوجها حتى يفرض لها صداقها، ثم إذا فرض لها، فله أن يمنعها حتى يوفّر المفروض على المشتري.
وإذا فرّعنا على أن نكاح التفويض لا يوجب المهر بنفسه، فلو أراد المالك الأول أن يطالب بفرض مهر، كان له ذلك، على ظاهر المذهب، ثم كان يتوصل إلى منعها بهذه الجهة، فلو طلب الأول الفرض قبل البيع، فأجيب إلى ما طلبه (٣)؛ فيكون المفروض ملكًا للبائع؛ فإنه ملتحق بالمهر المسمى على الصحة في النكاح، ثم من موجب هذه الحالة أن المشتري لا يملك منعها؛ فإن المهر ليس له، ولا يملك البائع منعها، فإن ملكه قد زال، كما تقدم تقريره.
٧٩٨٩ - ولو زوّج الرجل أمته، ثم أعتقها؛ فطريان العتق عليها ينزل منزلة طريان الشراء، فحيث نجعل المهر للبائع؛ فهو للمعتِق، وحيث نجعل المهر في صورة
_________________
(١) في الأصل: مع.
(٢) زيادة من (ت ٣).
(٣) ت ٣: ما يطلبه.
[ ١٢ / ١٩٠ ]
التفويض للمشتري؛ فهو للمعتَقة، فطريان العتق في التفاصيل التي قدمناها كطريان الشراء. [وهذا] (١) منتهى المراد في ذلك.
٧٩٩٠ - ونحن الآن نذكر على أثر نجاز هذا المقصود، تفصيلَ المذهب في تجدد الملك على العبد الناكح، فنقول: إذا تزوج العبد بإذن مولاه؛ فقد ذكرنا أن المهر يتعلق بكسبه، فلو وفّى المهرَ من كسبه، ثم باعه سيده، وطلّق المرأة قبل المسيس، وحكمنا بتشطر الصداق، فالمذهب: أن شطر الصداق يرتد إلى البائع؛ من جهة أنه أدى المهر من ملك البائع؛ إذ كسب العبد ملكُه، فيرتد نصف الصداق إلى من خرج من ملكه.
ولو زوّج الأب من ابنه الطفل، وساق صداقها من ملك نفسه -متبرعًا على طفله- فإذا بلغ الطفل، وطلق زوجته، فنصف الصداق يرتد إلى الزوج المطلِّق؛ والسبب فيه أن الأب لما تبرع، وساق الصداق، فمن ضرورة وقوع ذلك الصداق [المَوْقع] (٢)، تقدير دخوله في ملك الزوج أولًا، وإذا كان كذلك، فقد تقدم ملك الطفل له، فإذا طلق، رجع الشطر إلى ملكه، ولا يتحقق مثل هذا في العبد؛ فإن المهر وإن تعلق بكسبه، فلسنا نقدّر دخول كسب العبد تحت ملك العبد أولًا، حتى يتوفر الصداق من ملكه.
قال الشيخ أبو علي: من أصحابنا من قال: إذا طلق العبد زوجته قبل المسيس، فشطر المهر يكون للمشتري؛ فإن الطلاق هو الذي يوجب رجوع شطر الصداق، وقد جرى الطلاق الموجبُ لذلك في ملك المشتري؛ فإذا كان الموجِب في ملكه، كان الموجَب له. وهذا وجه حكاه الشيخ وزيّفه، وهو لعمري مزيّفٌ.
٧٩٩١ - ومما يتعلق بأطراف الكلام مما ذكرناه: أنا استشهدنا بتبرع الأب على ابنه بسوق الصداق من ماله، وقلنا: إذا طلق الابن بعد البلوغ، فشطر الصداق يرجع إلى الابن، وخرّجنا هذا على أن الملك يحصل للزوج أولًا، ثم ينتقل منه.
_________________
(١) في النسختين: وهو.
(٢) في الأصل: المتوقع.
[ ١٢ / ١٩١ ]
ويجوز أن يقال: لا يتضمن سَوْقُ الصداق تمليكَ الابن، وهذا يوضحه ذكر مسألة مقصودة في نفسها، فنقول: إذا نكح الرجل المطْلَقُ امرأة على مال، ثم جاء أجنبي، وتبرع بأداء المهر عن الزوج، فيستحيل أن نقضي باقتضاء هذا الأداء تمليكَ هذا الرجل المُطْلَق من غير مراجعته، بل يقع الأداء [افتداءً] (١)، فإذا فرضنا من الزوج طلاقًا قبل المسيس، واقتضى ذلك تشطر الصداق، فالوجه أن يقال: يرتد شطر الصداق إلى الأجنبي المتبرع بالأداء؛ فإنه عن ملكه خرج، فيعود إلى ملكه، إلا على الوجه الضعيف الذي حكيناه في أن الاعتبار بوقت الطلاق.
٧٩٩٢ - فإذا تمهد هذا عُدنا بعده إلى تبرع الأب على طفله، وقلنا: ظاهر كلام الأصحاب أن التبرع يتضمن تمليكَه؛ فإن الأب يتملك (٢) تمليك طفله بحق الولاية، فيُحمل ما جرى على ذلك، ثم يتجه رجوع شطر الصداق إلى الزوج، كما تبين من قول الأصحاب.
ويجوز أن يقال: تبرع الأب على ابنه لا يتضمن تمليكه؛ فإن الأجنبي إذا كان يملك الافتداء بطريق الأداء من غير أن يملّك، فليملك الأب ذلك في حق طفله.
وينتظم من هذا سَوْقُ أحوالٍ: أحدها - أن الأب لو قصد الفداء، ولم يقصد تمليك طفله؛ فيجب ألا يدخل الصداق في ملك الطفل، كما ذكرناه في الأجنبي، ثم موجب هذا: ألا يرتد شطر الصداق إلى الزوج إذا بلغ وطلّق، وفرّعنا على الصحيح.
وإن قصد بالتبرع تمليك طفله؛ فيجوز أن يقال: يدخل في ملك الطفل، كما ذكره الشيخ.
وإن أطلق الأب الأداء، ولم ينْوِ فداءً ولا تمليكًا، فهذه مسألة محتملة مترددة بين قصد الفداء وقصد التمليك. فهذا ما لا بد من تفصيله كذلك.
٧٩٩٣ - ومما يتفرع على هذا المنتهى؛ أن من تبرع بأداء دين أجنبي، فلمستحق
_________________
(١) في النسختين: اقتداءً. (بالمثناة). والمثبت تقديرٌ منا. وقد صدقته (صفوة المذهب).
(٢) كذا في النسخيتن، ولعلها "يملك" كما في (صفوة المذهب).
[ ١٢ / ١٩٢ ]
الدين أن يمتنع عن قبوله (١)، وإن كان الأداء من الأب، وزعم أنه يقصد الافتداء، فيجوز أن يقال: للمرأة أن تمتنع عن قبوله، طردًا للقياس الذي ذكرناه في الأجنبي.
فهذه أمور انتهى الكلام فيها، فلم نجد بدًا من التنبيه عليها.
٧٩٩٤ - ويعود بنا الكلام إلى سَمْت المسألة: فإذا وفّى العبد الصداق في ملك البائع، ثم جرى البيع والطلاق؛ فشطر الصداق على ظاهر المذهب يرتد إلى البائع.
وإن لم يوفِّ العبد الصداق، حتى بيع، ثم إنه اكتسب في ملك المشتري، وأدّى الصداق؛ فأول مذكور في ذلك: أن المشتري ليس له منفعة غير الاكتساب؛ من جهة أن كسبه مستحَق الصرف إلى هذه الجهة، ثم إذا أدى الصداق مما اكتسبه في ملك المشتري، ثم طلق قبل المسيس، فهذا تنبيه على ما إذا اكتسب في ملك البائع، وأدى الصداق. فإن قلنا: الصداق إذا تشطر بالطلاق، فالشطر للمشتري، نظرًا إلى وقت الطلاق، فلا شك في حصول الشطر للمشتري فيه إذا اكتسب في ملك المشتري.
فأما إذا قلنا: شطر المهر يرجع إلى البائع إذا اكتسبه في ملكه، فإذا اكتسب في ملك المشتري؛ ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن شطر الصداق يرجع إلى المشتري، فإنه وفّاه مما اكتسبه في ملك المشتري.
والوجه الثاني - أنه يرجع الشطر إلى ملك البائع؛ فإنه وإن اكتسب في ملك المشتري، فذلك القدر كان في حكم المستحَق من كسبه، وكأنه كان مستثنى عن ملك المشتري، مفروضًا في ملك البائع.
فإذا تقرر ما ذكرناه في البيع، فلو جرى بدل البيع إعتاقٌ، فنقول: إن كان اكتسب قبل العتق، وأدى المهر، ثم عتق وطَلّق قبل المسيس؛ فالنصف يرجع إلى المالك المعتِق، على المذهب الصحيح. ومن اعتبر وقت الطلاق، قال: يرجع نصف الصداق إلى العتيق، نظرًا إلى وقت الطلاق.
ولو عتق قبل توفية الصداق، واكتسب بعد الحرية، وأدى الصداق، ثم طلّق قبل
_________________
(١) في النسختين: قبوله له.
[ ١٢ / ١٩٣ ]
المسيس؛ ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن نصف الصداق يرجع إلى الزوج، نظرًا إلى حالة الاكتساب.
والثاني - أنه يرجع إلى المعتِق؛ لأن ما بقي بالصداق مستحق على المعتق من كسبه، فكأنه في حكم المستثنى.
