قال الشافعي: "وأهل الكتاب الذين يحل نكاح حرائرهم؛ اليهود والنصارى، دون المجوس إلى آخره" (١).
٨٠٤٨ - الكفار على ثلاثة أضرب: أحدها -أهل الكتاب، فيحل نكاح حرائرهم- على شرائطَ وتفاصيلَ ستأتي من بعد، إن شاء الله ﷿، وهم اليهود والنصارى.
ثم قال الأصحاب: لا كراهية في نكاح الذمية، وعن مالك (٢) أنه كره نكاح الكافرة الذمية، وإن صححه. وهو مذهب ابن عمر.
وتردد أصحابنا في إطلاق الكراهية في نكاح الحربية - إذا كانت يهودية أو نصرانية، فذهب الأكثرون إلى الكراهة؛ لأنها تسكن دار الحرب؛ ومساكنة الكفار في دارهم محذورة، وقد نخاف منه الافتتان، والحربية قد تسبى، وقد تكون حاملًا من زوجها بولد مسلم، والكراهيةُ تثبت بدون هذه الأسباب.
وكان شيخي يقول: إن لم نُطلق الكراهيةَ في نكاح الذمية، نَدبنا إلى الانكفاف عنه، وقد تمهّد في مأخذ الأدلة أن اللهي إذا لم يكن [حاظرًا] (٣) محرِّمًا، فإنه ينقسم إلى نهي كراهية، وإلى نهي أدب، والذي ذكره ليس مخالفًا لما قاله الأصحاب، وقد قال الرسول ﵇: "عليك بذات الدين، تربت يداك" (٤).
هذا تمهيد الأصل في مناكحة اليهود والنصارى.
ومن الكفار من ليس لهم كتاب ولا شبهة، وهم أهل الأوثان، وعبدة
_________________
(١) ر. المختصر: ٣/ ٢٨٢.
(٢) ر. جواهر الإكليل: ١/ ٢٩٥، الشرح الصغير: ٢/ ٤٢٠.
(٣) في النسختين: حاضرًا.
(٤) متفق عليه بلفظ: "فاظفر بذات الدين" وهو جزء من حديث مشهور على الألسنة، عن أبي هريرة (اللؤلؤ والمرجان: ح ٩٢٨).
[ ١٢ / ٢٤٣ ]
ما استحسنوا، والزنادقة، والدَّهرية، فلا يحل نكاح نسائهم، ولا تحل ذبائحهم.
ومنهم المجوس، فمذهبنا الصحيح ومذهب عامة الفقهاء أنه لا تحل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم. وعن أبي ثور تحليل مناكحتهم وذبائحهم، ومن أصحابنا من نقل هذا قولًا في المذهب، أوْرده بعض المصنفين، وحكاه لي من اثق به عن الشيخ أبي بكر الطوسي (١). والتعويل على تحريم المناكحة والذبيحة، والجزيةُ مأخوذةٌ منهم.
وقد روى عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ أنه قال: "سُنّوا بهم سنة أهل الكتاب، [غير آكلي ذبائحهم، وناكحي نسائهم] (٢) " (٣).
٨٠٤٩ - فالكفار إذًا ثلاثة أقسام: منهم من تحل مناكحتهم وذبائحهم ويُقرون بالجزية لا محالة -إذا بذلوها- في ديار الإسلام، وهم اليهود والنصارى، ولا استرابة في تمسكهم بالتوراة والإنجيل، وإن حرفوها.
والقسم الثاني من الكفار - عبدة الأوثان والمعطَّلة (٤)، فهؤلاء تحرم مناكحتهم وذبيحتهم، ولا يُقَرون بالجزية.
_________________
(١) هو المشهور في رجال المذهب وأئمته بالنوقاني. سبق التعريف به في كتاب الوصايا.
(٢) في الأصل: في الجزية وذبائحهم، ونكاح نسائهم. وفي ت ٣: عبارة غير مقروءة، والتصويب من التلخيص الحبير، وهي رواية الرافعي في الشرح الكبير: ٨/ ٧٣.
