٧٥٢٢ - إذا نكح المريض امرأة، صح النكاح وفاقًا، والمنكوحة ترث الزوجَ خلافًا لمالك (١) ﵀، وإياه قصد الشافعي ﵁ بالرد، وقد أسرف مالك ﵁ في طرفي نقيض، فقال: المنكوحة في المرض لا ترث، والمبتوتة في المرض ترث وإن انقضت عدتُها قبل موت الزوج، وذكر الأستاذ أبو منصور مذاهب للسلف مختلفة في نكاح المريض، لسنا لها.
فصل
قال الشافعي ﵁: "ويلحق الميتَ من فعل غيره [وعمله ثلاث] إلى آخره" (٢).
٧٥٢٣ - روي أن النبي ﷺ قال: "إذا مات ابنُ آدم، انقطع عنه (٣) عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له" (٤). وقال
_________________
(١) ر. الرسالة لأبي زيد مع غرر المقالة: ٢٥٥، ٢٥٦، والكافي لابن عبد البر: ٢٤٨، وأيضًا: التسهيل: تسهيل المسالك إلى هداية السالك إلى مذهب الإمام مالك: ٤/ ١٢٢.
(٢) ر. المختصر: ٣/ ١٦٨. هذا. وفي الأصل: ويحمله ثلاثة. والمثبت من (س) وعبارة المختصر: قال في الإملاء: "يلحق الميت من فعل غيره ثلاث حج يؤدّى، ومال يتصدق به عنه، أو دين يقضى، ودعاء" ا. هـ. بنصه.
(٣) هذا اللفظ (عنه) ليس في رواية النسائي ولا الترمذي، ولكنه عند أبي داود. مما يدفع التهمة الموجهة إلى الإمام بأنه لم ير (سنن أبي داود)، وأنه كان لا يدري الحديث.
(٤) حديث "إذا مات ابن آدم إلخ": رواه مسلم في الوصية: باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، ح ١٦٣١، وأبو داود في الوصية: باب ما جاء في الصدقة عن الميت، ح ٢٨٨٠، والنسائي في الوصايا: باب فضل الصدقة عن الميت، ح ٣٦٨١، والترمذي في الأحكام: باب الوقف، ح ١٣٧٦، والبخاري في الأدب المفرد: ٢٠.
[ ١١ / ٢٧٣ ]
رسول الله ﷺ: "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادةً في أعمالكم" (١). وقال ﵇: "تصدَّق وأنت شحيح بخيل، ولا تؤخر حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، ألا وقد صار لفلان" (٢).
٧٥٢٤ - ومضمون هذا الفصل تفصيل القول فيما يقع عن الموتى، وقد أطلق الأئمة ﵃ في الطرق أن من تصدق عن ميت بصدقة، وقعت الصدقةُ عن الميت، ولا فرق بين أن يكون المتصدق وارثًا أو غير وارث، وقرنوا الصدقة بالدعاء، وقالوا: بركة الدعاء يُرجى التحاقها بالميت، من غير فصلٍ بين داعٍ وداعٍ، فكذلك صدقة التطوع، واحتجوا عليه بما روي أن [سعد بن عبادة] (٣) قال لرسول الله ﵇: "إن أمي أُصمتت، ولو نطقت، لتصدّقت، أفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: نعم" (٤).
_________________
(١) حديث "إن الله تصدق عليكم إلخ" أخرجه عدد من دواوين السنة بألفاظٍ قريب بعضها من بعض، فهو عند أحمد في المسند: ٦/ ٤٤٠، ٤٤١، وابن ماجه: كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث، ح ٢٧٠٩، والبيهقي في السنن الكبرى: ٦/ ٢٦٩، والدارقطني في سننه: ٤/ ١٥٠.
(٢) قوله: "تصدق وأنت شحيح بخيل إلخ" هو من معنى حديث رسول الله ﷺ المتفق عليه، أخرجه البخاري في الزكاة: باب فضل صدقة الصحيح الشحيح، ح ١٤١٩، ٢٧٤٨، ومسلم في الزكاة: باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح، ح ١٠٣٢، وأبو داود في الوصايا: باب ما جاء في كراهية الإضرار في الوصية، ح ٢٨٦٥، والنسائي في الوصايا: باب الكراهية في تأخير الوصية، ح ٣٦٤١، وأحمد في المسند: ٢/ ٢٣١، ٢٥٠، ٤١٥، ٤٤٧.
(٣) في النسختين: "سعد بن أبي وقاص"، وهل هذا سبق قلم من النسّاخ أم هو وهم من إمام الحرمين؟ الله أعلم أي ذلك كان.
(٤) هذا الحديث رواه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه، كلهم عن هشام (بن عروة) عن أبيه عن عائشة ﵃ جميعًا: أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن أمي افتُلِتت نفسها (أي ماتت فجاة) وأظنها لو تكلمت لتصدقت ". فليس في هذه الرواية تصريح باسم السائل، ولكن الحافظ قال في الفتح إنه سعد بن عبادة، وسمى أمَّه أيضًا، فقال: إن اسمها عَمْرة، وقد جاء التصريح باسم السائل (سعد بن =
[ ١١ / ٢٧٤ ]
هذا ما ذكره الأئمة في الطرق، ووجدت في بعض التصنيفات رمزًا إلى شيء يدور في خَلَد الفقيه، وذلك أن الصدقة نرجو لحوق بركتها الميت، فأما أن تقع عن الميت وصَدَرُها (١) من غير وارث، وهي متطوع [بها] (٢). فهذا بعيد عن القياس.
وقد ذكر الصيدلاني وغيره أنها تقع عن الميت، ومعنى وقوع التطوع عن الشخص أن يلتحق بأعماله، وكيف (٣) يُفرض هذا، ولم يعمله، ولم يأمر به؟ نعم، إن تصدق الرجل (٤) وقصد شخصًا، كان ذلك في معنى الدعاء له، فلا يبعد أن يخفف الله على (٥) المتصدَّق عنه، وتنزل الصدقة وهي واقعة عن المتصدِّق منزلةَ الدعاء؛ فإن الدعاء يقع عبادة عن الداعي، وينال بركتَه الميت.
وفي حديث سعد تأملٌ للناظر، فإنه وارث، وللخلافة والوراثة أثر سنبيّنه في أثناء الفصل، إن شاء الله تعالى.
وأيضًا، فإنه لم يسأل عن وقوع الصدقة عن أمه، وإنما قال: أينفعها ذلك؟ فقال رسول الله ﵇: نعم. وليس يبعد عندي أن الأصحاب الأولين أرادوا هذا.
_________________
(١) = عبادة) في حديث ابن عباسٍ ﵁. وصرح بذلك أيضًا حديث النسائي عن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة عن أبيه عن جده. وأما أبو داود، فقد جعل السائل المبهم في حديث عروة امرأة، وأبهم السائل في حديث ابن عباس، وجعله (رجلًا). (البخاري: الجنائز، باب موت الفجاءة البغتة، ح ١٣٨٨، والوصايا: باب ما يستحب لمن توفي فجأة، ح ٢٧٦٠، ٢٧٦١، ومسلم في الزكاة، ح ٥١، وفي الوصية، ح ١٢، ١٣، رقم عام ١٠٠٤، وأبو داود في الوصايا: باب ما جاء فيمن مات عن غير وصية، ح ٢٨٨١، ٢٨٨٢، والنسائي في الوصية: باب إذا مات الفجأة هل يستحب لأهله أن يتصدقوا عنه، وابن ماجه في الوصايا: باب من مات ولم يوصِ، ح ٢٧١٧. هذا، وليس في أيٍّ من هذه الروايات "أصمتت". وإنما كلها: افتلتت نفسها.
(٢) صَدَرُها: أي صدورها، وهذا الوزن يجري على لسان الإمام لهذا المصدر ونحوه، فيقول في حدوث العالم: حَدَث العالم.
(٣) في الأصل: فهذا. (أي مكررة).
(٤) في الأصل: "وكيف يفرض من هذا ولم يعمله، ولم يأمر به" وفي (س): "وكيف يعمله ولم يأمر به".
(٥) (س): الميت.
(٦) (س): "يحقق الله ظنّ المتصدّق، وتنزل ".
[ ١١ / ٢٧٥ ]
ولكن صرح المتأخرون بوقوع الصدقة عن الميت، وكان شيخي أبو محمد يبوح بهذا، ويعلله بأن النفوس متشوقة إلى إتباع الموتى الصدقاتِ، ومقتضى الشرع الحث على الصدقات بالجهات، فلا يمتنع أن يقع الحكم بوقوع الصدقة عن الميت، وهذا يعضده الزكاة؛ فإنها ركن الدين [وقوامها] (١) النية، ثم قد تقع معتدًا بها من غير نية.
٧٥٢٥ - فإذا تمهدت هذه المقدمة [أتبعناها] (٢) باتفاق الأصحاب بأن من أعتق مملوكًا عن ميت متبرِّعًا، ولم يكن على الميت عتق، فالعتق لا يقع عن الميت، سواء كان المعتِق وارثًا أو غيرَ وارث.
وفرّق من أجاز التصدق عن الميت بين العتق والصدقة، بأن قال: العتق يُعقب ولاءً، وإثبات الولاء يتضمن [صدر] (٣) العتق عن ملك من له الولاء بعد العتق، وتمليك الميت [بعيد] (٤) بخلاف الصدقة.
وهذا كلام لا غَوْصَ له؛ فإن الصدقة عن الغير تقتضي صدرها عن ملكه، بَيْد أن الصدقة تفارق العتق بالولاء، وافتراقها في ذلك لا يوجب فرقًا في افتقار كل واحد منهما إلى الصدور (٥) عن الملك.
٧٥٢٦ - ولو مات وعليه كفارة، فقد قدمنا في الكفارات والمنذورات -وإن جرى التزامها في الصحة- قولين في أنها ديونٌ من رأس المال، أم سبيلها سبيل الوصايا؟
فإن (٦) جعلناها ديونًا، وهو الأصح، وعليه تفريع الفصل، كما سنذكره الآن -إن شاء الله ﷿- وإن جعلناها بمثابة الوصايا، فهي بمنزلتها في الاحتساب من الثلث، وهل (٧) تسقط بالموت إذا لم يَجْر إيصاءٌ بها أم لا حاجة إلى الإيصاء؟ فيه تردد
_________________
(١) في الأصل: وثوابها.
(٢) في الأصل: انتفاها.
(٣) في الأصل: تعدّر.
(٤) في الأصل: بعده.
(٥) (س): الصدقة.
(٦) جواب الشرط لم يُذكر، بل محالٌ لما سيذكره من تفريع.
(٧) (س): وهي.
[ ١١ / ٢٧٦ ]
[مقتضبٌ] (١) من كلام الأصحاب: يجوز أن يقال: إنها تسقط على هذا القول؛ فإنها إذا حلّت محل الوصايا، فلا بد من تقدير (٢) ذكرها والإيصاء بها.
والظاهر عندي أنه لا حاجة إلى ذكرها، وجريانُ أسبابها كافٍ، ولكنها قصرت عن الديون، من حيث أدخلها المرء على نفسه، وليست واجبة شرعًا ابتداء.
ونحن نعود بعد ذلك إلى التفريع على الأصح، وهو أنها ديون، ولا حاجة إلى فرض الإيصاء بها، فنقول: إن كان التكفير (٣) الواجب بإخراج طعامٍ أو كسوة، فلا خلاف أن الوارث لو أخرجه، وقع الموقع، ولا فرق بين أن يخرجه من تركته، وبين أن يخرجه من مال نفسه إذا لم يخلّف الميت تركة. هذا متفق عليه.
ولو أخرج أجنبيٌ عنه ما وصفناه، فالذي ذهب إليه معظمُ الأصحاب أنه يقع الموقع كما لو أخرجه الوارث، ووجهه أن وجوب الكفارة متحقق بعد الوفاة، وقد فاتت النية ممن عليه الكفارة، وفات تقدير الإنابة؛ فصار ما يخرج في حكم دَيْن محض، لا يفتقر إلى النية، ويصح من الأجنبي أن يؤدي ديْنَ الغير؛ من جهة أنه لا يفتقر إلى النية، ويمتنع [في] (٤) حالة الحياة من الأجنبي تأدية الكفارة والزكاة عن الغير؛ من جهة أن نية من عليه ممكنة، واستنابته [متوقعة] (٥)، والآن [إن مات] (٦)، فقد فاتت النية وتوقعها، وانحسم مسلك الاستنابة.
ومن أصحابنا من قال: ليس للأجنبي أن يطعم عنه أو [يكسو] (٧)، وإنما ذلك للوارث؛ فإن للوراثة خلافة لا تنكر، فلا يبعد أن نقيم الوارث مقام الموروث، وتخصيص ذلك [بمن] (٨) يخلف في الوراثة.
_________________
(١) (س): مغتصب.
(٢) (س): تقدم.
(٣) (س): التنفيذ.
(٤) في الأصل: من.
(٥) في الأصل: موقعة.
(٦) في الأصل: إذا فات.
(٧) في النسختين: يكسوه.
(٨) في الأصل: ممن.
[ ١١ / ٢٧٧ ]
ثم إذا كان للميت ورثة واشترطنا صدور الإطعام عن الوارث، فلا خلاف أن بعضهم لو استبدّ بالإطعام، جاز، وإن لم يخلّف الميت شيئًا، وهذا يؤكد تصحيح الإطعام من الأجنبي، فإن ما يُشترط (١) فيه خلافةُ الوراثةِ يُشترط فيه صَدَره من جميع الورثة، كالإقرار بالنسب.
٧٥٢٧ - ولو لزمته كفارة فيها إعتاق، لم يخل العتق من أن يكون متعيّنًا في ثبوته، أو يكون مع غيره على قضية التخير، كالعتق في كفارة اليمين.
فإن كان العتق متعينًا في وضعه كالعتق في كفارة القتل والظهار والوقاع في نهار رمضان، فإذا أخرج الوارث رقبةً وأعتقها عن المتوفَّى، فلا شك أنه إن أخرجه من تركته أو من مال نفسه وخلَّص التركة لنفسه، [فذلك] (٢) حق يخرجه، ودين يؤدّيه، والتفريع على أن الكفارات الواجبة في الصحة ديون بعد الموت.
وإن لم يخّلف الميت شيئًا، وأعتق عنه وارثه من خاص ماله عبدًا، صرفه إلى كفارته، وقع العتق عن المتوفى، ومن آثار وقوعه عنه أن الولاء له.
ولو أعتق أجنبي عنه عبدًا والعتق متعيَّن، ففي المسألة وجهان مرتبان على الوجهين في الإطعام، والعتقُ أولى بألا يصح؛ لاستعقابه الولاءَ، وهذا في رأي [العلماء] (٣) يقتضي تعلقًا بملك أو خلافة، ولذلك لم يصحح التطوعَ بالإعتاق من الأجنبي عن الميت من يصحح منه التصدقَ عن الميت تطوعًا، فقال: إذا أعتق الأجنبي عن الميت تبرعًا، وقع العتق عن المعتِق، وانصرف إليه الولاء، ولغا قصدُه الميتَ.
هذا إذا كان العتق متعيَّنًا في الكفارة.
٧٥٢٨ - فإذا (٤) ثبت على قضية التخير كالعتق في كفارة اليمين، فإذا لم نجد من الميت إيصاء، فإن أطعم الوارث، أو كسا، وقع الموقع، وإن أعتق (٥) عنه عبدًا،
_________________
(١) (س): مشترط.
(٢) في الأصل: بذلك.
(٣) في الأصل: العليا.
(٤) (س): فأما إذا.
(٥) (س): وإن كسا أو أعتق عنه عبدًا.
[ ١١ / ٢٧٨ ]
ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن العتق لا يقع الموقع؛ فإنه غير معيّن (١)، وهو من هذا الوجه مُضاهٍ (٢) للعتق المتطوع به، وقد ذكرنا أن الوارث لو أعتق عن الموروث متبرعًا، لم يقع عنه.