وهذا الوجه ضعيف عندي، لا ثبات له؛ فإن حق المهر إنما يثبت للزوجة، وقد توفر الكسب بكماله على السيد في زمن الرق، فتقديم حق له في الكسب حتى يفرض مستثنى بعد الإعتاق والانطلاق عن الرق، غير معقول؛ بل الأمر على العكس من هذا الخيال؛ فإن العبد كان يملك أن يؤدي ما التزمه من الصداق من كسب رقه، فلم يتفق. وبقيت ذمته مرتهنة بدينه، حتى عَتَق واستقل، فإذا اكتسب وأدى ما عليه، فرجوع شيء عند الطلاق إلى السيد لا وجه له. ولكن الشيخ أبا علي ذكر هذا الوجه في الشرح، ولم يطنب في الرد عليه، وما ذكرناه من التزييف فيما يكتسبه بعد الإعتاق يجري فيما يكسبه بعد البيع.
فصل
قال: "ولو وطىء رجل جارية ابنه وأولدها إلى آخره" (١).
الأب إذا وطىء جارية ابنه، فلا تخلو الجارية، إما أن كانت موطوءة الابن، أو لم تكن. فإن لم تكن موطوءة الابن، فوطئها الأب، لم يخلُ: إما أن يحبلها، وإما ألا يحبلها.
فإن لم تعلق [منه] (٢)، فالكلام يتعلق بانتفاء الحدود، ووجوب المهر، وتحريم الموطوءة على الابن.
فأما الحد، فلا يجب أصلًا، لما للأب من الشبهة في مال الابن، فيما يتعلق بالإعفاف (٣)، وهذا بمثابة درء حد القطع عن الأب والابن إذا سرق أحدهما من مال
_________________
(١) ر. المختصر: ٣/ ٢٧٥.
(٢) زيادة من ت ٣.
(٣) فيما يتعلق بالإعفاف: حيث يجب على الابن إعفاف الأب، كما تجب عليه النفقة.
[ ١٢ / ١٩٤ ]
صاحبه؛ وسبب اندفاع "حق" (١) القطع من الجانبين عموم ثبوت النفقة في أوانها من الطرفين جميعًا، ولما اختص الأب باستحقاق الإعفاف على ابنه، اختص جانبه بانتفاء الحد عنه في هذا القبيل. وإذا كان الأب لا يقتل بقتل ولده، فيبعد أن يرجم بوطء جارية ابنه. وقد قال رسول الله ﷺ: "أنت ومالك لأبيك" (٢). فهذا ما ذكره الأصحاب في انتفاء الحد.
فأما المهر، فالذي قطع به المحققون: وجوب المهر؛ فإن الوطء وطء شبهة.
وما أوجب درء الحد حرمة الوطء (٣) في هذا المحل.
وذكر العراقيون تفصيلًا في المهر، فقالوا: إن كانت جارية الابن مكرهة؛ وجب المهر، وإن كانت مطاوعة؛ ففي وجوب المهر وجهان. وهذا غلط صريح؛ فإنهم قطعوا أقوالهم بانتفاء الحد؛ فلا معنى (٤) مع ذلك التفصيل الذي ذكروه (٥)، وإنما [يستدُّ] (٦) هذا التفصيل في الجارية المغصوبة إذا زنا بها الغاصب - كرهًا أو طوعًا.
ثم تصير الجارية محرمة على الابن؛ فإنها موطوءة الأب وطئًا محترمًا.
فلو قال الابن: اغرم لي قيمة الجارية، وخذها، لأنك حرمتها عليّ، لم يكن له
_________________
(١) كذا في النسختين، ولعلها "حدّ".
(٢) حديث: "أنت ومالك لأبيك": رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والبزار عن عمر، ورواه ابن حبان من حديث عائشة، وابن ماجه، وبقي بن مخلد، والطحاوي عن جابر، والطبراني في الصغير عن ابن مسعود، وفي الكبير عن ابن عمر، وسمرة، والحديث صححه الألباني (ر. أبو داود: البيوع، باب في الرجل يأكل من مال ولده، ح ٣٥٣٠، ابن ماجه: التجارات، باب ما للرجل من مال ولده، ح ٢٢٩١، ٢٢٩٢، أحمد: ٢/ ١٧٩، ابن حبان: ٤١٠، ٤٢٦٢، إرواء الغليل: ٣٣٨، وتلخيص الحبير: ٣/ ٣٨٣ ح ١٦٧٠).
(٣) ت ٣: للوطء.
(٤) لا معنى: أي لا حكمة ولا علة مع هذا التفصيل تؤيده.
(٥) الأمر كما قال إمام الحرمين، فقد قال النووي: المذهب أنه كوطء الشبهة، فعليه المهر للابن (ر. الروضة: ٧/ ٢٠٨).
(٦) في النسختين: "يستمرّ". و(يستدّ) أي يستقيم، وقد أثبتناها لأنها الأوفق في هذا السياق، ولأنها معهودة في ألفاظ إمام الحرمين، ولأن تصحيفها واضح.
[ ١٢ / ١٩٥ ]
ذلك؛ لأن الوطء ليس بمقصود في ملك اليمين؛ فيستحيل أن يتعلق بتفويته وجوب القيمة.
ولو أرضعت امرأة الرجل جارية له؛ فليس له أن يغرّمها قيمة الجارية، فلو [اشترت] (١) امرأةُ الرجل رضيعةً من زوجها، وأرضعتها، حرمت على الزوج، ثم اطلعت على عيب قديم بها، لم يمتنع ردها بالعيب القديم، ولم يكن للمردود عليه أن يقول: كانت مباحة لي، فطرأ التحريم في يدك، فلا ترديها وقد طرأ التحريم فيها.
هذا كله إذا وطىء جارية الابن ولم يحبلها.
٧٩٩٥ - فأما إذا أحبلها؛ فالحد منتف، والمهر واجب، والتحريم واقع، كما تقدم في الوطء العريّ عن الإعلاق. وأبو حنيفة (٢) لم (٣) يوجب المهر، لمّا اعتقد ثبوت الاستيلاد، كما سنصفه، إن شاء الله تعالى، ورأى أن المهر يندرج تحت القيمة، وعندنا المهر يتقدم وجوبه على ثبوت العلوق بعد تغييب الحشفة، ويقع الكلام في ثبوت الاستيلاد، والمسألة مشهورة في الخلاف؛ لذلك لم نطنب في إيضاح علة المذهب.
٧٩٩٦ - ثم إنا نتكلم وراء ذلك في ثلاثة أحكام: أحدها - النسب.
والثاني -[حرية] (٤) الولد.
والثالث - الاستيلاد.
أما النسب: فإنه يثبت لحرمة الوطء، ولأجلها دفعنا الحد، وأوجبنا المهر.
وأما الحرية: فالولد يعلق حرًا. ولو وطىء رجل جارية غيره بشبهة، فحبلت؛ فالولد يعلق على الحرية.
_________________
(١) في الأصل: استرقت.
(٢) ر. حاشية ابن عابدين: ٢/ ٣٨٢، ٣٨٣.
(٣) ت ٣: لا.
(٤) في النسختين: حرمة.
[ ١٢ / ١٩٦ ]
وأما القول في ثبوت الاستيلاد؛ فالمنصوص عليه للشافعي أن الاستيلاد يثبت (١)، وهو مذهب أبي حنيفة.
واختار المزني أنها لا تصير أم ولد. وهذا هو القياس، وللشافعي ما يدل على ذلك؛ لأنه قال: "إذا ملك جارية وابنتَها، فوطىء الجارية، حرمت البنت عليه، فلو وطىء البنتَ (٢)؛ فهل تصير أم ولد؟ فعلى قولين. وكذلك إذا وطىء جارية ابنه". هذا لفظ الشافعي.
فمن أصحابنا من ذكر قولًا مطلقًا للشافعي في أن الاستيلاد لا يثبت. ونحن نقول: هذا القول إن كان مخرّجًا، فهو منقاسٌ حسن؛ فإن جارية الابن ملكُه الخالص، لا شرك للأب فيها، ولو فرضنا شركًا، لما حلت للابن.
وإن كان هذا القول مأخوذًا من نص الشافعي -الذي نقلنا لفظه- فهو بعيد؛ فإن الشافعي ذكر [احتمال] (٣) البنت المملوكة، بعد ما حرمت على الأبد بوطء أمها، وكان ذلك ترديد القول في محرمةٍ على التأبيد، ثم عطف، فقال: "كذلك الأب إذا وطىء جارية ابنه". وظاهر هذا دليل على أن صور وطء الأب في موطوءة الابن حتى تكون محرمة على الأبد [كما أن البنت محرمة على الأب] (٤) بوطء الأم.
فحصل مما ذكرناه؛ أن ظاهر المذهب ثبوت الاستيلاد (٥).
ومن أصحابنا من ذكر قولًا آخر: أن الاستيلاد لا يثبت. وهو مذهب المزني.
وحكى الأئمة عن صاحب التقريب قولًا ثالثًا وهو: أنه يفصل بين أن يكون الأب موسرًا إذا وفَّى بقيمة الجارية، وبين أن يكون مُعسرًا.
توجيه الأقوال: من نفى الاستيلاد، فقياسه ومتعلّقه بيّن، ومن أثبته، تعلق بما
_________________
(١) وهو الأظهر، قاله النووي (ر. الروضة: ٧/ ٢٠٨).
(٢) أي وطىء البنت بعد ما حرمت عليه.
(٣) في النسختين: آجال.
(٤) الزيادة من ت ٣.
(٥) عبارة النووي: وهل تصير الجارية أم ولد للاب؟ فيه أقوال: أظهرها، نعم. (ر. الروضة: ٧/ ٢٠٨).
[ ١٢ / ١٩٧ ]
ذكرناه من الشبهة، وأوقعُ متعلَّقٍ انتفاء الحد، مع العلم بحقيقة الحال، ولا وجه لدفع الحد إذا وقع الفرض في العلم بالتحريم، مع انتفاء الريب والخلاف، إلا شبهة تقتضي الاستيلاد، إذا أفضى الوطء إليه.