(٣) حديث: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" أخرجه مالك في الموطأ: ١/ ٢٧٨، والشافعي، ترتيب مسند الشافعي: ٢/ ١٣٠، وأبو عبيد في كتاب الأموال: ص ٣٥ ح ٧٨، كلهم عن عبد الرحمن بن عوف، أما الاستثناء "غير ناكحي نسائهم وآكلي ذبائحهم" فقد رواه عبد الرزاق في مصنفه: ٦/ ٦٩، ٧٠ ح ١٠٠٢٨، وأيضًا: ١٠/ ٣٢٦ ح ١٩٢٥٦، وابن أبي شيبة: ١٢/ ٢٤٢ ح ١٢٦٩١، ١٢/ ٢٤٦ رقم ١٢٧٠٦، والبيهقي: ٩/ ١٩٢، ٢٨٥. وعقب الحافظ على الكلام في الحديث بتنبيه قال فيه: "تبين أن الاستثناء في حديث عبد الرحمن مدرج" ثم نقل عن الحربي الإجماع على المنع (أي من التزوج بنسائهم) إلا عن أبي ثور. (ر. التلخيص: ٣/ ٣٥٢ - ٣٥٤ ح ١٦٤٢، ١٦٤٣).
(٤) لا يذهبنّ بأحدٍ الوهمُ أن المراد (بالمعطّلة) هم المعتزلة!! كما أُشيع عنهم، ونبذهم بهذا اللقب مخالفوهم، وحاشى إمام الحرمين بل أي مسلم أن يعد المعتزلة من الكفار. وإنما المعطلة (هنا) من لا يثبتون الباري ﷾ (كما قال شارح المقاصد، ونقله عنه صاحب كشاف اصطلاحات الفنون/مادة: ك. ف. ر) وستجد هذا المعنى في كلام الإمام قريبًا.
[ ١٢ / ٢٤٤ ]
والقسم الثالث - المجوس، وهم يقرون بالجزية. والمذهب الذي عليه التعويل تحريم مناكحتهم وذبيحتهم.
واختلف قول الشافعي في أنه هل كان لهم كتاب، فرفع من بين أظهرهم، أو لم يكن لهم كتاب أصلًا (١)؟ وأحد القولين أنهم لم يكن لهم كتاب، ويشهد له قوله "سُنّوا بهم سنة أهل الكتاب"؛ فدل أنهم ليسوا أهل كتاب. والقرآن يدل على أنه كان قبل نزول القرآن كتابان لا غير، قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦] وشهدت الأخبار على ذلك، فمنها قوله ﷺ: "مثلكم ومثل من كان قبلكم الحديث " (٢).
وروي أن نوفل الأشجعي قال: علامَ تؤخذ الجزية من المجوس، وليسوا أهل كتاب؛ فقال له المستورد العجلي: أترد سنة الشيخين؟ ثم لبّبه (٣)، فأتى به علي بن أبي طالب، فقال: أنا أعلمكم بأمر المجوس، فإن لهم كتابًا كانوا يدرسونه وعلمًا يتعلمونه حتى واقع ملكهم أخته، فأرادوا رجمه، فقال: أنا على دين أبيكم آدم، وكان يزوّج بناته من بنيه، فأصبحوا وقد أُسْري (٤) على كتابهم" (٥). وهذا يشهد
_________________
(١) وعلى القولين لا تحل مناكحتهم، فهذا هو المذهب، كما قال إمام الحرمين. ر. الشرح الكبير: ٨/ ٧٢ والروضة: ٧/ ١٣٥، ١٣٦.
(٢) يشير بهذا إلى حديث ابن عمر عن النبي ﷺ، الذي ضرب فيه المثل لأجر المسلمين في مقابلة أجر اليهود والنصارى، إذ جاء فيه: "وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى، كمثل رجلٍ استأجر أجراء، فقال: من يعمل من غُدوة إلى نصف النهار على قيراطٍ قيراطٍ؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين قيراطين؟ فأنتم هم إلخ". فالحديث يدل بإشارته على أنه كان قبلنا كتابان فقط. ثم الحديث رواه أحمد في المسند، ومالك، والبخاري، والترمدي (ر. صحيح الجامع: ١/ ٤٥٨ ح ٢٣١٥).