والوجه الثاني - أن العتق يقع عن الميت؛ فإن العتق مع الإطعام والكسوة على قضيةٍ واحدة، والتخيّر يتعلق بجميعها، وما اتفق إخراجه [منها] (٣) يقع واجبًا، ويلتحق في وقوعه بما يتعين، وقد ذكرنا أن العتق المتعيّن إذا صدر عن الوارث، وقع عن الميت موقع الإجزاء.
هذا إذا أطعم الوارث أو أعتق.
فأما إذا أطعم الأجنبي، فظاهر المذهب أنه يجزىء عن الميت إذا نواه وقصده، وفيه وجهٌ آخر ذكرناه.
فإن أعتق الأجنبي عن الميت في كفارة اليمين، ففي المسألة وجهان، إن أحببنا رتبناهما على الوجهين في الوارث، وهو أولى بألا يقع الموقع من الأجنبي، والفرق انتفاء الخلافة وثبوتها، وإن أحببنا، رتبنا الوجهين على الخلاف المذكور في إطعام الأجنبي.
هذا كله إذا لم يوص من عليه الكفارة.
٧٥٢٩ - فأما إذا لزمته كفارة يمين، فأوصى بأن يعتق عنه، فإن وفى ثلثه، فذاك، وإن قصر الثلث -والتفريع على أن الكفارة ديْنٌ- فقد كان شيخي يقول: يجب الإعتاق عنه من رأس ماله.
وهذا ما أراه كذلك؛ بل ما دل عليه فحوى كلام الأئمة أن تعيين العتق في حكم الوصية.
وإن فرعنا على أن الكفارة دين؛ فإنه غير متعين، وفي إخراجه مغرم بيّن، وشيخنا
_________________
(١) (س): متعمد.
(٢) (س): يضاهي العتق.
(٣) في الأصل: فيما.
[ ١١ / ٢٧٩ ]
كان يقول: ما حكيته بناء على أن العتق في الكفارة أحد الواجبات الثلاثة، فإذا عينه تعين.
وهذا عري عن مساق الفقه، وتعيين العتق وفي غيره كفايةٌ [عنه] (١) مندوحةٌ بمثابة تعيين عبد شريف للإعتاق وفي عبد قليل القيمة مَقنعٌ، واستجماعٌ لشرائط الإجزاء.
وسيكون لنا إلى هذا الفصل عودة في كتاب الأيمان، إن شاء الله ﷿.
فصل
قال: "ولو أوصى له ولمن لا يحصى، فالقياس أنه كأحدهم إلى آخره" (٢).
٧٥٣٠ - إذا أوصى لزيدٍ وللفقراء بثلث ماله، فقد ذكر الشيخ أبو علي ثلاثة أقوال في المسألة، ولم يذكر شيخنا والصيدلاني إلا قولين منها: أحدهما - أن لزيد نصفَ الموصى به؛ فإنه (٣) معنى في شخصه، والفقر معنى في نفسه، فكان إضافة الثلث إليه وإلى الفقراء بمثابة إضافة الثلث إلى شخصين، ولو قال: يصرف ثلثي إلى زيد وعمرو، فهو بينهما (٤) نصفان.
والقول الثاني - أن زيدًا كواحد من الفقراء.
ثم [لو] (٥) أوصى للفقراء، فأراد الوصيّ صرفَ الموصى به إلى ثلاثة منهم، فله أن يصرف إلى واحد أقلَّ القليل، وكذلك الثاني، ثم [يخصص] (٦) الثالث بتتمة الموصى به، فزيد إذا ضم إلى الفقراء بمثابة واحد منهم، إذا أوصى لهم دون غيرهم.
وحكى الشيخ أبو علي قولًا ثالثًا، هو أن زيدًا المضموم إلى الفقراء
_________________
(١) في الأصل: "وغنية".
(٢) ر. المختصر: ٣/ ١٦٨.
(٣) (س): فإن زيدًا معنى في شخصه.
(٤) (س): فيهما.
(٥) ساقطة من الأصل.
(٦) في الأصل: تخصيص.
[ ١١ / ٢٨٠ ]
يستحق (١) ربع الموصى به، فإنه لا بدّ من رعاية الجمع في الفقراء، وأقل الجمع ثلاثة، فيكون زيد رابعَهم، ثم هو مقصود في نفسه، فتصير الوصية في حقه بمثابة وصية أضيفت إلى أربعة، فلا ينحط حقه عن الربع، وليس كالواحد من الفقراء، فإنه لا حصر لهم.
وذكر الشيخ أبو علي طريقة أخرى، فقال: من أصحابنا من قال: إنْ تعرض الموصي لفقر زيد، فقال: أوصيت لزيد الفقير وللفقراء، وكان زيد فقيرًا، فتخرج المسألة على ثلاثة أقاويل: أحدها - أن له نصيبَ فقيبر، فأما إذا لم يصف زيدًا بالفقر الذي هو وصف المضمومين إليه في الوصية، ولكنه قال: أوصيت لزيد وللفقراء، قالوا: فلا يخرج في هذه الصورة إلا قولان: أحدهما - له النصف.
والثاني - له الربع، فأما القول الثالث، فلا يخرج.
وهذه الطريقة ضعيفة.
ثم قال الشيخ: إذا قلنا لزيد مثل نصيب فقير، فقد اختلف أصحابنا في معنى ذلك: منهم من قال: معناه أنه لو أُعطي أقل [ما يتمول أجزأ] (٢) ذلك، وهذا هو السديد، ومنهم من قال: ينظر إلى عدد الفقراء الذين يتفق (٣) التسليم إليهم، فإن أعطى ثلاثة من الفقراء وأراد الاقتصار، فلزيد ربعُ الوصية [لا ننقص] (٤) من الربع، وإن كان ينقص آحادَ الفقراء [ويزيد] (٥) لبعضهم.
وإن أعطى خمسةً من الفقراء، فيعطيه السدسَ، وإن أعطى عشرة، فيعطيه من الوصية جزءًا من أحدَ عشرَ جزءًا من الوصية.
وهذا ضعيف جدًا. هذا كله إذا ذكر في الوصية زيدًا وأقوامًا موصوفين غيرَ منحصرين بصفةٍ لا تلزم.
_________________
(١) (س): مستحق.
(٢) في الأصل: ما يتموله أحد في ذلك.
(٣) (س): اتفق.
(٤) في الأصل: منقصة.
(٥) في الأصل: فيزيد.
[ ١١ / ٢٨١ ]
٧٥٣١ - فأما إذا قال: أوصيت لزيد وللبكريّة والعلويّة، فقد اختلف قول الشافعي في أن الوصية للعلوية والبكرية ومن في معناهم، وهم أقوام لا ينحصرون، وليسوا على صفة [يتوقّع] (١) تحولهم عنها، فأحد القولين - الوصيةُ لهم (٢) باطلة.
والثاني - أنها صحيحة، وقد أشرنا إلى توجيه القولين فيما تقدم.
فإن صححنا الوصية، فهو كما [لو] (٣) أوصى لزيد وللفقراء، وقد تبين التفصيل فيه. وإن لم نصحح الوصيةَ للعلوية، فالمذهب أن الوصية تصح لزيد [ثم] (٤) في قدر ما يستحقه الأقوالُ والتفصيلُ الذي قدمناه.
ومن أصحابنا من قال: إذا أبطلنا الوصية للعلوية، فتبطل الوصية لزيد المسمى، وهذا يخرّج على القول الذي يقول: إنه يستحق ما يستحقه أحد الفقراء، على معنى أنهم إن اتفقوا ثلاثة، فله الربع وإن اتفقوا أربعة، فله الخمس، فإذا (٥) بطلت الوصية للعلوية فلم يُعطَ واحدٌ منهم شيئًا [لنعتبر] (٦) نصيبَ زيد به، فالوصية لزيد لا تثبت.
وهذا وإن كان فيه تخييل، فالأصل الذي عليه التفريع فاسد.
٧٥٣٢ - ولو أوصى لزيد والملائكة (٧) بثلث ماله، فالوصية للملائكة باطلة، والتفريع بعد هذا كالتفريع على ما [لو] (٨) أوصى لزيد والعلوية وحكمنا ببطلان الوصية للعلوية.
_________________
(١) في الأصل: فيوقع.
(٢) ساقطة من (س).
(٣) زيادة من (س).
(٤) مزيدة من (س).
(٥) عبارة (س): وإذا بطلت الوصية للعلوية، فلم يعد واحد منهم شيئًا لتعيين نصيب زيد به، فالوصية لا ثثبت.
(٦) في الأصل: لتغير. و(س): لتعيين. والمثبت تقدير منا، لا يصح غيره -إن شاء الله- ولا يستقيم المعنى إلا به. ومعنى "لنعتبر": أي لنقيس.
(٧) (س): والمالكية. ورسمت في الأصل هكذا: والمليكة. وترجيحنا (الملائكة) سيظهر صوابه فيما يأتي من عرض المسألة. هذا وكل موضع ذكر فيه (الملائكة) رسمته نسخة الأصل هكذا، وجعلته (س) المالكية.
(٨) زيادة من المحقق، حيث سقطت من النسختين.
[ ١١ / ٢٨٢ ]
وفي هذا المنتهى أمرٌ لا بد من التنبيه [إليه] (١) وهو أنه إذا أوصى لزيدٍ وللفقراء، وقلنا: يستحق زيدٌ الأقلّ مثلًا، وهو أن تقليل نصيبه وتكثيره إلى الوصي (٢)، ولا اختيار للوارث فيه بحق الإرث.
فأما إذا أوصى لزيد والملائكة، وقلنا: لزيد الأقل في أوضاع هذه المسائل، فقد ذكر صاحب التلخيص في ذلك قولين: أحدهما - أن اختيار الأقل فيه إلى الوصي (٣) الذي [ننصبه] (٤) فيصرف (٥) إليه ما شاء من المسمى، ويرتدّ الباقي ميراثًا، حتى لو استوعب معظمَ ما وقع الوصية به جاز.
والقول الثاني - أن الخيار في هذه الصورة إلى الوارث، فلو قالوا (٦): لا تدفع إليه إلا درهمًا أو أقل مثلًا، وقال الوصي (٧): ندفع إليه ألفَ (٨) درهم فنتبع (٩) الورثة.
قال الشيخ: لعل هذا هو الأصح؛ لأنه إذا أوصى لزيد والفقراء بثلثه [فكل]، (١٠) الثلث يُستحق (١١) بالوصية، فتعيين القدر إلى من [يُنصبُ] (١٢) وصيًا في ذلك.
وفي هذه المسألة بطل بعض الوصية، وآل التنازع إلى القدر المستحق في الوصية، فالقول قول الورثة والعبرة بمرضاتهم.
وإذا أوصى لزيد، والبكرية، وأبطلناها في حق البكرية، فهو كما لو أوصى لزيد والملائكة.
_________________
(١) في النسختين: له.
(٢) (س): الموصي.
(٣) في (س): الموصي.
(٤) في النسختين: يصيبه. والمثبت تقدير منا.
(٥) (س): فينصرف.
(٦) قالوا الجمع على معنى الورثة.
(٧) (س): الموصي.
(٨) سقطت من (س).
(٩) (س): فينبغي للورثة.
(١٠) في الأصل: فذلك.
(١١) (س): مستحق.
(١٢) في النسختين: يصيب.
[ ١١ / ٢٨٣ ]
٧٥٣٣ - قال: ولو أوصى لزيد ولجبرائيل ﵇، (١ فالوصية لجبريل باطلة، وتصح في حق زيد المضموم معه، ولا يخرج في هذه المسألة قولُ الفساد في حق زيد إذا ذكر مع الملائكة، ووجهه بيّن؛ فإن الفساد أتى من الجهل بعدد الملائكة، وجبريلُ ١) واحدٌ في نفسه.
ولو أوصى لزيد وللرياح بثلث ماله، فقد اختلف أصحابنا (٢) في المسألة: فمنهم من قال: كل الوصية مصروف إلى زيد؛ فإن الرياح ليست من الأشخاص التي يتوهم إضافة العقود إليها، وليست كجبريل ﵇؛ فإنه من الأشخاص التي يتوهم ذلك فيه.
والوجه الثاني - وهو الصحيح أنه يستحق نصف المسمى كالمسألة الأولى، ولا نعتقد الرياحَ أعدادًا.
ولو أوصى لزيد والجدار، أو غيره من [الجمادات] (٣)، فهو كما لو أوصى لزيد والرياح.
ولو أوصى لزيد ودابّةٍ لعمرو، فلزيد النصف، [وفي الوصية لدابة عمرو تفصيل سنذكره مفصلًا بهذا إن شاء الله] (٤).
فصل
مشتمل على ذكر من تصح الوصية له و[من] (٥) لا تصح له
٧٥٣٤ - فنعرض لما يكاد يغمض أو يتطرق إليه خلاف.
أما الوصية للوارث، فقد سبق القول فيه، وذكر صاحب التلخيص بعدها الوصيةَ
_________________
(١) ما بين القوسين سقط من (س).
(٢) (س): اختلف أصحابنا، فمنهم.
(٣) في الأصل: الجدارات.
(٤) ما بين المعقفين زيادة من (س). ولعل صوابها: (بعد هذا، إن شاء الله).
(٥) سقطت من الأصل، وأثبتناها من (س).
[ ١١ / ٢٨٤ ]
للقاتل، وفيها قولان مشهوران: أحد القولين - أنها تصح، وهو القياس (١).
والقول الثاني - أنها لا تصح، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا وصية لقاتل" (٢). وهذا الحديث ليس على الرتبة العالية في الصحة، والصحيح لا وصية لوارث.
ثم سلك بعض الفقهاء مسلك التوجيه بطريق التشبيه بالإرث؛ فإن استحقاق الوصية يتعلق بالموت كالميراث، ثم زجر الوارث عن القتل (٣) حتى لا يستعجل الميراث به، فحُرم ما يستعجله، وهذا يتحقق في الوصية تحققه في الميراث.
ثم اختلف أصحابنا في محل القولين على طرق:
فمنهم من قال: القولان فيه إذا تقدمت الوصية، ثم قتل الموصى له الموصي، فإنه في هذه الصورة ينسب إلى الاستعجال، فأما إذا [جرح] (٤) رجلًا ثم إن المجروح
_________________
(١) قال النووي: " المذهب الصحة مطلقًا " (الروضة: ٦/ ١٠٧).
(٢) حديث "لا وصية لقاتل" رواه البيهقي: ٦/ ٢٨١، بلفظ: "ليس لقاتلٍ وصية" من حديث علي ﵁، ورواه الدارقطني: ٤/ ٢٣٦، ٢٣٧. وهو لا يحتج به كما هو مفهوم كلام إمام الحرمين، قال البيهقي: تفرد به مبشر بن عبيد الحمصي، وهو منسوب إلى وضع الحديث. وقال الحافظ في التلخيص: إسناده ضعيف جدًا. هذا وقد عجب الحافظ في التلخيص من قول إمام الحرمين عن هذا الحديث: إنه ليس في الدرجة العالية من الصحة، وقال: "إنه ليس له في أصل الصحة مدخل" (التلخيص: ٣/ ١٩٧ ح ١٤٢٠). وتقديري أن هذا الكلام فيه نوع تحامل على إمام الحرمين من الحافظ، فإمام الحرمين لا يعنى بألقاب المحدّثين وتبويبهم وترتيبهم، فهو ليس من أهل هذه الصناعة، وإنما مراده هنا: أن هذا الحديث غير صالح للاحتجاج به كما هو فحوى كلامه. ولا يعني بقوله إنه صحيح، ولكن لم يبلغ الدرجة العالية من الصحة، لا يعني ما يفهم من ظاهر هذه العبارة، وإلا لو كان كذلك، لأخذ بالحديث، وبنى عليه الحكم ولم يردّه. وفي كلام إمام الحرمين عن الأخبار ودرجاتها في كتابه البرهان، ما يشهد لما أقول، ومن ذلك قوله: "إن الردّ والقبول يعتمد على ظهور الثقة وانخرامها، وهذا هو المعتمد الأصولي، فإذا صادفناه، لزمناه، وتركنا وراءه المحدّثين يتقطعون في وضع ألقاب وترتيب أبواب" (البرهان: فقرة رقم ٥٩٣).
(٣) (س): الفعل.
(٤) في الأصل: خرج.