ومن فرّق بين الموسر والمعسر؛ فوجه قوله: التشبيه بسريان العتق؛ فإن الشريك إذا أعتق حصته من عبد، وكان موسرًا، سرى العتق إلى نصيب شريكه. وإن كان معسرًا، لم يَسْر، وعَتَق منه ما عتق ورَقّ ما رق.
وهذا القول ضعيف، وليس يُشبه ثبوتُ الاستيلاد في حق الأب تسريةَ العتق؛ فإن المرعي في منع التسرية إذا كان المعتق معسرًا حقُّ الشريك؛ فإنا لو سرّيْنا العتق، لأبطلنا حق الشريك ناجزًا، وأحلناه على ذمة معسر، والمتبَع في ثبوت الاستيلاد، أحد أمرين: إما حرمة الأبوة، حتى لا تبقى أم ولده رقيقة، وإما شبهة الملك.
فإن راعينا حرمة الأبوة، فهذا يعم الموسر والمعسر، وإن راعينا شبهة الملك، فليس ملك الشبهة جزءًا مملوكًا منها، حتى يقصر الاستيلاد عليه. نعم، قد يخرّج قولُ الفرق بين الموسر والمعسر في إعتاق الراهن العبدَ المرهون؛ فإن المتبع في رد عتقه تركُ الإضراب بالمرتهِن، والتوقِّي من تنجيز إبطال حقه من الوثيقة. وهذا يجوز أن يختلف باليسار والإعسار.
٧٩٩٧ - وهذا النوع من النظر يفصله ذكر ثلاث مراتب: إحداها - في إعتاق حصة من عبد مشترك. هذا ينقدح فيه الفرق بين اليسار والإعسار، لورود الخبر فيه بالفصل بين الموسر والمعسر، وهو أولى متبع.
وفيه طرف من المعنى، وهو: أن مقدار ملك المعتِق من الشريكين منفصل عن حصة الثاني، ولا حق له في نصيب صاحبه، ولا يمتنع أن يتوقف تسرية العتق إلى نصيب الشريكين على بذْل العوض -في قولٍ- أو على إمكان بذله.
المرتبة الثانية - في إعتاق الراهن. وظاهر المذهب إجراء القولين في تنفيذ عتقه، أو ردّه، من غير فصل بين أن يكون موسرًا أو معسرًا. والفرق بين هذه المرتبة وبين الأولى أن ملك الراهن ثابت في جميع المرهون، وثبوته أقوى من ثبوت حق الوثيقة؛
[ ١٢ / ١٩٨ ]
فلم يكن للنظر إلى الإعسار واليسار معنى، و[علّة] (١) نفوذ العتق صدوره من أهله في محل ملكه.
ومن خرّج قولًا في الفصل بين الموسر والمعسر؛ فوجهه مراعاة حق المرتهن، وهو مختارٌ في إعتاقه.
والمرتبة الثالثة: استيلاد الأب جارية ابنه، وهذه المرتبة بعيدة عن اعتبار اليسار والإعسار فيها؛ لأن المتبع حرمةُ الأبوة؛ فلا سبيل إلى إسقاطها في المعسر. فإن [عورضنا] (٢) بأن الراهن المعسر مالكٌ أيضًا، قلنا: لا يمتنع الحجر على المالك، [وأين] (٣) يقع تنفيذ تصرف المحجور عليه من حرمة الأبوة؟
فهذا بيان هذه المنازل.
وقد رأيت لصاحب التقريب [القول الثالث في الفرق بين الموسر والمعسر في إعتاق الراهن، ورأيتُ هذا القول لغيره في الرهن، فأما الفصل بين الموسر والمعسر في ثبوت الاستيلاد في جارية الابن، فلم أره لصاحب التقريب] (٤) مع اعتنائي بالبحث عن كتابه، ولم ينقل أصحابنا هذا القول إلا عنه. فهو قول مُخيل تعليلًا ونقلًا.
ويتفرع عليه أمر لا بد من إلزامه، وهو: أن الأب إذا كان موسرًا؛ وجب أن تخرّج الأقوال الثلاثة في تعجيل الاستيلاد، أو تأخير الحكم به إلى بذل القيمة، أو الوقف، كما سنذكره -إن شاء الله ﷿- في تسرية العتق من نصيب إلى نصيب.
ويجب أن يقال: إذا كان الأب مُعسرًا حالة العلوق، ثم أيسر من بعدُ، لم يؤثّر طريان اليسار، وتكون الجارية فيه تباع (٥)، وإن كان الأب يبذل قيمتها بيساره الطارىء. كل ذلك لا بد منه إذا فرّعنا على الفرق بين الموسر والمعسر. وهذا منتهى الكلام في هذا القول، فلا عود إليه.
_________________
(١) في الأصل: وعليه، و(ت ٣): وعامة.
(٢) في النسختين: عورضا.
(٣) في النسختين: وأن.
(٤) ما بين المعقفين زيادة من: (ت ٣).
(٥) تباع: أي يجوز للابن بيعها، ذلك أن يده محتوية عليها.
[ ١٢ / ١٩٩ ]
وكذلك؛ إن قلنا: لا يثبت الاستيلاد أصلًا، على ما اختاره المزني؛ فالجارية رقيقة، والولد حرّ نسيب، وسنتكلم في قيمته، إن شاء الله تعالى، والمهر واجب، والحد منتف.
وإن فرعنا على ظاهر المذهب، وهو: أن الاستيلاد يثبت؛ فيلزم الأبَ المهرُ وقيمةُ الجارية. والولد يعلق حرًا، كما تقدم.
٧٩٩٨ - والقول الآن في قيمة الولد، فنقول: إن فرّعنا على أن الاستيلاد لا يثبت؛ فتجب قيمة الولد وقت انفصاله بتقديره رقيقًا، ثم إنما يجب ذلك إذا انفصل حيًّا، وسيأتي شرح ذلك في باب [الغرر] (١)، إن شاء الله ﷿.
٧٩٩٩ - ولو ملك الأب هذه الجارية يومًا من الدهر، فهل تصير أم ولد له؟ فعلى قولين مشهورين، سيأتي ذكرهما في أمهات الأولاد، إن شاء الله تعالى، وهما جاريان فيما لو وطىء جارية أجنبي بشبهة، وعلقت منه بمولود، وحكمنا بحرية الولد، ونفينا الاستيلاد في الحال؛ فلو ملكها الواطىء يومًا؛ فهل تصير أم ولد؟ فعلى القولين.
٨٠٠٠ - وإن حكمنا بأن الجارية تصير أم ولد للأب؛ فهل يلتزم قيمة الولد مع قيمة الأم؛ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - أنه يلتزمها، كما يلتزمها الواطىء بالشبهة.
والثاني - لا يلتزمها؛ فإنه التزم قيمة الجارية والولد جزء منها؛ فاندرج الجزء تحت الكل، وليس كالمهر؛ فإنه يجب على مقابلة إتلاف المنفعة؛ وليست المنفعة جزءًا من الجارية، ولا ينقدح توجيه الوجهين، والوجهُ بناؤهما على أن الملك متى ينتقل إلى الأب في الجارية؟ وقد اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: ينتقل الملك إليه مع العلوق، لا يتقدم عليه، ومقتضى هذا إيجاب القيمة للولد؛ فإن العلوق يحصل مع النقل، وليس يتعلق أحدهما بالثاني.
ومن أصحابنا من قال: الملك ينتقل في الجارية قبيل العلوق؛ فعلى هذا لا يلتزم الأب قيمة الولد. وهذا الوجه معلوم؛ ومسلكه من طريق التعليل اللائق بهذا الفن
_________________
(١) في النسختين: الغزو.
[ ١٢ / ٢٠٠ ]
مفهوم وكأنا نبغي في تعظيم [حرمة الأب] (١) أن نقدِّم مسقط مائه ونطفته ملكًا له.
وهذا ليس بعيدًا إذا أُثبت أصل الاستيلاد؛ فإن الإشكال في الأصل، وما ذكرناه بعد ثبوت الأصل قريب محتمل.
وأما المصير إلى أن العلوق ونقل الملك يحصلان معًا، فهذا متجه حسن، ولكنه لا يثمر (٢) إيجاب قيمة الولد؛ فإن نقل الملك إذا قارن العلوق؛ فقد صادف العلوقُ الملكَ؛ فلا أثر لتقدم الملك بلحظة، فكيف يستفاد من هذا إيجاب قيمة الولد [وقد تحصلت بعد هذا البحث على مسلكين، أوقعهما وأفقههما أن نبني لزوم قيمة الولد] (٣) على ثبوت الاستيلاد ونفيه؛ فإن أثبتنا الاستيلاد، لم نوجب قيمة الولد.
وذكرنا للأصحاب خلافًا في أن الملك متى ينتقل في الجارية؟ يجوز أن يقال: يتقدم بلحظة على العلوق، ليُشْرِف ورود الماء على ملك [عتيد] (٤).
ويجوز أن يقال: يحصل العلوق والنقل معًا، وهذا هو الصحيح، والتقدير الأول ليس بمتين (٥). ولو تناهيت في تقريره، وقعت في مذهب أبي حنيفة (٦)، فإنه قال: ينقل الملك مع أول الوطء أو قُبيله. وهذا التردد على حال قريبٌ بعد ألا تُتلقى منه قيمة الولد وجوبًا ونفيًا، وإنما تُتلقى قيمة الولد من إثبات الاستيلاد [ونفيه] (٧) كما ذكرناه هذا مسلك، وهو الذي لا معدل عنه.