(٣) لبَّبه: أخذه بثيابه من حول عنقه.
(٤) أُسْريَ على كتابهم: يقال: أسرى عليه: أتاه ليلًا، والمعنى أن كتابهم رُفع بليل (المعجم).
(٥) هذا الأثر عن نوفل الأشجعي، رواه البيهقي عن فروة بن نوفل، بهذا السياق نفسه مع اختلافٍ في بعض اللفظ (السنن الكبرى: ٩/ ١٨٨، ١٨٩).
[ ١٢ / ٢٤٥ ]
للقول الثاني. ثم قد نطق القرآن بصحف إبراهيم، وورد في الأقاصيص نزول كتب على الأنبياء الأولين، ومن تعلق بشيء منها فلا حكم له؛ وإنما أهل الكتاب على الإطلاق، اليهود والنصارى. وأما المجوس؛ منزّلون (١) على ما ذكرناه. وهذا مما أجمع الأصحاب عليه.
٨٠٥٠ - فإذا بان القول في أقسامهم؛ فنعود بعد ذلك إلى الصفات المرعية في أهل الكتاب، فمن كان منهم من أولاد إسرائيل -وهو يعقوب ﵇- وآباؤه كانوا مستمسكين بالتهود، من غير تقطع؛ فهؤلاء يُنكحون، وتستحل ذبائحهم.
ومن لم تكن من نسل بني إسرائيل، فإن انتمت إلى أقوامٍ أوّلهم تهوّدوا أو تنصروا بعد المبعث، فلا يجوز نكاحها.
وإن انتمت إلى أقوام أوّلهم دخلوا في اليهودية والنصرانية قبل المبعث، ولم يكونوا من نسل بني إسرائيل، ففي جواز نكاحها قولان. وللأصحاب في محل القولين طريقان: فمنهم من قال: إن دان أول آبائها بالدين قبل التبديل، فيصح نكاحها، قولًا واحدًا. وإن دان أولهم بعد التبديل وقبل المبعث، ففي جواز نكاحها قولان.
ومنهم من قلب الترتيب، وقال: إن دان أولهم بعد التبديل، فلا تحل المناكحة.
وإن دان أول [آبائها] (٢) بالدين قبل التبديل، ففي المسألة قولان: أحدهما - أنها تحل، وهو القياس؛ فإن سبب التحليل التمسك بالتهود والتنصر، وسبب تخصيص الدينين بهذه الفضيلة انتماؤهما إلى الكتابين.
والقول الثاني - إنها لا تحل؛ لأن تحليل المناكحة والذبيحة أثبتت فيهم تعظيمًا لنبي الله تعالى إسرائيل ﵇.
فانتظم من مجموع ما ذكرناه: إن كان من بني إسرائيل فاستمر التهود في آبائه، فتحل مناكحته وذبيحته. ومن ضرورة كونه من ولد إسرائيل أن يكون أول آبائه قد دان بالدين، وهو غير محرف، فيجتمع شرف النسب والتعلق بالدين في أول الآباء قبل التغيير.
_________________
(١) منزلون: هكذا بدون (الفاء) في جواب أما، كدأب إمام الحرمين في هذا الاستعمال.
(٢) في النسختين: آبائهما.
[ ١٢ / ٢٤٦ ]
ومن لم يكن من بني إسرائيل، وقد دان أول آبائه بالدين قبل التغيير؛ فهذا عري عن شرف الانتساب إلى إسرائيل، ولكن [له] (١) مزية الانتساب إلى من دان بالدين قبل التغيير؛ ففي مناكحته وتحليل ذبيحته طريقان: منهم من قطع بالتحليل، نظرًا إلى الدين. ومنهم من جعل في التحليل قولين.
ومن كان انتماؤه إلى من دان بالدين قبل مبعث المصطفى، وبعد التغيير؛ ففي المسألة طريقان: أحدهما - القطع بالتحريم.
والثاني - إجراء القولين.