[ ١١ / ٢٨٥ ]
أوصى للجارح، فالوصية صحيحة إذا مات المجروح بالجرح السابق على الوصية قولًا واحدًا.
ومن أئمتنا من قال: إن وقع القتل بعد الوصية، بطلت الوصية، كما سنصف بطلانها في التفريع، وإن تقدم الجرح، وتأخرت الوصية ووقع الموت بالجرح المتقدم، ففي المسألة قولان.
ووجه هذه الطريقة بناء الأمر على العمل بالخبر، ثم هو نصٌّ فيمن [تأخر قتله] (١) عن الوصية له.
وفي التعلق بالخبر نظرٌ إذا تقدم الجرح وتأخرت الوصية؛ من جهة أنا نفهم من حرمان القاتل حكم معاقبته بمنع مقصوده، وإن كان اللفظ ظاهرًا.
وهذا يناظر تردّدَ الأصحاب في حرمان من يقتُل بحق لخروجه عن محل المعاقبة؛ [إذ المعاقبة] (٢) على ترك التحفظ عند وقوع الخطأ، مع عموم قول رسول الله ﵇: "ليس للقاتل من الميراث شيء".
ثم حيث نقضي بصحة الوصية، فلا خِيرةَ للورثة، وحيث لا نقضي بنفوذها، اختلف أصحابنا، فمنهم من قال: إذا أجازها الورثة، جازت، ومنهم من قال: لا تنفذ بإجازتهم، وهذا الاختلاف مفرّعٌّ على قولنا: إن إجازة الورثة تنفيذ وصية، فأما إن جعلنا إجازته (٣) عند وجوب مراجعته ابتداء عطية، فابتداء وصية الوارث لقاتل الموروث [نافذ] (٤) لا شك فيه.
ثم قال صاحب التلخيص: وإن منعنا الوصيةَ للقاتل، فلو قتلت أمُّ الولد سيدها، عتَقَت؛ فإن عتقها محسوب (٥) من رأس المال، لا يسلك به مسلك الوصايا.
فأما المدبّر إذا قتل سيدَه، والتفريع على أن الوصية للقاتل مردودة، فقد اختلف
_________________
(١) في الأصل: يأخذ مثله.
(٢) في الأصل: أو المعاينة.
(٣) إجازته: كذا في النسختين، ويستقيم الكلام على معنى: الوارث.
(٤) في الأصل: فإنه.
(٥) (س): يحسب.
[ ١١ / ٢٨٦ ]
أصحابنا: فمنهم من قال: القول فيه يخرّج على أن التدبير وصية أم تعليق عتق [بصفةٍ] (١)؟ فإن جعلناه تعليقًا، نفذ العتق، ولم يؤثر القتل.
وإن جعلناه وصيةً، لم يعتِق على [منع] (٢) الوصية للقاتل.
ومن أصحابنا من قال: سواء قلنا: إن التدبير تعليق أو (٣) وصية، فتخرّج المسألة على أن العتق لا ينفذ إذا منعنا الوصية للقاتل، وذلك أن العتق على القولين محسوب من الثلث وفاقًا، وكل تبرع يكون محسوبًا من الثلث، فهو في الحكم الذي نتكلم فيه وصية.
وأثر القولين في أن التدبير تعليق أو وصية يرجع إلى جواز الرجوع عن التدبير، فإن جعلناه تعليقًا، لم يجز الرجوع صريحًا.
٧٥٣٥ - وذكر صاحب التلخيص فيمن لا تصح له الوصية: الحربي، وكلامه يقتضي أن الوصية له باطلة، واعتلّ في ذلك بانقطاع الموالاة بيننا وبينهم، قال الشيخ: هذا لم يقله أحدٌ من الأصحاب، بل قطعوا (٤) بأن الوصية للحربي جائزة إذا لم يكن الموصى به سلاحًا، (٥ فإن أوصى له بسلاح، فهو كما لو باع منه سلاحًا ٥)، وقد مضى تفصيل ذلك في كتاب البيع. وما ذكر صاحب التلخيص من التعرض للموالاة فإنه كلام عريٌّ عن التحصيل؛ فإن الوصية لا تقتضي الموالاة، ولا تعتمدها، ولست أدري ماذا كان يقول في الهبة من الحربي، وظاهر قياسه أنها كالوصية.
٧٥٣٦ - والوصية للذمي منفذة؛ فإنهم في عوننا ونصرتنا، ويتعين علينا الذب عنهم [فالوصية] (٦) حمل على إعانتهم بطائفة من المال؛ فإن المال أهون من تعريض النفوس للهلاك بسبب الذب عنهم.
_________________
(١) في الأصل: نصفه.
(٢) في الأصل: موضع.
(٣) (س): أم.
(٤) قال النووي: إن جواز الوصية للحربي هو الأصح (الروضة: ٦/ ١٠٧).
(٥) ما بين القوسين ساقط من (س).
(٦) في الأصل: بالوصية.
[ ١١ / ٢٨٧ ]
٧٥٣٧ - ومما تعرض له صاحب التلخيص والشارحون القولُ في الوصية للعبد والوصية للدابة، فلتقع البداية بالوصية للعبد: أجمع الأصحاب على أن الوصية للعبد صحيحة، ثم بان لنا من حقيقة ترتّبهم أن الوصية تقع للعبد [في] (١) نفسه، ولكن إن كان من أهل الملك حالة القبول، وقعت الوصية (٢ له، وإن لم يكن من أهل الملكِ حالة القبول، وقعت الوصية ٢) لمالكه.
وبيان ذلك أنه إذا أوصى لعبدِ إنسانٍ بمالٍ، ثم عتق ذلك العبد في حياة الموصي، ثم مات الموصي، فإذا قبل هذا المعتَقُ الوصيةَ، صح قبوله، ووقع الملك في الموصى به له، ولو بقي مملوكًا حتى قَبِل الوصية بعد موت الموصي، فالملك في الموصى به يقع لمالكه.
ولو مات الموصي والعبد بعدُ مملوك لوارث الموصي، فأعتق الوارث العبدَ قبل قبول الوصية، قال الشيخ: هذه المسألة تخرّج على القولين في أن الملك في الموصى به متى يحصل للموصى له؟ فإن فرعنا على قول الوقف، وقلنا: إذا جرى القبول استند الملك تبيّنًا إلى موت الموصي، فعلى هذا لا تصح الوصية؛ فإنها لو صحت، لاستند الملك إلى حالة الموت، وهو إذْ ذاك رقيقٌ للوارث، فلو قدّرنا فيه ملكًا، لكان للسيد.
وإن قلنا: يحصل الملك بالقبول، فيقع الملك للعتيق دون الوارث.
هكذا قال ﵁.
٧٥٣٨ - وقال في هذه المسألة: لو باع الوارث العبدَ قبل قبول الوصية، [ثم إنه قبلها في ملك المشتري. فإن فرّعنا على قول الوقف] (٣) والإسناد، فلا يصح القبول؛ إذ لو صح، لا نصرف الملك إلى الوارث، لأنه كان مالك رقِّه حالة موت الموصي.
_________________
(١) في الأصل: من.
(٢) ما بين القوسين ساقط من (س).
(٣) ما بين المعقفين زيادة من (س).
[ ١١ / ٢٨٨ ]
وإن قلنا يحصل الملك بالقبول، فيصح القبول [ويقع] (١) الملك للسيد الثاني.
٧٥٣٩ - فانتظم [ممّا] (٢) ذكره الأصحاب أن الوصية للعبد تتعلق بالعبد على ترقّب (٣) ما يكون، فإن عتَقَ قبل الموت، وقَبِل الوصيةَ بعد موت الموصي، انصرفت الوصية إليه.
ثم الأصحاب مع قطعهم بهذا أطلقوا القول بأن من لا تصح الوصية له لا تصح الوصية [لعبده] (٤)، فأرادوا إذا بقي رقيقًا إلى القبول، وهذا قد يتطرّق إليه من طريق المعنى احتمال، لأن الموصى له هو العبد، وليس وارثًا (٥)، ولكن لم يصر إلى هذا أحدٌ من الأصحاب أعرفه.
ثم (٦) على قول القبول (٧) يحصل الملك لمن يكون [مالك رقّ] (٨) القابل وقت القبول، وهذا يدل على أن المالك ليس معنيًّا بالملك، وإنما متعلق الوصية العبدُ، ثم إن اتفق كونه حرًا على التفصيل المقدم، فالملك له، وإن تبدّل الرق والملك، فالملك لمالكه، ولسنا نذكر هذا (٩) التخريج [وجهًا] (١٠)؛ فإن المذهب ما نقلناه وما ذكرناه نبنيه على طريق المعنى.
ومما يخطر للفقيه في ذلك التعرضُ لاشتراط إذن المالك، وقد فرعناه فيما تقدم، ووصلنا به القول في أن السيد لو قبل وردّ العبدُ، فكيف يكون أمره؟ -[وإن] (١١) كنا
_________________
(١) في الأصل: وقع.
(٢) في الأصل: بما.
(٣) (س): ترتيب.
(٤) في الأصل: لعبد.
(٥) (س): إرثًا.
(٦) ثم: سقطت من (س).
(٧) قول القبول: أي القول بحصول الملك في الموصى به للموصى له بالقبول.
(٨) في الأصل صحفت هكذا: بالطارق القابل.
(٩) (س): لهذا.
(١٠) في النسختين: وجه.
(١١) في الأصل: فإن.
[ ١١ / ٢٨٩ ]
ذكرناه لم يضر أن نرمز إلى إعادته- فإن لم نشترط إذنَ السيد في القبول، فلا أثر لردّه وقبوله، وإن شرطنا إذن السيد في القبول، ففي صحة قبول السيد في أوان القبول مع إعراض العبد أو مع (١) ردّه وجهان.
ومن تأمل هذه الأصول، لم يخف عليه من طرق الاحتمال شيء مع التزام (٢) المنقولات عن الأئمة.
٧٥٤٠ - ومما يتعلق بهذا الفصل أنه إذا أوصى لدابة زيد بشيء، فأول ما فيه أنا نستفصل الموصي في حياته، فنقول: ما الذي أردتَ بذلك (٣)؟ فإن قال: أردت بذلك تمليكَ الدابة، فتبطل وفاقًا؛ فإنه قصد بما أطلقه محالًا.
وإن قال: قصدت بذلك صرفَ الموصى به إلى (٤) حاجة الدابة في علفها وسقيها، قال الأصحاب: صحت الوصية على تفصيلٍ نذكره.
وإن قال: لم أنوِ شيئًا أصلًا، قال الشيخ: تبطل الوصية؛ فإن ظاهرها تمليك الدابة، فلم تصح.
فإذا نوى الصرفَ إلى العلف، كما قلناه أو صرح به، ومات الموصي، قال صاحب التلخيص: إن قبل مالك الدابة الوصيةَ، ثبتت وإن ردّها، بطلت، [ورُدَّت] (٥)؛ فإن هذه الوصية تتعلق به؛ من حيث إنها تتعلق بمصلحة ملكه، ويستحيل أن نلزمه هذه الوصية حتى نتصرف في دابته بالعلف والسقي.
قال الشيخ: رأيت للشيخ أبي زيد أنه قال: تثبت الوصية، وإن لم يقبلها مالك الدابة؛ فإن الموصي قصد بذلك علفَ الدابة. وذلك حسبةٌ، "وفي كل ذات كبدٍ حرّى أجر" (٦).
_________________
(١) (س): أو ردّه.
(٢) (س): إلزام.
(٣) ساقطة من (س).
(٤) (س): إلى الدابة.
(٥) في النسختين: واردت.
(٦) حديث "في كل ذات كبد حرّى أجر" متفق عليه، أخرجه البخاري: كتاب الشرب والمساقاة، ح ٢٣٦٣، ومسلم: كتاب السلام، باب فضل ساقي البهائم، ح ٢٢٤٤.
[ ١١ / ٢٩٠ ]
قال الشيخ: وهذا ضعيفٌ جدًا (١)، ويلزم من مساقه تجويز الوقف والتحبيس على عبيد الإنسان ودوابّه.
٧٥٤١ - [ثم قال] (٢) صاحب التلخيص: فإذا قبل صاحب الدابة الوصية، فإن (٣) كان للموصي وصيٌّ، فلا يسلِّم الوصيُّ [ذلك] (٤) الموصى به إلى صاحب الدابة، ولكن يخرجه بنفسه إلى علف الدابة، على حسب الحاجة.
قال الشيخ القفال: عندي أنه إذا قبل الوصية، قبض الموصى به، ولم يتركه في يد الوصي (٥)، ثم قال: عندي أنه لا يتعين عليه صرف ما قبضه بعينه إلى الدابة، ولكنه لو أراد صَرْف غيره إلى علفها وتملّكَ ما قبضه، فله ذلك، وحقيقة هذا الاختلاف ترجع إلى أنه هل يملك صاحب الدابة عينَ ما أوصى به أَوْ لا؟ فالقائل الأول لا يثبت فيه ملكًا ٦) حقيقيًا، ولكنه يصرفه إلى الدابة، والقفال يثبت الموصى به ملكًا لمالك الدابة، ومن هذا المنتهى ينعكس كلام [على] (٧) الوصية للعبد، فإن الملك الحاصل في الموصى به للعبد تَسْميةً وإطلاقًا لسيده.
ثم لم يختلف أئمتنا في أنه لا يجب على السيد صرفُ الموصى به إلى مصلحة العبد، كما لم يختلفوا في أن الملك فيه يحصل للمولى.
وفي (٨) تعليل ذلك، والفرق بين تعيين العبد في الوصية وتعيين الدابة سرٌّ لطيف، وهو أنّا (٩) من وجه نقدّر العبد موصى له، حتى كان الموصى به واقعٌ [له] (١٠)، ثم
_________________
(١) قال النووي: إن اشتراط قبول المالك هو الأصح (ر. الروضة: ٦/ ١٠٥).
(٢) في الأصل: فقال.
(٣) (س): فإن الموصي وصي، فلا يسلم.
(٤) في الأصل: لك.
(٥) (س): الموصي.
(٦) سقطت من (س).
(٧) زيادة من (س).
(٨) (س): في (بدون واو).
(٩) (س): أن في.
(١٠) زيادة من (س).
[ ١١ / ٢٩١ ]
لا حرج على الموصى له في الموصى به، غير أنه ليس من أهل الملك، فيثبت الملك لسيده، ثم لا حرج على السيد؛ فإنه بمثابة العبد، حتى كأنه نابَ عنه في الملك، وخرج العبد من الوسط. [و] (١) لا يتصور فرض هذا من (٢) الدابة، ولا بد من تعليق الوصية بالدابة إذا علقت بها، فإذا لم تتعلق بها [لتقبل أو لتردّ] (٣) انصراف الوصية إليها [عند حالة تطرأ] (٤)، ولا بد من ربطٍ وفاءً بالوصية، فرأى الأصحاب صرْفَ الموصى به إلى مصلحتها، ثم لما كانت مملوكة، لم يتأت التصرف فيها دون المالك، فَشُرِط قبول المالك على شرط الوفاء بتخصيص الموصى به بالدابة.
والقفال ﵁ جعل الوصية للدابة وصيةً لربّها، وهذا وإن كان يخلِّص مما ذكرناه، فإنه (٥) يورّط في غائلة عائصة؛ لأن اتباع الوصية لا بد منها، فإن أضيفت إضافة صحيحة، وجب الوفاء بها، وإلا وجب إفسادها.
ثم ذكر القفال في تحقيق مذهبه مسألةً [مستشهدًا بها] (٦)، وهي أنه لو مات رجل، [فدفع] (٧) إنسان إلى وارثه ثوبًا ليكفنه به، [فإن] (٨) له أن يستأثر به، ويكفنه في ثوب من عنده، وهذا خرجه على المذهب الصحيح في وضع الكفن، فإنه ملك الوارث، ولكنه (٩) مستغرَقٌ بحاجة الميت. هذا أصح الوجوه، فكأنه ﵁ رأى بذل الثوب من الباذل إحلالًا منه الثوبَ محل الكفن (١٠).
_________________
(١) الواو ساقطة من الأصل.
(٢) (س): في.
