٨٢٠٩ - نكاح الشغار باطل، وهو أن يزوج الرجل ابنته من رجل على أن يزوجه ذلك الرجل ابنته، وبُضع كل واحدة منهما صداقُ الأخرى. هذه صيغة نكاح الشغار.
وقد صح أن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح الشغار، وراوي الحديث ابن عمر: روى أن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح الشغار، وهو أن يقول الرجل: "زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، ويكون بضع كل واحدة منهما صداقًا للأخرى" (١). فيجوز أن يكون هذا تفسيرًا عن ابن عمر، ويجوز أن يكون هذا منقولًا عن رسول الله ﷺ (٢).
والشغار من قولهم: شغر الإقليم عن الوالي، إذا خلا عنه، وقيل: هو من قولهم شغر الكلب، إذا رفع إحدى رجليه ليبول، فمن أخذه من المأخذ الأول سمى النكاح شغارًا لخلوه عن المهر، ومن أخذه من المأخذ الثاني، فمعنى الشغار عنده أن المزوج يقول: لا ترفع رجل ابنتي مستمتعًا بها إلا وأرفع رجل ابنتك.
وهذا الضرب باب من أبواب أنكحة العرب، وهو من الأنحاء التي ذكرتها عائشة، وقالت: كان النكاح في الجاهلية (٣) على أربع أنحاء، والعرب لها أنفة وغيرة وحمية جاهلية، وهي التي حملتها على الوأد، وكانوا إذا زوّجوا لم يرضوا أن يزوجوا ما لم يتزوجوا.
فإذا تبين الخبر، ومعناه التصوير على الجملة، فإنا نذكر بعد ذلك الترتيبَ
_________________
(١) حديث النهي عن نكاح الشغار. متفق عليه من حديث ابن عمر. رواه البخاري: كتاب النكاح، باب الشغار، ح ٥١١٢، ورواه مسلم: كتاب النكاح، باب تحريم الشغار وبطلانه، ح ١٤١٥، (وانظر تلخيص الحبير: ٣/ ٣١٨ ح ١٦٠٢).
(٢) هذا التردد في تفسير الشغار مأخوذٌ من قول الشافعي: "لا أدري تفسير الشغار: في الحديث، أو من ابن عمر، أو نافع، أو مالك" الأم: ٥/ ٦٨.
(٣) سبق تخريج حديث عائشة.
[ ١٢ / ٣٩٦ ]
المشهورَ في المذهب [و] (١) غيرَه، بذكر طريقة مأثورة عن القفال.
٨٢١٠ - فأما الطريقة المعروفة، فقد قال الأصحاب: إذا قال: زوّجتك ابنتي هذه على أن تزوّجني أختك -ولا اختصاص بصنف- والغرض مقابلة تزويج بتزويج، فإذا اجتمع شرطُ التزويج في التزويج، وتخليةُ العقد عن الصداق؛ [والتصريح] (٢) بجعل البضع صداقًا، فهذه صورة القطع بالفساد عند جماهير الأصحاب، ولا معتمد عندنا من طريق المعنى، والتعويل على الخبر مع الاتفاق على أن النواهي في هذه الأبواب محمولة على الفساد.
ولو رددنا إلى المعنى، لما أدركنا فساد النكاح الذي صورناه. فإنا إن نظرنا إلى الخلو عن المهر، لم نجد ذلك مفسدًا للنكاح، وإن نظرنا إلى شرط عقد في عقد، لم نجد ذلك مفسدًا للنكاح أيضًا؛ فإنه لو قال: زوجتك ابنتي هذه على أن تبيعني دارك؛ صح النكاح، وسنوضح أن أمثال هذه الشرائط لا تؤثر في إفساد النكاح، إن شاء الله تعالى.
وأما قول المزوج: على أن يكون بضع كل واحدة صداقًا للأخرى، مع تمسك الأصحاب بأن هذا تشريك في البضع، فليس فيه ما يوجب إفساد النكاح؛ فإن التشريك على حكم الزوجية في البضع هو المستند، وليس المذكور في هذا النكاح تشريكًا في الزوجية، وإنما هو إضافة البضع من طريق العوضية والتمليك إلى شخص، فقد بطل هذا من طريق المعنى.
وقد قال الأصحاب: إذا تزوجت الحرة عبدًا، وشُرط في النكاح أن تكون رقبة الزوج صداقًا لها، فالنكاح يفسد لفساد الصداق في هذه الصورة؛ فإن مقتضى التسمية أن يكون الزوج مملوكًا لزوجته، وهذا محال. وإذا اشترت الحرةُ زوجَها أو ملكته بجهة أخرى، اقتضى ذلك انفساخ النكاح؛ فإذا شُرط جعل الزوج صداقًا، [فسد] (٣) النكاح، وهذه مسألة لم أسمع فيها خلافًا، وكان يمكن من طريق الاحتمال أن يقال:
_________________
(١) الواو زيادة اقتضاها السياق. ومعنى "وغيره": أي الترتيب غير المشهور الذي ذكره القفال.