والمسلك الثاني - أن من أصحابنا من قال: يحصل نقل الملك مع العلوق؛ فعلى هذا تجب قيمة الولد وقيمة الجارية. وهذا البناء متجه، ولكن نقل الملك بعد العلوق ليس بشيء؛ فإن المعلول لا يستأخر عن العلة إذا صادفت العلة محلها.
فإن قيل: إذا ملك الرجل من يعتق عليه، أليس يحصل الملك ثم يترتب العتق
_________________
(١) زيادة من المحقق. والحمد لله صدقتنا (صفوة المذهب).
(٢) ت ٣: لا يتم.
(٣) ما بين المعقفين سقط من الأصل.
(٤) في الأصل: ملك الغير.
(٥) بمتين: أي قوي، يقال: رأي متين: أي قوي محكم (معجم).
(٦) ر. حاشية ابن عابدين: ٢/ ٣٨٢، ٣٨٣.
(٧) زيادة من ت ٣.
[ ١٢ / ٢٠١ ]
عليه؟ والقرابة كانت مقترنة بالملك في الحالة الأولى، ثم تأخر أثرها إلى الحالة الثانية.
وفي هذا تخبّط شيخنا أبو إسحاق المروزي، حيث قال: يحصل العتق والملك في الحالة الأولى، فزعم أن جمع النقيضين في الحكم غير ممتنع، وإنما يمتنع اجتماع النقيضين حسًّا، وهذا من عثرات ذلك الشيخ.
والجواب عندنا أن العتق مشروط بحصول الملك، ومن ضرورة حصوله أن يفرض تقدّمه بلحظة واستعقابه العتقَ، وليس من الممكن أن يُقدّر إلا كذلك، ولا استحالة في الجمع بين حصول الملك في الجارية ووقوع العلوق حسًّا.
فليفهم الطالب أمثال ذلك، وليتثبت في زَلَق الأقدام.
فإذا تحقق ما ذكرناه، انتظم منه أن الذي يجب القطع به: حصول النقل والعلوق معًا، وتقديم الملك وتأخيره لا أصل له، على أن تقديمه يليق بحكم الفقه، وتأخيره لا وجه له، ثم كيف قُدر الأمر؛ فالوجه: بناء قيمة الولد على الاستيلاد، كما قد ذكرنا.
وقد أكرر معنى في فصل مرارًا، ولا أبغي التطويل، ولكني أروم تنبيه الناظر، وقد يتخطى الفكر معنى ولا يفهمه، فإذا كُرّر عليه، ثبت فيه، والله المستعان.
٨٠٠١ - ومما يتعلق بتمام القول في ذلك، أنا لو فرضنا نزول الماء مع تغييب الحشفة، فهذا تصوير العلوق مقترنًا بموجب المهر، وقد ذكرنا أن الصحيح أن الملك ينتقل مع العلوق؛ هذا لم يتعرض له الأصحاب، بل أطلقوا القول بوجوب المهر، ولم يتعرضوا لهذا التفصيل.
والأظهر عندي: أنهم بنَوْا الأمر على الاعتياد، والغالب أن الإنزال يحصل بعد وجوب المهر، ولو صوّر الأئمة ما ذكرناه، لنزّلوا المهر منزلة (١) قيمة الولد، هذا ما نراه، والله أعلم.
_________________
(١) ساقطة من (ت ٣).
[ ١٢ / ٢٠٢ ]
٨٠٠٢ - ومما يليق بهذا المنتهى؛ أنا إذا لم نثبت الاستيلاد، وحكمنا بأن الجارية رقيقة؛ فهي حامل بولد حر، والصحيح أن بيع الجارية الحامل بالولد الحر غير صحيح، فلو قال الابن: قد حِلتَ بيني وبين التصرف في الجارية، فاغرم لي قيمتها؛ فهل له أن يغرّمه؟ فعلى وجهين. وهذا لا يختص بالأب والابن، بل لو وطىء رجل جارية أجنبي بشبهة، وعلقت منه بمولود؛ فهل لمالك الجارية أن يغرّمه القيمة؟ فعلى ما ذكرنا من الوجهين.
توجيههما: من قال: تجب القيمة، احتج بما ذكرناه من الحيلولة، ومن قال: لا تجب، احتج بأن يد المالك مستمرة على الجارية، وهو يتمكن من الانتفاع بها، فلا تتحقق الحيلولة باستئخار البيع في أيام.
٨٠٠٣ - وكل ما ذكرناه كلام في قسم واحد، وهو إذا وطىء الأب جارية الابن، ولم تكن الجارية موطوءة الابن (١ أما إذا وطئها وهي موطوءة الابن ١)، فلا شك أنها محرمة على التأبيد على الأب، فأول ما نذكره أنه هل يلزم الأبَ الحدُّ أم لا؟
المنصوص عليه في الجديد: أنه لا يلتزم الحد لحرمة الأبوة.
والقول الثاني - نص عليه في القديم: أن الحد يجب، وهذا القول يجري (٢) في كل وطء محرم لا اشتباه في تحريمه، ولا لبس على الواطىء. حتى لو وطىء جاريته المملوكة وهي أخته، فالحد في هذا يجب ولا يدرؤه الملك القائم، وكذلك إذا كانت مملوكة محرمة برضاع أو مصاهرة، وكذلك لو كانت مزوّجة. ومحل هذا القول وطء محرم لم يختلف العلماء في تحريمه، ولم يلتبس تحريمه على الواطىء، وكان شيخي لا يطرد هذا القول في وطء الحائض، ويقول: المحرّم من وطئها ملابسة الأذى، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ويجب على قياس القول القديم إيجاب الحد على أحد الشريكين إذا وطىء الجارية المشتركة، لما ذكرناه.
فإذا تمهد هذا؛ رجعنا إلى غرضنا من الفصل.
_________________
(١) ما بين القوسين سقط من (ت ٣).
(٢) ت ٣: مجرىً.
[ ١٢ / ٢٠٣ ]
٨٠٠٤ - فإذا وطىء الأب جارية الابن، وكانت موطوءة الابن، فإن فرعنا على الجديد، فلا حد، والقول في وجوب المهر، وثبوت حرية الولد إن ثبت العلوق، وفي الاستيلاد، كما تقدم في الجارية التي ليست موطوءة الابن.
ولكن إذا لم تكن موطوءة الابن، وثبت الاستيلاد على ظاهر المذهب؛ فتصير الجارية مستحلّة للأب، وإذا كانت موطوءة الابن، فهي محرمة على الأب على التأبيد، وإن حكمنا بثبوت الاستيلاد، فإن التحريم المؤبد لا يزول بشيء.
وإن فرّعنا على القديم، وجب الحد على الأب، كما لو وطىء أخته المملوكة.
وهاهنا موقف على الناظر؛ وذلك أنا [إن] (١) طردنا القول القديم في وطء السيد جاريته المزوّجة وإن لم تكن محرمة على التأبيد؛ فيترتب على الأب أن جارية الابن وإن لم تكن موطوءة الابن، فهي محرمة على الأب قطعًا بشبهة، ويجب أن يخرّج في وطء الأب جارية الابن قولٌ في وجوب الحد عليه وإن لم تكن موطوءة الابن، وإنما لم نذكره فيما تقدم؛ حتى يجري المذهب على ترتيبه، ثم [نُلحق] (٢) به ما ينبغي أن نُلحق به، ولا شك في خروج هذا القول، وإن ذكره المرتبون في الجارية الموطوءة.
فأما القول في المهر، مع المصير إلى إيجاب الحد، فقد قال الأئمة: هذا بمثابة وطء الغاصب الجارية المغصوبة، فإن كانت مستكرهة، وجب المهر، وإن كانت مطاوعة، ففي وجوب المهر وجهان، وهذا التفريع مستقيم هاهنا، لا حيد فيه.
٨٠٠٥ - وإذا أفضى الوطء إلى الإعلاق، فهذا سرّ هذا الفصل ولُبابه، فالذي ذهب إليه المحققون: أن الوطء الموجب للحد زنًا لا حرمة له، وإذا أنزل الواطىء، فلا حرمة لمائه؛ فيترتب عليه انتفاء النسب، ثم الولد لا حرمة له، ولا حرمة لماء الزاني، ومن طرد هذه الطريقة على حقها، لزمه أن يقول: إذا وطىء الرجل جاريته المملوكة، وكانت محرمة عليه بنسب، أو رضاع، أو صهر، وعلقت منه بمولود؛ فلا تصير أم ولدٍ له؛ من قِبل أن الماء لا يُنسب إلى الزاني، وهو كالمفقود في حقه،
_________________
(١) زيادة من المحقق.
(٢) في الأصل: نلتحق.
[ ١٢ / ٢٠٤ ]
وإنما تثبت أمية الولد إذا ثبت نسب الولد؛ فإن أم ولد الإنسان منسوبة إلى ولده المنسوب إليه، فإذا لم يُثبت الشرع له ولدًا، فكيف تثبت أمية الولد؟ وهذا مسلك لا ينساغ اعتقاد خلافه.
وارتاع بعض الأصحاب من ذلك، وعظم عنده أن يطأ (١) الرجل مملوكته، وتحبل منه، ولا تصير أم ولد! فقال: إن أوجبنا الحد، [فلنثبت] (٢) النسب، ثم إذا ثبت النسب ترتب عليه أمية الولد، ثم طرد بعض المصنفين ثبوت الاستيلاد مع وجوب الحد في الأب إذا وطىء جارية ابنه الموطوءة.
ومن نفى الاستيلاد؛ فإنه يلقى في جريانه مسلكًا وعرًا، وتلقاه مسألة لا يجترىء على طرد نفي الاستيلاد فيها إلا جسور، وهي: أن الجارية المشتركة إذا أحبلها أحد الشريكين؛ فقد أطلق الأئمة أقوالهم بأن الاستيلاد يثبت في حصته، وتردَّدوا في إثباته في حصة الشريك عاجلًا، ولم يختلفوا في أنه يسري إلى حصة الشريك، وإنما ترددهم في وقت النفوذ والسريان.