(٣) عبارة (س): لتقبل انصراف الوصية إليها. وفي الأصل: لتقبل أو لتقدير انصراف الوصية إليها، والمثبت تصرف من المحقق على ضوء السياق.
(٤) كذا في النسختين، ويمكن أن تقرأ: عند حالة نظرا.
(٥) ساقطة من (س).
(٦) في الأصل: يستشهد أنها.
(٧) في الأصل: فيدفع.
(٨) في الأصل: فاتفق له.
(٩) (س): ولكنه مستغرقًا لحاجته.
(١٠) (س): محل الكفن كما قال. قال الشيخ: وهذا
[ ١١ / ٢٩٢ ]
قال الشيخ: وهذا الذي ذكره في الثوب أبعد [منه] (١) في الدابة. وهو كما قال؛ فإن باذل الثوب لم يملّكه أحدًا، وإنما بذله ليدرج فيه الميت، فإما أن يرتسم رسمه (٢) وإما أن يرد عليه.
ثم قال الشيخ: إن حكمنا بما ذكره القفال، فربُّ الدابة يملك الموصى به ويقبض، ولا [يعترض] (٣).
وإن قلنا: إنه لا يملكها، فإن كان ثمَّ وصيٌّ، فهو ينفقه على الدابة، وإن لم يكن، فقد تردد فيه كلام الأصحاب. فالظاهر من كلامهم أنه إذا لم يكن وصي، صرف المال إلى مالك الدابة، ثم ليس له إبدالُه، بل ينفقه على حسب الإمكان.
[وقال] (٤) قائلون: ينصب القاضي في ذلك قيّمًا حتى يقوم بتنفيذ الوصية.
٧٥٤٢ - ومن فقه (٥) هذه المسألة أن الموصي إذا وصى للدابة، ومات قبل البيان، نرجع (٦) إلى الورثة، فإن قالوا: نوى الصرفَ إلى العلف، صحت، وإن قالوا: نوى تمليك الدابة، بطلت، ولمالك الدابة تحليفهم، وإن قالوا: لا نعلم، فيحلفون على نفي العلم، وتبطل الوصية، وتصير كما لو قال الموصي: لم يكن لي نيّة.
٧٥٤٣ - ثم ألحق الشيخ أبو علي بآخرِ هذا الكلام مسألةً، وهي أن رجلًا لو وقف شيئًا على مسجد واقتصر عليه، وقال: ينبغي أن نفصل القول في ذلك على الواقف، فإن قال: نويت تمليك (٧) المسجد منافع الوقف، فالوقف باطل، وكذلك إن قال: لم تكن لي نية بل أطلقت الوقف، ولو قال: قصدت صرف رَيْع الوقف إلى مصالح
_________________
(١) في الأصل: أبعد بما ذكره في الدابة.
(٢) في النسختين: يرسم. وارتسم رسمه امتثل أمره، من قولهم: رسم له بكذا: أي أمره به (معجم ومصباح).
(٣) في الأصل: يعرض.
(٤) في الأصل: فقال.
(٥) (س): بقية هذه المسألة.
(٦) (س): فنرجع.
(٧) ساقطة من (س).
[ ١١ / ٢٩٣ ]
المساجد، فالوقف يصح حينئذ، وأجرى إضافةَ الوقف إلى المسجد مجرى إضافة الوصية إلى الدابة.
وهذا الذي ذكره فيه نظر؛ فإنه شبه الوقف على المسجد بالوصية للدابة وبينهما فرق واضح؛ فإن الوصية للدابة نادرةٌ شاذة إذا ذُكرت لأهل العرف، استنكروها (١)، فتعينت مراجعة صاحب اللفظ، وأما الوقف على المسجد، فقد عم استعماله في إرادة مصالح المسجد عمومًا ظاهرًا، فينبغي أن يحمل مطلقُه على ما يقصد منه في عموم الاستعمال. والله أعلم.
هذا منتهى القول في الوصية للعبد والدابة.
٧٥٤٤ - ومما ذكره صاحب التلخيص في أطراف الكلام في ذكر من تصح الوصية له ومن لا تصح الوصية له، قال: إذا جوزنا الوصية للقاتل، ومنعنا الوصية للوارث، فلو أوصى لوارثه بشيء، ثم إن الوارث قتل موروثه، فحكم التفريع على منع (٢) الوصية للوارث وتصحيحها للقاتل أن تصح الوصية، وهذا ظاهرٌ؛ من قِبَل أن القاتل خرج عن كونه وارثًا بالقتل.
وإنما أوردت هذه المسألة على ظهورها؛ لاقتضاء الكلام إلى حالةٍ يصير القتل فيها سببًا لتصحيح الوصية.
ثم [ممّا] (٣) أجراه أن عبدًا لو جرح رجلًا، فأوصى له المجروح، فالوصية تصح، وإن منعنا الوصيةَ للقاتل؛ فإن هذه الوصية ترجع فائدتها إلى السيد، فليتأمل الناظر التفات هذا الفصل، ومصير (٤) الوصية للعبد تارةً إلى أن العبد هو الموصى له، وتارةً إلى أن الموصى له مولاه. [والقتل الحاصل منه] (٥) أن ما يتعلق بنسبة الموصى له إلى
_________________
(١) في الأصل: واستنكروها.
(٢) عبارة (س): فحكم التفريع على الوارث
(٣) في الأصل: بما.
(٤) (س): وهل الوصية للعبد، وهي في الأصل: ومسير (بالسين).
(٥) في النسختين: "والقول الحاصل فيه" والمثبت تقدير من المحقق، بناء على مقتضى السياق، =
[ ١١ / ٢٩٤ ]
الاستعجال (١)، فالعبد فيه لا يكون موصىً له، فإنه لا يتحصل على طائل، فينسب إلى استعجاله.
وإذا كان العبد لوارث الموصي، فنقدّر كأن الوصية للوارث؛ فإن الموصي ممنوع عن تفضيل الورثة، فلو صححنا الوصية لعبد الوارث، كان هذا مسلكًا اختياريًّا (٢) في تفضيل الورثة. وما (٣) يرجع إلى القبول وحكمه، فالنظر فيه إلى العبد وإنما (٤) يمتحن حذق المهرة في الفقه إذا اشتملت المسألة على معانٍ متعارضة، تكاد أن تتناقض، حيث صححنا الوصية للعبد القاتل، ولم نصححها لعبد القاتل، وأفسدناها لعبد الوارث؛ نظرًا (٥) منا في ذلك كله إلى من إليه تصير الفائدة، فذلك فيه إذا بقي رقيقًا لذلك الشخص، فلو عتَق في حياة الموصي، فقد تبين رجوع الفائدة إليه، وهو القابل أيضًا نقدره موصى له قطعًا، وانظر هل فيه ما يمنع صحة الوصية من قتل أو غيره واجْرِ فيه على القياس، مستعينًا بالله ﷿.
٧٥٤٥ - و[مما] (٦) أجراه الشارحون الوصية للمرتد، قالوا: هي بمثابة الوصية للحربي؛ فإنه لا عاصم للمرتد من سيف الإسلام كما لا عاصم للحربي، وقد ذكرنا [أن] (٧) الوصية للحربي جائزة في ظاهر القياس، وقد حكى صاحب التلخيص [منع] (٨) الوصية للحربي من نص الشافعي، ووافقه في النقل من يوثق بنقله (٩).
_________________
(١) = فالمعنى: أن العبد الموصى له إذا قتل لا ينسب إلى استعجال الموصى به. والله أعلم (ر. الروضة: ٦/ ١٠٨، والشرح الكبير: ٧/ ٢٢).
(٢) في (س) إلى الاستعمال استعماله.
(٣) في (س): اختيارًا.
(٤) في (س): ومما.
(٥) (س): وإنما يتبين تصرف المهرة.
(٦) (س): نظيرا هذا كله.
(٧) في الأصل: بما.
(٨) في الأصل: بأن.
(٩) في الأصل: بيع.
(١٠) في الأصل: بفعله.
[ ١١ / ٢٩٥ ]
والذي صار إليه فقهاء الأصحاب تصحيحُ الوصية للحربي بكل ما يجوز بيعه منه، فأما الوصية للمرتد فأولى بالصحة؛ لأنه في عصام (١) الإسلام، وقتلنا إياه ليس حدًّا مقامًا عليه، وإنما [نجدّد له] (٢) الإسلام بالبرهان الظاهر، فإن عاند، فبالسيف الباتر، ومذهب الشافعي أنه يحكم له وعليه بما (٣) يحكم به على المسلمين، ويجوز أن يقال: إذا حكمنا بأن الردّة تزيل ملكه، فالوصية ضعيفة حريِّة بالفساد.
وأحكام المرتدين ستأتي مستقصاة في آخر كتاب قتال أهل البغي، إن شاء الله ﷿.
فصل
في بيان من تصح منه الوصية (٤)
٧٥٤٦ - البالغ العاقل الحر المسلم تصح وصيته، ووصية [الذمي] (٥) نافذة إذا وافقت (٦) شرط الشرع.
وهي على أقسام منها أن يوصي لشخص، وقد سبق التفصيل فيمن تصح الوصية له، فالقول فيمن يوصي الذميُّ له كالقول فيمن يوصي المسلم له.
ومن الأقسام أن يوصي بما يكون قربة عندنا وعندهم، فإذا رفعت إلينا وصيته، والثلث متسع، أجزناها ونفذناها، كالوصية بعمارة المسجد الأقصى.
وألحق الشافعي بذلك عمارة قبور الأنبياء ﵈، وهذا حسن؛ فإن قبورهم مشاهد قوم، وعمارتها قُربة، وكان شيخي يميل إلى ذلك في قبور مشائخ
_________________
(١) (س): عاصم.
(٢) في النسختين: نجدده إلى الإسلام.
(٣) (س): مما.
(٤) (س): فيه الوصاية.
(٥) في الأصل: الدين.
(٦) (س): وافقه.
[ ١١ / ٢٩٦ ]
الإسلام وعلماء الدين، بناءً على ما ذكرناه، والضابط فيه أن كلَّ قبرٍ يزار تقربًا، فعمارة نعشه لإدامة الزيارة قُربةٌ (١).
وكذلك إذا أوصى الذمي للفقراء أو لجهة من جهات الخير، ولو أوصى بما هو قربة عندنا، وليس قربةً عندهم، مثل أن يوصي بعمارة مساجدنا، فالوصية نافذة على شرطها في محلها.
ولو أوصى بما يكون قربةً عندهم، معصيةً عندنا كعمارة الكنائس والبيع وبيت النيران، فالوصية إذا رفعت (٢) إلينا، أبطلناها.
هذا مذهب الشافعي، ﵁، وقال أبو حنيفة (٣) وأبو يوسف تجاز هذه الوصية، وكذلك أجازوا الوصية بالخمر والخنزير من ذمي لذمي.
٧٥٤٧ - ومما يتعلق بالفصل وصية الصبي المميز، وفيها قولان للشافعي ﵁: أحدهما -[أن] (٤) وصيته جائزة، وكذلك تدبيره، وهو مذهب طوائف من العلماء، وقد عُزي هذا القول بتصحيحها إلى عمر بن الخطاب ﵁، وروي أيضًا عن عثمان وابن عمر ﵄.
ورمز الشافعي ﵁ إلى طرفٍ من المعنى، فقال: الوصية لا تنجِّز حجرًا، ولا تمنع تصرفًا، فإذا كانت لا تفوّت مقصودًا ماليًا، فإن بقي، فالمال عتيد، وإن مات، كانت الوصية ذُخرًا.
_________________
(١) ما حكاه الإمام عن الشافعي، وعن والده هنا، هو ما استقر عليه المذهب، فقد أقره شيخا المذهب: الرافعي، والنووي. قال في الروضة: "يجوز للمسلم والذمي الوصية لعمارة المسجد الأقصى، وغيره من المساجد، ولعمارة قبور الأنبياء، والعلماء، والصالحين؛ لما فيها من إحياء الزيارة والتبّرك بها" ا. هـ (٦/ ٩٨). كما أقره المتأخرون من أئمة المذهب واستقروا عليه، انظر على سبيل المثال: حاشية قليوبي على شرح الجلال المحلي على المنهاج (٣/ ١٥٩ سطر ١٢).
(٢) (س): إذا وقعت أبطلناها.
(٣) ر. المبسوط: ٢٨/ ٩٤، الاختيار لتعليل المختار: ٥/ ٨٤.
(٤) زيادة من (س).
[ ١١ / ٢٩٧ ]
والتعويل على الآثار أولى مع مصير الشافعي ﵁ إلى أن الصبي لا عبارة له في العقود الواردة على الأموال (١).
هذا أحد القولين.
وقال الشافعي ﵁ في موضع آخر: لا تجوز وصيته، ولا تدبيره، وهو مذهب ابن عباس واختيار المزني.
٧٥٤٨ - ثم قطع الأصحاب أقوالهم (٢) بتصحيح الوصية والتدبير من السفيه المبذر؛ فإن عبارته صحيحة، ولذلك كان من أهل الطلاق والإقرار بالجناية الموجبة للقصاص، واستلحاق الولد ونفيه باللعان.
٧٥٤٩ - ولو أوصى مملوك أو مكاتب، فالوصية [لا يقع تصحيحها في الحال، فلو ماتا على الرّق، تبينّا فساد الوصية] (٣). وإن عتقا وتموّلا وماتا - فقد اختلف أصحابنا في المسألة: فمن (٤) أصحابنا من قال: تصح الوصية، نظرًا إلى صحة العبارة ابتداء وإلى الحرية انتهاءً.
ومن أصحابنا من قال: لا تصح الوصية؛ فإنها جرت والرق مستمر، فإن أراد تصحيحها، [فليُنشئها] (٥) بعد الحرية.
_________________
(١) ما رجحه الإمام من عدم جواز وصية الصبي هو الأظهر -في المذهب- عند الأكثرين (ر. الروضة: ٦/ ٩٧).
(٢) (س): ثم قطع الأصحاب بتصحيح الوصية
(٣) ما بين المعقفين ساقط من الأصل.
(٤) (س): فمنهم.
(٥) في النسختين: فلينسبها.
[ ١١ / ٢٩٨ ]
باب
الوصية للقرابة
قال: "ولو قال: ثلثي لقرابتي، أو لذوي رحمي أو لأرحامي إلى آخره" (١).
٧٥٥٠ - هذه الألفاظ إذا استعمل الموصي واحدةً منها، لم يختلف حكمها، فقوله: أوصيت لقرابتي، أو لذي رحمي أو لأرحامي عباراتٌ عن معبَّر واحد.
والعلماء مضطربون في الوصية للقرابة، ومذهب الشافعي ﵁ أنه إذا قال: أوصيت لقرابتي، أو لأقاربي بثلث مالي، فإنا لا نفضِّل الأدنى والأقرب على البعيد [إذا كان البعيد] (٢) قريبًا ولا فصْل بين المحرم وغير المحرم، ولا فرق بين الغني والفقير، والذكر والأنثى، والموصى به مفضوضٌ عليهم بالسويّة.
وتعليل ما ذكرناه بيّن، ومقتضى اللفظ شاهدٌ عليه.
والذي يغمض في هذا الفصل؛ من طريق الانتشار [المحوج] (٣) إلى [الضبط] (٤) أن المدلين بالأجداد العالية من بين الأعمام قد يكثرون وينتشرون انتشارًا عظيمًا، وللعلماء اضطرابٌ في طلب موقف ينتهون إليه ولا يتعدَّوْن، فقال (٥) أبو يوسف (٦): ننتهي إلى أعلى (٧) أبٍ له في الإسلام، ولا نتعدى إلى آباء الشرك، ونصرف الوصية إلى
_________________
(١) ر. المختصر: ٣/ ١٦٨، ١٦٩.
(٢) زيادة من (س).
(٣) في النسختين: المخرج.
(٤) في الأصل: النمط.
(٥) (س): وقال.
(٦) ر. الاختيار: ٥/ ٧٨.
(٧) (س): أبعد.
[ ١١ / ٢٩٩ ]
المنتسبين من ذلك الأب العالي فمن دونه.