ولو كان أول آبائه قد دان (٢) بعد التغيير بالدين غير مغير، وتبرأ عما فيه من تحريف على علم به؛ فهذا كما لو كان أول آبائه قبل وقوع التغيير.
وإن دان أول آبائه -بعد التغيير- بالدين المغيّر؛ فهذا محل الطريقين الأخيرين: أحدهما - القطع بالتحريم.
ولو عرفنا أن أول آبائه دان بالدين قبل مبعث المصطفى ﷺ، وأشكل علينا أنه دان الأول منهم قبل التغيير أو بعد التغيير؛ فهذا متردد بين القسمين المعلومين قبل التغيير وبعد التغيير. ويتطرق إليه احتمال في الالتحاق بأحد القسمين.
٨٠٥١ - وإن أردنا جمع مقالات الأصحاب على نسق، قلنا: من كان من نسل بني إسرائيل ولم يتغير أول آبائه عن دينه تحل مناكحته وذبيحته.
ومن لم يكن من نسله، وقد دان أول آبائه قبل التغيير، أو بعد التغيير، ولكن تبرأ عن التحريف، وتعلق بما كان حقًا؛ فقولان: أصحهما وأقيسهما - جواز المناكحة.
ومن دان أول آبائه قبل المبعث، وأشكل أن الأول دان بالمغيّر أو بالدين القويم؟
فقولان، مرتبان على الصورة الأولى. وهذا أولى بالتحريم من التي تليها.
وإن دان أول آبائه بعد المبعث، فنقطع بتحريم المناكحة والذبيحة؛ فإنه لا عصمة
_________________
(١) زيادة اقتضاها السياق.
(٢) سقط من (ت ٣): "قد دان".
[ ١٢ / ٢٤٧ ]
[بحرمة] (١) بعد نزول الفرقان، إلا لمن يدين بالإسلام.
ومن أشكل أمره، فلم ندر؛ أدان آباؤه قبل المبعث أو بعده؟ فلا خلاف في تحريم المناكحة والذبيحة. ويقر هؤلاء بالجزية تقرير المجوس، والسبب فيه أن عصمة الدم وما يتبعه من المال، قد ثبت بشبهة كتاب، فأما تحليل المناكحة والذبيحة، فلا يثبت إلا بتحقق.
٨٠٥٢ - ومما يتم به غرض الفصل: أن من كان يدين بدين (٢) موسى أولُ آبائه بعد نزول (٣) عيسى ﵇، فهذا تعلَّقَ بالدين بعد النسخ؛ فكيف السبيل فيه؟
اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: هذا بمثابة ما لو دان (٤) أول الآباء بعد مبعث نبيّنا ﷺ، وهذا القائل إنما يقول ذلك في تحريم المناكحة والذبيحة، فأما أخذ الجزية؛ فلا خلاف فيه، كما ذكرناه في المجوس وفي الذين أشكل الأمر في أن أول آبائه دان قبل مبعث نبينا ﷺ أو بعد مبعثه.
ومن (٥) أصحابنا من قال: إذا دان أول الآباء بدين موسى بعد مبعث عيسى، فهو [في] (٦) ترتيب المذهب بمثابة ما لو دان أول الآباء بالدين المغيّر؛ فإن دين موسى لو لم يكن مغيّرًا [لاستحثَّ على الإيمان بعيسى، ولم يناف تصديقه] (٧)، ولو كان كذلك، لكان يدين أول آبائه بدين عيسى مصدقًا لموسى، ومن قَبْل عيسى من النبيين.
٨٠٥٣ - ومما نتكلم فيه: السامرة والصابئون. وقد ظهر اختلاف نص الشافعي في تحريم مناكحتهم وذبيحتهم.
_________________
(١) في الأصل: " ـحر ـه " [كذا بدون نقط] ورسمت في (ت ٣) هكذا " ـحر ـه " [وبدون نقط أيضًا].
(٢) ساقطة من (ت ٣).
(٣) نزول عيسى: كذا في النسختين، والمراد مبعثه، وليس نزوله قبل الساعة.