وقد ذكرنا أن الحد يجب في القديم على من يطأ الجارية المشتركة بينه وبين شريكه، ونحن بعون الله وتوفيقه نذكر تحقيق القول في ذلك.
٨٠٠٦ - فأما الجارية المشتركة؛ فيجوز أن يقال فيها: الوطء يصادف ملك الواطىء وملك شريكه، وينزل عليهما جميعًا، فلا يتمحض تحريمه، ولكن لا يتأتى تبعيضه، فنطلق تحريمه على معنى النهي عن الإقدام عليه؛ من جهة أن من ضرورة الاستمتاع [بملك] (٣) الواطىء مصادفته ملك غيره، فكان ذلك مشبَّهًا بطعام جاورته نجاسة أو سم، فالطعام ليس محرمًا، ولكن لا يجوز الإقدام على تناوله؛ من جهة أنه لا يتأتى تعاطي شيء منه إلا مع جزء مما هو محرم، وقد ينفصل وطء المشتركة عن هذا، بأن الطعام والسم متجاوران، ولنا أن نقول: من أكله فقد أكل حلالًا وحرامًا، ولا يتأتى مثل ذلك في الملك الشائع.
_________________
(١) ت ٣: يطالب.
(٢) في النسختين: فانثبت.
(٣) في النسختين: ملك.
[ ١٢ / ٢٠٥ ]
فيخرج بعد هذا التنبيه أنا لو لم نُجر القول القديم في الحد في الجارية المشتركة، لكان متجهًا؛ فإذا لم يجب الحد، اتّسق وانتظم ثبوت [التسبّب] (١) إلى المنع من المحرم المحض، ويكون هذا بمثابة إتيان مالك الغلام مملوكَه، فالحد يجب؛ فلا أثر للملك. وكذلك لو شرب الرجل الخمر التي لا تراق -وهي خمر الخلّ- حُدّ. وإن كان له حق الاختصاص بها؛ فعلى هذا يتميز الحد في حكمه ومجراه عن قياس النسب والاستيلاد.
فينتظم مما ذكرناه أن الوجه القطعُ بثبوت الاستيلاد في الجارية المشتركة، ثم يخرّج هذا على تقديرين: أحدهما - نفي الحد، وإن فرّعنا على القديم.
والثاني - تمييز مسلك الحدّ عن مسلك الاستيلاد، ومهما (٢) حكمنا بالاستيلاد في البعض أو الكل، فمن ضرورته الحكم بالنسب. هذا ما لا بد منه.
وأما إحبال الرجل أختَه المملوكة؛ فقول الحد فيها منصوص، لا يمكن إنكاره، فلا تردد في الحد على القديم، ويبقى التردد في الاستيلاد، وثبوت النسب. وهذه الصورة قابلة للاحتمال، بخلاف الجارية المشتركة؛ فإن الأخوة قائمة لازمة لا تحول ولا تزول؛ فلا يمكن تقدير انفصالها عن الملك، ولكن قد يتجه إثبات النسب وأمية الولد بسبب الملك، مع إثبات الحد وصرفه إلى التحريم المطلق، كما ذكرناه في إتيان الغلام المملوك وتعاطي الخمرة المحرّمة.
فأما وطء الأب جارية الابن - إذا أوجبنا عليه الحد، فالظاهر: أنه لا يثبت الاستيلاد؛ فإنه ليس بين الأب والابن إلا حرمة قائمة، فإذا أوجبنا الحد، زالت، ثم لا نجد أصلًا نحيل عليه أمية الولد.
٨٠٠٧ - فانتظم مما ذكرناه ثلانة منازل: المنزلة الأولى - في الجارية المشتركة، والقطع فيها بثبوت الاستيلاد، ووجوب الحد على قياس القول القديم متردد، كما نبهت عليه.
_________________
(١) في الأصل: النسب، والمثبت من (ت ٣).
(٢) "مهما" بمعنى (إذا).
[ ١٢ / ٢٠٦ ]
والمنزلة الثانية - في وطء الأخت المملوكة: أما الحد، فمنصوص عليه، وفي الاستيلاد تردد لمكان الملك.
والمنزلة الثالثة - في وطء الأب جارية الابن إذا كانت موطوءة الابن: أما الحدّ، فيثبت، والأصح أنه لا يثبت النسب ولا الاستيلاد إذا أثبتنا الحد. وهذا ما ذكره الصيدلاني.
ومن أصحابنا من أثبت النسب والاستيلاد وإليه أشار بعض المصنفين، ثم إن لم نثبت الاستيلاد؛ فالمهر يفصّل أمره ويفرق بين أن تكون الجارية مستكرهة أو مطاوعة، كما تقدم.
وإن قلنا: يثبت الاستيلاد مع وجوب الحد؛ ففي المهر طريقان: منهم من قطع بإيجابه كالاستيلاد، ومنهم من فصل بين أن تكون الجارية مستكرهة أو مطاوعة، فإن الوطء ساقط الحرمة. ولسقوطها وجب الحد بها، والاستيلاد وراء الوطء.
وهذا منتهى تحقيق الفصل.
فصل
يشتمل على القول في الإعفاف وتزوّج الأب بجارية الابن
٨٠٠٨ - فعلى الابن الموسر أن يُعف أباه المحتاج. هذا هو المذهب (١).
وقال أبو حنيفة (٢): لا يجب على الابن إعفاف أبيه، ولا خلاف أنه لا يجب على الأب إعفاف ابنه، واختار المزني نفيَ وجوب الإعفاف، وذكر ابن خَيْران قولًا في المسألة، مثلَ مذهب المزني، فأجرى العراقيون والمراوزة ما ذكره قولًا؛ من جهة أنه لا يستدّ في إيجاب الإعفاف خبرٌ، ولا مسلكٌ من القياس، وغاية الإمكان فيه التعلق بثبوت الاستيلاد. هذا هو المذهب.
ولا ينفصل جانب الابن عن جانب الأب في ثبوت الاستيلاد ونفيه إلا بالفرق
_________________
(١) هو المذهب كما قال، وقد عبر عنه النووي بالمشهور. (ر. الروضة: ٧/ ٢١٤).
(٢) ر. حاشية ابن عابدين: ٢/ ٣٨٣.
[ ١٢ / ٢٠٧ ]
بينهما بوجوب الإعفاف على أحدهما ونفيه عن الثاني.
وهذا لا ينفع مع المزني مع مصيره إلى أن جارية الابن لا تصير مستولدة الأب.
ثم إذا فرّعنا على ظاهر المذهب، فلا شك أن الأب المستغني بثروته لا يستحق على ابنه أن يعفه، وإنما يستحق ذلك على الابن الأبُ المحتاج. ثم سيأتي في النفقات -إن شاء الله تعالى- أن الأب الفقير يستحق النفقة على ابنه الموسر، إذا كان زمِنًا غير كسوب مع فقره، فإن لم يكن زَمِنًا، وكان يتأتى منه أن يكتسب ما يقوته؛ ففي وجوب النفقة قولان، سيأتي أصلهما وفرعهما، إن شاء الله تعالى.
٨٠٠٩ - ثم اختلف أصحابنا في المسألة على طرق: فمنهم من قال: الإعفاف يتبع النفقة ثبوتًا وانتفاء، وفاقًا وخلافًا، فمهما استحق الأبُ الإنفاق على ابنه، لم يبعد أن يستحق عليه أن يُعفه، وإذا لم يكن [بحيث يستحق] (١) النفقة، فلا يستحق الإعفاف.
فمن أصحابنا من قال: إن وجبت النفقة، وجب الإعفاف، وإن لم تجب النفقة -على أحد القولين- بسبب كون الأب قويًّا سويًّا؛ فهل يجب إعفافه؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يجب.
والثاني - يجب؛ فإن الإعفاف في غالب الحال يليق بحال السويّ، والحاجة في هذا الفن تطابق حالة قوة من المحتاج.
وذكر الشيخ أبو علي طريقة ثالثة على العكس من ذلك، فقال: إذا أوجبنا النفقة قولًا واحدًا، فلا يبعد أن نوجب الإعفاف، وإن جعلنا المسألة على قولين - في وجوب النفقة في بعض الصور، رتبنا الإعفاف عليه، وقلنا: إن لم نوجب النفقة، لم نوجب الإعفاف، وإن أوجبنا النفقة، ففي وجوب الإعفاف وجهان؛ فإن الحاجة في النفقة تُفضي إلى الضرورة، والحاجة في الإعفاف لا تُفضي إلى حكم الضرورة؛ ولهذا يجب على الإمام أن ينفق على المحتاجين إذا لم يكن لهم من يختص بهم وينفق عليهم، ولا يجب على الإمام أن يُعف من بيت المال أحدًا؛ فدل ذلك على أن الأمر في الإعفاف دون وجوب الإنفاق.
_________________
(١) في النسختين: بحيث لم يستحق.
[ ١٢ / ٢٠٨ ]
فهذا ما ذكره الشيخ أبو علي (١)، ولا يحصل بما ذكرناه بيان؛ فإنا نقول: النفقة وإن كانت واجبة، فإذا كان الأب لا يحتاج إلى الإعفاف أصلًا، فلا يجب الإعفاف، فلا بد إذن مع وجوب النفقة [من] (٢) اعتبار الحاجة.
٨٠١٠ - ثم لم أر له في ذلك ضبطًا، فينقدح أن نقول: يعتبر فيه خوف العنت، وسأصف ذلك -إن شاء الله ﷿- بما يضم نشره ويقرّبه من الضبط، والإحالة هاهنا كافية. ويجوز أن يقال: لا يشترط خوف العنت، وهذا ما يدل عليه ظاهر كلام الأصحاب.