ونحن لا نصير إلى هذا؛ فإنه خارج عن الضبط، وإذا لم نرتضِ هذا، فأين الموقف مع عموم لفظ القرابة؟ المعتمدُ (١) في هذا مأخوذ من كلام الشافعي ﵁، ولم يقصر (٢) الشيخُ أبو بكر في التعبير عن مراد الشافعي ﵁: الوصيةُ (٣) [تصرف] (٤) إلى البطن الأدنى الذي ينتمي إليه ويعرف به دون الأباعد، واستشهد، فقال: إذا كانت الوصية للقرابة والرجل من بني شافع، فالوصية مصروفة إلى بني شافع دون سائر بني المطَّلب، أو سائر بني عبد مناف، أو سائر قريش؛ فإن الشافعي وإن كان مطّلبيًا مَنَافيًا قُرشيًا، فإنما يشهر بشافع.
فهذا هو الضبط التام في ذلك، ولا ينتهي رهط الرجل إلى الخروج عن الضبط حتى تكون وصيته لقرابته كوصيته للعلوية؛ فإنهم إذا انتشروا هذا الانتشار، وكثروا هذه الكثرة، اشتملوا على شُعب والموصي من شعبةٍ هو يشهر بها.
ثم قال أئمتنا: ما ذكره الشافعي ﵁ في حمل الوصية للقرابة من الرجل الشافعي على بني شافع (٥ محمول على عهده القريب بأرومة شافع ٥) وجُرثومته، والآن، فقد انتشروا، ولكل موصٍ ينتمي إلى الأب العالي الشافعي بطن يخصّه وهم فصيلته التي تؤويه، ولا يخفى على الفطن بعد ذلك حقيقة المراد، ثم كل من نصرف إليه من الوصية للقرابة شيئًا، فهو يُدلي إلى الميت بأسلوب من أساليب القرابة لا محالة.
٧٥٥١ - وقال الأئمة: إن كان الموصي من العجم، دخلت تحت اسم قرابته القرابةُ من قِبَل الأب، والقرابةُ من قِبل الأم، وهذا الذي ذكره الأصحاب (٦) واضح؛ فإن
_________________
(١) (س): والمعتمد.
(٢) (س): يفض أبو بكر في التعبير عن مراد الشافعي في الوصية تصرف.
(٣) الوصية تصرف إلخ تفسيرٌ للمعتمد المأخوذ من كلام الشافعي.
(٤) في الأصل: تنصرف.
(٥) ما بين القوسين ساقط من (س).
(٦) ساقطة من (س).
[ ١١ / ٣٠٠ ]
اسم القرابة في وضع اللسان شامل للقرابة من جهتي الوالدين.
قال الشيخ أبو بكر وجمهور الأصحاب: إن كان الموصي من العرب وقد أوصى لقرابته، فالوصية لقرابته من قبل أبيه لا غير، وزعم الأصحاب أن العرب لا تفهم من القرابة في عرف لسانها إلا الذين يدلون (١) به من قبل آبائه.
وذكر بعض أصحابنا وجهًا أنه لا فرق بين العربي والعجمي، وقرابة الأم داخلون تحت إطلاق اسم القرابة، كما ذكرنا في العجم، وهذا -وإن استبعده الأئمة- متجهٌ جدًا موافق للغة، ومن (٢) موجب اللسان، ولا مستمسك لحمل القرابة في حق العربي على الذين يدلون من قبل الأب إلا من [جهة] (٣) ادعاء عرفٍ غالب في العرب، وهذا لم أتحققه من عرفهم على أني أكثرت مخالطتهم، وأصل اللسان يشمل الجانبين، والقرابة إن عُرضت على الاشتقاق، فهي من القُرب، وإن كان مختصًا بقرب النسب.
٧٥٥٢ - ومما يتعلق بهذا الفصل أنه إذا أطلق الوصية للقرابة، فهذا الاسم يتناول الورثة ومن ليس وارثًا، ثم قال الصيدلاني: إذا أبطلنا الوصية للوارث، فهي مصروفة بجملتها إلى الذين لا يرثون من القرابة، وقال غيره: نجعل الوصية مضافة إلى من تصح الوصية له، وإلى من لا تصح الوصية له، وظاهر القياس في مثل هذا الموضوع تقدير التقسيط على الكل، ثم المصير إلى إبطال ما يقابل الورثة، وتصحيح ما يقابل من ليس بوارث.
وذكر طوائف من أصحابنا أنه إذا أوصى للقرابة، فالأولاد والأبوان لا يدخلون في الوصية، وذهب آخرون إلى أنهم يدخلون تحت اسم القرابة، وإذا دخلوا، أمكن فرضهم بحيث لا يرثون لاختلاف دين.
وقد يوصي الرجل لقرابة زيدٍ، فتمس الحاجة إلى التعرض لدخول أولاده وأبويه، ومن أدخل هؤلاء، تمسك بموجب اللسان، ومن لم يدخلهم تمسك بموجب
_________________
(١) (س): يكون.
(٢) (س): اللغة وموجب اللسان.
(٣) في الأصل: حرية.
[ ١١ / ٣٠١ ]
العرف؛ فإن الأصول لا يسمَّوْن قرابة في إطلاق اللسان، ومن سمى أباه وابنه وأمه قرابته، كان ذلك في العرف تعقيدًا وإلغازًا.
ثم الذين لم يدخلوا الأبوين اختلفوا في الأجداد والجدات، وأولاد الأولاد، فمنهم من أدخلهم، ومنهم من لم يدخل واحدًا من الأصول ولا واحدًا من الفصول، وإن بعُدوا، وخصّص القرابة بالذين يقعون على جانب من عمود النسب.
ولو أوصى للأقرب فقال: أوصيت بثلثي لأقربهم بي رحمًا، فقد قال الأئمة: تسلم الوصية إلى أقربهم بأبيه وأمه؛ فإنه ذكر الرحم، وهذا يتناول جانبَ الأب والأم جميعًا، ويستوي في ذلك العربي والعجمي.
قال الصيدلاني: ظاهر كلامه دليل على أن اعتبار جانب الأم في حق العربي سببُه ذكرُ الرحم والقربُ به؛ فإن لفظ الموصي على ما صور (١): "أوصيت لأقربهم بي رحمًا" وهذا يقتضي أنه إذا قال: أوصيت لذوي رحمي -والموصي عربي- دخل تحته المدلون بالأم، وكذلك إذا قال: أوصيت لأرحامي، وإنما يحمل لفظ العربي على المدلين بجانب الأب إذا ذكر القرابة، ولم يتعرض للرحم، فعلى هذا إذا قال: أوصيت لأقرب قرابتي، ولم يتعرض للرحم والموصي عربي، فيجب على مساق [ما] (٢) حكاه الصيدلاني ألا نعتبر جانب الأم؛ فإن الذي ذكره الموصي القرابة مع صيغة تشعر بالأدنى.
ثم أجمع الأصحاب على أن الأقرب يتناول الأبوين والولد، وإنما التردد فيه إذا ذكر لفظ القرابة ولم يتعرض للأقرب، وتعليل ذلك بيّن؛ فإن الإنسان إذا أشار إلى شخص، وقال: هذا قرابتي، وكان أباه أو ولدَه، فلفظه تعقيد، وإذا قال: هذا أقرب قرابتي، ثم فسره بالأب والولد، قبل منه، ولم يعدّ ذلك تعقيدًا.
٧٥٥٣ - فإذا [تبين] (٣) أصل الكلام في هذا عدنا بعده إلى من تصرف إليه الوصية
_________________
(١) (س): على ما صور، وهو قوله: أوصيت لأقربهم
(٢) في الأصل: بما.
(٣) في الأصل: بيّن.
[ ١١ / ٣٠٢ ]
للأقرب على شرط التحرز من صرف الوصية إلى وارثٍ، كما قدمناه، وإذا أردنا أن نتوسع في تصوير الأقرب مع تصحيح الوصية له، فرضنا الكلام في وصية الرجل لأقرب قرابات زيد، فتجري لنا جميع الصور، فنقول أولًا: لسنا نتبع الميراث في هذه القاعدة؛ فإنا نرى قريبًا مدليًا [بالعصبة] (١) لا يرث كابن البنت، ويرث أولاد عمومة الجد مع وقوعهم حاشية على البعد، والوصايا تنفذ على مقتضى الألفاظ، فلسنا نحكم إذًا فيما [ننفي] (٢) ونثبت الميراث، ولكنا نتبع لفظ الأقرب، فإن ظهر لنا معناه في مسألة، [تبيّنا] (٣) الجواب قطعًا، وإن ترددنا، أنشأنا ترددنا عن إشكال في معنى اللفظ، ونحن نعلم أن الأقرب يشير (٤) إلى قرب الدرجة، ويشير أيضًا إلى قوة القرابة، هذا معلوم من معنى اللفظ، وما يفهم منه في مجرى العرف.
ومما نمهده قبل المسائل أن الأقرب يتعلّق بجانب الأب والأم جميعًا، والمُدْلي بالجهتين (٥) نقدمه على المختص بإحداهما على الترتيب الذي سنذكره، إن شاء الله ﷿.
ومن أهم [ما] (٦) يجب الاعتناء به أنه إذا قال: أوصيت لأقربهم لي رحمًا، فقد يظن الفقيه أن لفظ الرحم يختص بجانب الأم، وليس الأمر كذلك؛ فإن الرحم المطلق في القرابة لا يعنى به مقرّ (٧) الولد، وإنما شاع هذا اللفظ في القرابة، واللفظ إذا شاع على وجهٍ لم يلتفت إلى اشتقاقه، كالدابة؛ فإنها في الأحكام اللفظية محمولة على حيوان مخصوص، وإن كانت مشتقة من الدبيب.
٧٥٥٤ - فإذا تمهدت هذه الأصول، افتتحنا بعدها المسائل، وخرّجناها على مقتضاها، فلفظ الأقرب يتناول الأب والأم على وجهٍ واحد، والموصى به بينهما
_________________
(١) في الأصل: بالوصية.
(٢) في الأصل: فيما نبقي ونثبث، و(س): فيما نبغي ونثبت.
(٣) في الأصل: يثبت.
(٤) (س): أن الأقرب إلى قرب الدرجة يشير.
(٥) (س): بالجهة.
(٦) في الأصل: مما.
(٧) (س): مقدار.
[ ١١ / ٣٠٣ ]
بالسوية، والابن والأب في قياس الطرق مستويان، وذكر العراقيون وجهين: أحدهما - ما ذكرناه، وهو الذي صححوه.
والثاني - أن الابن أولى، وهذا على بعده قد يتجه [فيه] (١) كلام له غوصٌ في الفقه؛ فإن الوصية إذا وقعت لأقرب الناس بفلان، فقد يعتقد أن لفظ القرب في الولد أحرى منه في الأب، فإن ولد الرجل قريب منه، [وقد لا ينساغ] (٢) هذا في [الأب] (٣) انسياغه في الولد؛ فإن الولد قريبٌ من والده، وولده قريب منه، فهذا تخيل يؤول إلى معنى اللفظ، لا اتجاه [له] (٤) على بعدٍ، والأصح التسوية؛ فإن القرب من أسماء الإضافة، وما قرب من شيء، قرب ذلك الشيء منه، وإنما يختلف [النسب] (٥) والأسماء، فالولد قريب من أبيه؛ من جهة كونه بعضه، والأب قريب من الولد من جهة كونه أصله، فلا وجه إلا التسوية (٦).
ولا يخفى أنه إذا اجتمع أولاد الدِّنْية (٧) والأحفاد، فالأقربون أولادُ الدِّنْية، وهكذا البطون إذا اجتمعوا والوصية للأدنَيْن (٨): أولاد الدِّنية.
ولو كان في الدرجة الأولى من الأحفاد [أولادُ] (٩) البنات [وكان أسفل بنو بني
_________________
(١) في الأصل: منه.
(٢) في الأصل: وقولًا ينساغ.
(٣) في الأصل: "الولد".
(٤) زيادة من (س).
(٥) في الأصل: للتسبب.
(٦) خالف النووي في ذلك، فقال: الأصح تقديم الابن. (ر. الروضة: ١٧٥) وكذا الرافعي، إذ قال: إنه الأظهر: (ر. العزيز: ٧/ ١٠١).
(٧) الدِّنية: بالدال المهملة مشدّدة مكسورة = الأقرب من قولهم: هو ابن عمي، أو ابن خالي، أو ابن عمتي أو خالتي دِنيةً، دِنيًا، بالتنوين، ودُنيا ودِنيا بغير تنوين أي: لحًّا، بلام وحاء مهملة مشددة، أي لصيق القرابة من: لحت القرابة بيننا تَلِح لحًا: دنت ولصقت (ر. القاموس: د، ن، ي، والمعجم: ل. ح. ح).
(٨) (س): والوصية لأدنى، ولو كان في الدرجة الأولى
(٩) في الأصل: وأولاد (بالواو).
[ ١١ / ٣٠٤ ]
البنين، فالوصية لأولاد البنات] (١)؛ فإنهم الأقربون، ولا نظر إلى الميراث، ولا فرق بين الذكور، والإناث.
قال شيخي: لو اجتمع أسباطٌ متسفلون، وإخوة [فالأسباط] (٢) مقدمون في الاستحقاق، وإن بعدت درجتهم؛ لأنهم ينتمون بالتعصبة؛ فقرابتهم أقوى وإن بعدوا، ولسنا نعلل [هذا] (٣) من طريق المعنى، ولكنا نرعى أن هؤلاء وإن بعدوا، فهم المفهومون من الأقربين إذا اجتمعوا مع الإخوة، وهذا متجةٌ ظاهر.
وإذا اجتمع الأخ من الأب والأم والأخ من الأب، فالأخ من الأب والأم أولى؛ لأنه جمع القرابة من الجهتين، وهو مقدم أيضًا على الأخ من الأم لما ذكرناه.
ثم الأخت من الأب والأم مقدمة على الإخوة [من الأب] (٤) لما ذكرناه من اجتماع القرابتين، فلا التفات إلى الذكورة والأنوثة ومسالك التوريث.
وابن الأخ وبنت الأخ بمثابةٍ واحدة في الاستحقاق، وإن اختص بالإرث ابنُ الاخ.
والأخ من الأب مع الأخ من الأم مستويان، وكل واحد منهما على قرابة واحدة.
فالضابط في هذا الفن استعمال الدرجة والقوة.
وابن الأخ من الأب يتقدم (٥) على ابن ابن الأخ من الأب والأم؛ لأن قرب الدرجة في هذا المقام أولى بالاندراج تحت الأقرب من الاختصاص بمزية (٦) قرب مع البعد في الدرجة.
٧٥٥٥ - وذكر الصيدلاني وغيره من أئمة المذهب قولين في الجد والأخ من الأب
_________________
(١) ما بين المعقفين ساقط من الأصل، وأثبتناه من (س).
(٢) في الأصل: بالأسباط.
(٣) في الأصل: بهذا.
(٤) زيادة من (س).
(٥) (س): مقدم على ابن الأخ من الأب والأم، فإن قرب.
(٦) عبارة (س): من الاختصاص ثم الأقرب مع البعد.
[ ١١ / ٣٠٥ ]
والأم أو من الأب: أحد القولين - أن الأخ مقدم على الجد؛ لأن [إدلاءه] (١) بالابن وإدلاء الجد بالأب، وإدلاؤه بالبنوة، والإدلاء من جهة البنوة أقوى.
والقول الثاني - أنهما سواء (٢)، وقد ذكرنا إجراء هذين القولين في عصبات الولاء.
وينشأ من هذا إشكال يحيك في صدر الفقيه، وذلك أن سبب اختلاف القول في الولاء أن التعويل في التوريث بالولاء على قوة العصوبة، والبنوةُ أجلب للعصوبة من الأبوة، ولمَّا رأينا في التوريث بالقرابة التسويةَ بين الجد والأخ، ولم نردّد القولَ، كان السبب فيه أن التوريث بالقرابة لا يقتصر على طريق العصوبة.
[فهذا] (٣) نظر كلي في التوريث بالقرابة والولاء. ومن [لا] (٤) يُجري القولين في الجد والأخ يقول: في الجد وابن الأخ قولان: أحدهما - أن الجد أولى، ويسقط ابن الأخ.
