٨٦٦٩ - للمطيعة المنقادة النفقةُ والقَسْمُ على زوجها. والناشزة هي الممتنعة من التمكين، والأصل في الباب قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]. وقد ذكر الشافعي [للآية] (١) تأويلين: أحدهما - أنَّ هذه الخصال مرتبة على أحوالٍ تصدر منها، فإن خاف الزوج نشوزَها، ولم يبدُ بعدُ عينُ النشوز، بل بدت أماراته، [فيعظها] (٢) حينئذٍ.
فإن لم تتعظ وأبدت النشوز، هجرها في المضجع، فإن أصرت وتمادت ولم تحتفل بالهجر في المضجع، ضرَبَها، واقتصد، عالمًا بأنه لو أفضى الضربُ إلى الهلاك، أو إلى فساد عضو، ضمن.
وقد يرد لفظُ الجمع والمراد به ذكْرُ المراتب، والتخييرُ فيها على حسب وقوعها، قال الله تعالى في آية المحاربة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، فاللفظ للتخيير، والمراد به الترتيب على قدر الجرائم، هذا أحد التأويلين.
والثاني - أن [يحصر] (٣) معنى الآية فيما بعد وقوع النشوز، وعند ذلك يجمع بين الوعظ والهجر والضرب، فإذا أمكن حمل هذه الخصال على الجمع -وظاهر الصيغة مُشعرٌ بالجمع-، فالأولى أن يحمل على ذلك، فعلى هذا معنى قوله: تخافون، أي: تعلمون النشوز. وقد يرد الخوف والمراد به العلم.
_________________
(١) في الأصل: الأئمة.
(٢) في الأصل: فيعظلها.
(٣) في الأصل: يحضر.
[ ١٣ / ٢٧٣ ]
٨٦٧٠ - واختلفت الأخبارُ في ضرب النساء، فروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تضربوا إماء الله" (١) فجاء عمر وقال: "يا رسول الله [ذَئِر] (٢) النساء أي [نشزن] (٣) واجترأن، فأذِن في ضربهن، فبسط الرجال أيديهم إلى ضرب النساء، وجاوزوا الحد، فأطاف بآل محمد أي: بحُجَرِ نسائه وأهل بيته ﷺ نساءٌ كثيرات كلهن يشتكين أزواجهن، فخرج ﷺ وقال: لقد أطافَ الليلة بآل محمد سبعون امرأة كلُّهن يشتكين أزواجهن!! خيارُكم خيارُكم لنسائكم، لا يضربن أحدُكم ظعينتَهُ ضربه أَمَته" (٤).
ثم تكلم الشافعي في ترتيب الكتاب والسنة، فذكر وجهين: أحدهما - أنه يحتمل أن تكون الآية وردت بإباحة الضرب، ثم نهى الرسول ﷺ عنه تنزيهًا، ثم لمَّا استطالت النسوة [بأذاهن] (٥) على الأزواج أذنَ في ضربهن، فلما بالغوا، قال آخرًا: خياركم خياركم لنسائكم، واستحث على الصبر على أذاهن والإعراض عن مجازاتهن على شكاسة الأخلاق وشراستهن، وهذا [لعمري] (٦) هو الأصل.
_________________
(١) حديث " لا تضربوا إماء الله " رواه أبو داود: كتاب النكاح، باب في ضرب النساء، ح ٢١٤٦، والنسائي كتاب عشرة النساء، باب ضرب الرجل زوجته، ح ٩١٦٧، وابن ماجه: كتاب النكاح، باب ضرب النساء، ح ١٩٨٥، والحاكم: ٢/ ١٨٨، ١٩١، والبيهقي: ٧/ ٣٥٤، (وانظر تلخيص الحبير: ٣/ ٤١٣).
(٢) في الأصل: دَبُرَ. بهذا الرسم وهذا الضبط. وذئر النساء: من قولهم: ذئر يذأر ذأرًا: أنف وغضب، واستعد للمواثبة، فذئر النساء: أي نشزن على أزواجهن، وذئرت المرأة على بعلها: نثزت، فهي ذئر وذائر (المعجم).
(٣) في الأصل: خسرن. وأرها محرفة عن (نشزن).
(٤) هذا الحديث مع ما قبله: "لا تضربوا إماء الله" أخرجه البيهقي على نحو سياقة إمام الحرمين تمامًا إلا بعض ألفاظ، وفي آخره قول الرسول ﷺ: "وايم الله لا تجدون أولئك خياركم" مكان رواية الإمام: "خياركم خياركم لنسائكم، لا يضربن أحدكم ظعينته ضربه أمته" (ر. السنن الكبرى للبيهقي: ٧/ ٣٥٤).