ثم أشاروا إلى مسلكين: أحدهما - أن الحاجة الحاقة وإن كان لا ينضم إليها [ظن الوقوع] (٣) في السفاح، وشرط هذه الحاجة أن يتضرّر صاحبها بالتعزّب، ولا تعويل على الشهوة المحضة؛ فمعظم من يشتهي الوقاع يضره الاستمتاع، ثم هذه الحاجة لا تتميز عن حاجة صاحب العنت، إلا أن خوف العنت يفرض فيمن لا تكمل مُنّته في التقْوَى، وما ذكرناه في التردد يرجع إلى هذا وجودًا وعدمًا.
وذكر معظم الأصحاب أنا لا نعتبر الحاجة، ولكنا نُتبع وجوبَ الإعفاف وجوبَ النفقة؛ فمهما طلب الأب المستحقُ النفقةَ الإعفافَ، لزم إسعافه وإعفافه، وظاهر هذا الكلام لا يكشف الحق، فلا يجوز للأب أن يطلب الإعفاف وهو لا يحتاج إليه، هذا (٤) لا يسوغ أصلًا، ولكن التردد في معنى الحاجة، كما تقدم. ثم يجب تصديق الأب فيه؛ فإنه لا يُعرف تحقق الحاجة إلا من جهته، ولا يليق بمنصبه أن يُحلّف؛ فرجع حاصل الكلام إلى التردد في خوف العنت، والقطع بتصديق الأب، إذا أخبر عن نفسه.
ثم إن كان الأب لا يحتاج إلى النفقة، وكان معه بلاغ على قدر النفقة من غير فضل، وكان يحتاج إلى الإعفاف؛ ففي كلام الأصحاب تردد ظاهر في ذلك.
_________________
(١) ذكر النووي هذه الطرق، ولم يرجح أيًّا منها ولا من وجوهها (ر. الروضة: ٧/ ٢١٤).
(٢) في الأصل: مع.
(٣) في النسختين: ظنٌّ في الوقوع.
(٤) ت ٣: وهذا.
[ ١٢ / ٢٠٩ ]
قال قائلون: لا يستحق الإعفاف إذا كان لا يستحق النفقة، والقياس عندنا أنه يستحق الإعفاف إذا احتاج إليه، وكانت يده لا تصل إلى ما يكفيه في ذلك؛ فإن المتبع هو الحاجة، وليس هذا كالفِطرة؛ فإن النفقة إذا سقطت، سقطت الفطرة، وإن كان لا يفضل من قوت القريب ما يخرجه فطرةً؛ والسبب فيه أن وجوب الفطرة لم يُنَط بحاجةٍ [واقعةٍ] (١) في الجبلّة، والإعفاف منوط (٢) بحاجة، فإذا وقعت؛ فلا أثر لسقوط النفقة ووجوبها، ولو سقط وجوب النفقة أيامًا، لاستغنى الأب عنه لسقوط شهوته، وكان يحتاج إلى الإعفاف، فلا يجوز أن يكون هاهنا في وجوب الإعفاف خلاف.
وقد اشتمل ما ذكرناه على أصل إيجاب الإعفاف، وعلى من يستحق ذلك، وعلى من يستحق عليه، وعلى الحالات المرعية في ذلك.
٨٠١١ - واتفق أصحابنا على أن الجد -أبا الأب- يستحق من الإعفاف ما يستحقه الأب، وكذلك الجد أب الأم، وليس ذلك كتردد الأصحاب في أن الرجوع في الهبة هل يختص بأبِ الدِّنية؟ وذلك أن الرجوع في الهبة لا يجري فيه معنىً أصلًا، وإنما ورد الرجوع في الخبر في حق الأب؛ فأما الإعفاف؛ فتَدْاورُه على المعنى وسد الحاجة، فهو يجري مجرى النفقة في جهتها.
ولو اجتمع أب وجد، وكان ذاتُ يد الابن لا تفي إلا بإعفاف أحدهما، فالأب مقدم.
ولو كان في المسألة أب أب، وأب أم؛ فقد قطع العراقيون ومعظم المراوزة بتقديم أب الأب؛ فإنه مع أب الأم مستويان في القرب، وأب الأب يختص بمزيد القوة في جهة قرابته.
وذكر الشيخ أبو علي في ذلك وجهين: أحدهما - ما ذكره الأصحاب.
والثاني - أنهم سواء، نظرًا إلى القرب المحض، وهذا بعيد، لم أره إلا له.
_________________
(١) في النسختين: واقفة.
(٢) في النسختين: منوطة.
[ ١٢ / ٢١٠ ]
نعم، قال العراقيون: إذا اجتمع أب أب الأب، وأب أم؛ ففي أحدهما قوة وبُعد، وفي الثاني ضعف وقرب، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن القرب أولى.
والثاني - أن القرب ومزيد القوة يعتدلان، ومقتضى ذلك الاستواء؛ وكان ينقدح تقديم الأقوى، كما أنا في قول - نقدّم ابن الأخ (١) في عصوبة الولاء على الجد. من جهة اعتقادنا أن الإدلاء بطريق البنوة أقوى في استفادة العصوبة.
ثم حيث نحكم بالاستواء، فمؤنة الإعفاف لا يمكن قسمتها على الرجلين؛ فإنا لو فعلنا ذلك، لم ينتفع واحد منهما بما يخصه، ولم يتبلغ به إلى غرضه في الإعفاف؛ فلا وجه إلا تخصيص أحدهما.
وما طريق التخصيص، وهما مستويان؟
بعض أصحابنا أشار إلى القرعة، وذكر الشيخ أبو علي أن القاضي يجتهد، فيقدم من يرى منهما، والوجه فيه: أنهما إذا ادعيا الحاجة، فمن رأى ردَّ الأمر إلى الحاكم، قال: الحاكم ينظر في صفاتهما، وما يغلب على الظن من ظهور الحاجة من أحدهما، ثم يُقدم على هذا الوجه من يراه أولى. ولا شك أن الحاكم لا يحكم، فإن استوى الأمران عنده، فلا يتجه حينئذ -مع التنافس والظن الغالب في الاستواء- إلا القرعة.
وحاصل المذهب في هذا الطرف خلافٌ في أن القرعة هي المحكّمة إذا استويا في دعوى الحاجة، أم نظر السلطان؟ فإن حكّمنا القرعة، لم نرفع الأمر إلى السلطان، (٢ وإن لم نُحكّم القرعة، رفعنا الأمر إلى السلطان ٢)، فإن اجتهد، اتبعنا اجتهاده، وإن استويا في ظنه، فلا رجوع إلا إلى القرعة. وهذا بمثابة ما لو ازدحم رجلان إلى فوّهة معدن، وكان يعسر قسمة الحاصل فيه، وليس أحدهما بأن يخصص به أولى من الثاني، والحاجة ماسة في الحال، فقد نقول: يقرع بينهما، كما مضى.
٨٠١٢ - ثم يجب على الابن أن يعف أباه بما حصل به الغرض، فلو زوّجه عجوزًا
_________________
(١) ت ٣: نقدم الأخ. وهما صحيحتان معًا، (راجع ما سلف في ترتيب الأولياء).
(٢) ما بين القوسين سقط من (ت ٣).
[ ١٢ / ٢١١ ]
لا تشتهى، أو امرأة [شوهاء] (١) فلا يسقط الفرض بذلك، كما إذا جاء في النفقات بطعام فاسد لا ينساغ ولا يسد مسدًا، والرجوع في ذلك إلى ما يعدّ في [العرف] (٢) سِدادًا وكفاء.
ثم الابن لو أراد أن يشتري لأبيه جارية حتى يتسراها؛ جاز، ويسقط بذلك فرض الإعفاف، ولو زوّج منه حرة كتابية، فيها مستمتع، جاز.
ولو أراد أن يزوّج منه أمة، فهل يجوز ذلك؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - لا يجوز؛ فإن الأب مستغنٍ بمال ابنه في باب الإعفاف. فإذا كان نكاح الحرة ممكنًا من مال ابنه، وجب ألا يجوز للأب نكاح الأمة، كما لو كان في ملكه طَوْل حرة؛ فإنه لا ينكح الأمة، ومالُه بمثابة مال ابنه في هذا الأصل.
ومن أصحابنا من قال: للأب أن ينكح أمة من مال ابنه، وللابن أن يكتفي بهذا القدر في حق أبيه. ووجه ذلك: أن هذا النكاح موقوف على الحاجة، فينبغي ألا يجب على الابن إلا أقل ما يسد به الحاجة، على ما سيأتي ذلك مشروحًا بعد ذلك، إن شاء الله ﷿.
٨٠١٣ - ولو كان الأب مطلاقًا؛ فإذا تكرر ذلك منه مرارًا، بحيث يُعدّ مطلاقًا عرفًا؛ فنقول في ذلك: إن أعف أباه بزوجة في ذلك، فماتت، فالذي ذهب إليه المراوزة أنه يجب على الابن أن يعفّه مرة أخرى.
وذكر العراقيون هذا ووجها آخر معه، وهو: أنه لا يجب الإعفاف إلا مرة واحدة في العمر، فإن اتفق موت الزوجة، لم نَعُدْ إلى إلزام الابن إعفافًا مرة أخرى؛ فإن ذلك وظيفة العمر وطريحته، وهو مما لا يتكرر مرارًا.
ولم يفرقوا في ذكر هذا الوجه بين أن يتفق إلمام الأب بها وبين ألا يتفق.
وهذا الوجه لا أصل له؛ من قِبل أن وجوب الإعفاف يستند إلى اعتبار حاجة
_________________
(١) في النسختين: بنوها. والمثبت تقدير من المحقق.
(٢) في النسختين: القرب.