والثاني - أن ابن الأخ أولى لقوة قرابته، ولا [مزيد] (٥) في الضعف على هذا (٦)؛ فإن تقديم ابن الأخ وإن تسفل في الوصية للأقرب [في] (٧) نهاية السقوط، وإنما اتجه هذا في الولاء لاتباع العصوبة، [فأما] (٨) صرف الوصية إلى الأقرب، فمأخذه موجب اللفظ، [وقد] (٩) ذكرنا أن هذه المسألة لفظية، ثم أوضحنا أن من كان على عمود النسب أصلًا وفصلًا، فهو في حكم العرف وفهمِ الخطاب أولى باسم الأقرب، ثم
_________________
(١) في الأصل: "الإدلاء". ثم العبارة -مع هذا- فيها شيء؛ فالجد والأخ كلاهما يدلي (بالأب) ولكن الفرق أن الأخ ابنُ الأب، والجد أبوه، فليس فيهما من يدلي بالابن.
(٢) اختار النووي الأول، ووصفه بالأظهر. (ر. الروضة: ٦/ ١٧٥).
(٣) في الأصل: بهذا.
(٤) زيادة من (س).
(٥) في الأصل: يزيد.
(٦) المذهب تقديم الجد على ابن الأخ، قاله النووي (الروضة: ٦/ ١٧٥).
(٧) في الأصل: من.
(٨) في الأصل: فإنا.
(٩) في الأصل: فقد.
[ ١١ / ٣٠٦ ]
حكينا عن شيخنا أن الأحفاد وإن سفلوا مقدمون على الأخ القريب.
ومَنْ ضبط ما قدمناه وأحاط بما [نبهنا] (١) عليه الآن، لم ينقدح له وجه من الرأي إلا تقديم الجد على الأخ؛ فإن تَحَامَل، يسوي بينهما، أما تقديم الأخ، فبعيدٌ عن مأخذ الكلام في المسألة، ولست أذكر مثل هذا لأغيّر (٢) المذهب؛ فإن التعويل على النقل فيه، ولكن لا بد من تنبيه.
ولا شك في تقديم بني الإخوة على الأعمام، وإن بعدوا، وكذلك يقدّمون على [بني] (٣) الأعمام، والسبب فيه تعلقهم بقوة قرابة الأخوّة، فهذه قوةٌ مقدمة على قرب الدرجة، وليس كقوة ابن ابن الأخ من الأب والأم مع قرب ابن الأخ من الأب؛ فإن القرب مقدم على هذا [القدر من] (٤) القوة؛ فإن الأخوّة جامعة، وقرب الدرجة أجلب لاقتضاء اسم الأقرب من الاختصاص بأخوّة مع البعد في الدرجة.
ولم يختلفوا أن الجد مقدم على الأخ من الأم، وقالوا: في أب الأم وأخ الأم قولان؛ فإن أبا (٥) الأم أصلٌ، وأخ الأم يدلي إلى الأم بالبنوة، ولا نظر إلى الميراث.
قال الصيدلاني: أبو الأم بمثابة أبي الأب، وأخو الأم بمثابة الأخ من الأب فيجري قولان: أحدهما - أن الأخ من الأم مقدم. والثاني - أنهما سواء، وهذا [خبط] (٦) لا ينساغ للفقيه.
فإن قيل: إخوة متفرقون وأخوات مفترقات؟ قلنا: الوصية لأولاد الأب والأم من الذكور والإناث بالسوية.
_________________
(١) في الأصل: بنينا.
(٢) (س): إلا عن المذهب.
(٣) زيادة من (س).
(٤) في الأصل: القرب في القوة.
(٥) هكذا يزاوج بين الاستعمالين للأسماء الخمسة في مسألة واحدة، بل سطرٍ واحد.
(٦) في الأصل: حط.
[ ١١ / ٣٠٧ ]
فإن قيل: بنو إخوة مفترقون وبنات إخوة مفترقات؟ قلنا: الوصية لبني الإخوة وبنات الإخوة من الأب والأم بالسوية.
٧٥٥٦ - والأعمام والعمات يشتركون في الاستحقاق، وإن اختلفوا في الإرث، ويجب القضاء بالتسوية بين الأخوال والأعمام للاستواء في الدرجة، وقرابة الأم كقرابة الأب.
فهذا بيان معنى الأقرب، مهّدنا أصوله، ثم هذبنا الأصول بالصور، ونصصنا على محل الإشكال، وهو الجدّ والإخوة، فلم يبق مالا يخرج على الأصول التي ذكرناها.
٧٥٥٧ - ثم يتشعب من هذه الأصول مسائل ذكرها العراقيون وغيرهم من أئمة المذهب منها: أنه إذا أوصى لأقرب الناس به رحمًا، [فإذا كان] (١) أقرب الناس به وارثًا، ورددنا الوصية للوارث، قالوا: فالوصية تبطل في هذه الصورة؛ فإن الأقربين خرجوا عن استحقاق الوصية، وامتنع تصيير الوصية إلى الأبعدين لمكانهم، وهذا قياس الطرق.
ومما ذكروه أنه إذا أوصى لجماعة من الأقربين [لزيد] (٢)، وذكر في هذا لفظًا يقتضي الجمعَ، فلو كان لزيد ثلاثة من البنين، وجمعٌ من بني البنين، فلا شك أن الوصية مصروفة إلى البنين [دون بنيهم] (٣).
قالوا: فلو كان له ابن واحد وابنا ابن، فللابن الثلث والباقي لابني الابن.
وكذلك لو كانوا ثلاثة (٤)، فللابن الثلث والباقي بينهم، يعني بين البنين.
وزعموا أن ضبط المذهب في ذلك أنا [إن] (٥) وجدنا من الأقربين ثلاثة، صرفنا
_________________
(١) في الأصل: قال: إذا كان
(٢) في الأصل: من الأقربين بزيد، و(س): وزيد.
(٣) في الأصل: دون بني بنيهم.
(٤) أي أبناء الابن.
(٥) زيادة من (س).
[ ١١ / ٣٠٨ ]
الكلَّ إليهم، وإن لم نجد منهم ثلاثة، فنصرف إلى من وجدنا ما يخصه لو كانوا ثلاثة، فإن كان واحدًا، فالثلث، ثم نصرف الباقي إلى الذين في الدرجة الثانية.
وليس ذلك كما لو أوصى الرجل لأقرب الناس به رحمًا، فإنا نبطل الوصية للورثة إذا كانوا هم الأقربين، ولا نقول: إذا لم نجعلهم مستحقين نرتفع إلى غيرهم، وذلك أنهم وجدوا ولم (١) يستحقوا، فهو كما لو ردّوا الوصية فبطلت الوصية بردهم، وليس كذلك إذا ذكر لفظ الجمع، ثم لم نجد من الأقربين إلا واحدًا أو اثنين، وهذا ذكره على هذا الوجه صاحب التقريب موافقةً للعراقيين حرفًا حرفًا، والكلام في هذا المقام لطيفٌ جدًا.
فإذا قال: أوصيت لأقرب الناس لي، فكان أقرب الناس به وارثًا محجوبًا عن الوصية، فوجوده يحجب من بعُد، وإذا ذكر لفظ الجمع، ثم لم يوجد في الدرجة الأولى جمع، فكيف يثبت الحجب، ولم يتحقق جمع؟ ثم إذا لم يثبت الحجب (٢) دخل في الاستحقاق من بَعُد، ولكن لمن قرب اختصاصٌ، فاستحق الثلث، فهذا جواب متركب من قواعد حسنة ينجح بمثلها الفقيه.
٧٥٥٨ - وتمام هذا الفصل في مسائل نذكرها للشافعي وللأصحاب تتعلق برعاية الجمع، قال الشافعي ﵁: إذا أوصى لقرابة فلان أو لأقربائه، فسواء كان له قريب واحد أو اثنان أو ثلاثة، فالوصية لهم، والأقرباء صيغة جمع إن كان في القرابة نظر (٣).
ووجه ما ذكره الشافعي ﵁ أن لفظ الجمع في هذا المقام لا [يعني الجمع] (٤)، وإنما الغرض الصرف إلى جهة القرابة، فإن جرت لفظة الجمع، فالغرض أن يستوعب قرابة ذلك الرجل، ثم يذكر الذاكر الجمع وهو يبغي
_________________
(١) (س): وإن لم يستحقوا، كما لو ردّوا الوصية بردهم.
(٢) (س): الجمع.
(٣) كذا في النسختين.
(٤) في الأصل: يعين للجميع.
[ ١١ / ٣٠٩ ]
[الجهة] (١) والصنف، وقد يحمله على ذكر الجمع استيعاب جمعٍ إن كانوا، وليس من غرضه قصرُ الوصية إذا لم يبلغوا جمعًا.
وذهب بعض أصحابنا إلى أنه إذا ذكر لفظ الأقرباء، فلم يكن [له] (٢) إلا قريب واحد، فليس له إلا ثلث الوصية، وهذا يتيسر توجيهه. وما ذكره الشافعي أفقه وأليق بمعنى الكلام.
فإن أوصى لذي قرابته وله قريب واحد، فلا خلاف أن الوصية مصروفةٌ إليه بكمالها. والذي أطلقه الأصحاب أن الوصية للقرابة لا تتضمن جمعًا؛ فإن القرابة ليست من أبنية الجمع، وإذا قيل: قرابة فلان، فمعناه ذو قرابته. وإذا قال: أوصيت لذوي قرابة فلان، وقريبُه واحد، فهل يكون له جميع الوصية؟ فهذا لفظ مشعر [بالجمْع] (٣) وهو بمثابة قوله: أوصيت لأقرباء فلان؟ ظاهر النص أن الوصية مصروفة إلى قريب واحد إذا لم يكن غيره.
ومن أصحابنا من قال: لا تصرف جميع الوصية إلى ذلك الواحد، ثم هؤلاء يفضّون الوصية (٤) على تقدير جمع، وأقل الجمع في هذه المسائل ثلاثة.
وإذا تبين ما ذكرناه، فلو أوصى للأقربين، كان كما لو أوصى للأقارب في أنه هل يُحمل هذا على اقتضاء الجمع لا محالة، أو تصرف الوصية بكمالها إلى واحد إن لم نجد من الأقربين غيره؟
وقد ذكرنا مسألةً في الأقربين، وفرضنا ابنًا، وأحفادًا، وتلك المسألة تخرّج على وجوب رعاية الجمع. فإن فرعت على النص وأردت تخريج تلك المسألة، [فنصوّر] (٥) في صيغة الوصية تقييدًا بلفظةٍ تقتضي جمعًا لا محالة، مثل أن يقول:
_________________
(١) في الأصل: الجمعة.
(٢) في الأصل: لهم، و(س): فلم يكن له قريب واحد.
(٣) في الأصل: الجميع.
(٤) (س): يفضون على تقدير جمع.
(٥) في الأصل: سنصور.
[ ١١ / ٣١٠ ]
أوصيت لجماعة من [أقرباء] (١) فلان، ثم تتفرع تلك المسألة، وتنساق على حسب ما قدمناه.
٧٥٥٩ - وقد نجز القول في الوصية للقرابة والأقربين، ونحن نذكر ألفاظًا نفرض إجراءها في الوصايا، ونذكر معانيها. فقد كثر اختباط الفقهاء فيها، وقد نذكر في بعضها مذاهب بعض السلف، لأغراضٍ لنا صحيحة.
فإذا قال: أوصيت لآل رسول الله ﷺ، فمذهب الشافعي ﵁ أن آل رسول الله كل من يحرم عليهم الصدقة، وهم بنو هاشم، وبنو المطلب، واعتمد الشافعي في هذا هذا الأصلَ، وهو تحريم الصدقة؛ فإنهم أقيموا في هذه القاعدة مقام رسول الله ﵇، وهذا حسن.
وقال مالك: آل رسول الله ﷺ أصحابه، وقيل: آل رسول الله ﷺ أُمّتُه. وهذه اللفظة فيها استبهام، واشتقاق اللفظ -إن لم يُقدّر فيه قلبٌ [وإبدال- من قولك] (٢) آل يؤول، فكل من آل إليك أمره فهو من آلك، وقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] أراد به الذين ضلّوا بسببه، وآل ضلالُهم إليه.
ومن الناس من يقول أصل الآل الأهل، فأبدلت الهاء همزة، فصار أَأْلًا، ثم استثقلوا اجتماع الهمزتين فأبدلوا الثانية ألفًا، فصار آلًا، واللفظة على [حالٍ] (٣) فيها [تردد] (٤).
ثم الشافعي ﵁ قطع جوابه في آل الرسول ﷺ للأصل الذي وجده فيهم من تحريم الصدقة، [ونزّل] (٥) ذلك منزلة القرينة المشاعة في العرف، ورأى تقييد هذا اللفظ المتردّد بها.
_________________
(١) في الأصل: أقرب.
(٢) في الأصل: وإبداله من قبلك.
(٣) في الأصل: حالها.
(٤) في الأصل: يتردد.
(٥) في الأصل: وينزل ذلك.
[ ١١ / ٣١١ ]
فلو أوصى رجل لآل زيد وعمرو، ولم نتبين معنى لفظه، فمن أصحابنا من أبطل الوصية، لاستبهام اللفظ وتردده بين القرابة، وأهل الدِّين، وأصحاب الموالاة، وغيرها من الجهات.
ومن أصحابنا من صحح الوصية؛ فإن الاحتكام بإبطال الوصية لا معنى له.
وهذه المسألة قطبٌ يقاس به كل وصية تشتمل على لفظ مجمل متردد بين جهات من الاحتمالات يعسر [جمعُها] (١)، ويعسر الاحتكام بتعيين بعضها، ثم من صحح الوصية اختلفوا: فمنهم من قال: الوصية للآل كالوصية للقرابة، ومنهم من قال: نصحح الوصية [ونفوضها] (٢) إلى اجتهاد الحاكم، ثم سبيل الحاكم أن يرعى الأصلح في جهات الاحتمال، فإن أدى اجتهاده في معنى اللفظ إلى جهة، اتبع رأيه فيها، ولو كان [نصب] (٣) وصيًا، فقد قال هؤلاء نتبع رأي الوصي أيضًا، وهذا فيه نظر؛ لأنه ليس مسلّطًا على أن يفعل ما يشاء، وليس مجتهدًا يرجع إلى اجتهاده، فينتظم مع الوصي وجهان: أحدهما - أن الرجوع إلى رأي الحاكم. والثاني - أنه يجوز الرجوع إلى رأي الوصي.
٧٥٦٠ - فلو أوصى لأهل بيت رجل، فقد اختلف أصحاب الشافعي في ذلك، فذهب بعضهم إلى أن الوصية لأهل البيت كالوصية للآل، ومنهم من زاد على معنى الآل الزوجة؛ فإنها أصلٌ في معنى لفظ أهل البيت.
ولو أوصى لأهل رجل، ولم يقل: أوصيت لأهل بيته، فقد قال [بعض] (٤) الأصحاب: هذه الوصية تختص بالزوجة، وقال بعض أصحابنا: تعم كلَّ من يلزمه نفقته، والوجه الأول مذهب أبي حنيفة (٥)، والوجه الثاني مذهب أبي يوسف ومحمد.
_________________
(١) في الأصل: جميعها.
(٢) في الأصل: ونفرضها.
(٣) في الأصل: نصبه.
(٤) زيادة من (س).
(٥) ر. البدائع: ٧/ ٣٥٠، الاختيار: ٥/ ٧٧.
[ ١١ / ٣١٢ ]
ولو أوصى لأهل امرأة، فهذا يخرّج على الخلاف المقدم، فمن قال: الأهل معناه الزوجة، فالوصية باطلة، ومن حمل الأهلَ على من تلزم نفقته، صَرَفَ الوصيةَ إلى من يلزمها نفقتهم.
٧٥٦١ - ولو أوصى لأختانه، فقد قال أبو حنيفة (١): يدخل فيها زوج كل ذات رحم محرم [منه] (٢) ويدخل أيضًا كلُّ ذي رحم محرم من ذلك الزوج.
وقال أصحاب الشافعي ﵁ وأرضاه: الوصية للختن وصيةٌ لزوج البنت، واختلفوا في أزواج الأخوات ولم يتعدَّوا هذا [الحدّ] (٣)، وقطعوا القول بأنه لا يدخل أزواج العمات والخالات وغيرهم من المحارم. والأصحُّ التخصيص بأزواج البنات.