(٤) ت ٣: ما لو أراد أن أول آبائه
(٥) متصل بالتفريع السابق، بقوله: "اختلف أصحابنا: فمنهم من قال ".
(٦) في النسختين: عن.
(٧) في الأصل: لا مستحث على الإيمان بعيسى، ولم يتأت تصديقه.
[ ١٢ / ٢٤٨ ]
والذي ذهب إليه معظم الأصحاب: أن اختلاف النصين محمول على اختلاف حالين: فحيث حرّم، ظن أنهم مخالفون لليهود والنصارى في أصول دينهم، وحيث نص على التحليل، ظن أنهم ليسوا مخالفين لهم في أصول دينهم، وإنما خالفوهم فيما يجري من دينهم مجرى الفروع من ديننا، ولم يُجر أحد من الأصحاب قولين على [ظاهر] (١) اختلاف النصين إلا الشيخ أبو علي؛ فإنه حكى أن من الأصحاب من أجرى القولين.
وحاصل القول في ذلك: أنهم إن لم يخالفوا اليهود والنصارى في أصول الدين، فهم ملتحقون بالذين وافقوهم في أصل الدين، ولا يجوز أن يكون في ذلك خلاف.
وإن صح أنهم خالفوهم مخالفةً لو فرض مثلها في ديننا، لأوجب [تكفيرًا] (٢)، فليسوا من اليهود ولا من النصارى، ولا تحل مناكحتهم وذبيحتهم.
وإن جرت مخالفتهم [لهم] (٣) مجرى مخالفة أهل البدع لعصابة الحق في ملة الإسلام، فهذا محتمل، وعليه ينزّل ما حكاه الشيخ أبو علي من القولين، وليس هذا تعريضًا منا بتحريم مناكحة أهل البدع؛ فإن الذي أقطع به: جواز مناكحتهم، والقول في التكفير والتبري غائصٌ بعيد الغور، ولسنا له الآن.
وسر المذهب أن البدع فينا وإن لم تحرِّم، فهي في الأولين على التردد، والسبب فيه: أنا لم نكفر أهل البدع فينا - تعلقًا بالسمع، ولم يتحقق لنا مثل هذا السمع من الأولين، ثم الذي بلغنا من مذهبهم: أنهم خارجون عن ضبط [المِلَل] (٤) إلى اعتقاد إضافة الآثار إلى الأنجم، ومصيرهم إلى التعطيل، ونفي الإله المختار. هذا ما نقله النقلة عنهم، فإن صح، فهم معطلة يجرون مجرى الزنادقة. ولا نقبل منهم الجزية.
وإن لم يصح هذا، ورأيناهم ينتمون إلى اليهود، أو إلى النصارى، وتعارض لنا في حقهم التعطيل وقبول المسألة، فلا مناكحة، وسبيلهم في قبول الجزية منهم كسبيل
_________________
(١) زيادة من (ت ٣).
(٢) في النسختين: تكثيرًا. والمثبت اختيار منا.
(٣) في الأصل: له.
(٤) في الأصل: "الملك".
[ ١٢ / ٢٤٩ ]
الذين أشكل أمرهم، فلم ندر أدان أولهم قبل المبعث، أو بعد المبعث؟ فهذا تمام القول فيهم.
٨٠٥٤ - والسر الذي هو ختام الفصل: أن من نجري الكلام في مناكحته نقطع بأنه كافر في دين موسى؛ فإن موجب دينه الإيمان بعيسى، وبمحمد بعده، ولكن هذا النوع لا يؤثر في تحريم المناكحة؛ إذ لو أثّر، لما حل نكاح يهودية. ولو كان اليهودي مستمسكًا بالدين الحق قبل المبعث، ثم فُرض انبعاث رسول الله ﷺ في أمته، لكان يؤمن بمحمد ﷺ لا محالة.
