قال الشافعي ﵁: "ويجوز الخلع في المرض كما يجوز البيع
إلى آخره" (٢).
٨٩١١ - نجدد العهد بالنكاح في المرض، ثم نذكر الخلع، فالمريض إذا نكح بقدر مهر المثل، أو أقل، فلا حرج عليه [ولا يحتسب ما يسوقه صداقًا من الثلث؛ لأن ذلك معدودٌ] (٣) من حاجته، ولا مطلع على حاجته إلا من جهته، فنكاحه بمثابة شرائه لذائذ الأطعمة، ولا معترَض عليه في شيء من ذلك، [وإن] (٤) استوعب مالَه بمهور الأبكار وقضاء الأوطار.
وإن نكح بأكبر من مهر المثل، فالزيادة تبرع، فإن كانت المرأةُ وارثةً، فالزيادة مردودة، وإن كانت ذمّية لا ترث هذا المسلم، أو كانت أمة والمهر لمولاها، فالزيادة تبرعٌ محسوب من الثلث (٥).
٨٩١١/م- ولو خالع المريض زوجته، فلا معترض عليه، ولا مؤاخذة بمقدار بدل الخلع، فإنه لو طلق مجانًا، جاز فإذا طلّق بمالٍ ثبتَ وإن قلّ. وهذا كما ذكرناه في مخالعة السفيه زوجته، والزوجات لا يتعلق بهن حقوق الورثة، كأمهات الأولاد.
وقد ذكرنا طرفًا من الكلام فيه إذا أعار المريضُ نفسَه، وخدم غيره، وأوضحنا كلام الأصحاب في أن بذل منافعه هل يحسب من الثلث، أم يقال: لا يحتسب؛ فإن
_________________
(١) (ت ٦): فصل.
(٢) ر. المختصر: ٤/ ٦٦.
(٣) ما بين المعقفين زيادة من (ت ٦).
(٤) في الأصل: فإن.
(٥) (ت ٦): التلف.
[ ١٣ / ٤٩٢ ]
منافع بدنه لا تبقى لورثته؟ وقد ذكرنا هذا ونظائره في كتاب الوصايا.
٨٩١٢ - فأما المرأة إذا نكحت في مرض الموت، نظر: فإن نكحت بمهر المثل أو أكثر، فذاك. وإن نكحت بأقلَّ من مهر المثل، فإن كان الزوج حرًا يرثها، انعقد [العقد] (١)، وثبت مهر المثل، ولا وصية لوارث (٢).
وإن كان الزوج عبدًا فالمسامحة مع السيد، وظاهر المذهب أن ما حابت به وصيةٌ محسوبةٌ من الثلث.
ومن أصحابنا من قال: ليس بوصية؛ فإن منافع بضعها لا تبقى لورثتها، وإنما الشرع فيما يبقى للورثة لولا التبرع.
٨٩١٣ - وإن اختلعت المرأة في مرض الموت نفسَها من زوجها بمهر المثل، أو أقل، لم يحتسب من [ثُلثها] (٣) وقال أبو حنيفة (٤): يحتسب، وهذا بناه على أصله في أن البضع لا يتقوّم عند الخروج من النكاح. وإن كان قد تقوّم عند الدخول في النكاح.
وأما المكاتبة إذا اختلعت أو المكاتب إذا نكح، فينبغي ألا تُتلقّى هذه التصرفات من تصرفات المريض؛ فإن لها مأخذًا سيأتي موضحًا في كتاب الكتابة، إن شاء الله ﷿.
وإن اختلعت نفسها بأكبر من مهر المثل، فالزيادةُ وصية (٥).
_________________
(١) زيادة من (ت ٦).
(٢) ولا وصية لوارث: المعنى أنه لا تحسب المحاباة لزوجها الحر الذي يرثها من الثلث، فإنه لا تجوز له الوصية. على حين لو كان الزوج عبدًا، وقبلت نكاحه بأقل من مهر المثل، فالمحاباة في هذه الحالة للسيد، فتحسب من الثلث، حيث تجوز له الوصية لأنه غير وارث، كما هو واضح من العبارة الآتية.