ثم سنذكر خلافًا في أن الأحفاد في الوصية للأولاد هل يدخلون تحت اسم الأولاد، فمن أدخلهم تحت الوصية للأولاد، أدخل أزواج الإناث من الأحفاد تحت الوصية للأَخْتان، فلو أوصى للأَخْتان، وكانوا قد طَلَّقوا البنات طلاقًا [يقطع] (٤) الزوجية، وصادفنا البناتِ غيرَ ذواتِ أزواج يوم موت الموصي، فلا وصية للذين كانوا أزواجًا، فإنهم لم يكونوا أختانًا عند الموت، وقد يتجه [فيه] (٥) قول [أنّا] (٦) نعتبر حالة الإيصاء، وهذا يخرّج على أنا إذا ردَدْنا الإقرار للوارث، فيعبتر كونه وارثًا يوم الإقرار، أو يُعتبر ذلك يوم الموت؟
وكان شيخي أبو محمد يقول: هذا التردّد في الاقرار للوارث على قول ردّ الإقرار، فإنا [قد نعلّل] (٧) ردَّ الإقرار بالتهمة، فأما الوصايا [فالاعتبار] (٨) فيها بحالة
_________________
(١) البدائع: ٧/ ٣٥٠، الاختيار: ٥/ ٧٧.
(٢) في الأصل: فيه.
(٣) في النسختين، الحدود.
(٤) في الأصل: فقطع.
(٥) في الأصل: منه.
(٦) في الأصل: أنما.
(٧) في الأصل: فإنا به إبطال.
(٨) في الأصل: فلا اعتبار.
[ ١١ / ٣١٣ ]
موت الموصي؛ فإنها ليست مبنية على [التهمة، ومقرّ] (١) الوصايا يوم الموت، فعلى هذا لو أوصى لأَختان بناته، وما كن مزوّجات، ثم تزوجن، وكن في حِبالة (٢) أزواجهن يوم موت الموصي؛ فالوصية مصروفة إلى أزواجهن، ولو كن متزوجات يوم الموت فقبل الأزواج الوصية، ثم أبانوا البنات، فالوصية قد استقرّت لهم، ولو طلقوا ثم قبلوا، فإن وقع التفريع على أن الملك بالموت أو هو موقوف فالوصية تثبت لهم، وإن قبلوها بعد البينونة، فإن حكمنا [بأن الملك يحصل في الوصية بالقبول، ففي المسألة وجهان: أحدهما -] (٣) أن الوصية تبطل إذا تقدمت البينونة على القبول؛ فإن التعويل [في] (٤) هذا القول على القبول، وما كانوا أزواجًا يومئذ.
والوجه الثاني - أن الوصية تثبت؛ فإن القبول إن (٥) استعقب الملك، فالاعتبار في صفة الموصى له بيوم الموت، والمسألة محتملة.
ولو تزوجن بعد موت الموصي، فهذا فيه تردّد أيضًا، مأخوذ مما ذكرناه، فإن اعتبرنا يوم الموت أو فرّعنا على الوقف، لم نصرف الوصية إليهم، وإن فرعنا على قول القبول، ففيه تردد مأخوذٌ ممّا قدمناه في تقديم البينونة على القبول، وإن طلق الزوج طلاقًا رجعيًا، فهو زوج [ووجهه بيّن] (٦).
٧٥٦٢ - ولو أوصى [لأصهاره] (٧) فقد قال أصحاب الشافعي ﵁: الوصية للأصهار وصيةٌ لأبوي المرأة، فإن أوصى لأصهار نفسه، دخل تحت الوصية أبو زوجته وأمها، وإن كانت له زوجات، دخل تحت الوصية آباء الزوجات وأمهاتهن
_________________
(١) في الأصل: التهم، وتقر الوصايا.
(٢) الحِبالة -بكسر الحاء- شبكة الصائد، واستعملت هنا مجازًا بمعنى رباط الزوجية.
(٣) ما بين المعقفين ساقط من الأصل.
(٤) في الأصل: على.
(٥) (س): قد استعقب الملك.
(٦) في الأصل: ووجهين (تداخلت الكلمتان).
(٧) في الأصل: لأمه إن.
[ ١١ / ٣١٤ ]
فحسب، ولم يدخل تحتها أبوا امرأة ابنه (١ ولا أبو امرأة أبيه ١). وإذا خرج هؤلاء، فما الظن بسائر القرابات؟
والوصية للأحماء كالوصية للأصهار.
ثم إذا جعلنا الوصيةَ للأصهار وصيةً لأبوي الزوجة، ففي أجدادها وجداتها تردد بين الأصحاب سيأتي له نظائر، إن شاء الله ﷿.
٧٥٦٣ - ولو أوصى لأمهاتٍ [رجل، فالجداتُ] (٢) من قبل الأم يدخلن لا محالة؛ فإنه لما ذكر الأمهات على صيغة الجمع، عرفنا أنه لم يُردْ قصرَ الوصية على الوالدة، وفي دخول الجدات من قبل الأب تردُّدٌ، والأظهر أنهن لا يدخلن.
وإن أوصى لآبائه، دخل تحت ذلك الأجداد من قبل الأب، وهل يدخل الأجداد من قبل الأم؛ فعلى اختلافٍ وتردُّدٍ بين الأصحاب.
ولو أوصى لأجداده، دخل الأجداد من الجهتين بلا خلاف.
وكذلك إذا أوصى لجدّاته دخلت الجدات من الجهتين بلا خلاف، الوارثات منهن والساقطات عن الإرث بمثابةٍ في استحقاق الوصية.
٧٥٦٤ - ولو أوصى [لبني] (٣) فلان، نُظر: فإن كانوا محصورين، وقد عزاهم إلى أب معلوم، وكان له بنون وبنات، فظاهر المذهب أنه يختص بالوصية الذكورُ من أولاده.
ومن أصحابنا من قال: يدخل جميع أولاده الذكور منهم والإناث، وهذا بعيدٌ، لا اعتبار به.
ولو أوصى لبني فلان، وذكر [قبيلة، مثل أن يوصي] (٤) لبني شافع، فقد اتفق
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من (س).
(٢) في الأصل: دخل بالجدات.
(٣) في الأصل: لشيء.
(٤) في الأصل: وذكر قبله إن وصى لبني شافع.
[ ١١ / ٣١٥ ]
الأصحاب على أن اللفظ لا يخصص بالذكور؛ فإن القبائل يعبر عنها على هذا الوجه، ولكن يتعرض للتفصيل إمكانُ حصرهم، فإن كان الحصر ممكنًا، فالوصية صحيحة، وإن لم يكن الحصر ممكنًا، ففي المسألة القولان المذكوران في الوصية للعلوية ومن في معناهم.
٧٥٦٥ - ولو أوصى لأولاد رجل، يتناول الذكور والإناث، وهل يختص بأولاد الدِّنية (١)، أو يتناول الأحفاد؟ فيها خلاف مشهور، وظاهر النص أنه يختص بأولاد الصلب، فإن جعلنا اللفظ شاملًا لأولاد الصلب والأحفاد، فلا كلام، وإن خصصنا الوصية بأولاد الصلب عند وجودهم، فلو قال: أوصيت لأولاد فلان، ولم يكن له أولاد صلب إذْ ذاك وكان له أولاد أولاد، ففي المسألة خلاف.
ثم إن قلنا: إنهم يدخلون، فيدخل أولاد بنيه، وهل يدخل أولاد بناته على هذا الوجه؟ وجهان، وسبب التردّد أن انتساب أولاد بنيه إليه بوسائط [البنين] (٢)، وانتساب أولاد بناته إلى أزواجهن، وهذا معنى قول القائل:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد (٣)
وإن أوصى لإخوة فلان، فقد قال أبو حنيفة (٤) والشافعي: إن كانوا ذكورًا استحقوا الوصية وإن كن إناثًا، لم تصرف الوصية إليهن، وإن كانوا ذكورًا وإناثًا إخوة وأخوات، فمذهب أبي حنيفة وظاهر نص الشافعي أنه يختص بالوصية الإخوة دون الأخوات، وقال أبو يوسف ومحمد: هو لجميعهن.
_________________
(١) (س): الذرية.
(٢) في النسختين: "البنت".
(٣) البيت من شواهد ابن عقيل (الشاهد رقم ٥١) قال محيي الدين عبد الحميد: "نسب جماعة هذا البيت للفرزدق، وقال قوم: لا يُعلم قائله مع شهرته في كتب النحاة وأهل المعاني والفرضيين". (شرح ابن عقيل: ١/ ٢٣٣).
(٤) ر. البدائع: ٧/ ٣٤٥، الاختيار: ٥/ ٨١، ٨٢.
[ ١١ / ٣١٦ ]
٧٥٦٦ - ولو أوصى لمولاه، فاسم المولى يتناول المعتِق، وهو المولى (١ الأعلى، وقد يتناول المعتَق، وهو المولى ١) الأسفل، قال مالك (٢): الوصية للمولى مصروفة إلى الأسفل. وقال أبو حنيفة (٣): إن لم يبين، فالوصية باطلة، وقال أبو ثور: يقرع بين الأعلى والأسفل، وحكى البويطي عن الشافعي قولين: أحدهما - أنه يوقف بينهم حتى يصطلحوا.
والثاني - أنه يقسم بين الأعلى والأسفل.
وهذا إذا وُجد الموليان، فإن كان لا يوجد إلا أحدهما، صرفت الوصية إلى ذلك الصنف، فإن اقتضى الحال صَرْفَ الوصية إلى المعتَقين، فكل من يثبت له الولاء عليه داخلٌ تحت الاستحقاق سواء كان متبرعًا بالعتق، أو مؤديًا فرضًا، كالذي يعتق عن كفارة أو وفاء [نذر] (٤)، وهل يدخل تحت الوصية أمهات الأولاد والمدبّرون الذين يعتِقون عند الموت؟ اختلف أصحاب الشافعي [في ذلك] (٥) فمنهم من قال: لا يدخل هؤلاء، وبه قال محمد بن الحسن، وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف.
ومنهم من قال: يدخلون، وهو الرواية الثانية عن أبي يوسف، وليس ذلك بعيدًا عن القياس، ومولى الموالاة والمحالفة ليس من الموالي عند الشافعي ﵁.
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من (س).
(٢) ر. المدونة: ٦/ ٧٤، حاشية الدسوقي: ٤/ ٤٣٣.
(٣) ر. مختصر اختلاف العلماء: ٥/ ٥٧ مسألة ٢١٩١، البدائع: ٧/ ٣٤٢.
(٤) في الأصل: يقدر.
(٥) زيادة من (س).
[ ١١ / ٣١٧ ]
فصل
٧٥٦٧ - إذا أوصى لجيرانه، فقد قال الزهري (١): حدُّ الجوار أربعون دارًا من كل ناحية، وهذا هو الذي ذكره العراقيون مذهبًا لنا، ولم يعرفوا غيره، واستدلوا فيه بمذهب عائشة ﵂، والظن بها أنها لا تحتكم بذلك إلا [عن] (٢) ثبت عندها (٣).
وللعلماء في ذلك مذاهب مختلفة، والظاهر من مذهب أصحاب الشافعي أن الجار هو الملاصق من الجوانب لا غير، وهذا مذهب أبي حنيفة (٤)، وهو القياس؛ لأن الجار من المجاورة، ومعناها الظاهر الملاصقة، فإن حُملت على مزيدٍ، فلا منتهى له يوقف عنده، فيجب الاقتصار على القدر المعلوم.
واختلف أصحابنا في الذين يجمعهم زقاق غير نافذ، فهل نجعلهم جميعًا جيرانا؟ فيه اختلاف، ومحل الخلاف في الذين لا يلاصقون.
وكذلك اختلف الأصحاب في الجار المحاذي وإن كانت السكة نافذة، وسبب الاختلاف أنه يسمى في العرف جارًا، وقد يقال: في تقسيم الجيران: جار ملاصق، وجار مقابل.
ثم من [رأى] (٥) إدخال الجار المحاذي، فلا يشترط الحذاء المحقق على معنى
_________________
(١) الزهري: سبق له ذكرٌ في الطهارة، وفى الفرائض.
(٢) في الأصل: بمن.
(٣) قال النووي عن الصرف إلى أربعين دارًا: هذا هو الصحيح المعروف للأصحاب، والثبت الذي يشار إليه عند عائشة ﵂: "أربعون دارًا جار". وفي رواية: "أوصاني جبريل بالجار إلى أربعين دارًا" رواه البيهقى: ٦/ ٢٧٦، وقال: كلاهما ضعيف، وإنما يعرف عن طريق الزهري مرسلًا ا. هـ رواه أبو داود في المراسيل بسند رجاله ثقات ر. التلخيص: ٣/ ٢٠١ ح ١٤٢٧.
(٤) ر. مختصر اختلاف العلماء: ٥/ ٥٠ مسألة ٢١٨٥، الاختيار: ٥/ ٧٧.
(٥) في الأصل: رأس.
[ ١١ / ٣١٨ ]
المسامتة، ولكن لو زال عن الحذاء قليلًا، فهو كالمحاذي، والضبط في هذا الفن أن يكون داره من دار الموصي بحيث يتوقع منها ضرار الاطلاع، وفي مثل ذلك نذكر ضرار الجار ونقيضه، وهذا نبينه على تفصيلٍ في اتساع الطريق وضيقها؛ فإن الشارع إذا اتسع، فلا يكون المحاذي من الجانب الآخر جارًا.
وإذا ضممنا إلى ما ذكرنا ما ذكره العراقيون ورأوه مذهبًا، انتظم منه أوجهٌ، لا يخفى تعدادها، فهذا اقصى الإمكان في ضبط معاني هذه الألفاظ المشكلة.
وإنما ذكرنا في بعضها مذاهب العلماء إشعارًا بإشكالها؛ حتى يأخذ الفقيه في نظره فيها حِذْرَه، ويتثبت في الفتوى جهده، فقد بلغنا في بعض مسموعاتنا أن المسألة الجلية كانت تُعرض في جمع من علماء أصحاب رسول الله ﷺ، وكانوا يتفادَوْن (١) في الجواب، ويحيل البعض على البعض، فربما يخرج السائل ولا جواب معه.
٧٥٦٨ - ومما يتعلق بالألفاظ المذكورة في الوصايا أنه إذا أضاف الوصيةَ إلى صنفٍ من أصناف الزكاة، فسيأتي بيان أوصافهم في قَسْم الصدقات.
والقدر الذي نذكره هاهنا أن الفقراء يتميزون عن المساكين، والفقير أشد حالًا من المسكين، فإن وقعت الوصية للفقراء والمساكين جميعًا، فرَّقنا بينهما بما سنذكره في الصدقات، وإن أوصى للفقراء، فهذا الاسم في الانفراد [يصلح] (٢) للفقراء والمساكين جميعًا، لم يختلف علماؤنا فيه، وكذلك إذا أوصى للمساكين، فهو يتناول الفقراء وأهل المسكنة، وكأن اللفظين لا يستقل واحد منهما بمزيّة حتى يجتمعا، [فنتحقق] (٣) عند اجتماعهما فرقًا.
_________________
(١) (س): يتدافعون.
(٢) في الأصل: أصلح، و(س): لا يصلح. والمثبت تقدير منا على ضوء الآتي من عبارة الإمام.
(٣) في الأصل: مسحر (هكذا بدون نقط) وفي (س): يتنجز، والمثبت تقدير منا.
[ ١١ / ٣١٩ ]
فصل
٧٥٦٩ - إذا أوصى لأرامل بني فلان فقد قال الشعبي (١): هذا يقع على الرجال والنساء، وبه قال إسحاق بن راهويه (٢) واستدلوا بقول [جرير] (٣):
هذي الأرامل قد قضيت حاجتَها فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
وقال الشافعي ﵁: الأرامل هن اللواتي مات عنهن أزواجهن، أو بِنَّ عنهم بسبب من الأسباب.