[ ١٢ / ٢١٢ ]
الأب. فإذا ماتت الزوجة [وقامت] (١)، فيتعين على الابن كفايتها (٢).
ولو سلّم النفقة إلى من يجب عليه الإنفاق عليه، فتلف ذلك الطعام في يده، فعلى المنفق أن يبذل ما فيه الكفاية مرة أخرى، فبان أن الذي عليه التعويل؛ تكرير إيجاب الإعفاف إذا ماتت الزوجة، ثم لا موقف ينتهي إليه، ويقف كلامنا عليه، حتى لو فرض الإعفاف مرارًا وكان الغرض يفوت؛ فيتجدد الأمر بتكرير الإعفاف إذا دامت الحاجة إليه.
٨٠١٤ - ولو طلّق الزوج زوجته؛ فهل يجب على ابنه أن يُعفّه بأخرى؟ فإن قلنا: لا يتكرر الإعفاف إذا ماتت الزوجة، فلا شك أنه لا يتكرر إذا بانت بالطلاق.
وإن قلنا: يتكرر الإعفاف [إذا] (٣) انتهى النكاح بموت الزوجة؛ ففي الطلاق وجهان: أحدهما - أنه يجب، تعلّقًا بالحاجة.
والثاني - لا يجب؛ فإن الأب قصد قطع النكاح.
وقال علماؤنا: لو فسخ الأب النكاح، بمعنىً يوجب الفسخ؛ فهذا بمثابة ما لو ماتت الزوجة، ولو طلّق لغرضٍ صحيح، مثل أن يبدو له منها ما يريبه، ففي هذا ترددٌ: منهم من ألحقه بالفسخ بما يوجبه، ومنهم من خرّج هذا على الخلاف.
ثم لم يختلف أصحابنا في الطرق أن الطلاق إذا تكرر منه، بحيث انتسب عرفًا إلى كونه مَلولًا مِطلاقًا، فلا يلتزم الإبدال.
وهذا ليس خاليًا عن احتمال، تخريجًا على ما لو سلّم النفقة إليه، فأتلفها، ثم كرّر التسليم مرة أخرى؛ فإنا قد نقول: يجب تكرير الإنفاق، على ما سيأتي ذلك في النفقات، إن شاء الله تعالى، وهذا احتمال، والمذهب المبتوت ما قدمناه.
_________________
(١) مكان بياضٍ بالأصل. ثم إن الضمير في قوله: "وقامت" يعود على الحاجة. وبهذا المعنى جاءت (صفوة المذهب).
(٢) الصحيح وجوب تكرار الإعفاف إذا ماتت الزوجة، كما قال الإمام. (ر. الروضة: ٧/ ٢١٧).
(٣) في النسختين: فإذا.
[ ١٢ / ٢١٣ ]
٨٠١٥ - ثم ما أوجبناه على الابن، فهو مهر زوجة، إن أراد الإعفاف بهذه الجهة، ثم إنه يلتزم مؤنة النكاح في مستقبل الزمان: وله الخيار؛ إن شاء سلّم الصداق إلى الأب، حتى يتزوج، وإن شاء سلّطه على التزويج، ثم ساق الصداق بعد النكاح.
وإن أراد أن يملّكه جارية، حتى يتسرى بها، فله ذلك، وليس إلى الأب تعيين إحدى الجهتين.
ولو عيّن الأب زوجة رفيعة المهر؛ كان للابن ألا يرضى بذلك، ولا يبذل إلا مهر امرأة فيها كفاف وإعفاف، ثم إذا بان المقدار الذي يبذله؛ فلا خيار إلى الابن في تعيين زوجة، بل يتخير الأب زوجة، والمرعي فيما (١) يبذله الابن مقدارًا (٢) لائقًا بالاقتصاد. فهذا إتمام المراد في ذلك.
٨٠١٦ - ولم يختلف علماؤنا في أنه لا يجب على الأب أن يُعفّ ابنه.
وأما إعفافُ الأم (٣)، فليس يتصور؛ إذ لا مؤونة عليها ابتداء ودوامًا (٤)، حتى يجب على الابن بذلها.
وقد ذكرنا معنى وجوب الإعفاف.
٨٠١٧ - فإذا انتجز ذلك، عدنا بعده إلى حكمٍ مقصود، مترتب على ما قدمناه، وهو: القول في أن الأب، هل يجوز له أن ينكح أمة ابنه؟ وقد اختلف طرق أصحابنا في ذلك: فذهب بعضهم إلى أنه لا يحل له نكاحها، وعلّل بأن قال: مِنْ شَرْط نكاح الأمة، العجزُ عن طَوْل الحرة، فإذا كان الابن قادرًا على أن يُعفّ أباه بحرة، وجب عليه [ذلك] (٥)، وإذا تعيّن الإعفاف بحرّة، لم يحلّ نكاح الأمة، وهذا خرّجه هذا
_________________
(١) ت ٣: فيها.
(٢) كذا بالنصب، على تقدير أن يكون مقدارًا لائقًا.
(٣) ت ٣: الإمام.
(٤) ت ٣: ولا دوامًا.
(٥) زيادة من (ت ٣).
[ ١٢ / ٢١٤ ]
القائل على أحد الوجهين، في أن الإعفاف بالأمة لا يجوز من الابن القادر على الإعفاف بالحرّة.
فإن قلنا: يجوز للابن أن يُعفّ أباه بأمةٍ، أو كان يملك الابن جارية مستغرقة بخدمته، وكانت ذاتُ يده لا تتسع لطَوْل حرة، فسقط اعتبار هذا المجنى، فهل يجوز -والحالة هذه- للأب أن ينكح تلك الأمة؟ فعلى وجهين مبنيين على أن جارية الابن، هل تصير أم ولد إذا وطئها، وعلقت منه بمولود؟ فإن حكمنا بأن الاستيلاد يثبت - وهو ظاهر المذهب، لم يجز للأب أن ينكح أمة ابنه.
وإن قلنا: لا يثبت الاستيلاد، فله أن ينكح أمة ابنه.
٨٠١٨ - ولو (١) كان الأب عبدًا، فأراد أن يتزوج بإذن مولاه بأمةٍ لابنه الموسر أو المعسر، يصح ذلك منه على الطرق كلها؛ فإن نكاح الأمة للعبد جائزٌ، كيف فرض الأمر، وليس في هذا النكاح -إذا جوزناه- توقع الاستيلاد؛ فإن العبد لا يثبت في حقه استيلادٌ أصلًا؛ من جهة أنه لا يثبت له ملك، ومن ضرورة الحكم بالاستيلاد، انتقال الملك في الرقبة.
ولا يتفرع ثبوت الاستيلاد في مثل هذه الصورة على القول القديم -في أن العبد يملك بالتمليك؛ فإن ذلك فيه إذا ملّكه مولاه شيئًا، فقد نقول: إنه يملكه- على ما سنوضح ذلك في شراء العبد -إن شاء الله ﷿- على إثر هذا الفصل.
٨٠١٩ - ومن أسرار هذا الفصل أن الأب إذا تزوج بجارية الأجنبي -عند جواز ذلك- ووقع الحكم بانعقاد النكاح، ثم إن الابن ملك تلك الجارية، فقد قال الأئمة في الطرق: طريان الملك للابن على زوجة أبيه لا يوجب انقطاع النكاح، وإن كنا نمنعه من ابتداء نكاح أمة الابن، وذاك أنا بنينا [منع] (٢) النكاح على أحد أصلين، المنع من نكاح الأمة عند التمكن من طَوْل الحُرة، وقد وقع النكاح في أمة الأجنبي، مفروضًا
_________________
(١) ت ٣: وهو.
(٢) في النسختين: مع.
[ ١٢ / ٢١٥ ]
على موافقة شرط الشرع، فما يطرأ في الأثناء، فلا حكم له، كما سيأتي شرح ذلك في نكاح الإماء، إن شاء الله ﷿.
ومما اعتبرناه في نكاح أمة (١) الابن ما للأب من الحق في مال الابن، وليس هذا الحكم بإثبات حقيقة الملك للأب في جارية الابن، وإنما القاطع للنكاح طريان ملك حقيقي للزوج على زوجته، وهذا بمثابة حُكمنا بأن زوج المرأة لو كان مكاتَبًا لموروثها، فمات الموروث، وورثته؛ فينقطع النكاح؛ لأنها ملكت رقبة زوجها إرثًا، فلما كان ذاك حقيقة الملك، قطع طارئُه النكاح، وليس الأمر كذلك في حق الأب إذا طرأ ملكُ ابنه على زوجته.
٨٠٢٠ - ثم السرّ الذي وعدناه في ذلك أن الشيخ أبا علي قال: إذا طرأ ملك الابن على ما فرضناه، وحكمنا ببقاء النكاح، فلو علقت بمولود عن الأب، في النكاح الذي حكمنا بدوامه، وذلك بعد ثبوت الملك للابن عليها - قال: لا تصير أم ولد للأب، وإن فرّعنا على أن الأب إذا استولد جارية ابنه ابتداء، أنها تصير أم ولد له، واعتل بأن قال: الوطء في النكاح ليس مما يوجب الاستيلاد، وإذا نكح الأجنبي جارية الغير وأولدها، لم نحكم بحرية الولد، والاستيلادُ تبعٌ للحكم بحرية الولد أولًا، هذا ما ذكره.
وكان شيخي يقطع بأن الأب إذا أولد زوجته بعد ما ملكها [الابن] (٢)؛ تصير أم ولد له. وهذا الذي ذكره قد يظهر؛ فإنا إذا منعنا الأب من التزوج بجارية الابن، وبنينا على أنها عرضة لأمية ولده، والنكاح قد يقصد به ابتغاء الولد، وطلب النسل؛ فيؤدي تجويز النكاح إلى إفضائه بمقصوده إلى ما يتضمن دفعه؛ فهذا وجه التعويل في منع نكاح أمة الابن، بناء على مصيرها أم ولد.