(٣) في الأصل: ثمنها.
(٤) ر. المبسوط: ٦/ ١٩٢، مختصر اختلاف العلماء: ٢/ ٤٧٠ مسألة: ٩٩٢.
(٥) لأنها محاباةٌ بغير عوض، فعوض الخلع هنا هو مهر المثل.
[ ١٣ / ٤٩٣ ]
فصل قال:
"ولو كان خالعها بعبد يساوي مائةً ومهر مثلها خمسون إلى آخره" (١).
٨٩١٤ - صورة المسألة عرية عن مقصود الفقه، ولكن في لفظها وفتوى الشافعي فيها تعقيد، والغرض التنبيه عليه، ووجه الجواب عنه.
والصورةُ مريضةٌ اختلعت نفسها على عبدٍ يساوي مائة، وهو جميع مالها، ومهر مثلها خمسون، فالخلع يثبت، وقدر مهر المثل يثبت لا محالة، والزائد عليه وصية، فينفذ ما يسعه الثلث، وهو سدس العبد، فيسلم للزوج ثلثاه: النصفُ بحكم الاستحقاق، والسدس بحكم التبرع، فإن السدس ثلث الباقي. غير أن الزوج بالخيار من جهة التبعّض (٢). ثم إذا فسخ، فالرجوع إلى مهر المثل أو إلى القيمة.
هذا جواب المسألة. غير أن المزني نقل في جواب المسألة: " أن الزوج بالخيار إن شاء أخذ نصف العبد ونصف مهر مثلها، وإن شاء، رده ورجع بمهر مثلها "، وأخذ يعترض ويقول: "لا بل يستحق نصف العبد، لأنه [قدر] (٣) مهر المثل، ويستحق من الباقي ما يحمله الثلث " (٤).
قال أصحابنا: ما ذكره المزني صحيح. ثم منهم من غلطه في النقل، وقال: إنما قال الشافعي: الزوج بالخيار إن شاء أخذ ما يخصه من العبد، وإن شاء رده ورجع بمهر المثل، ولم يقل ونصف مهر المثل.
وهذه المسألة لا تُلفى منصوصة على الوجه الذي نقله المزني في شيء من كتب الشافعي. وقال بعض أصحابنا: لفظ الشافعي أن الزوج بالخيار إن شاء أخذ نصف
_________________
(١) ر. المختصر: ٤/ ٦٦.
(٢) المعنى أن الزوج إذا لم يسلم له العبد كاملًا، وتبعّض بينه وبين الورثة، كان هذا عيبًا موجبًا للخيار، فإن فسخ ولم يرض بالاشتراك في ملك العبد، فله مهر مثلها أو القيمة.
(٣) زيادة من (ت ٦).
(٤) ر. المختصر: ٦٧.
[ ١٣ / ٤٩٤ ]
العبد، ونصفُه (١) مهر المثل، فحذف المزني الهاء، وقال: إن شاء أخذ نصف العبد، ونصفٌ (٢) مهر مثلها، فنوَّن النصفَ، وحذف المزني التنوين.
ومن أصحابنا من حمل ما نقله المزني على ما إذا أصدقها عبدًا يساوي مائة درهم، ثم خالعها عليه قبل الدخول، فعاد النصف إليه بحكم الطلاق قبل الدخول، فله الخيار بين أن يأخذ النصف [الباقي مع نصف مهر المثل، لأجل النصف] (٣) المستحَق له بالطلاق، وبين أن يرده ويرجع بمهر المثل. وهذا منتظم، ولكن لا فائدة في قوله: ومهر مثلها خمسون. فهذا منتهى القول في ذلك والله أعلم.
_________________
(١) (ت ٦): ونصف.
(٢) (ت ٦): ونصفه.
(٣) ما بين المعقفين زيادة من: (ت ٦).
[ ١٣ / ٤٩٥ ]