ثم اختلف أصحابنا في أنا هل نشترط مع ذلك فقرهن ليدخلن تحت الوصية للأرامل؟ وظاهر النص يشير إلى اشتراط الحاجة والخِلة، ثم إن كن محصورات، صحت الوصية، وإن لم يكنّ محصورات، صحت الوصية أيضًا، ويحمل على أقل الجمع.
وليست الوصية لهن كالوصية للعلوية؛ فإن ما وصفن به لا يلزمهن أيضًا [كما لا] (٤) يلزم الفقر والمسكنة.
ولو أوصى لأيامى بني فلان، كانت الوصية مصروفة إلى غير ذوات الأزواج، والفرق بين الأيامى والأرامل أن الأرملة هي التي [كان] (٥) لها زوج، والأيم هي التي ليست ذاتَ زوج في الحال، ولا فرق بين أن يتقدم لها زوج أوْ لا تكون نكحت قط، ثم لا فرق عندنا بين الأبكار والثُّيب (٦)، فاسم الأيامى يشملهن، وفي اشتراط الفقر،
_________________
(١) الشعبي: سبق له ذكر في الفرائض.
(٢) إسحاق بن راهويه: سبق في الفرائض.
(٣) في النسختين: الفرزدق، والتصويب من اللسان، والأساس. وقال في الأساس: ولا يقال شيخ أرمل إلا أن يشاء شاعر تمليح كلامه، ثم ساق البيت شاهدًا.
(٤) زيادة من (س).
(٥) في الأصل: هي التي لأن لها زوج. وهذا يؤكد ما قلناه في وصف النسخة.
(٦) الثُّيب: بضم المثلثة مشدّدة، وبفتح المثناة التحتية المشددة. قال في المصباح: إنه من كلام المولَّدين وليس بمسموع.
[ ١١ / ٣٢٠ ]
والوصيةُ للأيامى تردّد كما ذكرنا في الأرامل؛ فإن كلّ واحد من اللفظين يشعر بعدم الكافل، وذلك يشير إلى الحاجة.
ولو أوصى لكل ثيب من بني بكر، فالذي ذهب إليه أكثر أصحابنا أن الوصية للنساء دون الرجال، وهو مذهب أبي حنيفة (١).
ومن أصحابنا من قال: يدخل الرجال الذين جامعوا تحت اسم الثيب.
وكذلك لو أوصى لكل بِكرٍ من بني فلان، ففي المسألة وجهان في دخول الرجال.
وإنما صار إلى الوجه الضعيف من صار إليه لقول رسول الله ﵇: "البكر بالبكر جلد مائةٍ وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائةٍ والرجم" (٢).
٧٥٧٠ - ومن الألفاظ التي تستعمل في الوصايا الغلمان، والشيوخ، والكهول، والأطفال، والصبيان، والفتيان، قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد (٣): الغلام من لم يحتلم ولم يبلغ خمس عشرة سنة، وكذلك القول في الطفل والصبي، وكذلك الذراري.
وفي طريق العراقيين ما يدل على أنا لا نشترط في الذراري الصِّغر، وهم النسل والأولاد كيف كانوا، ومن خالف في أن اسم الولد هل يتناول الحافد، ذهبوا إلى [أن] (٤) الذرية يتناول الأولاد والأحفاد، فقال أبو يوسف: يكون الإنسان بعد البلوغ فتًى إلى ثلاثين سنة، ثم كهلًا إلى خمسين سنة، ثم يكون بعدها شيخًا إلى آخر عمره.
وقال محمد بن الحسن: هو بعد البلوغ فتى إلى أربعين سنة، ويسمى شابًا في هذه المدة، ثم يكون كهلًا إلى خمسين، ثم شيخًا إلى آخر عمره، وهذه الألفاظ معانيها مشكلة في الإطلاق، ولكنا نعلم أن الطفولية إلى تهيؤ الجبلّة لثبوت مادة الزرع فيها،
_________________
(١) ر. بدائع الصنائع: ٧/ ٣٤٨.
(٢) الحديث سيأتي في الحدود إن شاء الله.
(٣) ر. الاختيار: ٥/ ٨١.
(٤) سقطت من الأصل.
[ ١١ / ٣٢١ ]
ثم من هذا الوقت في كل جبلّة [نموٌّ] (١) وازدياد في الجسم والقوى، ثم إذا انتهى النمو، ظننا [وقوفًا] (٢) في مدة، فإذا انتهى ابتدأ النقص.
والشباب من كمال الجبلّة وتهيئها لأن تولد مادة تصلح لمثلها، ومن هذا الوقت شباب إلى منقرض وقت النمو، ووقتُ الوقوف كهولة.
فإذا ابتدأ النقصان الجبليِّ، فهو شيخوخة إلى منقرض العمر.
ثم هذه الأطوار لا تنضبط بمددٍ معلومة في جميع الجبلات؛ فإنها مختلفة في البنية والقوى، وورد في الشرع [ضبطٌ زماني] (٣) في البلوغ إن استأخر الحكم، فلو ورد مثلُه في هذه الأطوار، لاتبعناه، هذا إلى اختلال الأبنية [بالاعتلال] (٤) والعوارض، فكيف السبيل والذي أطلقه الأصحاب الرجوع إلى العرف، وإلى ما يفهم منه في الجبلات المختلفة؟
ولست أرى في ذلك متمسكًا شرعيًا أو جبليًّا، والقدر الذي ورد الشرع به ذكْر الأربعين، فإنها الأشُدّ في التفسير الظاهر، وقد شهد بذلك نصّ القرآن قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥] وإذا غمض المدرك في شيء، واستبهم الأمر، اكتفى الفطن بالمتعلق الذي لا يتعلق بمثله إذا اتسع المجال.
هذا، ولا نصَّ لصاحب المذهب، وليس ما [نُجريه] (٥) من الأمور الوجودية، كأدوار الحيض، وسن الاحتلام، ومدة الحمل في الأقل والأكثر.
ولست أنكر [مع] (٦) ذلك الالتفاتَ إلى شيئين: أحدهما - الضعف الذي لا يحمل على الأعراض والأمراض، ووخط المشيب الذي لا يحمل على الندور، مع أنه قد
_________________
(١) في الأصل: ثمر.
(٢) في الأصل: وقوف.
(٣) في الأصل: ضبط زمانٍ.
(٤) في الأصل: الأعلال.
(٥) في الأصل: ما تحريمه.
(٦) في الأصل: منع.
[ ١١ / ٣٢٢ ]
يُمتَّع بالسواد الشيخ ويبادر الشابَّ الشيبُ، هذا إلى الاستمساك [بما المرء] (١) فيه إلى ظهور الزوال، على أني ذكرت من مذهب السلف ما يضطرب (٢) ذو الرأي فيه.
٧٥٧١ - ولو أوصى ليتامى بني فلان، فيستوي في ذلك الذكور والإناث، وهم الذين لا آباء لهم، [ولا يتم] (٣) بعد البلوغ، اتفق عليه أصحابنا، ونطق به الخبر الصحيح (٤)، وهل يشترط الفقر، واسم الأيتام مطلق؟ فعلى وجهين، وهذا الخلاف يجري في كل صفة [تذكر] (٥) في الوصية مشعرة بعجزٍ في النفس أو انقطاعٍ كامل، كالوصية للعميان والزمنَى والأرامل واليتامى والأيامى.
فأما الوصية للصبيان، فلا تقتضي فقرًا وفاقًا، وكذلك الوصية للشيوخ.
ولا يخفى على المتأمل الفرق.
ثم يجري في جميع المسائل انحصار الموصى لهم وخروجهم عن الحصر، وترتيب المذهب على ما تقدم في بيان محل الوفاق والخلاف.
٧٥٧٢ - ولو أوصى لعقب فلان، يتناول ذلك الأولادَ والأحفادَ وإن سفلوا، ولا فرق بين الذكور والإناث.
وذكر بعض الأصحاب أنه إذا كان لمن أوصى لعقبه أولادُ صُلبٍ (١ وأولاد أولادٍ،
_________________
(١) في الأصل: بما المرافيه. وفي (س): بما ألم فيه. والمثبت قراءة للأصل على ضوء المعنى والسياق.
(٢) "يضطرب" من (المضطرب) بمعنى المجال والسعة، والمعنى: ذكرت من مذهب السلف ما فيه مجال لتدبر الرأي واختياره.
(٣) في الأصل: ولا يتهم.
(٤) الحديث: رواه أبو داود: الوصايا، باب ما جاء متى ينقطع اليتم، ح ٢٨٧٣، قال الحافظ: أعله العقيلي، وعبد الحق، وابن القطان والمنذري، وحسنه النووي، متمسكًا بسكوت أبي داود عليه، ورواه أيضًا الطيالسي والطبراني في الصغير. ر. تلخيص الحبير: ٣/ ٢١٧ ح ١٤٦٣.
(٥) في الأصل: صفة تؤكد.
[ ١١ / ٣٢٣ ]
فالوصية مصروفةٌ إلى الأَدْنَيْن، فإن لم يكن له أولاد صلب ١)، فإلى الأقرب فالأقرب (٢) من الأحفاد.
وهذا غير صحيح عندي؛ فإن اسم العقب في وضعه يتناول الأولاد وأولاد الأولاد، وإن سفلوا، فلا معنى لتخصيص هذا اللفظ المطلق بالأدنَيْن، ولعل الذين رأَوْا ذلك أخذوه من الخلافة، فإن أولاد الدِّنْية يعقبون من الموروث [خلافة] (٣)، فإن لم يكونوا، فأولاد الأولاد يعقبونه، وهكذا على ترتيب البطون.
ولو أوصى لعقب فلانٍ، ومات الموصي، والمذكورُ عقبه حيٌّ بعدُ، قال جماهير الأصحاب: بطلت الوصية؛ فإنه ما دام حيًّا، فليس يعقبه أحد، وهذا جارٍ على قياس تقديم الأقرب فالأقرب؛ فإنا إذا كنا نفهم من العقب من يعقب، فالحي لا يعقبه أحدٌ وهو حي، ومعنى العقب عند هذا الإنسان من [تقدّم العقب غيرُه] (٤).
والظاهر عندنا (٥) أن الوصية تصح إذا كان له أولادٌ؛ فإنهم يسمون أعقابًا في حياة الإنسان.
٧٥٧٣ - ولو أوصى لورثة إنسان، فالوصية لكل مَنْ ورثه من ذكر أو أنثى بنسب أو بسبب، غير أن الموصى به في الإطلاق موزّع عليهم بالسوية، وإن اختلفت حصصهم في الاستحقاق بالميراث.
ولو أوصى لورثة فلان ومات الموصي ومن يُنسب الورثةُ إليه حي، فقد قال الأصحاب: تبطل الوصية، وقولهم في هذا أظهر؛ فإن الوراثة لا تتبين في حياة
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من (س).
(٢) (س): فالأقرب بالإرث.
(٣) في الأصل: خلاف.
(٤) في الأصل: تقدم يعقب عنده.
(٥) هذا الذي اختاره الإمام هو الذي قطع به صاحب (العدّة) وجعله مذهبنا، وهذا هو الراجح إن شاء الله تعالى. ا. هـ عن النووي في الروضة: ٦/ ١٨٠.
[ ١١ / ٣٢٤ ]
الإنسان. فإن كان يتطرق إليه احتمال، فيشترط فيه الوقوف إلى أن يموت، ونتبين من يرثه من الموجودين [عند موت الموصي.
وإذا قلنا: تصرف الوصية إلى عقبه وهو حي] (١) فقد يحتمل أيضًا أن نتوقف حتى نتبين من يعقبه.
ومن هذا التنبيه يتبيّن ظهور كلام الأصحاب.
ولو أوصى لورثة زيد، ثم مات ولم يكن [له] (٢) وارث خاص، فالوصية باطلة، ولا نقول: كأنه أوصى للمسلمين، لأنهم يرثونه؛ فإن الوراثة في هذه المنزلة حكم لا يتلقى مثله من موجب الألفاظ.
ولو أوصى لورثة فلان، فمات فلان، وخلفته بنتٌ واحدة، فقد اختلف أصحابنا في المسألة على وجهين: منهم من قال: يصرف إليها جميع الوصية، وإن لم نقل بمذهب الردّ.
ومنهم من قال: نصرف إليها نصفَ الوصية ويبطل النصف منها.
ثم قال الأصحاب: إن أوصى لعصبة فلان، فمات الموصي وفلان حيّ، فالوصية تصح لعصبته، ولا يشترط موته في استحقاق الوصية عند موت الموصي، وليس كالورثة؛ فإن هذا اللفظ يشعر بالوراثة، ولا وراثة في الحياة، وليس كالعقب؛ فإنه يشعر بالخلافة، ولا خلافة في الحياة. وهذا حسن متجه.
ثم قال الأصحاب (٣) في الوصية للعصبة: "أولاهم بالوصية أولاهم بالعصوبة" وهذا مستقيم لا يسوغ غيرُه؛ فإن حكم العصوبة يثبت للأقربين.
هذا منتهى ما بلغنا من الكلام في هذه الألفاظ المدارة في الوصايا.
_________________
(١) ساقط من الأصل، وأثبتناه من (س).
(٢) مزيدة من (س).
(٣) عبارة (س) فيها خلل: ثم قال الأصحاب للوصية بالعصبة: أولاهم بالعصوبة، وهذا مستقيم.
[ ١١ / ٣٢٥ ]
ولو أوصى لعترته، قال العراقيون: قال ثعلب (١) وابن الأعرابي (٢): العترة هم الذرية، وقال القُتبي (٣): العترة هم العشيرة، وعشيرة الرجل قرابته، وردّد العراقيون قولَهم لتردد أئمة اللغة. والله أعلم.
_________________
(١) ثعلب وابن الأعرابي: هما من أئمة اللغة. وثعلب هو: أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار الشيباني، أبو العباس، إمام الكوفيين في النحو، صاحب الفصيح، ومجالس ثعلب، ومعاني القرآن، وإعراب القرآن ت ٢٩١ هـ. (ر. أعلام الزركلي، وتذكرة الحفاظ: ٢/ ٦٦٦ ترجمة رقم ٦٨٦ من الطبقة العاشرة، ورقمه فيها ٣٢، وتاريخ بغداد: ٥/ ٢٠٤ ترجمة رقم ٢٦٨١) وهو في تذكرة الحفاظ: أحمد بن يحى بن يزيد (بدلًا من زيد).
(٢) ابن الأعرابي هو: محمد بن زياد، أبو عبد الله، علامة باللغة، وأحد المشار إليهم في معرفتها، ومن أشهر حفاظها، كان ثقة، قال عنه ثعلب المذكورآنفًا: انتهى إليه علم اللغة، له العديد من المؤلفات بين مخطوط ومطبوع توفي سنة ٢٣١ هـ (ر. تاريخ بغداد: ٥/ ٢٨٢ - ترجمة رقم ٢٧٨١، والأعلام للزركلي).
(٣) القتبي هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدّينوري، أبو محمد اشتهر بابن قتيبة، ولكن إمام الحرمين يذكره باسم القُتبي، وهو العلامة الكبير، ذو الفنون، نزل بغداد، وصنف وجمع، وبعُد صيته، كان ثقة دينًا فاضلًا، من المكثرين تصنيفًا، فمن ذلك: غريب القرآن، غريب الحديث، ومشكل القرآن، ومشكل الحديث، وإصلاح غلط أبي عبيد في غريب الحديث. ذكره إمام الحرمين في البرهان في مراتب العلوم، والخلاف في المحسوسات، وهل كلها في درجة واحدة؟ وقال عنه: "إنه ولاّج هجوم على ما لا يحسنها". وقد ردّ هذا عن القتبي العلامة المحقق السيد أحمد صقر، في مقدمته لتحقيق تأويل مشكل القرآن، فراجع هذا إن أحببت، توفي ابن قتيبة سنة ٢٧٦ هـ، وقيل: ٢٧٠. (ر. صير أعلام النبلاء: ١٣/ ٢٩٦، وتاريخ بغداد: ١٠/ ١٧٠ - ١٧١، وتهذيب الأسماء واللغات: ٢/ ٢٨١، والبرهان لإمام الحرمين: فقرة: ٥٢، والأعلام للزركلي).
[ ١١ / ٣٢٦ ]