وما ذكرناه من التغيير في ذكر موسى وعيسى عند ذكرنا أول الآباء، أردنا به أن أولهم إن دان بالدين على وجه يقتضي الإيمان بما يأتي من الأنبياء ﵈، فما يقع من التحريف المانع من الإيمان بعد موسى في الأولاد، فهذا غير مؤثر، بعد التعلق بالانتماء إلى ما وصفناه. وإن لم يكن في آبائه من يقتضي دينه الإيمان بمن بعد موسى وعيسى، فهذا الذي ترددنا في مناكحته.
فهذا بيان الفصل وخاتمته. ولا يحيط بحقيقة الفصل من لم يحط بما ذكرناه.
٨٠٥٥ - وما ذكرناه من مخالفة السامرة، فذاك مخالفة في قاعدة سوى الامتناع [عن الإيمان] (١) بمن بعد موسى. وبيان ذلك أن السامري لو كان إسرائيليًا، فقد لا نرى مناكحته إذا تحقق لنا أنه مخالف في القاعدة، كما تقدم وصفها.
وقد انتجز بهذا غرض الفصل.
فصل
مشتمل على ما إذا تهوّد النصرانيّ، أو تنصّر اليهوديّ، أو فُرض انتقالُ آخر من كفر إلى كفر
٨٠٥٦ - فنقول: الوثني إذا تهوّد، أو تنصّر، لم يستفد بما تعلّق به أمرًا أصلًا، وهو على ما كان عليه من توثّنه؛ وعلتُه أن من لا عصمة له دينًا، لا يستفيد بعد نزول
_________________
(١) زيادة من (ت ٣).
[ ١٢ / ٢٥٠ ]
القرآن (١) عصمة، إلا بالتزام الإسلام، وهو موجب قولنا في الفصل السابق؛ إذ قلنا: من تهوّد بعد مبعث المصطفى، لم يناكَح، ولم تحلّ ذبيحته، وكما لا يستفيد كما ذكرناه الآن، لا يستفيد التقريرَ بالجزية على ما اختاره. هذا متفق عليه بين الأصحاب (٢).
٨٠٥٧ - ولو تهوّد النصرانى، أو تنصّر اليهوديّ؛ ففي المسألة قولان مشهوران:
أحدهما - إنه يُقرّ على الدين الذي انتقل إليه.
والثاني - إنه لا يُقر عليه (٣).
توجيه القولين: من قال: لا يقرّ المنتقل على الدين الذي انتقل إليه، احتج بأن هذا استحداث دين بعد ابتعاث محمد ﷺ، فلا يقبل، وحكم رده ألا يقر عليه بوجهٍ.
ومن قال: إنه يقر، احتج بأن التنصّر والتهوّد جميعًا باطلان، وهما في جميع الأحكام متساويان في ديننا؛ فلا أثر للانتقال بعد استواء الدينين في المقتضى، وإنما نُنْكِر استفادة عصمةٍ لم تكن، كما لو تهوّد وثني، وهذا المعنى غير متحقق في تهوّد النصراني وتنصّر اليهودي.
التفريع على القولين:
٨٠٥٨ - إن حكمنا بأنه يقر على ما انتقل إليه، فنجعل الذي تنصّر وكان يهوديًا، كمن لم يزل نصرانيًّا، وكذلك عكسه، وحظ النكاح منه أن هذه تنكح، ولو تنصرت يهودية تحت مسلم، فلا أثر لما جرى منها.
٨٠٥٩ - وإن قلنا: لا يقر المنتقل على دينه الذي انتقل إليه، فماذا يُصنع به؟ القول في ذلك يتعلق بفصلين: أحدهما - في بيان ما يطالب به، وفيه قولان: أحدهما - أنه
_________________
(١) ت ٣: الفرقان.
(٢) الروضة: ٧/ ١٤١.
(٣) قال النووي: الأصح أنه لا يقبل منه إلا الإسلام. (ر. الروضة: ٧/ ١٤٠).
[ ١٢ / ٢٥١ ]
لا نقنع منه بشيء غير الإسلام؛ فإنه بدّل (١) ما كان عليه، ولسنا نُقره على ما انتقل إليه، فلا عاصم إلا الإسلام، وهذا أصح (٢) القولين.
والقول الثاني - إنه لو عاد إلى الدين الذي كان عليه، أزلنا الاعتراض عنه، ونجعل كأن الانتقال الذي جرى منه لم يكن أصلًا.