(٥) في الأصل: "بذلتهن"، والمثبت اختيار منا على ضوء السياق، ويساعدنا على هذا الاختيار ورود الكلمة بعد ذلك بسطور.
(٦) غير مقروءة في الأصل.
[ ١٣ / ٢٧٤ ]
٨٦٧١ - فإذا تبيَّن أصل الباب، فَسِرُّه وأهمُّ ما فيه: تصوير النشوز، ونحن نذكر فيه ما يشفي الغليل -إن شاء الله ﷿-، ثم نذكر طرفًا من الكلام في ضربهن، ثم نذكر حكم النشوز.
٨٦٧٢ - فنقول أولًا: لسنا نشترط في النشوز أن تمتنع المرأةُ امتناعًا لا يدخل في إمكان الزوج ردُّها إلى الطاعة قهرًا، بل إذا نشزت وتمكن الزوج من ردها، فهي ناشزة، هذا طرف أطلقناه، ويعارضه أنها لو كانت تمتنع امتناعًا يمكن عده من فنون التدلل والمجاذبة لتكون أشهى، فليس هذا من النشوز، وليس من شرط طاعتها المبادرةُ التي تُخرج من [خَفَر] (١) الحياء إلى تشوُّف التوقان، فما المعتبر إذن في تصوير النشوز؟
فنقول: إن خرجت عن مسكنه، فهي ناشزة على تحقيق، وإن استمكن من ردها. وإن كانت معه، ولكن كانت تمتنع على الزوج امتناعًا يحوجه إلى تأديبها، فقد يتعرض الرجل بسبب امتناعها لضررٍ؛ بسبب تخلف قضاء النَّهْمة والشهوة، فهذا نشوز؛ فإنَّ النشوز ضدُّ الطاعة.
والطاعة معلومة في المنقادة على حسب العادة، وقد تختلف بالبكارة والثيابة، وعلو المنصب، والتوسط في الدرجة، وهذا على تصوير لزوم المرأة أُبهة الحياء، والامتناع هو الذي يلحق إضرارًا بالرجل بسبب تأخر الحاجة، أو يحوجه إلى أن ينتصب مؤدِّبًا، والنكاح للإيناس والاستئناس، والذي يحقق ذلك: أن الطاعة تمكينٌ منها، وهي تستفيد به تقرير حقها، فإذا احتاج الزوج في تحصيله إلى تضرر أو مقاساة [كُلفة] (٢)، فله أن يتركها حتى يضيع حقها.
٨٦٧٣ - والترتيب في ذلك أنها إذا خرجت من مسكن النكاح، فهي ناشزة كيف فرض الأمر، وإن لم تخرج وعُدّت مطيعةً، والزوج لا يحتاج في تحصيل الغرض منها إلى مقاساة كلفة، أو تعرض لضرر أو إقدام على ضرب؛ فهي مطيعة. وإن كان
_________________
(١) في الأصل: خفة.
(٢) في الأصل: كلفته.
[ ١٣ / ٢٧٥ ]
يحتاج إلى كُلفة أو ضرب أو تعرض لضرر، فهي ناشز.
ولو كانت تمكن من الوقاع، وتمنع مما عداه من جهات الاستمتاع، فكيف السبيل وهي ممكِّنةٌ من المقصود؟ فهذا نوع من النشوز، وأقرب أصلٍ إلى ذلك ما ذكرناه في الأَمَة، إذا كان السيد يسلمها ليلًا ولا يسلمها نهارًا، فذاك أولًا سائغ للسيد. ثم في وجوب النفقة خلاف، وما ذكرناه في الحرة غير سائغٍ لها، وهي مُمكَّنةٌ (١) من المقصود، ففي استقرار النفقة تردد، ولكنها مجبرة على ما يحاوله الزوج منها إذا كان لا يكلفها ما لا يسوغ.
فهذا قولنا في تصوير النشوز.
٨٦٧٤ - وليس من النشوز أن تبذو (٢) على زوجها، وتستطيل عليه سبًَّا وشتمًا، فإنها إذا كانت تُمكِّن مع ذلك، فالتمكين [جارٍ] (٣) ولا نشوز، وهي ممنوعة عن المسابّة مزجورة عنه، وإنْ أفضى الأمر إلى التعزير عُزِّرت، وفيه فضل نظر أذكره في فصل الضرب.