ولو صح ما ذكره الشيخ أبو علي، لبطل اعتماد هذا المعنى، ولقيل: لا يثبت الاستيلاد في النكاح، ولا يمتنع بسببه على الأب نكاح أمة الابن، وكان يرجع القول
_________________
(١) ت ٣: الأمة للابن.
(٢) في الأصل: للابن.
[ ١٢ / ٢١٦ ]
في منع نكاح جارية الابن إلى الوجهين؛ في أنه هل يجب على الابن إعفاف أبيه بحرة، أم له أن يعفه بنكاح أمة؟ وهذا التردد إنما يجري عند يسار الابن، واقتداره على أن يُعف بالحرة، فإن لم يقتدر على ذلك؛ وجب القطع بجواز إعفافه بنكاح أمة.
ثم يجب في هذه الصورة القطع بأن للأب أن ينكح أمة ابنه. هذا التفريع لا بد منه، وفي كلام الشيخ أبي علي التزام هذا. وهو بعيد عن مذهبنا - إذا فرّعنا على أن جارية الابن تصير أم ولد للأب (١) إذا حبلت منه في النكاح، فهذا كنا نعرفه مذهبًا لأبي حنيفة (٢)، أو لبعض أصحابه.
فإذا تمهد المراد في ذلك، وبان من مذهب شيخنا وغيره أن النكاح لا يمنع نفوذ الاستيلاد، فلو طرأ ملك الابن على زوجة الأب -فنقول (٣): لو علقت منه بمولود، صارت أم ولد؛ ثم يترتب عليه انفساخ النكاح إذا وقع؛ فعلى هذا، لو قيل لنا: هلا حكمتم بانقطاع النكاح- لمصيره إلى المعنى المحذور، وهو تعرض النكاح للزوال بما هو من مقاصده، وهذا قد اعتمدناه في منع ابتداء النكاح؟ قلنا: الذي رأيناه للأصحاب: أن دوام النكاح لا ينقطع؛ فإن الملك الطارىء ليس [للزوج] (٤)، ولا يبعد الفرق بين الدوام والابتداء.
وسمعت شيخي -في مسألة ميراث الزوجة وملكها رقبةَ زوجها المكاتَب- يقول -وقد أُلزم طريان ملك الابن على زوجة الأب- فقال: قد أقول بانفساخ النكاح.
وقد رأيت هذا لبعض أئمة الخلاف، ولست أعده من المذهب؛ فإني لم أره لموثوق به في نقل المذهب، ولم يذكره شيخنا في سياق المذهب، ولعل ما ذكره كان جريانًا منه على طريقة الخلافيين.
٨٠٢١ - ويتصل بهذا المنتهى، القول في نكاح أمة المكاتِب. فنقول أولًا: إذا
_________________
(١) في الأصل: أم ولد له.
(٢) ر. طريقة الخلاف للأسمندي: ٥٥ مسألة: ٢٣، إيثار الإنصاف: ١٠٩، فتح القدير: ٣/ ٤٠٧.
(٣) ت ٣: فسنقول.
(٤) في النسختين: للمزوج.
[ ١٢ / ٢١٧ ]
وطىء سيد المكاتَب جارية المكاتَب، وعلقت منه بمولود، فإنها تصير أم ولد للسيد - لما له فيها من حق الملك.
وعندي أن هذا أجراه الأصحاب على ظاهر المذهب في أن جارية الابن تصير مستولدة الأب، فإن قلنا: لا تصير مستولدة له، فليس يبعد أن نقول: يبقى الاستيلاد في جاربة المكاتب.
وقد رأيت للشيخ أبي علي رمزًا إلى ذلك؛ فإن جارية المكاتب ملك المكاتب، [وإن] (١) كان في ملكه بعض الضعف، وهذا ليس نقلًا، فلا أعتمده.
فإذا تبين أن الاستيلاد يثبت؛ فلو كان نكح السيد جاريةً، فملكها مكاتَبُه؛ ففي انفساخ النكاح بطريان ملك المكاتَب وجهان. سنذكرهما في الكتابة، إن شاء الله ﷿، فلا يبعد تنزيل طريان ملك الابن على زوجة الأب هذه المنزلة، والله أعلم.
وقد انتجز الغرض في الفصل.
فصل
قال الشافعي: "قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُون﴾ [المؤمنون: ٥] إلى آخره" (٢).
٨٠٢٢ - غرض الفصل: الكلامُ في تسرّي العبد. وهذا يبتني على القول في أنه هل يملك العبدُ إذا ملّكه مولاه؟ وفيه قولان، تقدم ذكرهما.
فإن قلنا: إنه لا يملك، لم يُتصور منه التسري. وإن قلنا: إنه يملك إذا ملّكه المولى؛ فنفس تمليكه إياه جارية لا يسلّطه على وطئها، كما لا يسلّطه على سائر جهات التصرفات، فإن أذن له في التسرّي، فالذي عليه الجريان، وبه قطع الأئمة: أن له أن يتسرى بإذن مولاه، وقد روي أن ابن عمر (٣) كان يسرّي [عبيده] (٤) جواريَه.
_________________
(١) في النسختين: فإن.
(٢) ر. المختصر: ٣/ ٢٧٥.
(٣) أثر ابن عمر رواه ابن أبي شيبة: ٤/ ١٧٤.
(٤) في الأصل: عبده.
[ ١٢ / ٢١٨ ]
وكان شيخي يحكي عن الأستاذ أبي إسحاق أن العبد لا يتسرى، وإن أذن له مولاه؛ لضعف ملكه، وتعرضه للانتزاع [والوطء] (١) يستدعي ملكًا قويًا، واحتج على ذلك بما روي عن ابن عمر أنه قال: لا يطأ الرجل إلا وليدة، إن شاء باعها، وإن شاء وهبها، وإن شاء صنع بها ما شاء. والعبد المملّك لا يملك البيع والهبة، وقد حمل أصحابنا هذا -من قول ابن عمر- على النهي عن الوطء في زمان الخيار؛ فإنه لم يتعرض في قوله هذا للعبد، ولم يجر ذكره.
ثم إذا جوّزنا للعبد أن يتسرى بإذن المولى، فلو علقت منه بمولود؛ لم يثبت الاستيلاد؛ فإن حرية الولد غير متوقعة، والاستيلاد [يتبع] (٢) حرية الولد، إذا صادف ملكًا أو حقَّ ملك؛ فولده إذن قن، والجارية عرضة الاسترداد، وإنما يثبت حق العبد على اللزوم في النكاح -إذا صح له- بإذن المولى.
٨٠٢٣ - ثم قال الشافعي: نكاح الزانية جائز على كراهة.
مذهبنا: أن نكاح الزانية صحيح، ولكنا نكره ذلك، ولا خفاء بوجه الكراهية.
وعن الحسن أن نكاح الزانية باطل، وقد تعلق بقوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَان﴾ [النور: ٣]، وقد قيل: الآية منسوخة، وقيل: أراد بالنكاح الوطء من غير حل، وقيل: أراد (٣) الزجر عن اقترابهن، وقد تجري في الزجر مبالغات. فإن كان المراد به الكراهية، فالزنا (٤) لا يوجب العدة على المزنيّ بها.
والحامل من الزنا يحل نكاحها؛ فإن الحمل من الزنا لا حرمة له.
وإذا صححنا النكاح وهي حامل، فقد اشتهر خلاف الأصحاب في أنه هل يحل وطؤها في زمان الحمل؟ فذكر ابن الحداد أنه لا يحل وطؤها ما دامت حاملًا.
والأصح أنه لا يحرم، ولفظ الشافعي دال على نفي التحريم؛ فإنه قال: "وأُحب
_________________
(١) في الأصل: والملك.
(٢) في النسختين: تبع.
(٣) ت ٣: المراد.
(٤) في النسختين: الزنا (بدون الفاء).
[ ١٢ / ٢١٩ ]
أن يمسك عنها حتى تضع" (١). وليس لتحريم القِربان وجهٌ أصلًا، مع الحكم بانعقاد النكاح، وقد ظهر أن ماء الزاني لا حرمة له، والكراهية: يدل [عليها] (٢) ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تسقِ بمائك زرع غيرك" (٣). وقد حمل أصحابنا هذا على ما ذكرناه.
٨٠٢٤ - ثم عقد الشافعي بابًا (٤) في نكاح العبد وطلاقه. وذكر فيه أنه ينكح اثنتين، ويملك طلقتين، وقد تقدم النكاح، وسيأتي الطلاق، إن شاء الله تعالى، وأجرى في الباب نكاح العبد بغير إذن السيد، وقد أشبعنا القول فيه بما يغني عن الإعادة.
_________________
(١) ر. المختصر: ٣/ ٢٧٦.
(٢) في النسختين: عليه.
(٣) حديث: "لا تسق بمائك زرع غيرك" رواه أحمد: ٤/ ١٠٨، ١٠٩، وأبو داود: النكاح، باب في وطء السبايا: ٢/ ٢٤٨ ح ٢١٥٨، والترمذي: النكاح، باب ما جاء في الرجل يشتري الجارية وهي حامل: ٣/ ٤٣٧ ح ١١٣١، وقال: حسن، وابن حبان: ٧/ ١٦٩ ح ٤٨٣٠، كلهم عن رويفع بن ثابت، ورواه الحاكم: ٢/ ٥٦، ١٣٧، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال في البدر المنير: هذا حديث صحيح، وانظر (تلخيص الحبير: ٣/ ٤٦٤ ح ١٨٠٠).
(٤) ر. المختصر: ٣/ ٢٧٧.
[ ١٢ / ٢٢٠ ]