والتعبير عن هذا القول يحتاج إلى تأنق، فلا ينبغي أن يقال: هو مطالب بالإسلام أو العود إلى التهوّد؛ فإن طلبَ الكفر كفر، ولكن الوجه أن يقال: هو غير [مُقرّ] (٣) على التنصّر الذي انتقل إليه، ونطالبه بالإسلام، فإن عاد إلى التهود، فهل نكف عنه؟ فعلى قولين كما تقدم ذكرهما، وليس [للانكفاف] (٤) عنه إذا عاد إلى ما كان عليه وجه عندي؛ فإن ذلك الدين زال بتركه إياه، فعوده إليه انتقال منه إليه، ولو كنا نقرر على دين منتقل إليه، [لقررناه] (٥) على التنصر، هذا ما تسقط به الطَّلِبة، فإن وُفق وتمسك بالإسلام، أو بما يقطع الطلبة عنه، فذاك، وإن أبى إلا الإصرار على ما انتقل إليه، ففي المسألة قولان: أحدهما -أنا نغتاله- إذا تبين إباؤه، ونقتله قتل المرتد، [ونقطع العصمة] (٦) عن دمه وماله وذريته؛ لأنه كان على عصمة، فأبطلها؛ فهو كافر، لا عصمة له.
والقول الثاني - إنه لا يُغتال، ويبلّغ مأمنه (٧)؛ فإنه كان على عهدٍ فينا، فصار كذمّيّ ينقض عهده، ويبغي اللحوق بدار الحرب.
وللقائل الأول أن ينفصل عن هذا، ويقول: الذمّي إذا أراد الالتحاق بدار الحرب لم نمنعه منه، وإذا تهوّد النصراني، فهو ممنوع عن انتقاله هذا، وهذا يناظر ما لو نقض الذمّي العهد بجناية على الإسلام، فإنا قد نقول: إنه يُقتل، كما سيأتي شرح
_________________
(١) ت ٣: ترك.
(٢) الأمر كما قال إمامنا (ر. الروضة: ٧/ ١٤٠).
(٣) في الأصل: مفسر.
(٤) في النسختين: الانكفاف.
(٥) في النسختين: لقررنا.
(٦) في النسختين: وقطع عصمة.
(٧) هذا هو الأشبه، قاله النووي (السابق نفسه).
[ ١٢ / ٢٥٢ ]
ذلك في كتاب الجزية، إن شاء الله ﷿.
٨٠٦٠ - وقد بقي من مقصود الفصل حظ النكاح. فإذا قلنا: لا يقر المنتقل على ما انتقل إليه، فإن أصرت اليهودية التي تنصرت، لم ننكحها.
ولو كانت تحت مسلم، وفرضنا إصرارها؛ كانت بمثابة المسلمة ترتد تحت مسلم.
وإن قلنا: لا يقتل اليهودي إذا تنصّر، ولا يقر على التنصر، فاليهودية تحت المسلم إذا تنصّرت وأصرّت، فهي كالمرتدة، وإن كنا نبلّغها المأمن، فلا يتوقف تغير النكاح على اغتيالنا المنتقلة، فليفهم الناظر هذا.
وإن كنا نكتفي بالعود إلى ما كانت عليه، فإذا تنصرت اليهودية، وكان تنصرها كالردة؛ [فعودها] (١) إلى التهود كعود المرتدة إلى الإسلام.
٨٠٦١ - ومما يتعلق بما نحن فيه: أن اليهودي إذا توثّن، فلا شك أنه لا يُقر، فإن الوثني الأصلي لا يقر، ثم بماذا تسقط الطَّلِبة عنه؟ ذكر الصيدلاني والعراقيون ثلاثة أقوال مقتضبة من الأصول التي ذكرناها: أحدها - أنه لا نقنع إلا بالإسلام.
والثاني - أن الطلبة تسقط عنه بالعود إلى التهود. وهذا متفرع على أن اليهودي إذا تنصر، يقنع منه بالعود إلى التهود.