٨٦٧٥ - فأما القول في الضرب؛ فالأولى ألَاّ يضرب، وليس كالولي في حق الطفل [العرِم] (٤)، فإنَّا نؤثر له أن يؤدبه، والفرق أنَّ الولي يؤدبه لاستصلاحه، والزوج يؤدب زوجته لتصلح له، والضرب ليس فيه توقيف، والجبلَاّت تختلف باختلاف الأحوال في احتمال الضرب، فالأولى ألاّ يتعرض للضرب المفضي إلى الغرر لحظّ نفسه [ففيه] (٥) الحيدُ عن الصفح وحُسن المعاشرة.
_________________
(١) ممكَّنة: بفتح الكاف هنا، والمعنى أنّ الحرة ليس لديها مانع يسوّغ لها عدم تمكين الزوج من أي جهة من جهات الاستمتاع، بخلاف الأمة لا يسلمها السيد إلا ليلًا.
(٢) تبذو عليه: من قولهم: بذُو بذاةً وبذاءة، وبذَوْتُ عليهم وأبذيتهم، من البذاء وهو الكلام القبيح. (القاموس المحيط).
(٣) في الأصل: جازٍ (بالزاي).
(٤) العرم: من قولك عَرَم فلان يعرُم عَرْمًا: اشتدّ وخبث، وكان شريرًا (المعجم).
(٥) في الأصل: فيه.
[ ١٣ / ٢٧٦ ]
وإذا أراد الضربَ، ففي وقته تردد، ذكر العراقيون وجهين في أنَّ الزوج هل يُبادر الضرب بأول نشوز، أم لا يجوز له الضرب حتى يستمر أو يتكرر منها النشوز؟ [وتلقَّوْا] (١) ما حكَوْه من الاختلاف عن ظاهر القرآن؛ فإنَّه عز من قائل قدم ذكرَ الوعظ، ثم عقّبه بالهجر، ئم اختتم بالضرب، فنبّه سياقُ الخطاب على رعاية تدريج، ثم ظاهر كلامهم -[في] (٢) هذا إذا نصروا المنع من الهجوم على الضرب- يشير إلى أنَّ الضرب يقع في الثالثة، [فإنهم] (٣) لما نصروا الوجه الثاني رأَوْا هذه الخصال مجموعة كما (٤) ظهر النشوز.
٨٦٧٦ - وتحقيقُ القول في هذا يعطف الفقيه على النظر في حال من يقصد الإنسان في بدنه أو ماله، فإنَّ الدفْعَ يقع على التدريج، على ما سيأتي مشروحًا -إن شاء الله تعالى- حتى إذا كان الدفع ممكنًا بتهييبٍ وزجرٍ في المنطق، لم يجُز الانتهاء إلى الفعل، ثم الأفعال تترتب على أقدار الحاجة، والقول في ذلك متيسرٌ سنضبطه في موضعه، إن شاء الله ﷿.
ويجوز أن يقول القائل: المنع من النشوز يجري على ترتيبِ دفع الصائل في رعاية التدريج، [ونهايته] (٥) في أنَّ الصائل لا يُدْفع إلا بما يأتي عليه، فيجوز دفعه إلى ما يُفضي إلى هلاكه، وهذا المعنى لا يتحقق هاهنا، فانَّ [للتأديب] (٦) موقفًا من طريق التقريب، لا يُتعدّى، كما سنصفه، إن شاء الله تعالى.
ويجوز أن يقال: ليس ضربُ الناشزة في معنى الدفع، وإنما هو في معنى إصلاحها في مستقبل الزمان. وإذا كانت تنزجر في كل نوبة من النشوز، نقول: فقد تعتاد ذلك؛ فلا يمتنع أن يقال: إذا نشزت وظن الزوج أنَّ الوعظ يصلحها والهجرَ،
_________________
(١) في الأصل: وتلقَّوه.
(٢) في الأصل: وفي.
(٣) زيادة اقتضاها السياق.
(٤) كما: بمعنى عندما.
(٥) في الأصل: "ونياهته". هكذا بدون نقط (انظر صورتها).
(٦) في الأصل: التأديب.
[ ١٣ / ٢٧٧ ]
فيقتصر. وإن ظن أنها ستمرن (١) وسيفسد حقه منها، فيضربها لتصلح له في المستقبل، وهذا هو الحق لا غير، وعليه يجري تأديب الأب ابنه، غيرَ أن الأب يصلحه له، والزوج يصلحها لنفسه.