(٢) في الأصل: فالتصريح.
(٣) في الأصل: فافسد.
[ ١٢ / ٣٩٧ ]
النكاح يصح والتسمية تفسد، ولكن لم يسمح بهذا أحد من الأصحاب في مبلغ بحثي، ولعلي أعود إلى هذه المسألة في بقية النكاح، أو كتاب الصداق.
٨٢١١ - فإذا تبين أن فساد نكاح الشغار ليس مأخوذًا من جهة المعنى، وإنما التعويل فيه على الخبر، فنعود بعد ذلك إلى ترتيب المذهب. فإذا قال: "زوجتك ابنتي هذه على أن تزوجني ابنتك"، فقد اختلف أصحابنا في هذه الصورة، فذهب الأكثرون إلى الصحة؛ من جهة أنه لم يقل: وبضع كل واحدة صداق الأخرى.
ومن أصحابنا من حكم بالإفساد، غير معوِّل على المعنى، ولكن في بعض الروايات أن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح الشغار، وهو أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه صاحبُه ابنته، فَرُوي هذا القدر من غير مزيد.
ولو قال: زوجتك ابنتي هذه بألف على أن تزوجني ابنتك، فالنكاح يصح في هذه الصورة، لا لجريان ذكر المهر، ولكن لم يرد تفسير الشغار بهذه الصورة على هذا النحو، واشتمال النكاح على المهر يخرجه عن معنى الشغار إذا أخذ من الخلوّ، فليكن التردد على اللفظ ومعناه، وما جاء في تفسيره، ولن يفلح من يتلقى تفاصيل هذه المسائل من طرق المعنى.
ولو قال: زوجتك ابنتي هذه بألف على أن تزوجني ابنتك وبضع كل واحدة صداقُ الأخرى، ففي صحة النكاح على هذه الصيغة وجهان: أحدهما - الصحة لاشتمال النكاح على المهر وخروجه من معنى الشغار.
والوجه الثاني - إنه لا يصح لما في اللفظ من الاشتراك في البضع، وهذا من هذا القائل مشعر [بالتحويم] (١) على معنى [الاشتراك] (٢)، وهو باطل لا يصلح للتعويل، كما قدمت ذكره.
فالخارج إذن من هذه المسائل أن النكاح إذا خلا عن ذكر المهر، واشتمل على
_________________
(١) في الأصل: بالتحريم.
(٢) في الأصل: الإشراك.
[ ١٢ / ٣٩٨ ]
مقابلة النكاح بالنكاح، وجعل البضع صداقًا، فالقطع [بالفساد] (١)، وإن شُرط نكاح في نكاح وعَرِي عن المهر، فوجهان، وإن ذُكر مهرٌ وجعل البضع صداقًا، فوجهان.
هذا هو الترتيب المعروف بين الأصحاب.
٨٢١٢ - وحكى أصحاب القفال عنه مسلكًا آخر في الباب، وهو أن نكاح الشغار إنما يبطل من جهة تعليق انعقاد النكاح الأول بعقد الثاني، فيقول المزوّج: زوجتك ابنتي هذه إن زوجتني ابنتك، فتعلق انعقاد النكاح الذي ينشئه بالعقد الذي يشترطه، وكانت العرب تفعل ذلك لما نبهنا عليه من أنفتها وغيرتها، وكانت لا تعقد على الجزم عقدًا، بل كانت تعلّق، فجاء فساد النكاح من جهة التعليق؛ فإن جرى التعليق، فسد النكاح، وإن لم يجر، لم يفسد النكاح بالتخلية عن المهر، ولا بجعل البضع صداقًا.
وهذه الطريقة منقاسة حسنة، وليست بعيدة عما نقله الأثبات من عاداتِ الجاهلية. ثم إن كانوا وضعوا لمعنى التعليق لفظًا يقيمون منه هذا الغرض، فاللغة لغتهم، ومن استعمل ذلك اللفظ ولم يفهم المراد منه، فالقول في إطلاق اللفظ من غير فهم معناه يأتي في مسائل الطلاق، إن شاء الله ﷿. وقد نجز غرض الباب.
وأحسن الطرق في المعنى طريقة القفال، ولكن لم أرها لغيره من أئمة الأصحاب، ولم ينقلها عن القفال شيخنا.
_________________
(١) في الأصل: بالصحة.
[ ١٢ / ٣٩٩ ]