والقول الثالث - إنه لو تنصر، اكتفي منه بذلك. وهذا متفرع على قولنا: إن اليهودي إذا تنصر، يقر على تنصره. وهذا القول أضعف الأقوال الثلاثة؛ فإنا وإن كنا نرى تقرير اليهودي على النصرانية - إذا انتقل إليها، فإنا لا نقر وثنيًا على التنصر، ولا نثبت له عصمة النصرانية، وإذا توثن اليهودي ثم تنصّر، فهذا تنصّر عن توثّن، وبمثل هذا يضعف قول العود إلى التهود.
_________________
(١) في الأصل: وعودها.
[ ١٢ / ٢٥٣ ]
فصل
قال: "فإن نكحها، فهي كالمسلمة فيما لها وعليها إلى آخره" (١).
٨٠٦٢ - المسلم إذا نكح يهودية، أو نصرانية، فيثبت لها من حقوق النكاح ما يثبت للمسلمة من النفقة والكسوة، وحق القَسْم - إن كان معها ضَرَّة، وعليها من بذل الطاعة للزوج في توفية حقه من المُسْتَمْتَع ما على المسلمة. ويمنعها الزوج من البروز إلى الكنائس والبِيع، كما يمنع المسلمة من البروز إلى المساجد ومشاهد الخير، وإذا حاضت، وطهرت عن الحيض، فالزوج يُلزمها الاغتسال؛ فإن الاستحلال موقوف على الاغتسال، ويمنعها من التضمخ بالنجاسات إذا [كانت] (٢) تلابسها.
وذكر أئمتنا قولين في أنه هل يُلزمها الاغتسال من الجنابة؟ وإلزامُ الاغتسال عن الجنابة غير متجه. وقد ذكر العراقيون في مجامع القول في هذا الفصل تفصيلًا حسنًا، فقالوا: كل ما يمنع من أصل الاستمتاع، فهي مجبرة على إزالته وتغييره. وذلك مثل أن تحيض وتطهر، فتُجبر على التطهر؛ فإنّ ترك الغسل مانع من الاستمتاع، وكذلك لو تضمخت بالنجاسة، والزوج لو لابسها، لتضمخت ثيابه؛ فهي ممنوعة من ذلك، وكذلك لو تركت الاستحداد حتى تفاحش الأمر، وبلغ مبلغًا يتعذر معه الاستمتاع؛ فيجب عليها إزالة ذلك.
فأما إذا وجد منها ما لا يمنع من أصل الاستمتاع، ولكن يمنع من كماله؛ فهل تجبر على إزالته؟ فعلى قولين، وهذا كالاستحداد - إذا لم يبلغ المبلغ الذي ذكرناه، ومثله شرب قليل الخمر الذي لا يسكر، ومنه أكل لحم الخنزير مع الغسل، لما فيه من التقذر والعيافة.
ويتصل بذلك أكل الثوم والأشياء ذوات الروائح الخبيثة، وهذا الفن والاستحداد يجري في المسألة على التفصيل الذي ذكرناه.
_________________
(١) ر. المختصر: ٣/ ٢٨٣.
(٢) في النسختين: كان.
[ ١٢ / ٢٥٤ ]
وهذا -وإن كان [يضبطُه] (١) مقصود الفصل؛ ففيه بقية- لا بد منها، وهي تقرر في الاستحداد، ثم يقاس عليه غيره.
فنقول: إذا كان ترك التنظّف والاستحداد، بحيث يؤثر في غض شهوة التوّاق، فهذا مما نقطع به في إلزام التنظف، وإن كان لا يغض شهوة التواق، ولكن قد يورث المتوسط في شهوته عيافة، فهذا محل القولين.
فأما ما يُحرّم الوقاع شرعًا، فلا شك في وجوب إزالته.
والقول في أن غسل الذمية: هل يعتد به - إذا أسلمت، وكيف سبيل الحكم بتصحيحه، ولا تصح النية من الذمية؟ مما تقرر في كتاب الطهارة.
_________________
(١) في الأصل: يضبط.
[ ١٢ / ٢٥٥ ]