٨٦٧٧ - ثم المتبع في ذلك الظن، فإن ظهر للزوج سوء خلقها بنشوزٍ واحدٍ، ضربها، وإن قدر النشوز الواحد نادرة، لم يضربها، ويختلف هذا باختلاف الأحوال والأشخاص، ولا نطلب في ذلك يقينًا، ولا يجوز الإقدام على الضرب من غير ظن في أنَّ الاستصلاح يحصل به.
وإنْ أبت المرأةُ وتمادت؛ وكانت لا تنكفّ [إلا] (٢) بالضرب المبرِّح، فليس للزوج أن يبرِّح بها، وينتهي إلى حالة توقع الخوفَ عليها؛ فإنَّ الغرض إصلاحُها، فإذا ظن أنها لا تصلح فَضَرَبَها، كان ذلك [حَنَقًا] (٣) وشفاءَ غليل، وهو غير مسوّغ، هذا هو السر المتبع، ولو أفضى الضرب إلى الهلاك، وجب الضمان، وإنْ أفضى إلى نقيصةٍ ثبتت لمثلها حكومة، فعلى الزوج أن يضمنه.
وإن جرَّ الضرب شيئًا، ثم زال نوجب على الجاني (٤) في مثل ذلك شيئًا على وجهٍ بعيد، والوجه هاهنا: القطع بأنه لا يجب على الزوج شيء.
فإن قيل ضرب الزوج إذا أفضى إلى نقيصة، فالبعض من هذا لو اقتصر عليه، لما كان موجِبًا ضمانًا، فهلَاّ جعلتم النقيصة بمثابة أثر يترتب على مستحِق وغير مستحِق؟ قلنا: إذا جاوزَ الزوجُ الحد، أَخرجَ بآخر فِعْلِه أوّلَه عن كونه إصلاحًا، فصار جميع ما صدر منه جناية، وسنصف هذا في أبواب التعزيرات من كتاب الحدود، إن شاء الله ﷿.
_________________
(١) ستمرن: أي ستعتاد النشوز، من قولهم: مَرَنَ وجهه على الأمر: تعوّد تناوله بدون حياء أو خجل. (معجم).
(٢) زيادة اقتضاها السياق.
(٣) في الأصل: حقًا.
(٤) على الجاني: أي في الجنايات، غير ضرب الزوج كما هو واضح.
[ ١٣ / ٢٧٨ ]
٨٦٧٨ - ومما أطلقه الأئمة ونطق به القرآن الهجرُ، وكان شيخي يهجرها في المضجع، ولا يترك [مناطقَتَها] (١) وراء ثلاث ليال؛ فإنَّ النبي ﷺ نهى عن ذلك.
وهذا فيه نظر عندنا؛ فلو رأى استصلاحها في مهاجرتها في المنطق، فلست أرى ذلك ممنوعًا، وهو أهون من الضرب. والذي نهى عنه رسول الله ﷺ إنما هو تَهَاجُر الأخوين من غير سبب يقتضيه في الشرع.
هذا بيان الهجر والضرب.
٨٦٧٩ - [ويتصل] (٢) به أنها إذا كانت تؤذيه في المنطق ولا تمتنع عليه، فهل له أن يؤذيها، أو يرفعها إلى السلطان؟ فيه ترددٌ بين الأصحاب، قال قائلون: هي فيما تأتي به وراء التمكين من موجبات التعزير، كالأجنبية، كما أنها في منعها حق الزوج من مال أو غيره مما يتعلق بحقوق الزوجية كالأجنبية.
وقال قائلون: يؤذيها الزوج على استطالتها، وبذاءة لسانها؛ فإنها وإن كانت ممكِّنةً مع ذلك، فهذا ينكِّد المعاشرة، ويكدّر الاستمتاع، ولسنا ننكر تعلقه بما يوجب استصلاحَ الزوجة في الحقوق الخاصة في النكاح.
فأما الحكم في سقوط النفقة، ففيه (٣) تفاصيل تتعلق بكتاب النفقات.
_________________
(١) في الأصل: مناطقها.
(٢) في الأصل: ويبطل.
(٣) هنا خلل في ترتيب صفحات الأصل. ولذا انتقلنا إلى ص٢٠١ شمال، بدلًا من ٢٠٠ شمال.
[ ١٣ / ٢٧٩ ]